Al-QasimiAl‑Baqarah · 2:143–151

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:143–151, continued

قَدْ حُكِيَ عَنِ العَرَبِ سَماعًا: أجُوعُ في غَيْرِ بَطْنِي، وأعْرى في غَيْرِ ظَهْرِي. بِمَعْنى جُوعِ أهْلِهِ وعِيالِهِ وعُرْيِ ظُهُورِهِمْ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ "إلّا لِنَعْلَمَ" بِمَعْنى: يَعْلَمُ أوْلِيائِي وحِزْبِي اهـ.

"وإنْ كانَتْ" أيِ التَّوْلِيَةُ إلَيْها أوِ الجَعْلَةُ أوِ التَّحْوِيلَةُ "لَكَبِيرَةً" أيْ ثَقِيلَةٌ شاقَّةٌ. لِأنَّ مُفارَقَةَ الإلْفِ، بَعْدَ طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ إلَيْهِ، أمْرٌ شاقٌّ جِدًّا ﴿إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ قُلُوبَهم، فَأيْقَنُوا بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ وأنَّ كُلَّ ما جاءَ بِهِ فَهو الحَقُّ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ. وأنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ. فَلَهُ أنْ يُكَلِّفَ عِبادَهُ بِما شاءَ ويَنْسَخَ ما يَشاءُ. ولَهُ الحِكْمَةُ التّامَّةُ والحُجَّةُ البالِغَةُ في جَمِيعِ ذَلِكَ، بِخِلافِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَإنَّهُ كُلَّما حَدَثَ أمْرٌ، أحْدَثَ لَهم شَكًّا. كَما يَحْصُلُ، لِلَّذِينِ آمَنُوا، إيقانٌ وتَصْدِيقٌ. كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا ما أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥] وقالَ تَعالى: ﴿ونُنَـزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ هَذا تَطْمِينٌ لِمَن صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ مِنَ المُسْلِمِينَ ومِن أهْلِ الكِتابِ قَبْلَ النَّسْخِ. (p-٢٩٩)وبَيانُ أنَّهم يُثابُونَ عَلى ذَلِكَ. وقَدْ رَوى البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي إسْحاقَ المُتَقَدِّمِ عَنِ البَراءِ: وكانَ الَّذِي ماتَ عَلى القِبْلَةِ، قَبْلَ أنْ تَحَوَّلَ قِبَلَ البَيْتِ، رِجالٌ قُتِلُوا، لَمْ نَدْرِ ما نَقُولُ فِيهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ أيْ صَلاتَكم. وإنَّما عَدَلَ إلى لَفْظِ الإيمانِ، الَّذِي هو عامٌّ في الصَّلاةِ وغَيْرِها، لِيُفِيدَهم أنَّهُ لَمْ يَضِعْ شَيْءٌ مِمّا عَمِلُوهُ، ثُمَّ يَصِحُّ عَنْهم، فَيَنْدَرِجُ المَسْؤُولُ عَنْهُ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، ويَكُونُ الحُكْمُ كُلِّيًّا. وذُكِرَ بِلَفْظِ الخِطابِ دُونَ الغائِبِ، لِيَتَناوَلَ الماضِينَ والباقِينَ، تَغْلِيبًا لِحُكْمِ المُخاطَبِ عَلى الغائِبِ في اللَّفْظِ، وفي تَتِمَّةِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى تَعْلِيلِ عَدَمِ الإضاعَةِ، بِما اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الرَّأْفَةِ المُنافِيَةِ لِما هَجَسَ في نُفُوسِهِمْ مِنَ الإضاعَةِ. ولِما انْطَوى ضَمِيرُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى إرادَةِ التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ، لِأنَّها قِبْلَةُ أبِيهِ إبْراهِيمَ ومَفْخَرَةُ العَرَبِ ومَزارُهم ومَطافُهم، ولِمُخالَفَةِ اليَهُودِ - أجابَهُ الحَقُّ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

2:144Page 22

قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٤٤

We have certainly seen the turning of your face, [O Muḥammad], toward the heaven, and We will surely turn you to a qiblah with which you will be pleased. So turn your face [i.e., yourself] toward al-Masjid al-Ḥarām.1 And wherever you [believers] are, turn your faces [i.e., yourselves] toward it [in prayer]. Indeed, those who have been given the Scripture [i.e., the Jews and the Christians] well know that it is the truth from their Lord. And Allāh is not unaware of what they do.

(p-٣٠٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٤ ] ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾

﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ أيْ تَرَدُّدَ وجْهِكَ وتَصَرُّفَ نَظَرِكَ في جِهَةِ السَّماءِ تَشَوُّفًا لِنُزُولِ الوَحْيِ بِالتَّحْوِيلِ.

قالُوا: وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى حُسْنِ أدَبِهِ حَيْثُ انْتَظَرَ ولَمْ يَسْألْ. وهَذا ألْطَفُ مِمّا قِيلَ: إنَّ تَقَلُّبَ وجْهِهِ كِنايَةٌ عَنْ دُعائِهِ، ولا مانِعَ أنْ يُرادَ بِتَقَلُّبِ وجْهِهِ ﷺ بِالتَّحْوِيلِ، فَفِيهِ إعْلامٌ بِما جَعَلَهُ تَعالى مِنِ اخْتِصاصِ السَّماءِ بِوَجْهِ الدّاعِي. وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ مُتَأخِّرَةً في التِّلاوَةِ، فَهي مُتَقَدِّمَةٌ في المَعْنى، فَإنَّها رَأْسُ القِصَّةِ ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ أيْ: لَنُعْطِيَنَّكَ أوْ لَنُوَجِّهَنَّكَ إلى قِبْلَةٍ تُحِبُّها وتَمِيلُ إلَيْها. ودَلَّ عَلى أنَّ مَرْضِيَّهُ الكَعْبَةُ، بِفاءِ السَّبَبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ نَحْوَهُ وجِهَتَهُ. والتَّعْبِيرُ عَنِ الكَعْبَةِ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ إشارَةٌ إلى أنَّ الواجِبَ مُراعاةُ الجِهَةِ دُونَ العَيْنِ: ﴿وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ أيْ حَيْثُما كُنْتُمْ في بَرٍّ أوْ بَحْرٍ فَوَلُّوا وُجُوهَكم في الصَّلاةِ تِلْقاءَ المَسْجِدِ. وأمّا سِرُّ الأمْرِ بِالتَّوْلِيَةِ خاصًّا وعامًّا، فَقالَ الرّاغِبُ: أمّا خِطابُهُ الخاصُّ فَتَشْرِيفًا لَهُ وإيجابًا لِرَغْبَتِهِ. وأمّا خِطابُهُ العامُّ بَعْدَهُ، فَلِأنَّهُ كانَ يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ هَذا أمْرٌ قَدْ خُصَّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ. كَما خُصَّ في قَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] ولِأنَّهُ لَمّا كانَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ أمْرًا لَهُ خَطَرَ، خَصَّهم بِخِطابٍ مُفْرَدٍ لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْلَغَ ولِيَكُونَ لَهم في ذَلِكَ تَشْرِيفٌ. ولِأنَّ في الخِطابِ العامِّ (p-٣٠١)تَعْلِيقَ حُكْمٍ آخَرَ بِهِ. وهو أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ القُرْبِ والبُعْدِ في وُجُوبِ التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ.

﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ قالَ الفَخْرُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ "أنَّهُ الحَقُّ" راجِعٌ إلى مَذْكُورٍ سابِقٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرَّسُولِ، كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُ القِبْلَةِ. فَجازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ القَوْمَ يَعْلَمُونَ أنَّ الرَّسُولَ مَعَ شَرْعِهِ ونُبُوَّتِهِ حَقٌّ، فَيَشْتَمِلُ ذَلِكَ عَلى أمْرِ القِبْلَةِ وغَيْرِها، ويَحْتَمِلُ أنْ يَرْجِعَ إلى هَذا التَّكْلِيفِ الخاصِّ بِالقِبْلَةِ، وأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ. وهَذا الِاحْتِمالُ الأخِيرُ أقْرَبُ؛ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِالمَساقِ.

ثُمَّ ذَكَرَ مِن وُجُوهِ عِلْمِهِمْ لِذَلِكَ: أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الكَعْبَةَ هي البَيْتُ العَتِيقُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى قِبْلَةً لِإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ. وأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِما ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ. ومَتى عَلِمُوا نُبُوَّتَهُ فَقَدْ عَلِمُوا لا مَحالَةَ أنَّ كُلَّ ما أتى بِهِ فَهو حَقٌّ. فَكانَ هَذا التَّحْوِيلُ حَقًّا.

قُلْتُ: وثَمَّ وجْهٌ آخَرُ أدَقُّ مِمّا ذَكَرَهُ الفَخْرُ في عِلْمِهِمْ حَقِّيَّةَ ذَلِكَ التَّحْوِيلِ وأنَّهُ مِن أعْلامِ نُبُوَّتِهِ ﷺ . وبَيانُهُ أنَّ أمْرَهُ تَعالى لِلنَّبِيِّ ﷺ، ولِكافَّةِ مَنِ اتَّبَعَهُ، بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، مِن جُمْلَةِ الِاسْتِعْلانِ في فارّانِ المَذْكُورِ في التَّوْراةِ إشارَةً لِخاتَمِ النَّبِيِّينَ وبِشارَةً بِهِ. فَقَدْ جاءَ في الإصْحاحِ الثّالِثِ والثَّلاثِينَ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ – (ويُقالُ الِاسْتِثْناءُ) هَكَذا: وهَذِهِ هي البَرَكَةُ الَّتِي بارَكَ بِها مُوسى رَجُلُ اللَّهِ بَنِي إسْرائِيلَ قَبْلَ مَوْتِهِ فَقالَ: جاءَ الرَّبُّ مِن سَيْناءَ وأشْرَقَ لَهم مِن سَعِيرٍ، وتَلَأْلَأ مِن جَبَلِ فارانَ.

وهَذِهِ البِشارَةُ تُنَبِّهُ عَلى مُوسى وعِيسى ومُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى في طُورِ سَيْناءَ، والإنْجِيلَ عَلى عِيسى في جَبَلِ سَعِيرٍ. لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَسْكُنُ أرْضَ الخَلِيلِ مِن سَعِيرٍ بِقَرْيَةٍ تُدْعى النّاصِرَةَ. وتَلَأْلُؤُهُ مِن جَبَلِ فارانَ عِبارَةٌ عَنْ إنْزالِهِ القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في جَبَلِ فارانَ. وفارانُ هي مَكَّةُ. لا يُخالِفُنا في ذَلِكَ أهْلُ الكِتابِ. فَفي الإصْحاحِ الحادِي والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ في حالِ إسْماعِيلَ (p-٣٠٢)عَلَيْهِ السَّلامُ هَكَذا: وكانَ اللَّهُ مَعَ الغُلامِ فَكَبَّرَ. وسَكَنَ في البَرِّيَّةِ وكانَ يَنْمُو رامِيَ قَوْسٍ، وسَكَنَ في بَرِّيَّةِ فارانَ.

ولا شَكَّ أنَّ إسْماعِيلَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، كانَ سُكْناهُ في مَكَّةَ، وفِيها ماتَ وبِها دُفِنَ.

وقالَ ابْنُ الأثِيرِ: وفي الحَدِيثِ ذِكْرُ جَبَلِ فارانَ اسْمٌ لِجِبالِ مَكَّةَ بِالعِبْرانِيِّ. لَهُ ذِكْرٌ في أعْلامِ النُّبُوَّةِ، وألِفُهُ الأُولى لَيْسَتْ بِهَمْزَةٍ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ قُرِئَ بِالياءِ والتّاءِ. فِيهِ إنْباءٌ بِتَمادِيهِمْ عَلى سُوءِ أحْوالِهِمْ.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ هَذِهِ القِبْلَةَ حَقٌّ، أعْلَمَ أنَّ صِفَتَهم لا تَتَغَيَّرُ في الِاسْتِمْرارِ عَلى المُعانَدَةِ بِقَوْلِهِ:

2:145Page 22

وَلَئِنۡ أَتَيۡتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٖ مَّا تَبِعُواْ قِبۡلَتَكَۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ وَمَا بَعۡضُهُم بِتَابِعٖ قِبۡلَةَ بَعۡضٖۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ إِنَّكَ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٥

And if you brought to those who were given the Scripture every sign, they would not follow your qiblah. Nor will you be a follower of their qiblah. Nor would they be followers of one another's qiblah. So if you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, indeed, you would then be among the wrongdoers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٥ ] ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهم وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾

﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى "بِكُلِّ آيَةٍ" أيْ بُرْهانٍ قاطِعٍ أنَّ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ هو الحَقُّ "ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ" أيْ هَذِهِ الَّتِي حَوَّلَتْ إلَيْها. لِأنَّ تَرْكَهُمُ اتِّباعَكَ لَيْسَ عَنْ شُبْهَةٍ تُزِيلُها بِإيرادِ الحُجَّةِ. إنَّما هو عَنْ مُكابَرَةٍ وعِنادٍ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِما في كُتُبِهِمْ مِن نَعْتِكَ أنَّكَ عَلى الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ هَذا حَسْمٌ لِأطْماعِهِمْ في العَوْدِ إلَيْها. أوْ لِلْمُقابَلَةِ. يَعْنِي ما هم بِتارِكِي باطِلِهِمْ وما أنْتَ بِتارِكِ حَقِّكَ ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ فَلا اتِّفاقَ بَيْنَ فَرِيقَيْهِمْ، مَعَ كَوْنِ الكُلِّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أخْبَرَ تَعالى عَنْ تَصَلُّبِ كُلِّ حِزْبٍ فِيما هو فِيهِ وثَباتِهِ عَلَيْهِ. فالمُحِقُّ مِنهم لا يَزِلُّ عَنْ مَذْهَبِهِ لِتَمَسُّكِهِ بِالبُرْهانِ. والمُبْطِلُ لا يُقْلِعُ عَنْ باطِلِهِ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِ في عِنادِهِ. وفِيهِ إراحَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ التَّطَلُّعِ إلى هُدى بَعْضِهِمْ.

(p-٣٠٣)فَوائِدُ

الأُولى: قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ كَيْفَ أُعْلِمَ بِأنَّهم لا يَتَّبِعُونَ قِبْلَتَهُ وقَدْ آمَنَ مِنهم فَرِيقٌ ؟ قِيلَ: قالَ بَعْضُهم: إنَّ هَذا حُكْمٌ عَلى الكُلِّ دُونَ الأبْعاضِ. وهَذا صَحِيحٌ. بِدَلالَةِ أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ما آمَنُوا ولَكِنْ آمَنَ بَعْضُهم، لَمْ يَكُنْ مُنافِيًا. وقِيلَ: عُنِيَ بِهِ أقْوامٌ مَخْصُوصُونَ.

الثّانِيَةُ: قالَ الرّاغِبُ: في قَوْلِهِ تَعالى "وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ" إشارَةٌ عَلى أنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، فَمِنَ المُحالِ أنْ يَرْتَدَّ. ولِذا قِيلَ: ما رَجَعَ مَن رَجَعَ إلّا مِنَ الطَّرِيقِ: أيْ ما أخَلَّ بِالإيمانِ إلّا مَن لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ حَقَّ الوُصُولِ.

إنْ قِيلَ: فَقَدْ يُوجَدُ مَن يَحْصُلُ لَهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ ثُمَّ يَرْتَدُّ ! . (قِيلَ) إنَّ الَّذِي يُقَدِّرُ أنَّهُ مَعْرِفَةٌ، هو ظَنٌّ مُتَصَوَّرٌ بِصُورَةِ العِلْمِ. فَأمّا أنْ يَحْصُلَ لَهُ العِلْمُ الحَقِيقِيُّ ثُمَّ يَعْقُبُهُ الِارْتِدادُ فَبَعِيدٌ، ولَمْ يَعْنِ بِهَذِهِ المَعْرِفَةِ ما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإنْسانِ بِالفِطْنَةِ، فَإنَّ تِلْكَ كَشَرَرَةٍ تَخْمَدُ إذا لَمْ تَتَوَقَّدْ.

الثّالِثَةُ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، في بَدائِعِ الفَوائِدِ: قِبْلَةُ أهْلِ الكِتابِ لَيْسَتْ بِوَحْيٍ وتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ. بَلْ بِمَشُورَةٍ واجْتِهادٍ مِنهم. أمّا النَّصارى فَلا رَيْبَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهم في الإنْجِيلِ ولا في غَيْرِهِ بِاسْتِقْبالِ المَشْرِقِ. وهم يُقِرُّونَ بِأنَّ قِبْلَةَ المَسِيحِ قِبْلَةُ بَنِي إسْرائِيلَ. وهي الصَّخْرَةُ، وإنَّما وضَعَ لَهم أشْياخُهم هَذِهِ القِبْلَةَ. فَهم مَعَ اليَهُودِ، مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يُشَرِّعِ اسْتِقْبالَ بَيْتِ المَقْدِسِ عَلى رَسُولِهِ أبَدًا. والمُسْلِمُونَ شاهِدُونَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الأمْرِ. وأمّا اليَهُودُ فَلَيْسَ في التَّوْراةِ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ الصَّخْرَةِ البَتَّةَ. وإنَّما كانُوا يَنْصِبُونَ التّابُوتَ ويُصَلُّونَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ خَرَجُوا. فَإذا قَدِمُوا نَصَبُوهُ عَلى الصَّخْرَةِ وصَلَّوْا إلَيْهِ. فَلَمّا رُفِعَ صَلَّوْا إلى مَوْضِعِهِ وهو الصَّخْرَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ بَعْدَ الإفْصاحِ عَنْ حَقِيقَةِ حالِهِ المَعْلُومَةِ عِنْدَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ كَلامٌ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ. بِمَعْنى: ولَئِنِ اتَّبَعْتَهم، مَثَلًا، بَعْدَ وُضُوحِ البُرْهانِ والإحاطَةِ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ "إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ" أيِ المُرْتَكِبِينَ الظُّلْمَ الفاحِشَ.

(p-٣٠٤)وفِي ذَلِكَ لُطْفٌ لِلسّامِعِينَ وزِيادَةُ تَحْذِيرٍ واسْتِفْظاعٍ لِحالِ مَن يَتْرُكُ الدَّلِيلَ بَعْدَ إنارَتِهِ، ويَتَّبِعُ الهَوى. وتَهْيِيجٌ وإلْهابٌ لِلثَّباتِ عَلى الحَقِّ. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ الرّاغِبُ: حَذَّرَ تَعالى نَبِيَّهُ مِنِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ. ونَبَّهَ أنَّ اتِّباعَ الهَوى بَعْدَ التَّحَقُّقِ بِالعِلْمِ يَدْخُلُ مُتَحَرِّيهِ في جُمْلَةِ الظُّلْمَةِ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ تَحْذِيرَهُ مِنَ الجُنُوحِ إلى الهَوى حَتّى كَرَّرَ ذَلِكَ في عِدَّةِ مَواضِعَ. وقَوْلُ مَن قالَ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمَعْنِيُّ بِهِ الأُمَّةُ، فَلا مَعْنى لِتَخَصُّصِهِ. فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُحَذِّرُ نَبِيَّهُ مِنِ اتِّباعِ الهَوى أكْثَرَ مِمّا يُحَذِّرُ غَيْرَهُ. فَذُو المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ إلى تَحْذِيرِ الإنْذارِ عَلَيْهِ أحْوَجُ، حِفْظًا لِمَنزِلَتِهِ وصِيانَةً لِمَكانَتِهِ اهـ. وهو كَلامٌ نَفِيسٌ جِدًّا.

(الثّانِي) في الآيَةِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ العِلْمِ. حَيْثُ سَمّى أمْرَ النُّبُوّاتِ والدَّلائِلِ والمُعْجِزاتِ بِاسْمِ العِلْمِ، فَذَلِكَ يُنَبِّهُ عَلى أنَّ العِلْمَ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ شَرَفًا ومَرْتَبَةً.

(الثّالِثُ) دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ تَوَجُّهَ الوَعِيدِ عَلى العُلَماءِ أشَدُّ مِن تَوَجُّهِهِ عَلى غَيْرِهِمْ. لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. ذَكَرَهُ الرّازِيُّ.

2:146Page 23

ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤٦

Those to whom We gave the Scripture know him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] as they know their own sons. But indeed, a party of them conceal the truth while they know [it].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٦ ] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ أيْ يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعْرِفَةً لا امْتِراءَ فِيها، كَما لا يَمْتَرُونَ في مَعْرِفَةِ أوْلادِهِمْ مِن بَيْنِ أوْلادِ النّاسِ. وهَذِهِ المَعْرِفَةُ مُسْتَفادَةٌ مِنَ الكِتابِ. كَما أخْبَرَ تَعالى عَنْ نَعْتِهِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا (p-٣٠٥)عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] يَعْنِي يَعْرِفُونَهُ بِالأوْصافِ المَذْكُورَةِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِأنَّهُ هو النَّبِيُّ المَوْعُودُ بِحَيْثُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ. كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، ولا تَلْتَبِسُ أشْخاصُهم بِغَيْرِهِمْ. فَهو تَشْبِيهٌ لِلْمَعْرِفَةِ العَقْلِيَّةِ الحاصِلَةِ مِن مُطالَعَةِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، بِالمَعْرِفَةِ الحِسِّيَّةِ في أنَّ كُلًّا مِنهُما يَقِينِيٌّ، لا اشْتِباهَ فِيهِ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمْرَ أنَّهُ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: أتَعْرِفُ مُحَمَّدًا كَما تَعْرِفُ ولَدَكَ ؟ قالَ: نَعَمْ وأكْثَرُ؛ نَزَلَ الأمِينُ مِنَ السَّماءِ عَلى الأمِينِ في الأرْضِ بِنَعْتِهِ فَعَرَفْتُهُ، وإنِّي لا أدْرِي ما كانَ مِن أُمِّهِ. فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأْسَهُ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهُمْ﴾ أيْ أهْلَ الكِتابِ، مَعَ ذَلِكَ التَّحَقُّقِ والإيقانِ العِلْمِيِّ ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ أيْ يُخْفُونَهُ ولا يُعْلِنُونَهُ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيِ الحَقَّ، أوْ عِقابَ الكِتْمانِ، أوْ أنَّهم يَكْتُمُونَ. قالَ الرّاغِبُ: لَمْ يَقُلْ يَكْتُمُونَهُ. لِأنَّ في كِتْمانِ أمْرِهِ كِتْمانَ الحَقِّ جُمْلَةً. وزادَ في ذَمِّهِمْ بِقَوْلِهِ "وهم يَعْلَمُونَ" فَإنَّهُ لَيْسَ المُرْتَكِبُ ذَنْبًا عَنْ جَهْلٍ، كَمَن يَرْتَكِبُهُ عَنْ عِلْمٍ.

2:147Page 23

ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١٤٧

The truth is from your Lord, so never be among the doubters.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٧ ] ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾

"الحَقُّ مِن رَبِّكَ" أيِ الحَقُّ مِنَ اللَّهِ، لا مِن غَيْرِهِ. يَعْنِي أنَّ الحَقَّ ما ثَبَتَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، كالَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ. وما لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، كالَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ، فَهو الباطِلُ. أيْ: (p-٣٠٦)هَذا الَّذِي يَكْتُمُونَهُ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ. وقَرَأ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "الحَقَّ"، بِالنَّصْبِ عَلى الإبْدالِ مِنَ الأوَّلِ، كَما في الكَشّافِ. أوِ المَفْعُولِيَّةِ لِـ "يَعْلَمُونَ" . كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ. "فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ" الشّاكِّينَ في كِتْمانِهِمُ الحَقَّ مَعَ عِلْمِهِمْ، أوْ في الحَقِّ الَّذِي جاءَكَ مِن رَبِّكَ، وهو ما أنْتَ عَلَيْهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّكَّ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ مِنهُ. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْأُمَّةِ. وقالَ الرّاغِبُ: لَيْسَ هَذا بِنَهْيٍ عَنِ الشَّكِّ لِأنَّهُ لا يَكُونُ بِقَصْدٍ مِنَ الشّاكِّ، بَلْ هو حَثٌّ عَلى اكْتِسابِ المَعارِفِ المُزِيلَةِ لِلشَّكِّ واسْتِعْمالِها. وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]

2:148Page 23

وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَاۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ أَيۡنَ مَا تَكُونُواْ يَأۡتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٤٨

For each [religious following] is a [prayer] direction toward which it faces. So race to [all that is] good. Wherever you may be, Allāh will bring you forth [for judgement] all together. Indeed, Allāh is over all things competent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٨ ] ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

"ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ" أيْ لِكُلِّ أُمَّةٍ، أوْ لِكُلِّ نَبِيٍّ قِبْلَةٌ أوْ شِرْعَةٌ ومِنهاجٌ "هُوَ مُوَلِّيها" وجْهَهُ. أيْ مائِلٌ إلَيْها بِوَجْهِهِ، تابِعٌ لَها. لِأنَّها حُبِّبَتْ إلَيْهِ، وزُيِّنَتْ لَهُ. وقالَ أبُو مُعاذٍ: مُوَلِّيها بِمَعْنى مُتَوَلِّيها. أيْ تَوَلّاها ورَضِيَها واتَّبَعَها "فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ" أيِ ابْتَدِرُوها بِالمُسابَقَةِ إلَيْها. وهَذا أبْلَغُ مِنَ الأمْرِ بِالمُسارَعَةِ، لِما فِيهِ مِنَ الحَثِّ عَلى إحْرازِ قَصَبِ السَّبْقِ، والمُرادُ بِالخَيْراتِ جَمِيعُ أنْواعِها مِمّا يَنالُ بِهِ سَعادَةَ الدّارَيْنِ: ﴿أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ قالَ الرّاغِبُ: أيْ أيُّ شُغْلٍ تَحَرَّيْتُمْ، وحَيْثُما تَصَرَّفْتُمْ، وأيَّ مَعْبُودٍ اتَّخَذْتُمْ، فَإنَّكم مَجْمُوعُونَ ومُحاسَبُونَ عَلَيْها: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ. أيْ هو قادِرٌ عَلى جَمْعِكم مِنَ الأرْضِ، وإنْ تَفَرَّقَتْ أجْسادُكم وأبْدانُكم.

(تَنْبِيهٌ) تُشِيرُ الآيَةُ إلى أنَّ النّاسَ عَلى مَذاهِبَ عَدِيدَةٍ وأدْيانٍ مُتَنَوِّعَةٍ. وأنَّ عَلى العاقِلِ أنْ يَسْتَبِقَ إلى ما كانَ خَيْرَها وأرْقاها. وقَدِ اتَّفَقَ العُقَلاءُ قاطِبَةً والفَلاسِفَةُ أنَّ دِينَ الإسْلامِ أرْقى الأدْيانِ كُلِّها لِما حَوى مِن حاجِيّاتِ الكَمالِ البَشَرِيِّ، ووَفى بِشُؤُونِ الِاجْتِماعِ، وأسْبابِ (p-٣٠٧)العُمْرانِ، وذَرائِعِ الرُّقِيِّ وطُرُقِ السَّعادَتَيْنِ. وهَذِهِ الآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ [الحج: ٦٧] وقَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨]

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ حُكْمَ التَّحْوِيلِ وبَيَّنَ عَدَمَ تَفاوُتِ أمْرِ الِاسْتِقْبالِ في حالَتَيِ السَّفَرِ والحَضَرِ بِقَوْلِهِ:

2:149Page 23

وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٩

So from wherever you go out [for prayer, O Muḥammad], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām, and indeed, it is the truth from your Lord. And Allāh is not unaware of what you do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤٩ ] ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

"ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ" أيْ: ومِن أيِّ بَلَدٍ خَرَجْتَ لِلسَّفَرِ "فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ" إذا صَلَّيْتَ "وإنَّهُ" أيْ هَذا الأمْرَ "لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ" قُرِئَ بِالياءِ فَهو وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ، وبِالتّاءِ فَهو وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. ولِما عَظُمَ في شَأْنِ القِبْلَةِ انْتِشارُ أقْوالِ السُّفَهاءِ وتَنَوُّعُ شَغَبِهِمْ وجِدالِهِمْ، كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِمَزِيدِ تَأْكِيدٍ لِأمْرِها، تَعْظِيمًا لِشَأْنِها وتَوْهِيَةً لِشُبَهِهِمْ، فَقالَ تَعالى:

2:150Page 23

وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٠

And from wherever you go out [for prayer], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām. And wherever you [believers] may be, turn your faces toward it in order that the people will not have any argument against you, except for those of them who commit wrong; so fear them not but fear Me. And [it is] so I may complete My favor upon you and that you may be guided,

(p-٣٠٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٠ ] ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾

﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ أيْ لِئَلّا يَحْتَجَّ عَلَيْكم أحَدٌ في التَّوَلِّي إلى غَيْرِهِ، ولِتَنْتَفِيَ مُجادَلَتُهم لَكم، كَقَوْلِ اليَهُودِ مَثَلًا: يَجْحَدُ دِينَنا ويَتَّبِعُ قِبْلَتَنا ! وقَوْلُ غَيْرِهِمْ: يَدَّعِي مِلَّةَ إبْراهِيمَ ويُخالِفُ قِبْلَتَهُ ! فَإذا صَلَّيْتُمْ إلَيْهِ لا تَكُونُ لَهم عَلَيْكم حُجَّةٌ.

قالَ الرّاغِبُ: وأشارَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩] إلى تَحْقِيقِ ما قَدَّمَهُ، فَبَيَّنَ أنَّهُ إذا كانَتِ الحِكْمَةُ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِكُلِّ صاحِبِ شَرْعٍ قِبْلَةٌ يَخْتَصُّ بِها، وأنْتَ صاحِبُ شَرْعٍ، فَتَغْيِيرُ القِبْلَةِ لَكَ حَقٌّ مِن رَبِّكَ. (ثُمَّ قالَ): إنْ قِيلَ: لِمَ كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ ؟ قِيلَ: حَثٌّ بِإحْداهُما عَلى التَّوَجُّهِ نَحْوَ القِبْلَةِ بِالقَلْبِ والبَدَنِ في أيْ مَكانٍ حَصَلَ لِلْإنْسانِ، نائِيًا كانَ عَنْها أوْ دانِيًا مِنها. وذَلِكَ مَآلُ الِاخْتِيارِ والتَّمَكُّنِ، وحَثَّ بِالآخَرِ عَلى التَّمَكُّنِ بِالقَلْبِ وحْدَهُ عِنْدَ اشْتِباهِ القِبْلَةِ، وفي النّافِلَةِ في حالِ اليُسْرِ عَلى الرّاحِلَةِ والسَّفَرِ. ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ فَإنَّهم يُظْهِرُونَ فُجُورًا ولَدَدًا في ذَلِكَ، بِالعِنادِ. وهم: إمّا اليَهُودُ المُعَبِّرُ عَنْهم بِأهْلِ الكِتابِ قَبْلُ، أوِ المُنافِقُونَ أوِ المُشْرِكُونَ كَما حَكى قَبْلُ في "السُّفَهاءِ"، وكانَ مِن قَوْلِ اليَهُودِ، فِيما حَكاهُ قَتادَةُ: اشْتاقَ الرَّجُلُ إلى بَيْتِ أبِيهِ ودِينِ قَوْمِهِ. ومِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ، فِيما حَكاهُ مُجاهِدٌ: قَدْ رَجَعَ إلى قِبْلَتِكم فَيُوشِكُ (p-٣٠٩)أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم. وتَقَدَّمَ قَوْلُ المُنافِقِينَ. وبِالجُمْلَةِ فالكُلُّ عابُوا وخاضُوا ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ تَخافُوا جِدالَهم ﴿واخْشَوْنِي﴾ فَلا تُخالِفُوا أمْرِي ﴿ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلى أكْمَلِ الجِهاتِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْآياتِ البَيِّناتِ والأمْنِ "ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ" لِلصِّراطِ المُسْتَقِيمِ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها، فَتَهْتَدُونَ بِهَذِهِ القِبْلَةِ هِدايَةً كامِلَةً.

قالَ الحُرّالِيُّ: وفي طَيِّهِ بُشْرى بِفَتْحِ مَكَّةَ، واسْتِيلائِهِ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ كُلِّها، وتَمْكِينُهُ بِذَلِكَ مِن سائِرِ أهْلِ الأرْضِ، لِاسْتِغْراقِ الإسْلامِ لِكافَّةِ العَرَبِ الَّذِينَ فَتَحَ اللَّهُ بِهِمْ لَهُ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، الَّتِي انْتَهى إلَيْها مُلْكُ أُمَّتِهِ.

2:151Page 23

كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ١٥١

Just as We have sent among you a messenger from yourselves reciting to you Our verses and purifying you and teaching you the Book and wisdom1 and teaching you that which you did not know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥١ ] ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾

"كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكُمْ" وقَوْلُهُ تَعالى "فِيكُمُ" المُرادُ بِهِ العَرَبُ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ "مِنكُمْ" .

وفِي إرْسالِهِ فِيهِمْ ومِنهم نِعَمٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهِمْ لِما لَهم فِيهِ مِنَ الشَّرَفِ. ولِأنَّ المَشْهُورَ مِن حالِ العَرَبِ الأنَفَةُ الشَّدِيدَةُ مِن الِانْقِيادِ لِلْغَيْرِ. فَبَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى مِن واسِطَتِهِمْ لِيَكُونُوا إلى القَبُولِ أقْرَبَ "يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا" يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ الَّذِي هو مِن أعْظَمِ النِّعَمِ. لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ باقِيَةٌ. ولِأنَّهُ يُتْلى فَتَتَأدّى بِهِ العِباداتُ ويُسْتَفادُ مِنهُ جَمِيعُ العُلُومِ، ومَجامِعُ الأخْلاقِ الحَمِيدَةُ، فَتَحْصُلُ مِن تِلاوَتِهِ كُلُّ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ "ويُزَكِّيكُمْ" أيْ يُطَهِّرُكم مِنَ الشِّرْكِ وأفْعالِ الجاهِلِيَّةِ وسَفاسِفِ الأخْلاقِ "ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ" وهو القُرْآنُ. وهَذا لَيْسَ بِتَكْرارٍ. لِأنَّ تِلاوَةَ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ غَيْرُ تَعْلِيمِهِ إيّاهم "والحِكْمَةَ" وهي العِلْمُ بِسائِرِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي يَشْتَمِلُ القُرْآنُ عَلى تَفْصِيلِها. ولِذَلِكَ قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الحِكْمَةُ هي (p-٣١٠)سُنَّةُ الرَّسُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ رَسُولَهُ عَلى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وجَهالَةٍ مِنَ الأُمَمِ، فالخَلْقُ كانُوا مُتَحَيِّرِينَ ضالِّينَ في أمْرِ أدْيانِهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى النَّبِيَّ بِالحَقِّ. حَتّى عَلَّمَهم ما احْتاجُوا إلَيْهِ في دِينِهِمْ، فَصارُوا أعْمَقَ النّاسِ عِلْمًا وأبَرَّهم قُلُوبًا وأقَلَّهم تَكَلُّفًا وأصْدَقَهم لَهْجَةً، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ أنْواعِ النِّعَمِ. قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآيَةَ، وذَمَّ مَن لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ يَعْنِي، بِنِعْمَةِ اللَّهِ، مُحَمَّدًا ﷺ، ولِهَذا نَدَبَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى الِاعْتِرافِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ ومُقابَلَتِها بِذِكْرِهِ وشُكْرِهِ. وقالَ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском