Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:128–135
2:128Page 20
رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٨
Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites [of worship] and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of Repentance, the Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٨ ] ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾
"رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ" مُخْلِصَيْنِ لَكَ أوْجُهَنا. مِن قَوْلِهِ: أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ. أوْ مُسْتَسْلِمَيْنِ، يُقالُ: أسْلَمَ لَهُ وسَلَّمَ، واسْتَسْلَمَ، إذا خَضَعَ وأذْعَنَ. والمَعْنى: زِدْنا إخْلاصًا أوْ إذْعانًا لَكَ "ومِن ذُرِّيَّتِنا" واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِنا "أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ" و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلتَّبْيِينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٥] وإنَّما خَصّا الذُّرِّيَّةَ بِالدُّعاءِ، لِأنَّهم أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ، ولِأنَّهم إذا صَلَحُوا صَلَحَ بِهِمُ الأتْباعُ "وأرِنا مَناسِكَنا" أيْ عَرِّفْنا مُتَعَبَّداتِنا، جَمْعُ مَنسَكٍ بِفَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها، وهو المُتَعَبَّدُ، وشِرْعَةُ العِبادَةِ. يَقَعُ عَلى المَصْدَرِ والزَّمانِ والمَكانِ، مِنَ النُّسُكِ مُثَلَّثَةٌ وبِضَمَّتَيْنِ وهو العِبادَةُ والطّاعَةُ، وكُلُّ ما تُقُرِّبَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى.
ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَ المَناسِكَ عَلى مَناسِكِ الحَجِّ لِشُيُوعِها في أعْمالِهِ ومَواضِعِهِ. فالإراءَةُ حِينَئِذٍ لِتَعْرِيفِ تِلْكَ الأعْمالِ والبِقاعِ، وقَدْ رُوِيَتْ آثارٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ تَتَضَمَّنُ أنَّ (p-٢٥٧)جِبْرِيلَ أرى إبْراهِيمَ المَناسِكَ وأنَّ الشَّيْطانَ تَعَرَّضَ لَهُ، فَرَماهُ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالُوا: وفي ذَلِكَ ظُهُورٌ لِشَرَفِ عَمَلِ الحَجِّ، حَيْثُ كانَ مُتَلَقًّى عَنِ اللَّهِ بِلا واسِطَةٍ، لِكَوْنِهِ عَلَمًا عَلى آتِي يَوْمِ الدِّينِ، حَيْثُ لا واسِطَةَ هُناكَ بَيْنَ الرَّبِّ والعِبادِ. والَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا مِن حَمْلِ المَناسِكِ عَلى ما يَرْجِعُ إلَيْهِ أصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنَ العِبادَةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، واللُّزُومِ لِما يُرْضِيهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ عامًّا لِكُلِّ ما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. أيْ عَلِّمْنا كَيْفَ نَعْبُدُكَ وأيْنَ نَعْبُدُكَ، وبِماذا نَتَقَرَّبُ إلَيْكَ، حَتّى نَخْدِمَكَ كَما يَخْدِمُ العَبْدُ مَوْلاهُ ؟ ﴿وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ هَذا الدُّعاءُ اسْتِتابَةَ لِما فَرَطَ مِنَ التَّقْصِيرِ. فَإنَّ العَبْدَ، وإنِ اجْتَهَدَ في طاعَةِ رَبِّهِ، فَإنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنِ التَّقْصِيرِ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، إمّا عَلى سَبِيلِ السَّهْوِ والنِّسْيانِ، أوْ عَلى سَبِيلِ تَرْكِ الأوْلى، فالدُّعاءُ مِنهُما، عَلَيْهِما السَّلامُ، لِأجْلِ ذَلِكَ.
2:129Page 20
رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٢٩
Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might,1 the Wise."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٢٩ ] ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ هَذا إخْبارٌ عَنْ تَمامِ دَعْوَةِ إبْراهِيمَ لِأهْلِ الحَرَمِ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم، أيْ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وهُمُ العَرَبُ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ. وقَدْ أجابَ اللَّهُ تَعالى لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ، فَبَعَثَ في ذُرِّيَّتِهِ رَسُولًا مِنهم، وهو مُحَمَّدٌ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، إلى النّاسِ كافَّةً، وقَدْ أخْبَرَ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ، ومُرادُهُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ؛ وذَلِكَ فِيما خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنِّي، عِنْدَ اللَّهِ، لَخاتَمُ النَّبِيِّينَ، وإنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ، (p-٢٥٨)وسَأُنْبِئُكم بِأوَّلِ ذَلِكَ: أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبِشارَةُ عِيسى بِي، ورُؤْيا أُمِّيَ الَّتِي رَأتْ، وكَذَلِكَ أُمَّهاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ»» . وأخْرَجَ أيْضًا نَحْوَهُ عَنْ أبِي أُمامَةَ، قالَ: «قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ ! ما كانَ أوَّلُ بَدْءِ أمْرِكَ ؟ قالَ: «دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبُشْرى عِيسى بِي، ورَأتْ أُمِّي أنَّهُ يَخْرُجُ مِنها نُورٌ أضاءَتْ مِنها قُصُورُ الشّامِ»» .
والمُرادُ أنَّ أوَّلَ مَن نَوَّهَ بِذِكْرِهِ وشَهَرَهُ في النّاسِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَزَلْ ذِكْرُهُ في النّاسِ مَشْهُورًا حَتّى أفْصَحَ بِاسْمِهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِما السَّلامُ، حَيْثُ قالَ: ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ في الحَدِيثِ: ««دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبُشْرى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ»» . وقَوْلُهُ فِيهِ ««ورَأتْ أُمِّي أنَّهُ خَرَجَ مِنها نُورٌ أضاءَتْ مِنها قُصُورُ الشّامِ»» . قِيلَ: كانَ مِنها ما رَأتْهُ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ، وقَصَّتْهُ عَلى قَوْمِها، فَشاعَ فِيهِمْ واشْتُهِرَ بَيْنَهم، وكانَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً وإرْهاصًا. وتَخْصِيصُ الشّامِ بِظُهُورِ نُورِهِ إشارَةٌ إلى اسْتِقْرارِ دِينِهِ ونُبُوَّتِهِ بِبِلادِ الشّامِ، ولِهَذا يَكُونُ الشّامُ في آخِرِ الزَّمانِ مَعْقِلًا لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ، وبِها يَنْزِلُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ -إذا نَزَلَ بِدِمَشْقَ- بِالمَنارَةِ الشَّرْقِيَّةِ البَيْضاءِ مِنها.
ولِهَذا جاءَ في الصَّحِيحَيْنِ: ««لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي ظاهِرِينَ عَلى الحَقِّ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم، حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ، وهم كَذَلِكَ» وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ «وهم بِالشّامِ»» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ هي إمّا الفُرْقانُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى (p-٢٥٩)النَّبِيِّ ﷺ، المَتْلُوُّ عَلَيْهِمْ، وإمّا الأعْلامُ الدّالَّةُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ تَعالى. ومَعْنى تِلاوَتِهِ إيّاها عَلَيْهِمْ أنَّهُ كانَ يُذَكِّرُهم بِها، ويَدْعُوهم إلَيْها، ويَحْمِلُهم عَلى الإيمانِ بِها. وقَوْلُهُ تَعالى "ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ" أيِ الكامِلَ الشّامِلَ لِكُلِّ كِتابٍ وهو القُرْآنُ و"الحِكْمَةَ" هي السُّنَّةُ، فَسَّرَها بِها كَثِيرُونَ. وعَنْ مالِكٍ: هي مَعْرِفَةُ الدِّينِ، والفِقْهِ فِيهِ، والاتِّباعُ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى "ويُزَكِّيهِمْ" أيْ يُطَهِّرُهم مِنَ الشِّرْكِ، وسائِرِ الأرْجاسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
(p-٢٦٠)ولَمّا ذَكَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الدَّعَواتِ، خَتَمَها بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ والعَزِيزُ ذُو العِزَّةِ وهي القُوَّةُ، والشِّدَّةُ، والغَلَبَةُ، والرِّفْعَةُ، و"الحَكِيمُ" بِمَعْنى الحاكِمِ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي يَحْكُمُ الأشْياءَ ويُتْقِنُها، وكِلاهُما مِن أوْصافِهِ تَعالى.
قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ ما وجْهُ التَّرْتِيبِ في الآيَةِ ؟ قِيلَ: أمّا الآياتُ فَهي الآياتُ الدّالَّةُ عَلى مُعْجِزِ النَّبِيِّ ﷺ . وذَكَرَ التِّلاوَةَ لِما كانَ أعْظَمَ دَلالَةِ نُبُوَّتِهِ مُتَعَلِّقًا بِالقُرْآنِ. وأمّا التَّرْتِيبُ، فَلِأنَّ أوَّلَ مَنزِلَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ، الإتْيانُ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ، ثُمَّ بَعْدَهُ تَعْلِيمُهُمُ الكِتابَ، أيْ تَعْرِيفُهم حَقائِقَهُ لا ألْفاظَهُ فَقَطْ، ثُمَّ بِتَعْلِيمِهِمُ الكِتابَ يُوَصِّلُهم إلى إفادَةِ الحِكْمَةِ، وهي أشْرَفُ مَنزِلَةِ العِلْمِ، ولِهَذا قالَ: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] ثُمَّ بِالتَّدَرُّجِ في الحِكْمَةِ يَصِيرُ الإنْسانُ مُزَكًّى أيْ مُطَهَّرًا مُسْتَصْلِحًا لِمُجاوَرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. انْتَهى.
2:130Page 20
وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٣٠
And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٠ ] ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾
﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ هَذا إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِأنْ يَكُونَ في العُقَلاءِ مَن يَرْغَبُ عَنِ الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي هو مِلَّةُ إبْراهِيمَ، وهو ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ (p-٢٦١)ﷺ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمُعانِدِي أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، أيْ لا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ الواضِحَةِ الغَرّاءِ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، أيْ: حَمَلَها عَلى السَّفَهِ وهو الجَهْلُ.
قالَ الرّاغِبُ: وسَفِهَ نَفْسَهُ أبْلَغُ مِن جَهِلَها، وذاكَ أنَّ الجَهْلَ ضَرْبانِ: جَهْلٌ بَسِيطٌ، وهو أنْ لا يَكُونَ لِلْإنْسانِ اعْتِقادٌ في الشَّيْءِ. وجَهْلٌ مُرَكَّبٌ وهو أنْ يَعْتَقِدَ في الحَقِّ أنَّهُ باطِلٌ، وفي الباطِلِ أنَّهُ حَقٌّ. والسَّفَهُ أنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ ويَتَحَرّى بِالفِعْلِ مُقْتَضى ما اعْتَقَدَهُ. فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن رَغِبَ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَإنَّ ذَلِكَ لِسَفَهِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ أعْظَمُ مَذَمَّةً، فَهو مَبْدَأُ كُلِّ نَقِيضَةٍ، وذاكَ أنَّ مَن جَهِلَ نَفْسَهُ، جَهِلَ أنَّهُ مَصْنُوعٌ، وإذا جَهِلَ كَوْنَهُ مَصْنُوعًا جَهِلَ صانِعَهُ، وإذا لَمْ يُعْلَمْ أنَّ لَهُ صانِعًا، فَكَيْفَ يَعْرِفُ أمْرَهُ ونَهْيَهُ، وما حَسَّنَهُ وقَبَّحَهُ ؟ ولِكَوْنِ مَعْرِفَتِها ذَرِيعَةً إلى مَعْرِفَةِ الخالِقِ جَلَّ ثَناؤُهُ، قالَ: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وقالَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾ أيِ اخْتَرْناهُ مِن بَيْنِ سائِرِ الخَلْقِ بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ والإمامَةِ، وتَكْثِيرِ الأنْبِياءِ مِن نَسْلِهِ، وإعْطاءِ الخُلَّةِ، وإظْهارِ المَناسِكِ عَلَيْهِ، وجَعْلِ بَيْتِهِ آمِنًا، ذا آياتٍ بَيِّناتٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ الَّذِينَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى، وفي هَذا أكْبَرُ تَفْخِيمٍ لِرُتْبَةِ الصَّلاحِ، حَيْثُ جَعَلَهُ مِنَ المُتَّصِفِينَ بِها، فَهو حَقِيقٌ بِالإمامَةِ، لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في الدّارَيْنِ، فَفي ذَلِكَ أعْظَمُ تَرْغِيبٍ قِي اتِّباعِ دِينِهِ، والِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ. وأشَدُّ ذَمٍّ لِمَن خالَفَهُ.
قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ كَيْفَ وصَفَهُ بِالِاصْطِفاءِ في الدُّنْيا، وبِالصَّلاحِ في الآخِرَةِ، والنَّظَرِ يَقْتَضِي عَكْسَ ذَلِكَ. فَإنَّ الصَّلاحَ وصْفٌ يَرْجِعُ إلى الفِعْلِ، وذَلِكَ يَكُونُ في الدُّنْيا، والِاصْطِفاءُ (p-٢٦٢)حالٌ يَسْتَحِقُّهُ العَبْدُ بِكَوْنِهِ صالِحًا، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ ؟
قِيلَ: الِاصْطِفاءُ ضَرْبانِ، أحَدُهُما كَما قُلْتُ، والآخَرُ في الدُّنْيا، وهو اخْتِصاصُ اللَّهِ بَعْضَ العَبِيدِ بِوِلايَتِهِ ونُبُوَّتِهِ بِخُصُوصِيَّةٍ فِيهِ، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَباهُ﴾ [النحل: ١٢١] والصَّلاحُ وإنِ اعْتُبِرَ بِأحْوالِ الدُّنْيا، فَمُجازًى بِهِ في الآخِرَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مُجْتَبًى في الدُّنْيا لِما عَلِمَ اللَّهُ مِن حِكْمَتِهِ فِيهِ، ومَحْكُومٌ لَهُ في الآخِرَةِ، بِصَلاحِهِ في الدُّنْيا، تَنْبِيهًا أنَّ الثَّوابَ في الآخِرَةِ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ بِاصْطِفائِهِ في الدُّنْيا، وإنَّما اسْتَحَقَّهُ بِصَلاحِهِ فِيها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ "فِي الآخِرَةِ" أيْ في أفْعالِ الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ. ويَجُوزُ أنَّهُ عَنى بِقَوْلِهِ "فِي الدُّنْيا" حالَ بَقائِهِ، و"فِي الآخِرَةِ" أيْ حالَ وفاتِهِ، ويَكُونُ الإشارَةُ بِصَلاحِهِ إلى الثَّناءِ الحَسَنِ عَلَيْهِ، الَّذِي رَغِبَ إلى اللَّهِ تَعالى فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] ويَجُوزُ أنَّهُ لَمّا كانَ النّاسُ ثَلاثَةَ أضْرُبٍ: ظالِمٍ، ومُقْتَصِدٍ، وسابِقٍ، عَبَّرَ عَنِ السّابِقِ بِالصّالِحِ، فَكُلُّ سابِقٍ إلى طاعَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ صالِحٌ. انْتَهى.
وكُلُّ ذَلِكَ تَذْكِيرٌ لِأهْلِ الكِتابِ بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِأمْرِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ، وإقامَةٌ لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ أكْثَرَ ذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى "اذْكُرُوا" في قَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٢]
(p-٢٦٣)ولَمّا ذَكَرَ إمامَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ذَكَرَ ما يُؤْتَمُّ بِهِ فِيهِ، وهو سَبَبُ اصْطِفائِهِ وصَلاحِهِ، وذَلِكَ دِينُهُ، وما أوْصى بِهِ بَنِيهِ، وما أوْصى بِهِ بَنُوهُ بَنِيهِمْ سَلَفًا عَنْ خَلَفٍ، ولا سِيَّما يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ المُنَوَّهُ بِنِسْبَةِ أهْلِ الكِتابِ إلَيْهِ فَقالَ:
2:131Page 20
إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٣١
When his Lord said to him, "Submit," he said, "I have submitted [in Islām]1 to the Lord of the worlds."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣١ ] ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾
"إذْ" أيِ اصْطَفَيْناهُ لِأنَّهُ "قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ" أيْ لِرَبِّكَ، أيِ انْقَدْ لَهُ، وأخْلِصْ نَفْسَكَ لَهُ، أوِ اسْتَقِمْ عَلى الإسْلامِ، واثْبُتْ عَلى التَّوْحِيدِ "قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ" وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ القَوْلَ حَقِيقِيٌّ، ولَيْسَ في ذَلِكَ مانِعٌ، ولا ما جاءَ ما يُوجِبُ تَأْوِيلَهُ. وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: هو تَمْثِيلٌ، والمَعْنى: أخَطَرَ بِبالِهِ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ المُؤَدِّيَةُ إلى المَعْرِفَةِ الدّاعِيَةِ إلى الإسْلامِ- لَيْسَ بِشَيْءٍ. ولا مَعْنى لِحَمْلِ شَيْءٍ مِنَ الكَلامِ عَلى المَجازِ، إذا أمْكَنَتْ فِيهِ الحَقِيقَةُ بِوَجْهٍ ما.
2:132Page 20
وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٣٢
And Abraham instructed his sons [to do the same] and [so did] Jacob, [saying], "O my sons, indeed Allāh has chosen for you this religion, so do not die except while you are Muslims."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٢ ] ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
"ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ" شُرُوعٌ في بَيانِ تَكْمِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِغَيْرِهِ، إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ في نَفْسِهِ. والتَّوْصِيَةُ التَّقَدُّمُ إلى الغَيْرِ في الشَّيْءِ النّافِعِ المَحْمُودِ عاقِبَتُهُ، والضَّمِيرُ في "بِها" إمّا عائِدٌ لِقَوْلِهِ "أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ" عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ والجُمْلَةِ. ونَحْوَهُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ [الزخرف: ٢٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] (p-٢٦٤)﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٧] وقَوْلُهُ "كَلِمَةً" دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّأْنِيثَ عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ. وإمّا عائِدٌ إلى المِلَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وأُيِّدَ الأوَّلُ بِكَوْنِ المُوصى بِهِ مُطابِقًا في اللَّفْظِ لِأسْلَمْتُ، وقُرْبُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. ورَجَّحَ القاضِي الثّانِيَ لِكَوْنِ المَرْجِعِ مَذْكُورًا صَرِيحًا، ورَدُّ الإضْمارِ إلى المُصَرَّحِ بِذِكْرِهِ، إذا أمْكَنَ، أوْلى مِن رَدِّهِ إلى المَدْلُولِ والمَفْهُومِ. ولِكَوْنِ المِلَّةِ أجْمَعَ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ. والكُلُّ حَسَنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى "بَنِيهِ" تُفِيدُ صِيغَةَ الجَمْعِ أنَّ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الوَلَدِ غَيْرَ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ. وقَرَأْتُ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَزَوَّجَ، بَعْدَ وفاةِ سارَّةَ أُمِّ إسْحاقَ، امْرَأةً أُخْرى اسْمُها قَطُورَةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ: زِمْرانَ ويَقْشانَ ومَدانَ ومِدْيانَ ويِشْباقَ وشُوحًا، فَعَلى هَذا تَكُونُ بَنُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَمانِيَةً "ويَعْقُوبُ" مَعْطُوفٌ عَلى إبْراهِيمَ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ووَصّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ. لِأنَّ يَعْقُوبَ أوْصى بَنِيهِ أيْضًا كَما أوْصى إبْراهِيمُ بَنِيهِ. ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣] كَما سَيَأْتِي. وقُرِئَ "ويَعْقُوبَ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى بَنِيهِ، ومَعْناهُ: ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ، ونافِلَتَهُ يَعْقُوبَ. وقَدْ وُلِدَ يَعْقُوبُ في حَياةِ جَدِّهِ إبْراهِيمَ، وأدْرَكَ مِن حَياتِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، كَما يُسْتَفادُ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ، فَإنَّ فِيها أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ (p-٢٦٥)وهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وماتَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وخَمْسٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وكانَ لِإسْحاقَ، حِينَ وُلِدَ لَهُ يَعْقُوبُ وعِيسُو، سِتُّونَ سَنَةً، فاسْتُفِيدَ مِن ذَلِكَ ما ذَكَرْناهُ. ولِوُجُودِ يَعْقُوبَ في حَياةِ جَدِّهِ يُفْهَمُ سِرُّ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤] وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] "يا بَنِيَّ" أيْ قالَ كُلٌّ مِن إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ، عَلى القِراءَةِ الأُولى. وعَلى الثّانِيَةِ: قالَ إبْراهِيمُ: ﴿يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أعْطاكُمُ الدِّينَ الَّذِي هو صَفْوَةُ الأدْيانِ، وهو دِينُ الإسْلامِ، الَّذِي لا دِينَ غَيْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى "فَلا" أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنِّي أقُولُ لَكم: لا "تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ" وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ إيجازٌ بَلِيغٌ. والمُرادُ: الزَمُوا الإسْلامَ، ولا تُفارِقُوهُ حَتّى تَمُوتُوا. وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ لا تَمُوتُوا عَلى حالَةٍ إلّا عَلى حالِ كَوْنِكم ثابِتِينَ عَلى الإسْلامِ. فالنَّهْيُ في الحَقِيقَةِ عَنْ كَوْنِهِمْ عَلى خِلافِ حالِ الإسْلامِ إذا ماتُوا، لِأنَّهُ هو المَقْدُورُ. فَلا يُقالُ: صِيغَةُ النَّهْيِ مَوْضُوعَةٌ لِطَلَبِ الكَفِّ عَمّا هو مَدْلُولُها، فَيَكُونُ المَفْهُومُ مِنهُ النَّهْيَ عَنِ المَوْتِ عَلى خِلافِ حالِ الإسْلامِ، وذا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ. وإنَّما المَقْدُورُ فِيهِ هو الكَوْنُ عَلى خِلافِ حالِ الإسْلامِ، فَيَعُودُ النَّهْيُ إلَيْهِ، ويَكُونُ المَقْصُودُ النَّهْيَ عَنْ الِاتِّصافِ بِخِلافِ (p-٢٦٦)حالِ الإسْلامِ وقْتَ المَوْتِ، لِما أنَّ الِامْتِناعَ عَنْ الِاتِّصافِ بِتِلْكَ الحالِ يَتْبَعُ الِامْتِناعَ عَنِ المَوْتِ في تِلْكَ الحالِ. فَإمّا أنْ يُقالَ: اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ المَوْضُوعُ لِلْأوَّلِ في الثّانِي، فَيَكُونُ مَجازًا. أوْ يُقالُ: اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ في مَعْناهُ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى مَلْزُومِهِ، فَيَكُونُ كِنايَةً.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُكَ: لا تُصَلِّ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، فَلا تَنْهاهُ عَنِ الصَّلاةِ، ولَكِنْ عَنْ تَرْكِ الخُشُوعِ في حالِ صَلاتِهِ، والنُّكْتَةُ في إدْخالِ حَرْفِ النَّهْيِ عَمّا لَيْسَ بِمَنهِيٍّ عَنْهُ، هو إظْهارُ أنَّ مَوْتَهم لا عَلى حالِ الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ، مَوْتٌ لا خَيْرَ فِيهِ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَوْتِ السُّعَداءِ، وأنَّ مِن حَقِّ هَذا المَوْتِ أنْ لا يَحِلَّ فِيهِمْ. كَما تَقُولُ في الأمْرِ: مُتْ وأنْتَ شَهِيدٌ، فَلَيْسَ مُرادُكَ الأمْرَ بِالمَوْتِ، ولَكِنْ بِالكَوْنِ عَلى صِفَةِ الشُّهَداءِ إذا ماتَ. وإنَّما أمَرْتَهُ بِالمَوْتِ اعْتِدادًا مِنكَ بِمِيتَتِهِ، وإظْهارًا لِفَضْلِها عَلى غَيْرِها، وإنَّها حَقِيقَةٌ بِأنْ يُحَثَّ عَلَيْها. هَذا. وقَدْ قَرَّرَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الآياتِ بُطْلانَ ما عَلَيْهِ المُتَعَنِّتُونَ مِنَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وبَرَّأ خَلِيلَهُ والأنْبِياءَ مِن ذَلِكَ. ولَمّا حَكى عَنْإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ بالَغَ في وصِيَّةِ بَنِيهِ بِالدِّينِ والإسْلامِ، ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنَّ يَعْقُوبَ وصّى بَنِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى ومُبالَغَةً في البَيانِ بِقَوْلِهِ:
2:133Page 20
أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٣
Or were you witnesses when death approached Jacob, when he said to his sons, "What will you worship after me?" They said, "We will worship your God and the God of your fathers, Abraham and Ishmael and Isaac - one God.1 And we are Muslims [in submission] to Him."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٣ ] ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ أيْ ما كُنْتُمْ حاضِرِينَ حِينَئِذٍ، فَـ "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِـ "بَلْ"، والهَمْزَةِ، وفي الهَمْزَةِ الإنْكارُ المُفِيدُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ. والشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ أوْ شاهِدٍ بِمَعْنى الحاضِرِ، وحُضُورُ المَوْتِ حُضُورُ مُقَدِّماتِهِ "إذْ قالَ" أيْ يَعْقُوبُ (p-٢٦٧)"لِبَنِيهِ" وهم: رَأُوبَيْنُ، وشِمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ويَسّاكَرُ، وزَبُولُونُ، ويُوسُفُ، وبَنْيامِينُ، ودانُ، ونَفْتالِي، وجادُ، وأشِيرُ، وهُمُ الأسْباطُ الآتِي ذِكْرُهم "ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي" أيْ أيَّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَهُ بَعْدَ مَوْتِي، وأرادَ بِسُؤالِهِ تَقْرِيرَهم عَلى التَّوْحِيدِ والإسْلامِ، وأخَذَ مِيثاقَهم عَلى الثَّباتِ عَلَيْهِما: ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِآبائِكَ، وجَعَلَ إسْماعِيلَ وهو عَمُّهُ مِن جُمْلَةِ آبائِهِ. لِأنَّ العَمَّ أبٌ والخالَةَ أُمٌّ، لِانْخِراطِهِما في سِلْكٍ واحِدٍ، وهو الأُخُوَّةُ، لا تَفاوُتَ بَيْنَهُما، ومِنهُ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، رَفَعَهُ ««عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبِيهِ»» أيْ لا تَفاوُتَ بَيْنَهُما، كَما لا تَفاوُتَ بَيْنَ صِنْوَيِ النَّخْلَةِ. وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ البَراءِ، رَفَعَهُ: ««الخالَةُ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ»»؛ ورَوى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مُرْسَلًا: ««الخالَةُ والِدَةٌ»» .
(p-٢٦٨)"إلَهًا واحِدًا" بَدَلٌ مِن إلَهِ آبائِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالنّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، أيْ نُرِيدُ بِإلَهِ آبائِكَ إلَهًا واحِدًا، وفي ذَلِكَ تَحْقِيقٌ لِلْبَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ، لِلتَّصْرِيحِ بِالتَّوْحِيدِ. ثُمَّ أخْبَرُوا بَعْدَ تَوْحِيدِهِمْ بِإخْلاصِهِمْ في عِبادَتِهِمْ، بِقَوْلِهِمْ "ونَحْنُ لَهُ" أيْ وحْدَهُ لا لِأبٍ ولا غَيْرِهِ "مُسْلِمُونَ" أيْ مُطِيعُونَ خاضِعُونَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] والإسْلامُ هو مِلَّةُ الأنْبِياءِ قاطِبَةً، وإنْ تَنَوَّعَتْ شَرائِعُهم، واخْتَلَفَتْ مَناهِجُهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] والآياتُ في هَذا كَثِيرَةٌ، والأحادِيثُ. ومِنها قَوْلُهُ ﷺ: ««نَحْنُ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ أوْلادُ عِلّاتٍ، دِينُنا واحِدٌ»» وقَدِ اشْتَمَلَ نَبَأُ وصِيَّةِ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَّلامُ لِبَنِيهِما عَلى دَقائِقَ مُرَغِّبَةٍ في الدِّينِ. مِنها أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: «وأمَرَ إبْراهِيمُ بَنِيهِ» بَلْ قالَ "وصّاهُمْ" . ولَفْظُ الوَصِيَّةِ أوْكَدُ مِنَ الأمْرِ، لِأنَّ الوَصِيَّةَ عِنْدَ الخَوْفِ مِنَ المَوْتِ، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ يَكُونُ احْتِياطُ الإنْسانِ لِدِينِهِ أشَدَّ وأتَمَّ، فَدَلَّ عَلى الِاهْتِمامِ بِالوَصِيِّ بِهِ، والتَّمَسُّكِ بِهِ.
ومِنها تَخْصِيصُ بَنِيهِما بِذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ شَفَقَةَ الرَّجُلِ عَلى أبْنائِهِ أكْثَرُ مِن شَفَقَتِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، فَلَمّا خَصّاهم بِذَلِكَ في آخِرِ عُمْرِهِما عَلِمْنا أنَّ اهْتِمامَهُما (p-٢٦٩)بِذَلِكَ كانَ أشَدَّ مِنِ اهْتِمامِهِما بِغَيْرِهِ.
ومِنها أنَّهُما، عَلَيْهِما السَّلامُ، ما مَزَجا بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ وصِيَّةً أُخْرى، وهَذا يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ أيْضًا. إلى دَقائِقَ أُخْرى أشارَ إلَيْها الفَخْرُ، عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.
2:134Page 20
تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٤
That was a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٤ ] ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
"تِلْكَ" إشارَةٌ إلى إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِما المُوَحِّدِينَ "أُمَّةٌ" أيْ: جِيلٌ وجَماعَةٌ "قَدْ خَلَتْ" أيْ: سَلَفَتْ ومَضَتْ "لَها ما كَسَبَتْ" في إسْلامِها مِن الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ والأخْلاقِ "ولَكم ما كَسَبْتُمْ" أيْ مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الهَوى خاصٌّ بِكم، لا يُسْألُونَ هم عَنْ أعْمالِكم "ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ" والمَعْنى أنَّ أحَدًا لا يَنْفَعُهُ كَسْبُ غَيْرِهِ مُتَقَدِّمًا كانَ أوْ مُتَأخِّرًا. فَكَما أنَّ أُولَئِكَ لا يَنْفَعُهم إلّا ما اكْتَسَبُوا، فَكَذَلِكَ أنْتُمْ لا يَنْفَعُكم إلّا ما اكْتَسَبْتُمْ. فَما اقْتُصَّ عَلَيْكم أخْبارُهم، وما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ والدَّعْوَةِ إلَيْهِ، إلّا لِتَفْعَلُوا ما فَعَلُوهُ، فَتَنْتَفِعُوا. وإنْ أبَيْتُمْ، لَمْ تَنْتَفِعُوا بِأعْمالِهِمْ.
قالَ الرّازِيُّ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ، لِأنَّ قَوْلَهُ "لَها ما كَسَبَتْ" يَدُلُّ عَلى أنَّ كَسْبَ كُلِّ أحَدٍ يَخْتَصُّ بِهِ، ولا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ، ولَوْ كانَ التَّقْلِيدُ جائِزًا، لَكانَ كَسْبُ المَتْبُوعِ نافِعًا لِلتّابِعِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنِّي ما ذَكَرْتُ حِكايَةَ أحْوالِهِمْ طَلَبًا مِنكم أنْ تُقَلِّدُوهم، ولَكِنْ لِتَنَبَّهُوا عَلى ما يَلْزَمُكم، فَتَسْتَدِلُّوا وتَعْلَمُوا أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المِلَّةِ هو الحَقُّ. انْتَهى.
ومَعْلُومٌ أنَّ اتِّباعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والإيمانَ بِهِمْ، لا يُسَمّى تَقْلِيدًا، لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّهِ المُقَرَّرِ في كُتُبِ الأُصُولِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُمُ اعْتاضُوا عَنْ الِاهْتِداءِ بِالأصْفِياءِ مِن أسْلافِهِمْ، بِأنْ صارُوا دُعاةً إلى الكُفْرِ، مَعَ بَيانِ بُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِن كُلِّ وجْهٍ بِقَوْلِهِ:
2:135Page 21
وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٣٥
They say, "Be Jews or Christians [so] you will be guided." Say, "Rather, [we follow] the religion of Abraham, inclining toward truth, and he was not of the polytheists."1
(p-٢٧٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٣٥ ] ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾
"وقالُوا" أيِ الفَرِيقانِ مِن أهْلِ الكِتابِ "كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ" نَتَّبِعُ "مِلَّةَ إبْراهِيمَ" ونَسْتَنُّ بِسُنَّتِهِ لا نُحَوَّلُ عَنْها كَما تَحَوَّلْتُمْ "حَنِيفًا" أيْ مُسْتَقِيمًا أوْ مائِلًا عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ، لِأنَّ الحَنَفَ، مُحَرَّكَةً، يُطْلَقُ عَلى الِاسْتِقامَةِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمائِلِ الرِّجْلِ أحْنَفُ، تَفاؤُلًا بِالِاسْتِقامَةِ كَما قالُوا لِلَّدِيغِ: سَلِيمٌ. ولِلْمُهْلِكَةِ: مَفازَةٌ. ويُطْلَقُ عَلى مَيْلٍ في صَدْرِ القَدَمِ، واعْوِجاجٍ في الرِّجْلِ، فالحَنِيفُ المُسْتَقِيمُ عَلى إسْلامِهِ لِلَّهِ تَعالى، المائِلُ عَنِ الشِّرْكِ إلى دِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
ولَمّا أثْبَتَ إسْلامَهُ بِالحَنِيفِيَّةِ نَفى عَنْهُ غَيْرَهُ بِقَوْلِهِ "وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ" وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ، وإيذانٌ بِبُطْلانِ دَعْواهُمُ اتِّباعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ إشْراكِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقَدْ أفادَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أنَّ ما عَلَيْهِ الفَرِيقانِ مَحْضُ ضَلالٍ وارْتِكابُ بُطْلانٍ، وأنَّ الدِّينَ المَرْضِيَّ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، وهو دَعْوَةُ الخَلْقِ إلى تَوْحِيدِهِ تَعالى، وعِبادَتِهِ وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ.
ولَمّا خالَفَ المُشْرِكُونَ هَذا الأصْلَ العَظِيمَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا خاتَمَ النَّبِيِّينَ لِدَعْوَةِ النّاسِ جَمِيعًا إلى هَذا الأصْلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences