Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:203–209
2:203Page 32
۞ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٠٣
And remember Allāh during [specific] numbered days. Then whoever hastens [his departure] in two days - there is no sin upon him; and whoever delays [until the third] - there is no sin upon him - for him who fears Allāh. And fear Allāh and know that unto Him you will be gathered.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٣] ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ .
﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ورَوى الإمامُ مُسْلِمٌ عَنْ نُبَيْشَةَ الهُذَلِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أيّامُ التَّشْرِيقِ (p-٥٠٥)أيّامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ اللَّهِ»» . وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: التَّكْبِيرُ في أيّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ: اللَّهُ أكْبَرُ! اللَّهُ أكْبَرُ!.
ورَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ بِمِنى تِلْكَ الأيّامِ، وخَلْفَ الصَّلَواتِ، وعَلى فِراشِهِ، وفي فُسْطاطِهِ، وفي مَجْلِسِهِ، وفي مَمْشاهُ في تِلْكَ الأيّامِ جَمِيعًا. وفي رِوايَةٍ: أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ في قُبَّتِهِ، فَيَسْمَعُهُ أهْلُ المَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ ويُكَبِّرُ أهْلُ الأسْواقِ حَتّى تَرْتَجَّ مِنى. أخْرَجَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا.
ومِنَ الذِّكْرِ في هَذِهِ الأيّامِ: التَّكْبِيرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ مِن حَصى الجِمارِ كُلَّ يَوْمٍ مِن أيّامِ التَّشْرِيقِ، فَقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ».
وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أبُو داوُدَ وغَيْرُهُ: ««إنَّما جُعِلَ الطَّوافُ بِالبَيْتِ، والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ورَمْيُ الجِمارِ لِإقامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ»» .
ورَوى مالِكٌ في مُوَطَّئِهِ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ خَرَجَ الغَدَ مِن يَوْمِ النَّحْرِ حِينَ ارْتِفاعَ النَّهارُ شَيْئًا، فَكَبَّرَ، فَكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ. ثُمَّ خَرَجَ الثّانِيَةَ مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ بَعْدَ ارْتِفاعِ النَّهارِ فَكَبَّرَ، فَكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ. ثُمَّ خَرَجَ الثّالِثَةَ حِينَ زاغَتِ الشَّمْسُ فَكَبَّرَ، فَكَبَّرَ النّاسُ بِتَكْبِيرِهِ حَتّى يَتَّصِلَ التَّكْبِيرُ ويَبْلُغَ البَيْتَ فَيُعْلَمَ أنَّ عُمَرَ قَدْ خَرَجَ يَرْمِي.
ثُمَّ قالَ مالِكٌ: والتَّكْبِيرُ في أيّامِ التَّشْرِيقِ عَلى الرِّجالِ والنِّساءِ - مَن كانَ في جَماعَةٍ أوْ وحْدَهُ بِمِنى أوْ بِالآفاقِ كُلِّها واجِبٌ.
(p-٥٠٦)ثُمَّ قالَ: الأيّامُ المَعْدُوداتُ: أيّامُ التَّشْرِيقِ.
وفِي القامُوسِ وشَرْحِهِ: التَّشْرِيقُ تَقْدِيدُ اللَّحْمِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ أيّامُ التَّشْرِيقِ وهي ثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، لِأنَّ لُحُومَ الأضاحِيِّ تُشْرِقُ فِيها، أيْ: تُشَرَّرُ في الشَّمْسِ - حَكاهُ يَعْقُوبُ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ؛ أوْ لِأنَّ الهَدْيَ لا يُنْحَرُ حَتّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ - قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وكانَ أبُو حَنِيفَةَ يَذْهَبُ بِالتَّشْرِيقِ إلى التَّكْبِيرِ، ولَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ غَيْرُهُ.
﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: فَمَن تَعَجَّلَ النَّفْرَ الأوَّلَ مِن هَذِهِ الأيّامِ الثَّلاثَةِ، فَلَمْ يَمْكُثْ حَتّى يَرْمِيَ في اليَوْمِ الثّالِثِ. واكْتَفى بِرَمْيِ الجِمارِ في يَوْمَيْنِ مِن هَذِهِ الأيّامِ الثَّلاثَةِ، فَلا يَأْثَمُ بِهَذا لِتَعْجِيلِ. وإيضاحُهُ: أنَّهُ يَجِبُ عَلى الحاجِّ المَبِيتُ بِمِنى اللَّيْلَةَ الأُولى والثّانِيَةَ مِن لَيالِي أيّامِ التَّشْرِيقِ. لِيَرْمِيَ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ الزَّوالِ إحْدى وعِشْرِينَ حَصاةً. يَرْمِي عِنْدَ كُلِّ جَمْرَةٍ سَبْعَ حَصَياتٍ. ثُمَّ مَن رَمى في اليَوْمِ الثّانِي وأرادَ أنْ يَنْفِرَ ويَدَعَ البَيْتُوتَةَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ ورَمى يَوْمَها، فَذَلِكَ واسِعٌ لَهُ: ﴿ومَن تَأخَّرَ﴾ أيْ: حَتّى رَمى في اليَوْمِ الثّالِثِ، وهو النَّفْرُ الثّانِي: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ في تَأخُّرِهِ. واعْلَمِ: السُّنَّةُ هو التَّأخُّرُ فَإنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَعَجَّلْ في يَوْمَيْنِ، بَلْ تَأخَّرَ حَتّى أكْمَلَ رَمْيَ أيّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلاثَةِ. ولا يُقالُ هَذا اللَّفْظُ - أعْنِي: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ إنَّما يُقالُ في حَقِّ المُقَصِّرِ لا في حَقِّ مَن أتى بِتَمامِ العَمَلِ، لِأنّا نَقُولُ: أتى بِهِ لِمُشاكَلَةِ اللَّفْظِ الأوَّلِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ونَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ والعَدُوّانِ لَيْسَ بِسَيِّئَةٍ (p-٥٠٧)ولا عُدْوانٍ. فَإذا حُمِلَ عَلى مُوافَقَةِ اللَّفْظِ ما لا يَصِحُّ في المَعْنى؛ فَلَأنْ يُحْمَلَ عَلى مُوافَقَةِ اللَّفْظِ ما يَصِحُّ في المَعْنى أوْلى؛ لِأنَّ المَبْرُورَ المَأْجُورَ يَصِحُّ في المَعْنى نَفْيُ الإثْمِ عَنْهُ - قالَهُ الواحِدِيُّ.
وقالَ الرّاغِبُ: رَفْعُ الإثْمِ عَنِ المُتَعَجِّلِ والمُتَأخِّرِ عَلى وجْهِ الإباحَةِ - أيْ: كِنايَةً عَنْها - وقِيلَ: رَفْعُ الإثْمِ: أنَّهُ حَطَّ ذُنُوبَهُما بِإقامَتِهِما الحَجَّ - تَعَجَّلَ أوْ تَأخَّرَ - بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ مِقْياسُهُما الِاعْتِبارَ بِالتَّقْوى، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ حَدِيثُ: ««مَن حَجَّ ولَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ»» .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الَّذِي ذُكِرَ - مِنَ التَّخْيِيرِ ونَفْيِ الإثْمِ عَنِ المُتَعَجِّلِ والمُتَأخِّرِ، أوْ مِنَ الأحْكامِ - لِمَنِ اتَّقى، لِأنَّهُ الحاجُّ عَلى الحَقِيقَةِ والمُنْتَفِعُ بِهِ، عَلى حَدِّ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٨] وقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مَجامِعِ أُمُورِكُمْ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِكُمْ، وهو تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى وبَعْثٌ عَلى التَّشَدُّدِ فِيهِ، لِأنَّ مَن تَصَوَّرَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن حِشْرٍ ومُحاسَبَةٍ ومُساءَلَةٍ، وأنَّ بَعْدَ المَوْتِ لا دارَ إلّا الجَنَّةُ أوِ النّارُ؛ صارَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّواعِي لَهُ إلى التَّقْوى. والحَشْرُ: اسْمٌ يَقَعُ عَلى ابْتِداءِ خُرُوجِهِمْ مِنَ الأجْداثِ إلى انْتِهاءِ المَوْقِفِ.
2:204Page 32
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ ٢٠٤
And of the people is he whose speech pleases you in worldly life, and he calls Allāh to witness as to what is in his heart, yet he is the fiercest of opponents.
(p-٥٠٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٤] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ﴾ .
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: يَعْظُمُ في نَفْسِكَ حَلاوَةُ حَدِيثِهِ وفَصاحَتُهُ في أمْرِ الحَياةِ الدُّنْيا الَّتِي هي مَبْلَغُ عِلْمِهِ: ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أيْ: يَحْلِفُ بِاللَّهِ عَلى الإيمانِ بِكَ والمَحَبَّةِ لَكَ، وأنَّ الَّذِي في قَلْبِهِ مُوافِقٌ لِلِسانِهِ لِئَلّا يُتَفَرَّسَ فِيهِ الكُفْرُ والعَداوَةُ، أوْ مَعْناهُ: يُظْهِرُ لَكَ الإسْلامَ ويُبارِزُ اللَّهَ بِما في قَلْبِهِ مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ - عَلى نَحْوِ ما وُصِفَ بِهِ أهْلُ النِّفاقِ حَيْثُ قالُوا: ﴿نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٨] الآيَةَ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ شَدِيدُ الخُصُومَةِ جَدَلٌ بِالباطِلِ.
2:205Page 32
وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥
And when he goes away, he strives throughout the land to cause corruption therein and destroy crops and animals. And Allāh does not like corruption.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٥] ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾
﴿وإذا تَوَلّى﴾ انْصَرَفَ عَمَّنْ خَدَعَهُ بِكَلامِهِ: ﴿سَعى﴾ - مَشى -: ﴿فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ بِإدْخالِ الشُّبَهِ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ، وبِاسْتِخْراجِ الحِيَلِ في تَقْوِيَةِ الكُفْرِ، وهَذا (p-٥٠٩)المَعْنى يُسَمّى فَسادًا، كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧] أيْ: يَرُدُّوا قَوْمَكَ عَنْ دِينِهِمْ ويُفْسِدُوا عَلَيْهِمْ شِرْعَتَهم. وسُمِّيَ هَذا المَعْنى فَسادًا لِأنَّهُ يُوقِعُ الِاخْتِلافَ بَيْنَ النّاسِ، ويُفَرِّقُ كَلِمَتَهُمْ، ويُؤَدِّي إلى أنْ يَتَبَرَّأ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَتَنْقَطِعَ الأرْحامُ، وتَنْسَفِكَ الدِّماءُ. وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ المَجِيدِ ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ﴾ أيِ: الزَّرْعَ: ﴿والنَّسْلَ﴾ أيِ: المَواشِيَ النّاتِجَةَ.
قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: وإنَّ إهْلاكَ الحَرْثِ والنَّسْلِ كِنايَةٌ عَنِ الإيذاءِ الشَّدِيدِ، وإنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ صارَ مِن قَبِيلِ المَثَلِ؛ فالمَعْنى: يُؤْذِي مُسْتَرْسِلًا في إفْسادِهِ ولَوْ أدّى إلى إهْلاكِ الحَرْثِ والنَّسْلِ.
﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ أيْ: لا يَرْضى فِعْلَهُ.
قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ حَكَمَ تَعالى بِأنَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ وهو مُفْسِدٌ لِلْأشْياءِ؟ قِيلَ: الإفْسادُ في الحَقِيقَةِ: إخْراجُ الشَّيْءِ عَنْ حالَةٍ مَحْمُودَةٍ لا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ في فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، ولا هو آمِرٌ بِهِ، ولا مُحِبٌّ لَهُ، وما يُرى مِن فِعْلِهِ، ويَظْهَرُ بِظاهِرِهِ فَسادًا، فَهو بِالإضافَةِ إلَيْنا واعْتِبارِنا لَهُ كَذَلِكَ. فَأمّا بِالنَّظَرِ الإلَهِيِّ فَكُلُّهُ صَلاحٌ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: يا مَن إفْسادُهُ إصْلاحٌ! أيْ: ما نَظُنُّهُ إفْسادًا؛ لِقُصُورِ نَظَرِنا ومَعْرِفَتِنا - فَهو في الحَقِيقَةِ إصْلاحٌ. وجُمْلَةُ الأمْرِ: إنَّ الإنْسانَ هو زُبْدَةُ هَذا العالَمِ وما سِواهُ مَخْلُوقٌ لِأجْلِهِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩] والمَقْصِدُ مِنَ الإنْسانِ سَوْقُهُ إلى كَمالِهِ (p-٥١٠)الَّذِي رَسَخَ لَهُ. فَإذَنْ: إهْلاكُ ما أمَرَ بِإهْلاكِهِ، لِإصْلاحِ الإنْسانِ وما مِنهُ أسْبابُ حَياتِهِ الأبَدِيَّةِ. ولِشَرْحِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْضِعٌ آخَرُ....
2:206Page 32
وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٢٠٦
And when it is said to him, "Fear Allāh," pride in the sin takes hold of him. Sufficient for him is Hellfire, and how wretched is the resting place.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٦] ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ .
﴿وإذا قِيلَ لَهُ﴾ عَلى نَهْجِ العِظَةِ: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ في النِّفاقِ، واحْذَرْ سُوءَ عاقِبَتِهِ. أوْ في الإفْسادِ والإهْلاكِ وفي اللَّجاجِ بِالباطِلِ: ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ أيْ: حَمَلَتْهُ الأنَفَةُ وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ عَلى الفِعْلِ بِالإثْمِ وهو التَّكَبُّرُ؛ أوِ المَعْنى: أخَذَتْهُ الحَمِيَّةُ لِلْإثْمِ الَّذِي في قَلْبِهِ فَمَنَعَتْهُ عَنْ قَبُولِ قَوْلِ النّاصِحِ: ﴿فَحَسْبُهُ﴾ أيْ: كافِيهِ: ﴿جَهَنَّمُ﴾ إذا صارَ إلَيْها واسْتَقَرَّ فِيها جَزاءً وعَذابًا: ﴿ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ أيِ: الفِراشُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ بَدَلَ فَرْشِ عِزَّتِهِ.
قالَ الرّاغِبُ: المَهْدُ مَعْرُوفٌ، وتُصَوَّرُ مِنهُ التَّوْطِئَةُ، فَقِيلَ لِكُلِّ وطِيءٍ مَهْدٌ. والمِهادُ يُجْعَلُ تارَةً جَمْعًا لِلْمَهْدِ، وتارَةً لِلْآلَةِ نَحْوَ فِراشٍ. وجَعَلَ جَهَنَّمَ مِهادًا لَهم كَما جَعَلَ العَذابَ مُبَشَّرًا بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤]
(p-٥١١)وقالَ الحاكِمُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مِن أكْبَرِ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يُقالَ لِلْعَبْدِ: اتَّقِ اللَّهَ! فَيَقُولُ عَلَيْكَ نَفْسَكَ....
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِنهُ رَدُّ قَوْلِ الواعِظِ.
وهَذِهِ الآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الحج: ٧٢]
ولَمّا أتَمَّ تَعالى الإخْبارَ عَنْ هَذا الفَرِيقِ مِنَ النّاسِ الضّالِّ، أتْبَعَهُ بِقَسِيمِهِ المُهْتَدِي. لِيَبْعَثَ العِبادَ عَلى تَجَنُّبِ صِفاتِ الفَرِيقِ الأوَّلِ، والتَّخَلُّقِ بِنُعُوتِ الثّانِي فَقالَ:
2:207Page 32
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠٧
And of the people is he who sells himself, seeking means to the approval of Allāh. And Allāh is Kind to [His] servants.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٧] ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ .
﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ أيْ: يَبِيعُها بِبَذْلِها في طاعَةِ اللَّهِ: ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ أيْ: طَلَبَ رِضاهُ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ حَيْثُ أرْشَدَهم لِما فِيهِ رِضاهُ، وأسْبَغَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً ظاهِرَةً وباطِنَةً، مَعَ كُفْرِهِمْ بِهِ، وتَقْصِيرِهِمْ في أمْرِهِ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ بَعْضُهُمْ: كانَ مُقْتَضى المُقابَلَةِ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ أنْ يُوصَفَ هَذا الفَرِيقُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ مَعَ عَدَمِ الدَّعْوى والتَّبَجُّحِ بِالقَوْلِ، أوْ مَعَ مُطابَقَةِ قَوْلِهِ لِعَمَلِهِ، ومُوافَقَةِ لِسانِهِ لِما في جَنانِهِ! والآيَةُ تَضَمَّنَتْ هَذا الوَصْفَ وإنْ لَمْ تَنْطِقْ بِهِ. فَإنَّ مَن يَبِيعُ نَفْسَهُ لِلَّهِ، لا يَبْغِي ثَمَنًا لَها غَيْرَ مَرْضاتِهِ، لا يَتَحَرّى إلّا العَمَلَ الصّالِحَ، وقَوْلَ الحَقِّ والإخْلاصَ في القَلْبِ، فَلا يَتَكَلَّمُ بِلِسانَيْنِ، (p-٥١٢)ولا يُقابِلُ النّاسَ بِوَجْهَيْنِ، ولا يُؤَثِّرُ عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ عَرَضُ الحَياةِ الدُّنْيا... وهَذا هو المُؤْمِنُ الَّذِي يَعْتَدُّ القُرْآنُ بِإيمانِهِ...
وقَدْ أخْرَجَ الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ ورَزِينٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: «أقْبَلَ صُهَيْبٌ مُهاجِرًا إلى النَّبِيِّ ﷺ، فاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ، فَنَزَلَ عَنْ راحِلَتِهِ، وانْتَثَلَ ما في كِنانَتِهِ ثُمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي مِن أرْماكم رَجُلًا. وايْمُ اللَّهِ! لا تَصِلُونَ إلَيَّ حَتّى أرْمِيَ كُلَّ سَهْمٍ مَعِي في كِنانَتِي، ثُمَّ أضْرَبَ بِسَيْفِي ما بَقِيَ في يَدِي مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ افْعَلُوا ما شِئْتُمْ، وإنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكم عَلى مالِي بِمَكَّةَ وخَلَّيْتُمْ سَبِيلِي؟ قالُوا: نَعَمْ! فَلَمّا قَدَمَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ المَدِينَةَ قالَ: «رَبِحَ البَيْعُ، أبا يَحْيى! رَبِحَ، أبا يَحْيى...!» ونَزَلَتْ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ الآيَةَ».
وأخْرَجَ الحاكِمُ في " المُسْتَدْرَكِ " نَحْوَهُ مِن طَرِيقِ ابْنِ المُسَيِّبِ عَنْ صُهَيْبٍ مَوْصُولًا. وأخْرَجَهُ أيْضًا مِن طَرِيقِ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ. وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِنُزُولِ الآيَةِ، وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في صُهَيْبٍ وغَيْرِهِ، كَما رُوِيَ في نُزُولِ الأُولى رِواياتٌ ساقَها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
ولا تَنافِيَ في ذَلِكَ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: نَزَلَتْ في كَذا، تارَةً يُرادُ بِهِ أنَّ حالًا ما كانَ سَبَبًا لِنُزُولِها، بِمَعْنى أنَّها ما نَزَلَتْ إلّا لِأجْلِهِ، وهَذا يُعْلَمُ إمّا مِن إشْعارِ الآيَةِ بِذَلِكَ، أوْ مِن رِوايَةٍ صَحَّ سَنَدُها صِحَّةً لا مَطْعَنَ فِيهِ. وتارَةً يُرادُ بِهِ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ وُقُوعِ شَأْنِ ما تَشْمَلُهُ بِعُمُومِها. فَيَقُولُ الرّاوِي عُقَيْبَ حُدُوثِ ذَلِكَ الشَّأْنِ: نَزَلَتْ في كَذا، والمُرادُ: أنَّها تَصْدُقُ عَلَيْهِ لا أنَّ ذَلِكَ الشَّأْنَ كانَ سَبَبًا لِلنُّزُولِ... وما رُوِيَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذا القَبِيلِ.
وإلى هَذا النَّوْعِ أشارَ الزَّرْكَشِيُّ في " البُرْهانِ " بِقَوْلِهِ: قَدْ عُرِفَ مِن عادَةِ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ أنَّ أحَدَهم إذا قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَذا، فَإنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّها تَتَضَمَّنُ هَذا الحُكْمَ، لا أنَّ هَذا كانَ السَّبَبَ في نُزُولِها. فَهو مِن جِنْسِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الحُكْمِ بِالآيَةِ، لا مِن جِنْسِ النَّقْلِ لِما وقَعَ....
(p-٥١٣)وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ مِمّا يَدْخُلُهُ الِاجْتِهادُ. وأنْ لا يُعَوَّلَ مِنهُ إلّا عَلى ما صَحَّ سَنَدُهُ. وما نَزَلْ عَنْهُ وارْتَقى عَنْ دَرَجَةِ الضَّعْفِ بِتَفَقُّهٍ فِيهِ.. فاحْرِصْ عَلى هَذا التَّحْقِيقِ. وقَدْ أسْلَفْنا في المُقَدِّمَةِ البَحْثَ فِيهِ مُسْتَوْفًى. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
2:208Page 32
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٠٨
O you who have believed, enter into Islām completely [and perfectly] and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ﴾ - بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها مَعَ إسْكانِ اللّامِ، فِيهِما قِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ - أيْ: في الإسْلامِ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ بْنُ عابِسٍ:
؎فَلَسْتُ مُبَدِّلًا بِاللَّهِ رَبًّا ولا مُسْتَبْدِلًا بِالسِّلْمِ دِينا
ومِثْلُهُ قَوْلُ أخِي كِنْدَةَ:
؎دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمّا ∗∗∗ رَأيْتُهم تَوَلَّوْا مُدْبِرِينا
قالَ الرّازِيُّ: أصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ الِانْقِيادِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] والإسْلامُ إنَّما سُمِّيَ إسْلامًا لِهَذا المَعْنى. وغَلَبَ اسْمُ السِّلْمِ عَلى الصُّلْحِ وتَرْكِ الحَرْبِ. وهَذا أيْضًا راجِعٌ إلى هَذا المَعْنى، لِأنَّ عِنْدَ الصُّلْحِ يَنْقادُ كُلُّ واحِدٍ لِصاحِبِهِ ولا يُنازِعُهُ فِيهِ.
ومَعْنى الآيَةِ: ادْخُلُوا في الِاسْتِسْلامِ والطّاعَةِ، أيِ: اسْتَسْلِمُوا لِلَّهِ وأطِيعُوهُ ولا تَخْرُجُوا عَنْ شَيْءٍ مِن شَرائِعِهِ: ﴿كافَّةً﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ادْخُلُوا: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: طُرُقَهُ الَّتِي يَأْمُرُكم بِها فَـ: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] (p-٥١٤)و: ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] وضَمُّ الطّاءِ مِن خُطُواتِ وإسْكانُها لُغَتانِ: حِجازِيَّةٌ وتَمِيمِيَّةٌ. وقَدْ قُرِئَ بِهِما في السَّبْعِ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ أوْ مُظْهِرٌ لَها. أيْ: بِما أخْبَرْناكم بِهِ في أمْرِ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، مِمّا شَواهِدُهُ ظاهِرَةٌ.
2:209Page 32
فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٠٩
But if you slip [i.e., deviate] after clear proofs have come to you, then know that Allāh is Exalted in Might and Wise.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠٩] ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ أيْ: عَنِ الدُّخُولِ في السِّلْمِ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ: الآياتُ الظّاهِرَةُ عَلى أنَّ ما دُعِيتُمْ إلى الدُّخُولِ فِيهِ هو الحَقُّ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ الِانْتِقامُ مِمَّنْ زَلَّ، ولا يَفُوتُهُ مَن ضَلَّ: ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَنْتَقِمُ إلّا بِحَقٍّ. وقَوْلُهُ: ﴿فاعْلَمُوا﴾ إلخ نِهايَةٌ في الوَعِيدِ؛ لِأنَّهُ يَجْمَعُ مِن ضُرُوبِ الخَوْفِ ما لا يَجْمَعُهُ الوَعِيدُ بِذِكْرِ العِقابِ. ورُبَّما قالَ الوالِدُ لِوَلَدِهِ: إنْ عَصَيْتَنِي فَأنْتَ عارِفٌ بِي وأنْتَ تَعْلَمُ قُدْرَتِي عَلَيْكَ وشِدَّةَ سَطْوَتِي. فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ - في الزَّجْرِ - أبْلَغَ مِن ذِكْرِ الضَّرْبِ وغَيْرِهِ. فَظَهَرَ تَسَبُّبُ الجَزاءِ في الآيَةِ بِما أشْعَرَ بِهِ مِنَ الزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ عَلى الشَّرْطِ المُشِيرِ إلى ذَنْبِهِمْ وجُرْمِهِمْ.
هَذا، ومِنَ الوُجُوهِ المُحْتَمَلَةِ في الآيَةِ، أنْ يَكُونَ السِّلْمُ المَذْكُورُ فِيها مَعْناهُ: الصُّلْحُ والمُسالَمَةُ وتَرْكُ المُنازَعَةِ والِاخْتِلافِ. فَمَعْنى: ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٨] كُونُوا مُتَوافِقِينَ ومُجْتَمِعِينَ في نُصْرَةِ الدِّينِ، ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ بِأنْ يَحْمِلَكم عَلى طَلَبِ الدُّنْيا والمُنازِعَةِ مَعَ النّاسِ. فَتَكُونُ الآيَةُ حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] (p-٥١٥)وقَوْلِهِ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقَوْلِهِ: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences