Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:164–168
2:164Page 25
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٦٤
Indeed, in the creation of the heavens and the earth, and the alternation of the night and the day, and the [great] ships which sail through the sea with that which benefits people, and what Allāh has sent down from the heavens of rain, giving life thereby to the earth after its lifelessness and dispersing therein every [kind of] moving creature, and [His] directing of the winds and the clouds controlled between the heaven and earth are signs for a people who use reason.
(p-٣٥٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٤] ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ - في ارْتِفاعِ الأُولى ولَطافَتِها واتِّساعِها وكَواكِبِها السَّيّارَةِ والثَّوابِتِ ودَوَرانِ فَلَكِها، وفي انْخِفاضِ الثّانِيَةِ وكَثافَتِها وجِبالِها وبِحارِها وقِفارِها ووِهادِها وعُمْرانِها وما فِيها مِنَ المَنافِعِ -: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيِ: اعْتِقابِهِما وكَوْنُ كُلٍّ مِنهُما خَلْفًا لِلْآخَرِ، فَيَجِيءُ أحَدُهُما ثُمَّ يَذْهَبُ ويُخْلِفُهُ الآخَرُ ويَعْقُبُهُ لا يَتَأخَّرُ عَنْهُ لَحْظَةً. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] أوِ اخْتِلافُ كُلٍّ مِنهُما في أنْفُسِهِما ازْدِيادًا وانْتِقاصًا كَما قالَ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ [الحديد: ٦] أيْ: يَزِيدُ مِن هَذا في هَذا ومِن هَذا في ذاكَ ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ أيْ: في تَسْخِيرِ البَحْرِ بِحَمْلِ السُّفُنِ مِن جانِبٍ إلى آخَرَ لِمَعايِشِ النّاسِ والِانْتِفاعِ بِما عِنْدَ أهْلِ إقْلِيمٍ لِغَيْرِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: ولَمّا لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ أنْ يُقالَ: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ وبَيْنَ أنْ يُقالَ: والبَحْرُ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الفُلْكُ، في أنَّ القَصْدَ الأوَّلَ بِالآيَةِ أنْ يُعْرَفَ مَنفَعَةُ البَحْرِ، (p-٣٥٦)وإنْ أُخِّرَ في اللَّفْظِ، قَدَّمَ ذِكْرَ الفُلْكِ الَّذِي هو مِن صَنْعَتِنا. ولَمّا كانَ سَبِيلُنا إلى مَعْرِفَتِها أقْرَبَ مِنهُ إلى مَعْرِفَةِ صُنْعِهِ - قَدَّمَ ذِكْرَ الفُلْكِ لِيُنْظُرَ مِنها إلى آثارِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى ﴿وما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: المُزْنَ: ﴿مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ﴾ بِأنْواعِ النَّباتِ والأزْهارِ وما عَلَيْها مِنَ الأشْجارِ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ بِاسْتِيلاءِ اليُبُوسَةِ عَلَيْها: ﴿وبَثَّ فِيها﴾ أيْ: نَشَرَ وفَرَّقَ: ﴿مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ: ﴿وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ أيْ: تَقْلِيبِها في مَهابِّها: قُبُولًا ودُبُورًا وجَنُوبًا وشَمالًا، وفي أحْوالِها: حارَّةً وبارِدَةً وعاصِفَةً ولَيِّنَةً، فَتارَةً مُبَشِّرَةً بَيْنَ يَدَيِ السَّحابِ، وطْوَرًا تَسُوقُهُ، وآوِنَةً تَجْمَعُهُ، ووَقْتًا تُفَرِّقُهُ، وحِينًا تَصْرِفُهُ.
قالَ الثَّعالِبِيُّ: إذا جاءَتِ الرِّيحُ بِنَفَسٍ ضَعِيفٍ، ورَوْحٍ فَهي النَّسِيمُ، فَإذا كانَتْ شَدِيدَةً فَهي العاصِفُ، فَإذا حَرَّكَتِ الأغْصانَ تَحْرِيكًا شَدِيدًا وقَلَعَتِ الأشْجارَ فَهي الزَّعْزَعانُ والزَّعْزَعُ، فَإذا جاءَتْ بِالحَصْباءِ فَهي الحاصِبَةُ، فَإذا هَبَّتْ مِنَ الأرْضِ نَحْوَ السَّماءِ كالعَمُودِ فَهي الإعْصارُ، ويُقالُ لَها زَوْبَعَةٌ أيْضًا، فَإذا هَبَّتْ بِالغَبَرَةِ فَهي الهَبْوَةُ، فَإذا كانَتْ بارِدَةً فَهي الصَّرْصَرُ، فَإذا كانَ مَعَ بَرْدِها نَدًى فَهي البَلِيلُ، فَإذا كانَتْ حارَّةً فَهي الحَرُورُ والسَّمُومُ، فَإذا لَمْ تُلَقِّحْ شَجَرًا ولَمْ تَحْمِلْ مَطَرًا فَهي العَقِيمُ، ومِمّا يُذْكَرُ مِنها بِلَفْظِ الجَمْعِ: الأعاصِيرُ وهي الَّتِي تَهِيجُ بِالغُبارِ، واللَّواقِحُ الَّتِي تُلَقِّحُ الأشْجارَ، والمُعْصِراتُ الَّتِي تَأْتِي بِالأمْطارِ، والمُبَشِّراتُ الَّتِي تَأْتِي بِالسَّحابِ والغَيْثِ.
﴿والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ: فَلا يَهْوِي إلى جِهَةِ السُّفْلِ مَعَ ثِقَلِهِ يَحْمِلُهُ بُخارُ الماءِ - كَما تَهْوِي بَقِيَّةُ الأجْرامِ العالِيَةِ - حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَها مُمْسِكٌ مَحْسُوسٌ، ولا يَعْلُو، ولا يَنْقَشِعُ، مَعَ أنَّ الطَّبْعَ يَقْتَضِي أحَدَ الثَّلاثَةِ: فالكَثِيفُ يَقْتَضِي النُّزُولَ، واللَّطِيفُ يَقْتَضِي العُلُوَّ، والمُتَوَسِّطُ يَقْتَضِي الِانْقِشاعَ. ذَكَرَهُ البِقاعِيُّ.
لَطِيفَتانِ:
الأُولى: قالَ الثَّعالِبِيُّ: أوَّلُ ما يَنْشَأُ السَّحابُ فَهو النَّشْءُ، فَإذا انْسَحَبَ في الهَواءِ (p-٣٥٧)فَهُوَ السَّحابُ، فَإذا تَغَيَّرَتْ لَهُ السَّماءُ، فَهو الغَمامُ، فَإذا أظَلَّ فَهو العارِضُ، فَإذا ارْتَفَعَ وحَمَلَ الماءَ وكَثُفَ وأطْبَقَ فَهو العَماءُ، فَإذا عَنَّ فَهو العَنانُ، فَإذا كانَ أبْيَضَ فَهو المُزْنُ.
الثّانِيَةُ: قالَ الرّاغِبُ: التَّسْخِيرُ القَهْرُ عَلى الفِعْلِ، وهو أبْلَغُ مِنَ الإكْراهِ، فَإنَّهُ حَمْلُ الغَيْرِ عَلى الفِعْلِ بِلا إرادَةٍ مِنهُ عَلى وجْهٍ، كَحَمْلِ الرَّحى عَلى الطَّحْنِ،اهـ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لآياتٍ﴾ أيْ: عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ، فالتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ كَمًّا وكَيْفًا: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: يَتَفَكَّرُونَ فِيها ويَنْظُرُونَ إلَيْها بِعَيْنِ العُقُولِ، فَيَسْتَدِلُّونَ عَلى قُدْرَتِهِ، سُبْحانَهُ، القاهِرَةِ، وحِكْمَتِهِ الباهِرَةِ، ورَحْمَتِهِ الواسِعَةِ المُقْتَضِيَةِ لِاخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.
قالَ البِقاعِيُّ: وسَبَبُ تَكْثِيرِ الأدِلَّةِ أنَّ عُقُولَ النّاسِ مُتَفاوِتَةٌ فَجَعَلَ سُبْحانَهُ العالَمَ - وهو المُمْكِناتُ المَوْجُودَةُ، وهي جُمْلَةُ ما سِواهُ، الدّالَّةُ عَلى وُجُودِهِ وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ - عَلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ مِن شَأْنِهِ أنْ يُدْرَكَ بِالحَواسِّ الظّاهِرَةِ، ويُسَمّى في عُرْفِ أهْلِ الشَّرْعِ: الشَّهادَةُ والخَلْقُ والمُلْكُ، وقِسْمٌ لا يُدْرَكُ بِالحَواسِّ الظّاهِرَةِ ويُسَمّى: الغَيْبُ والأمْرُ والمَلَكُوتُ. والأوَّلُ يُدْرِكُهُ عامَّةُ النّاسِ، والثّانِي يُدْرِكُهُ أُولُو الألْبابِ الَّذِينَ عُقُولُهم خالِصَةٌ عَنِ الوَهْمِ والوَساوِسِ. فاللَّهُ تَعالى - بِكَمالِ عِنايَتِهِ ورَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ - جَعَلَ العالَمَ بِقِسْمَيْهِ مُحْتَوِيًا عَلى جُمَلٍ وتَفاصِيلَ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وطُرُقٍ مُتَكَثِّرَةٍ، تَعْجِزُ القُوى البَشَرِيَّةُ، عَنْ ضَبْطِها، يُسْتَدَلُّ بِها عَلى وحْدانِيَّتِهِ، بَعْضُها أوْضَحُ مِن بَعْضٍ، لِيَشْتَرِكَ الكُلُّ في المَعْرِفَةِ، فَيَحْصُلَ لِكُلٍّ بِقَدْرِ ما هُيِّئَ لَهُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ مِمَّنْ طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ، فَذَلِكَ - والعِياذُ بِاللَّهِ - هو الشَّقِيُّ انْتَهى.
قالَ المَهايِمِيُّ: وكَيْفَ يُنْكِرُونَ وُجُودَ اللَّهِ، وتَوْحِيدَهُ، ورَحْمانِيَّتَهُ، ورَحِيمِيَّتَهُ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْها دَلائِلُ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ وعَوارِضِهِما والمُتَوَسِّطاتِ؟ ثُمَّ قالَ:
أمّا دَلالَةُ السَّماءِ والأرْضِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ فَلِأنَّهُما حادِثانِ؛ لِأنَّ لَهُما أجْزاءً يَفْتَقِرانِ إلَيْها، فَلا بُدَّ لَها مِن مُحْدِثٍ لَيْسَ بَعْضَ أجْزائِهِما، لِأنَّهُ دَخَلَهُ التَّرْكِيبُ الحادِثُ، والقَدِيمُ لا يَكُونُ مَحَلًّا لِلْحَوادِثِ، والمُحْدِثُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ (p-٣٥٨)قَدِيمًا قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وعَلى التَّوْحِيدِ، فَلِأنَّ إلَهَ السَّماواتِ لَوْ كانَ غَيْرَ إلَهِ الأرْضِ لَمْ يَرْتَبِطْ مَنافِعُ أحَدِهِما بِالآخَرِ، وعَلى الرَّحْمَتَيْنِ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ في الأرْضِ مَوادَّ قابِلَةً لِلصُّوَرِ المُخْتَلِفَةِ وأفاضَها واحِدَةً بَعْدَ أُخْرى بِتَحْرِيكِ السَّماواتِ.
وأمّا دَلالَةُ اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ فَلِحُدُوثِهِما مِن حَرَكاتِ السَّماواتِ، ولا بُدَّ لَها مِن مُحَرِّكٍ، فَإنْ كانَ حادِثًا فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ، وعَلى التَّوْحِيدِ، فَلِأنَّ إلَهَ اللَّيْلِ لَوْ كانَ غَيْرَ إلَهِ النَّهارِ لَأمْكَنَ كُلُّ واحِدٍ أنْ يَأْتِيَ بِما هو لَهُ في وقْتِ إتْيانِ الآخَرِ بِما هو لَهُ، فَيَلْزَمُ اجْتِماعُهُما وهو مُحالٌ. فَإنِ امْتَنَعَ لَزِمَ عَجْزُ أحَدِهِما أوْ كِلَيْهِما، وعَلى الرَّحْمَتَيْنِ، فَلِأنَّ الِاعْتِدالَ الَّذِي بِهِ انْتِظامُ أمْرِ الحَيَواناتِ إنَّما يَكُونُ مِن تَعاقُبِهِما، إذْ دَوامُ اللَّيْلِ مُبَرِّدٌ لِلْعالَمِ في الغايَةِ، ودَوامُ النَّهارِ مُسَخِّنٌ لَهُ في الغايَةِ.
وأمّا دَلالَةُ الفُلْكِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ، فَلِأنَّها أثْقَلُ مِنَ الماءِ فَحَقُّها الرُّسُوبُ فِيها، فَإمْساكُها فَوْقَ الماءِ مِنَ اللَّهِ، ودُخُولُ الهَواءِ فِيها - وإنْ كانَ مِنَ الأسْبابِ - فَلا يَتِمُّ عِنْدَ امْتِلاءِ الفُلْكِ بِالأمْتِعَةِ الكَثِيرَةِ، إذْ يَقِلُّ الهَواءُ جِدًّا فَيَضْعُفُ أثَرُهُ في إمْساكِ هَذا الثَّقِيلِ جِدًّا، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُنْسَبَ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى مِن أوَّلِ الأمْرِ، وعَلى التَّوْحِيدِ، فَلِأنَّ إلَهَ الفُلْكِ لَوْ كانَ غَيْرَ إلَهِ البَحْرِ لَرُبَّما مَنَعَ أحَدُهُما الآخَرَ مِنَ التَّصَرُّفِ في مُلْكِهِ، وهو يُفْضِي إلى اخْتِلالِ نِظامِ العالَمِ لِاخْتِلافِ المَنافِعِ المَنُوطَةِ بِالفُلْكِ، وعَلى الرَّحْمَتَيْنِ فَلِأنَّهُ رَحِمَ المُسافِرِينَ بِالتِّجاراتِ، والمُسافَرَ إلَيْهِمْ بِالأمْتِعَةِ الَّتِي يَحْتاجُونَ إلَيْها.
وأمّا دَلالَةُ إنْزالِ الماءِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ، فَلِأنَّهُ أثْقَلُ مِنَ الهَواءِ، فَوُجُودُهُ في مَرْكَزِهِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ، وعَلى التَّوْحِيدِ، فَلِأنَّ إلَهَ الماءِ لَوْ كانَ غَيْرَ إلَهِ الهَواءِ، لَمُنِعَ مِنَ التَّصَرُّفِ في مُلْكِهِ، وعَلى الرَّحْمَتَيْنِ، فَلِأنَّهُ أحْيا بِهِ الأرْضَ مَعاشًا لِلْحَيَواناتِ، وبَثَّ بِهِ الدَّوابَّ تَكْمِيلًا لِمَنافِعِ الإنْسانِ.
وأمّا دَلالَةُ تَصْرِيفِ الرِّياحِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ،َ فَلِأنَّها حادِثَةٌ تُحْدِثُ هَذِهِ مَرَّةً وهَذِهِ أُخْرى، وقَدْ يَعْدَمُ الكُلُّ، فَلا بُدَّ مِن مُحْدِثٍ، فَإنْ كانَ حادِثًا افْتَقَرَ إلى قَدِيمٍ، وعَلى التَّوْحِيدِ، فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ لِكُلِّ رِيحٍ إلَهٌ لَأمْكَنَ لِلْكُلِّ أنْ يَأْتِيَ بِما لَهُ، فَيَلْزَمُ اجْتِماعُ الرِّياحِ المُخْتَلِفَةِ وهو مُخِلٌّ بِالنِّظامِ، وعَلى الرَّحْمَتَيْنِ، فَلِأنَّها تُحَرِّكُ الفُلْكَ والسُّحُبَ وتُنْمِي (p-٣٥٩)الأشْجارَ والثِّمارَ.
وأمّا دَلالَةُ السَّحابِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ، فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ ثَقِيلًا لَنَزَلَ، أوْ كانَ خَفِيفًا لَصَعِدَ، لَكِنَّهُ يَصْعَدُ تارَةً ويَنْزِلُ أُخْرى فَهو مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا عَلى التَّوْحِيدِ، فَلِأنَّ إلَهَ السَّحابِ، لَوْ كانَ غَيْرَ إلَهِ السَّحابِ الآخَرِ، لَأمْكَنَ لِكُلِّ واحِدٍ أنْ يَجْعَلَ سَحابَهُ في مَكانِ سَحابِ الآخَرِ، فَيَلْزَمُ تَداخُلُ الأجْسامِ أوِ العَجُزُ، وعَلى الرَّحْمَتَيْنِ فَلِأنَّ مِنها الأمْطارَ.
ولَهُ وُجُوهُ أُخَرُ مِنَ الدَّلالاتِ، وفَوائِدُ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، قَنِعْنا بِما ذَكَرْنا.
قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أُمُورٍ:
أحَدُها: لَوْ كانَ الحَقُّ يُدْرَكُ بِالتَّقْلِيدِ، واتِّباعِ الآباءِ، والجَرْيِ عَلى الإلْفِ والعادَةِ، لَما صَحَّ ذَلِكَ.
وثانِيها: لَوْ كانَتِ المَعارِفُ ضَرُورِيَّةً وحاصِلَةً بِالإلْهامِ لَما صَحَّ وصْفُ هَذِهِ الأُمُورِ بِأنَّها آياتٌ؛ لَأنَّ المَعْلُومَ بِالضَّرُورَةِ لا يَحْتاجُ في مَعْرِفَتِهِ إلى الآياتِ.
وثالِثُها: أنَّ سائِرَ الأجْسامِ والأعْراضِ، وإنْ كانَتْ تَدُلُّ عَلى الصّانِعِ، فَهو تَعالى خَصَّ هَذِهِ الثَّمانِيَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها جامِعَةٌ بَيْنَ كَوْنِها دَلائِلَ وبَيْنَ كَوْنِها نِعَمًا عَلى المُكَلَّفِينَ عَلى أوْفَرِ حَظٍّ ونَصِيبٍ، ومَتّى كانَتِ الدَّلائِلُ كَذَلِكَ كانَتْ أنْجَعَ في القُلُوبِ وأشَدَّ تَأْثِيرًا في الخَواطِرِ. نَقَلَهُ الرّازِيُّ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أظْهَرَ هَذِهِ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى وُجُودِهِ، وتَوْحِيدِهِ، ورَحْمَتِهِ، لِيَخُصَّهُ الخَلْقُ بِالمَحَبَّةِ والعِبادَةِ.
2:165Page 25
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ ١٦٥
And [yet], among the people are those who take other than Allāh as equals [to Him]. They love them as they [should] love Allāh. But those who believe are stronger in love for Allāh. And if only they who have wronged would consider [that] when they see the punishment, [they will be certain] that all power belongs to Allāh and that Allāh is severe in punishment.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٥] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾
{و } لَكِنْ: {مِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أندادًا } أيْ: أمْثالًا. مَعَ أنَّ الآياتِ مَنَعَتْ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ واحِدٌ فَضْلًا عَنْ جَماعَتِها يُسَوُّونَ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ إذْ: (p-٣٦٠)﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أيْ: يُعَظِّمُونَهم ويَخْضَعُونَ لَهم كَتَعْظِيمِ اللَّهِ والخُضُوعِ لَهُ. والأنْدادُ هِيَ: إمّا الأوْثانُ الَّتِي اتَّخَذُوها آلِهَةً لِتَقُرِّبَهم إلى اللَّهِ زُلْفى، ورَجَوْا مِنها النَّفْعَ والضُّرَّ، وقَصَدُوها بِالمَسائِلِ، ونَذَرُوا لَها النُّذُورَ وقَرَّبُوا لَها القَرابِينَ. وإمّا الرُّؤَساءُ الَّذِينَ يَتْبَعُونَهم فِيما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ، لاسِيَّما في الأوامِرِ والنَّواهِي، ورُجِّحَ هَذا؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَنِ اتَّخَذَ الرِّجالَ أنْدادًا، وأمْثالًا لِلَّهِ تَعالى يَلْتَزِمُونَ مِن تَعْظِيمِهِمْ والِانْقِيادِ لَهم ما يَلْتَزِمُهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ لِأنْدادِهِمْ، لِأنَّ أُولَئِكَ أشْرَكُوا في المَحَبَّةِ، والمُؤْمِنُونَ أخْلَصُوها كُلَّها لِلَّهِ، ولِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ جَمِيعَ الكِمالاتِ لَهُ ومِنهُ، ولِأنَّهم لا يَعْدِلُونَ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، بِخِلافِ المُشْرِكِينَ فَكانُوا يَعْبُدُونَ الصَّنَمَ زَمانًا ثُمَّ يَرْفُضُونَهُ إلى غَيْرِهِ أوْ يَأْكُلُونَهُ، كَما أكَلَتْ باهِلَةُ إلَهَها مِن حَيْسٍ، عامَ المَجاعَةِ.
قالَ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ في " شَرْحِ المَنازِلِ " في بابِ التَّوْبَةِ:
أمّا الشِّرْكُ فَهو نَوْعانِ: أكْبَرُ وأصْغَرُ. فالأكْبَرُ لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ إلّا بِالتَّوْبَةِ، وهو أنْ يَتَّخِذَ مِن دُونِ اللَّهِ نِدًّا يُحِبُّهُ كَما يُحِبُّ اللَّهَ تَعالى، وهو الشِّرْكُ الَّذِي تَضَمَّنَ تَسْوِيَةَ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ بِرَبِّ العالَمِينَ، ولِذا قالُوا لِآلِهَتِهِمْ في النّارِ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧] ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨] مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ خالِقٌ كُلِّ شَيْءٍ، ورَبُّهُ، ومَلِيكُهُ، وأنَّ آلِهَتَهم لا تَخْلُقُ ولا تَرْزُقُ ولا تُمِيتُ ولا تُحْيِي، وإنَّما كانَتْ هَذِهِ التَّسْوِيَةُ في المَحَبَّةِ، والتَّعْظِيمِ، والعِبادَةِ، كَما هو حالُ أكْثَرِ مُشْرِكِي العالَمِ..! بَلْ كُلُّهم يُحِبُّونَ مَعْبُودِيهِمْ، ويُعَظِّمُونَها، ويُوادُّونَها مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى..! وكَثِيرٌ مِنهم - بَلْ أكْثَرُهم - يُحِبُّونَ آلِهَتَهم (p-٣٦١)أعْظَمَ مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى..! ويَسْتَبْشِرُونَ بِذِكْرِهِمْ أعْظَمَ مِنَ اسْتِبْشارِهِمْ إذا ذُكِرَ اللَّهُ تَعالى..! ويَغْضَبُونَ بِتَنَقُّصِ مَعْبُودِيهِمْ وآلِهَتِهِمْ مِنَ المَشايِخِ أعْظَمَ ما يَغْضَبُونَ إذا انْتَقَصَ أحَدٌ رَبَّ العالَمِينَ..! وإذا انْتُقِصَتْ حُرُماتُ آلِهَتِهِمْ ومَعْبُودِيهِمْ غَضِبُوا غَضَبَ اللَّيْثِ أوِ الكَلْبِ..! وإذا انْتُهِكَتْ حُرُماتُ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَغْضَبُوا لَها. بَلْ إذا قامَ المُنْتَهِكُ لَها بِإطْعامِهِمْ شَيْئًا رَضُوا عَنْهُ، ولَمْ تُنْكِرْ لَهُ قُلُوبُهم..! قَدْ شاهَدْنا نَحْنُ وغَيْرُنا هَذا مِنهُمُ.. انْتَهى.
وقالَ الإمامُ تَقِيُّ الدِّينِ أحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ المَقْرِيزِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:
ومِن أجَلِّ الشِّرْكِ، وأصْلِهِ الشِّرْكُ في مَحَبَّةِ اللَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ مَن أحَبَّ مَعَ اللَّهِ شَيْئًا غَيْرَهُ، كَما يُحِبُّهُ، فَقَدِ اتَّخَذَ نِدًّا مِن دُونِهِ! وهَذا عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ في الآيَةِ أنَّهم يُحِبُّونَهم كَما يُحِبُّونَ اللَّهَ، وهَذا هو العَدْلُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] والمَعْنى عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ: أنَّهم يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ في العِبادَةِ فَيُسَوُّونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ في الحُبِّ والعِبادَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ المُشْرِكِينَ في النّارِ لِأصْنامِهِمْ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧] ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨] ومَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّ هَذِهِ التَّسْوِيَةَ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ في كَوْنِهِمْ خالِقِيهِمْ، فَإنَّهم كانُوا كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم مُقِرِّينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ هو رَبُّهم وخالِقُهُمْ، وأنَّ الأرْضَ ومَن فِيها لِلَّهِ وحْدَهُ، وأنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ ورَبُّ (p-٣٦٢)العَرْشِ العَظِيمِ، وأنَّهُ هو الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وهو يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ.... وإنَّما كانَتْ هَذِهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى في المَحَبَّةِ والعِبادَةِ، فَمَن أحَبَّ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، وخافَهُ، ورَجاهُ، وذَلَّ لَهُ كَما يُحِبُّ اللَّهَ ويَخافُهُ ويَرْجُوهُ فَهَذا هو الشِّرْكُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ تَعالى...! فَعِياذًا بِاللَّهِ! مِن أنْ يَنْسَلِخَ القَلْبُ مِنَ التَّوْحِيدِ والإسْلامِ، كانْسِلاخِ الحَيَّةِ مِن قِشْرِها، وهو يَظُنُّ أنَّهُ مُسْلِمٌ مُوَحِّدٌ...!
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في بَعْضِ فَتاوِيهِ:
والمُتَّخِذُ إلَهَهُ هَواهُ، لَهُ مَحَبَّةٌ كَمَحَبَّةِ المُشْرِكِينَ لِآلِهَتِهِمْ، ومَحَبَّةِ عُبّادِ العِجْلِ لَهُ، وهَذِهِ مَحَبَّةٌ مَعَ اللَّهِ لا مَحَبَّةٌ لِلَّهِ! وهَذِهِ مَحَبَّةُ أهْلِ الشِّرْكِ...! والنُّفُوسُ قَدْ تَدَّعِي مَحَبَّةَ اللَّهِ، وتَكُونُ في نَفْسِ الأمْرِ مَحَبَّةَ شِرْكٍ تُحِبُّ ما تَهْواهُ، وقَدْ أشْرَكَتْهُ في الحُبِّ مَعَ اللَّهِ! وقَدْ يَخْفى الهَوى عَلى النَّفْسِ، فَإنَّ حُبَّكَ الشَّيْءُ يُعْمِي ويُصِمُّ..! وهَكَذا الأعْمالُ الَّتِي يَظُنُّ الإنْسانُ أنَّهُ يَعْمَلُها لِلَّهِ وفي نَفْسِهِ شِرْكٌ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ وهو يَعْلَمُهُ، إمّا لِحُبِّ رِياسَةٍ، وإمّا لِحُبِّ مالٍ، وإمّا لِحُبِّ صُورَةٍ...!.
ولِهَذا «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! الرَّجُلُ يُقاتِلُ شَجاعَةً وحَمِيَّةً ورِياءً، فَأيُّ ذَلِكَ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ قالَ: مَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ...!» فَلَمّا صارَ كَثِيرٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ النُّسّاكِ المُتَأخِّرِينَ يَدَّعُونَ المَحَبَّةَ - ولَمْ يَزِنُوها بِمِيزانِ العِلْمِ والكِتابِ والسُّنَّةِ - دَخَلَ فِيها نَوْعٌ مِنَ الشِّرْكِ واتِّباعِ الأهْواءِ، واللَّهُ تَعالى قَدْ جَعَلَ مَحَبَّتَهُ مُوجِبَةً لِاتِّباعِ رَسُولِهِ؛ فَقالَ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] (p-٣٦٣)، وهَذا، لِأنَّ الرَّسُولَ هو الَّذِي يَدْعُو إلى ما يُحِبُّهُ اللَّهُ، ولَيْسَ شَيْءٌ يُحِبُّهُ اللَّهُ إلّا والرَّسُولُ يَدْعُو إلَيْهِ...! ولَيْسَ شَيْءٌ يَدْعُو إلَيْهِ الرَّسُولُ إلّا واللَّهُ يُحِبُّهُ...! فَصارَ مَحْبُوبُ الرَّبِّ ومَدْعُوُّ الرَّسُولِ مُتَلازِمَيْنِ، بَلْ هَذا هو هَذا في ذاتِهِ، وإنْ تَنَوَّعَتِ الصِّفاتُ...! انْتَهى.
﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: بِاتِّخاذِ الأنْدادِ ووَضْعِها مَوْضِعَ المَعْبُودِ: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ المُعَدَّ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيِ: القُدْرَةَ كُلَّها لِلَّهِ، عَلى كُلِّ شَيْءٍ، مِنَ العِقابِ والثَّوابِ، دُونَ أنْدادِهِمْ: ﴿وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾ أيِ: العِقابِ لِلظّالِمِينَ. وفائِدَةُ عَطْفِها عَلى ما قَبْلَها: المُبالَغَةُ في تَهْوِيلِ الخَطْبِ، وتَفْظِيعِ الأمْرِ؛ فَإنَّ اخْتِصاصَ القُوَّةِ بِهِ تَعالى لا يُوجِبُ شِدَّةَ العَذابِ، لِجَوازِ تَرْكِهِ عَفْوًا مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ. وجَوابُ لَوْ: مَحْذُوفٌ لِلْإيذانِ بِخُرُوجِهِ عَنْ دائِرَةِ البَيانِ، إمّا لِعَدَمِ الإحاطَةِ بِكُنْهِهِ، وإمّا لِضِيقِ العِبارَةِ عَنْهُ، وإمّا لِإيجابِ ذِكْرِهِ ما لا يَسْتَطِيعُهُ المُعَبِّرُ أوِ المُسْتَمِعُ مِنَ الضَّجَرِ والتَّفَجُّعِ عَلَيْهِ؛ أيْ: لَكانَ مِنهم ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ مِنَ النَّدَمِ والحَسْرَةِ ووُقُوعِ العِلْمِ بِظُلْمِهِمْ وضَلالِهِمْ. ونَظِيرُهُ - في حَذْفِ الجَوابِ - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧] وقَوْلُهُمْ: لَوْ رَأيْتَ فُلانًا والسِّياطُ تَأْخُذُهُ. وقُرِئَ: (ولَوْ تَرى) بِالتّاءِ عَلى خِطابِ الرَّسُولِ أوْ كُلِّ مُخاطَبٍ؛ أيْ: ولَوْ تَرى ذَلِكَ لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا في الفَظاعَةِ والهَوْلِ.
2:166Page 25
إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ ١٦٦
[And they should consider that] when those who have been followed disassociate themselves from those who followed [them], and they [all] see the punishment, and cut off from them are the ties [of relationship],
(p-٣٦٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٦] ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾
﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ بَدَلٌ مِن: ﴿إذْ يَرَوْنَ﴾ [البقرة: ١٦٥] أيْ: تَبَرَّأ المَتْبُوعُونَ وهُمُ الرُّؤَساءُ الآمِرُونَ بِاتِّخاذِ الأنْدادِ وكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ مِنَ الأتْباعِ، بِأنِ اعْتَرَفُوا بِبُطْلانِ ما كانُوا يَدْعُونَهُ في الدُّنْيا لَهُمْ، أوْ يَدْعُونَهم إلَيْهِ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والضَّلالِ، واعْتَزَلُوا عَنْ مُخالَطَتِهِمْ، وقابَلُوهم بِاللَّعْنِ. وقُرِئَ الأوَّلُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والثّانِي عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: تَبَرَّأ الأتْباعُ مِنَ الرُّؤَساءِ: ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ الواوُ لِلْحالِ، أيْ: تَبَرَّأُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ أيِ: الوُصَلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُمْ، مِنَ الِاتِّفاقِ عَلى دِينٍ واحِدٍ، ومِنَ الأنْسابِ، والمَحابِّ، والِاتِّباعِ، والِاسْتِتْباعِ.
2:167Page 25
وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ ١٦٧
Those who followed will say, "If only we had another turn [at worldly life] so we could disassociate ourselves from them as they have disassociated themselves from us." Thus will Allāh show them their deeds as regrets upon them. And they are never to emerge from the Fire.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٧] ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾
﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ حِينَ عايَنُوا تَبَرُّؤَ الرُّؤَساءِ مِنهُمْ، ونَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا مِنِ اتِّباعِهِمْ لَهم في الدُّنْيا: ﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ أيْ: لَيْتَ لَنا رَجْعَةً إلى الدُّنْيا: ﴿فَنَتَبَرَّأ مِنهُمْ﴾ هُناكَ، ومِن عِبادَتِهِمْ، ونَعْبُدُهُ تَعالى وحْدَهُ: ﴿كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ اليَوْمَ. وهم كاذِبُونَ في هَذا، بَلْ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ، كَما أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِذَلِكَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ تِلْكَ الإراءَةِ الفَظِيعَةِ: ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ﴾ نَدَماتٍ شَدِيدَةً: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: تَذْهَبُ وتَضْمَحِلُّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] (p-٣٦٥)وقالَ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً﴾ [النور: ٣٩] الآيَةَ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١] ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبإ: ٣٢] ﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبإ: ٣٣] ؟ وقالَ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ [مريم: ٨١] ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]
(p-٣٦٦)وقالَ الخَلِيلُ لِقَوْمِهِ: ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ويَقُولُونَ: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١] وقالَ تَعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥] ﴿وإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٦] وقالَ تَعالى: ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]
2:168Page 25
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ ١٦٨
O mankind, eat from whatever is on earth [that is] lawful and good and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.
(p-٣٦٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٦٨] ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا﴾ حالٌ أوْ مَفْعُولٌ، وهو ما انْتَفى عَنْهُ حُكْمُ التَّحْرِيمِ: ﴿طَيِّبًا﴾ أيْ: مُسْتَطابًا في نَفْسِهِ، غَيْرَ ضارٍّ لِلْأبْدانِ ولا لِلْعُقُولِ.
وقَدْ رَوى الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ فَقامَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ! فَقالَ: «يا سَعْدُ! أطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ. والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! إنَّ الرَّجُلَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الحَرامَ في جَوْفِهِ ما يُتَقَبَّلُ مِنهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأيُّما عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْتِ والرِّبا فالنّارُ أوْلى بِهِ...!»»: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ وهي طَرائِقُهُ ومَسالِكُهُ فِيما أضَلَّ أتْباعَهُ فِيهِ مِن تَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ والوَصائِلِ ونَحْوِها... مِمّا زَيَّنَهُ لَهم في جاهِلِيَّتِهِمْ، كَما في حَدِيثِ عِياضِ بْنِ حِمارٍ الَّذِي في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: إنَّ كُلَّ مالٍ مَنَحْتُهُ عِبادِي فَهو لَهم حَلالٌ» . وفِيهِ: «وإنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ، فَجاءَتْهُمُ الشَّياطِينُ فاجْتالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ، وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم»» .
(p-٣٦٨)ومِمّا يَدْخُلُ في خُطُواتِ الشَّيْطانِ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ، ومِنها: النُّذُورُ في المَعاصِي كَما قالَهُ بَعْضُ السَّلَفِ في الآيَةِ.
قالَ الشَّعْبِيُّ: نَذَرَ رَجُلٌ أنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ، فَأفْتاهُ مَسْرُوقٌ بِذَبْحِ كَبْشٍ، وقالَ: هَذا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ!
قالَ أبُو الضُّحى عَنْ مَسْرُوقٍ: أتى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِضَرْعٍ ومِلْحٍ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ فاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ناوِلُوا صاحِبَكُمْ، فَقالَ: لا أُرِيدُهُ. فَقالَ: أصائِمٌ أنْتَ؟ قالَ: لا..! قالَ: فَما شَأْنُكَ؟ قالَ حَرَّمْتُ أنْ آكُلَ ضَرْعًا أبَدًا...! فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، فَأطْعِمْ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ..! رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ.
ورُوِيَ أيْضًا عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: غَضِبْتُ يَوْمًا عَلى امْرَأتِي، فَقالَتْ: هي يَوْمًا يَهُودِيَّةٌ (p-٣٦٩)ويَوْمًا نَصْرانِيَّةٌ، وكُلُّ مَمْلُوكٍ لَها حُرٌّ إنْ لَمْ تُطَلِّقِ امْرَأتَكَ..! فَأتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقالَ: إنَّما هَذِهِ مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ..! وكَذَلِكَ قالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ - وهي يَوْمَئِذٍ أفْقَهُ امْرَأةٍ في المَدِينَةِ - وأتَيْتُ عاصِمًا وابْنَ عُمَرَ فَقالا مِثْلَ ذَلِكَ.
ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما كانَ مِن يَمِينٍ أوْ نَذْرٍ في غَضَبٍ، فَهو مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ! نَقَلَهُ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ.
﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، لِلتَّنْفِيرِ عَنْهُ والتَّحْذِيرِ مِنهُ كَما قالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] وقالَ تَعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الكهف: ٥٠]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences