Al-QasimiAl‑Baqarah · 2:214–216

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:214–216

2:214Page 33

أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ٢١٤

Or do you think that you will enter Paradise while such [trial] has not yet come to you as came to those who passed on before you? They were touched by poverty and hardship and were shaken until [even their] messenger and those who believed with him said, "When is the help of Allāh?" Unquestionably, the help of Allāh is near.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١٤] ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ .

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الأنْبِياءِ ومَن مَعَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ: والحالُ أنَّهُ لَمْ يَأْتِكم مَثَلُهم بَعْدُ، ولَمْ تُبْتَلُوا بِما ابْتُلُوا بِهِ مِنَ الأحْوالِ الهائِلَةِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الفَظاعَةِ والشِّدَّةِ، سُنَّةُ اللَّهِ الَّتِي لا تَتَبَدَّلُ: ﴿مَسَّتْهُمُ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَ مَثَلُهُمْ؟ (p-٥٣٠)فَقِيلَ: مَسَّتْهُمُ ﴿البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ أيِ: الشَّدائِدُ والآلامُ: ﴿وزُلْزِلُوا﴾ أيْ: أُزْعِجُوا، مِمّا دَهَمَهم مِنَ الأهْوالِ والإفْراغِ، إزْعاجًا شَدِيدًا شَبِيهًا بِالزَّلْزَلَةِ الَّتِي تَكادُ تَهُدُّ الأرْضَ وتَدُكُّ الجِبالَ: ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ أيِ: انْتَهى أمْرُهم مِنَ الشِّدَّةِ إلى حَيْثُ اضْطَرَّهُمُ الضَّجَرُ إلى أنْ يَقُولَ الرَّسُولُ - وهو أعْلَمُ النّاسِ بِشُؤُونِ اللَّهِ تَعالى، وأوْثَقُهم بِنَصْرِهِ، وداعِيهم إلى الصَّبْرِ -: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ - وهُمُ الأثْبَتُ بَعْدَهُ، العازِمُونَ عَلى الصَّبْرِ، المُوقِنُونَ بِوَعْدِ النَّصْرِ -: ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ - اسْتِبْطاءً لَهُ، واسْتِطالَةً لِمُدَّةِ الشِّدَّةِ والعَناءِ - فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] أيْ: فاصْبِرُوا كَما صَبَرُوا تَظْفَرُوا..!. وقَدْ حَصَلَ مِن هَذا الِابْتِلاءِ جانِبٌ عَظِيمٌ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم يَوْمَ الأحْزابِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] الآياتِ.

ورَوى البُخارِيُّ عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «شَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظِلِّ الكَعْبَةِ، فَقُلْنا: ألا تَسْتَنْصِرَ لَنا؟ ألا تَدْعُوَ لَنا؟ فَقالَ: «قَدْ كانَ مَن قَبْلَكم يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيها. فَيُجاءُ بِالمِنشارِ، فَيُوضَعُ عَلى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، ويُمَشَّطُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ ما دُونُ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ، فَما يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. واللَّهِ! لَيُتِمَنَّ اللَّهُ هَذا الأمْرَ حَتّى يَسِيرَ الرّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يَخافُ إلّا اللَّهَ والذِّئْبَ عَلى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكم تَسْتَعْجِلُونَ» ...»

(p-٥٣١)وفِي رِوايَةٍ: «وهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً، وقَدْ لَقَيْنا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً...»

ولِما سَألَ هِرَقْلُ أبا سُفْيانَ: هَلْ قاتَلْتُمُوهُ؟ قالَ: نَعَمْ! قالَ: فَكَيْفَ كانَتِ الحَرْبُ بَيْنَكم قالَ: سِجالًا، يُدالُ عَلَيْنا ونُدالُ عَلَيْهِ. قالَ: كَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلى ثُمَّ تَكُونُ لَها العاقِبَةُ!.

وهَذِهِ الآيَةُ كَآيَةِ: ﴿الم﴾ [العنكبوت: ١] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]

2:215Page 33

يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٢١٥

They ask you, [O Muḥammad], what they should spend. Say, "Whatever you spend of good is [to be] for parents and relatives and orphans and the needy and the traveler. And whatever you do of good - indeed, Allāh is Knowing of it."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١٥] ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ .

﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: أيَّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَهُ مِن أصْنافِ الأمْوالِ؟: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ﴾ قَبْلَ غَيْرِهِما لِيَكُونَ أداءً لِحَقِّ تَرْبِيَتِهِما مَعَ كَوْنِهِ صِلَةَ الوَصْلِ وصَدَقَةً: ﴿والأقْرَبِينَ﴾ بَعْدَهُما لِيَكُونَ صِلَةً وصَدَقَةً: ﴿واليَتامى﴾ بَعْدَهم لِأنَّ فِيهِمُ الفَقْرَ مَعَ العَجْزِ: ﴿والمَساكِينِ﴾ بَعْدَهم لِاحْتِياجِهِمْ: ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ بَعْدَهم لِأنَّهُ كالفَقِيرِ لِغَيْبَةِ مالِهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ طابَقَ الجَوابُ السُّؤالَ، فَإنَّهم سَألُوا عَنْ بَيانِ ما يُنْفِقُونَ، وأُجِيبُوا بِبَيانِ المَصْرِفِ؟ فالجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ قَدْ تَضَمَّنَ بَيانَ ما يُنْفِقُونَهُ - وهو كُلُّ مالٍ عَدُّوهُ خَيْرًا - وبُنِي الكَلامُ عَلى ما هو أهَمُّ، وهو بَيانُ المَصْرِفِ، لِأنَّ النَّفَقَةَ لا يُعْتَدُّ بِها إلّا أنْ تَقَعَ مَوْقِعَها. قالَ الشّاعِرُ:

؎إنَّ الصَّنِيعَةَ لا تَكُونُ صَنِيعَةً حَتّى يُصابَ بِها طَرِيقُ المَصْنَعِ

؎فَإذا صَنَعْتَ صَنِيعَةً فاعْمَدْ بِها ∗∗∗ لِلَّهِ أوْ لِذَوِي القَرابَةِ أوْ دَعِ

(p-٥٣٢)فَيَكُونُ الكَلامُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] فِيما تَقَدَّمَ هَذا.

وقالَ القَفّالُ: إنَّهُ وإنْ كانَ السُّؤالُ وارِدًا بِلَفْظٍ ما إلّا أنَّ الِمَقْصُودَ السُّؤالُ عَنِ الكَيْفِيَّةِ، لِأنَّهم كانُوا عالِمِينَ أنَّ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ إنْفاقُ مالٍ يَخْرُجُ قُرْبَةً إلى اللَّهِ تَعالى. وإذا كانَ هَذا مَعْلُومًا لَمْ يَنْصَرِفِ الوَهْمُ إلى أنَّ ذَلِكَ المالَ أيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ وإذا خَرَجَ هَذا عَنْ أنْ يَكُونَ مُرادًا تَعَيَّنَ أنَّ المَطْلُوبَ بِالسُّؤالِ: أنَّ مَصْرِفَهُ أيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: ٧١] وإنَّما كانَ هَذا الجَوابُ مُوافِقًا لِذَلِكَ السُّؤالِ، لِأنَّهُ كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ البَقَرَةَ هي البَهِيمَةُ الَّتِي شَأْنُها وصِفَتُها كَذا. فَقَوْلُهُ: ما هي لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى طَلَبِ الماهِيَّةِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ طَلَبَ الصِّفَةِ الَّتِي بِها تَتَمَيَّزُ تِلْكَ البَقَرَةِ عَنْ غَيْرِها، فَبِهَذا الطَّرِيقِ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ الجَوابَ مُطابِقٌ لِذَلِكَ السُّؤالِ. فَكَذا هَهُنا، لَمّا عَلِمْنا أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ الَّذِي أُمِرُوا بِإنْفاقِهِ ما هو - وجَبَ أنْ يُقْطَعَ بِأنَّ مُرادَهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ماذا يُنْفِقُونَ﴾ ؟ لَيْسَ هو طَلَبَ الماهِيَّةِ، بَلْ طَلَبَ المَصْرِفِ، فَلِهَذا حَسُنَ هَذا الجَوابُ...!.

وأجابَ الرّاغِبُ بِجَوابَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهم سَألُوا عَنْهُما وقالُوا: ما نُنْفِقُ؟ وعَلى مَن نُنْفِقُ؟ ولَكِنْ حَذَفَ (p-٥٣٣)حِكايَةَ السُّؤالِ، أحَدُهُما: إيجازًا ودَلَّ عَلَيْهِ بِالجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: المُنْفَقُ الخَيْرُ، والمُنْفَقُ عَلَيْهِمْ هَؤُلاءِ؛ فَلَفَّفَ أحَدَ الجَوّابِينَ في الآخَرِ، وهَذا طَرِيقٌ مَعْرُوفٌ في البَلاغَةِ.

الجَوابُ الثّانِي: أنَّ السُّؤالَ ضَرْبانِ: سُؤالُ جَدَلٍ، وحَقُّهُ أنْ يُطابِقَهُ جَوابُهُ. لا زائِدًا عَلَيْهِ ولا ناقِصًا عَنْهُ. وسُؤالُ تَعْلُّمٍ، وحَقُّ المُعَلِّمِ أنْ يَكُونَ كالطَّبِيبِ يَتَحَرّى شِفاءَ سَقِيمٍ، فَيَطْلُبُ ما يَشْفِيهِ - طَلَبَهُ المَرِيضُ أوْ لَمْ يَطْلُبْ. فَلَمّا كانَ حاجَتُهم إلى مَن يُنْفِقُ المالَ عَلَيْهِمْ كَحاجَتِهِمْ إلى ما يُنْفِقُ مِنَ المالِ، بَيَّنَ لَهُمُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا. إنْ قِيلَ: كَيْفَ خَصَّ هَؤُلاءِ النَّفَرَ دُونَ غَيْرِهِمْ..؟ قِيلَ: إنَّما ذُكِرَ مَن ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ المِثالِ لِمَن يُنْفَقُ عَلَيْهِمْ، لا عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ والِاسْتِيعابِ، إذْ أصْنافُ المُنْفَقِ عَلَيْهِمْ عَلى ما قَدْ ذُكِرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى وجْهَ المَصْرِفِ وفَصَّلَهُ هَذا التَّفْصِيلَ الحَسَنَ الكامِلَ، أرْدَفَهُ بِالإجْمالِ فَقالَ: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أيْ: وكُلُّ ما فَعَلْتُمُوهُ مِن خَيْرٍ - إمّا مَعَ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ وإمّا مَعَ غَيْرِهِمْ - حِسْبَةً لِلَّهِ، وطَلَبًا لِجَزِيلِ ثَوابِهِ، وهَرَبًا مِن ألِيمِ عِقابِهِ، فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ، والعَلِيمُ مُبالَغَةٌ في كَوْنِهِ عالِمًا، يَعْنِي: لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ فَيُجازِيكم أحْسَنَ الجَزاءِ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥] وقالَ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]

2:216Page 34

كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢١٦

Battle has been enjoined upon you while it is hateful to you. But perhaps you hate a thing and it is good for you; and perhaps you love a thing and it is bad for you. And Allāh knows, while you know not.

(p-٥٣٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١٦] ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .

﴿كُتِبَ﴾ أيْ: فُرِضَ: ﴿عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ أيْ: قِتالُ المُتَعَرِّضِينَ لِقِتالِكُمْ، كَما قالَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] المُرادُ بِقِتالِهِمُ الجِهادُ فِيهِمْ بِما يُبِيدُهم أوْ يَقْهَرُهم ويَخْذُلُهم ويُضْعِفُ قُوَّتَهم.

قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: سَيْفُ الجِهادِ والقِتالِ هو آيَةُ العِزِّ، وبِهِ مُصِّرَتِ الأمْصارُ، ومُدَّنَتِ المُدُنُ، وانْتَشَرَتِ المَبادِئُ والمَذاهِبُ، وأُيِّدَتِ الشَّرائِعُ والقَوانِينُ؛ وبِهِ حَمِيَ الإسْلامُ مِن أنْ تَعْبَثَ بِهِ أيْدِي العابِثِينَ في الغابِرِ، وهو الَّذِي يَحْمِيهِ مِن طَمَعِ الطّامِعِينَ في الحاضِرِ؛ وبِهِ امْتَدَّتْ سَيْطَرَةُ الإسْلامِ إلى ما وراءَ جِبالِ الأُورالِ شَمالًا، وخَطِّ الِاسْتِواءِ جَنُوبًا، وجُدْرانِ الصِّينِ شَرْقًا، وجِبالِ البِيرْنَهْ غَرْبًا..!

قالَ: فَيَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ أنْ لا يَتَمَلَّصُوا مِن قَوْلِ بَعْضِ الأُورُبِّيِّينَ: إنَّ الدِّينَ الإسْلامِيَّ قَدِ انْتَشَرَ بِالسَّيْفِ! فَإنَّ هَذا القَوْلَ لا يَضُرُّ جَوْهَرَ الدِّينِ شَيْئًا؛ فَإنَّ المُنْصِفِينَ مِنَ الأُورُبِّيِّينَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ قامَ بِالدَّعْوَةِ والإقْناعِ، وأنَّ السَّيْفَ لَمْ يُجَرَّدْ إلّا لِحِمايَةِ الدَّعْوَةِ. وإنَّما التَّمَلُّصُ مِنهُ يَضُرُّ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ يُقْعِدُهم عَنْ نُصْرَةِ الدِّينِ بِالسَّيْفِ، ويَقُودُهم إلى التَّخاذُلِ والتَّواكُلِ، ويَحْمِلُهم عَلى الِاعْتِقادِ بِتَرْكِ الوَسائِلِ، فَيَسْتَخِذُونَ إلى الضَّعْفِ كَما هي حالَتُهُمُ اليَوْمَ، وتَبْتَلِعُهُمُ الأُمَمُ القَوِيَّةُ الَّتِي جَعَلَتْ شِعارَ تَمَدُّنِها: السَّيْفُ أوِ القُوَّةُ..!

قالَ: يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ أنْ يَدْرُسُوا آياتِ الجِهادِ صَباحَ مَساءَ، ويُطِيلُوا النَّظَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٣٥)﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] لَعَلَّهم يَتَحَفَّزُونَ إلى مُجاراةِ الأُمَمِ القَوِيَّةِ المُجاهِدَةِ في الأُمَمِ الضَّعِيفَةِ..!.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الكَراهَةِ، فَوَضَعَ المَصْدَرَ مَوْضِعَ الوَصْفِ مُبالَغَةً، كَقَوْلِ الخَنْساءِ:

؎فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ

كَأنَّهُ في نَفْسِهِ كَراهَةً لِفَرْطِ كَراهَتِهِمْ لَهُ، أوْ هو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ - كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ - أيْ: وهو مَكْرُوهٌ لَكُمْ، وهَذا الكُرْهُ إنَّما حَصَلَ مِن حَيْثُ نُفُورُ الطَّبْعِ عَنِ القِتالِ - لِما فِيهِ مِن مُؤْنَةِ المالِ، ومَشَقَّةِ النَّفْسِ، وخَطَرِ الرُّوحِ والخَوْفِ - فَلا يُنافِي الإيمانَ؛ لِأنَّ كَراهَةَ الطَّبْعِ جَبَلِيَّةٌ، لا تُنافِي الرِّضاءَ بِما كُلِّفَ بِهِ، كالمَرِيضِ الشّارِبِ لِلدَّواءِ البَشِعِ.

وفِي القامُوسِ وشَرْحِهِ: الكَرْهُ بِالفَتْحِ ويُضَمُّ: لُغَتانِ جَيِّدَتانِ بِمَعْنى الإباءِ والمَشَقَّةِ.

(p-٥٣٦)قالَ ثَعْلَبٌ: قَرَأ نافِعٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ: وهو كُرْهٌ لَكم بِالضَّمِّ في هَذا الحَرْفِ خاصَّةً، وسائِرِ القُرْآنِ بِالفَتْحِ. وكانَ عاصِمٌ يَضُمُّ هَذا الحَرْفَ والَّذِي في الأحْقافِ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ويَقْرَأُ سائِرَهُنَّ بِالفَتْحِ. وكانَ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يَضُمُّونَ هَذِهِ الحُرُوفَ الثَّلاثَةَ والَّذِي في النِّساءِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] ثُمَّ قَرَأُو ا كُلَّ شَيْءٍ سِواها بِالفَتْحِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: ونَخْتارُ ما عَلَيْهِ أهْلُ الحِجازِ: أنَّ جَمِيعَ ما في القُرْآنِ بِالفَتْحِ إلّا الَّذِي في البَقَرَةِ خاصَّةً، فَإنَّ القُرّاءَ أجْمَعُوا عَلَيْهِ!. قالَ ثَعْلَبٌ: ولا أعْلَمُ بَيْنَ الأحْرُفِ الَّتِي ضَمَّها هَؤُلاءِ وبَيْنَ الَّتِي فَتَحُوها فَرْقًا في العَرَبِيَّةِ، ولا في سُنَّةٍ تُتَّبَعُ، ولا أرى النّاسَ اتَّفَقُوا عَلى الحَرْفِ الَّذِي في سُورَةِ البَقَرَةِ خاصَّةً، إلّا أنَّهُ اسْمٌ وبَقِيَّةُ القُرْآنِ مَصادِرُ.

قالَ الأزْهَرِيُّ: وقَدْ أجْمَعَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: أنَّ الكَرَّهُ والكُرْهَ لُغَتانِ، فَبِأيِّ لُغَةٍ وقَعَ فَجائِزٌ، إلّا الفَرّاءُ فَإنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ الكُرْهَ بِالضَّمِّ: ما أكْرَهْتَ نَفْسَكَ عَلَيْهِ، وبِالفَتْحِ: ما أكْرَهَكَ غَيْرُكَ عَلَيْهِ. تَقُولُ: جِئْتُكَ كَرْهًا، وأدْخَلْتَنِي كُرْهًا، وقالَ ابْنُ سِيدَهْ: الكَرْهُ: الإباءُ والمَشَقَّةُ تَتَكَلَّفُها فَتَحْتَمِلُها، وبِالضَّمِّ: المَشَقَّةُ تَحْتَمِلُها مِن غَيْرِ أنْ تَكْلَفَها. يُقالُ: فَعَلَ ذَلِكَ كَرْهًا وعَلى كُرْهٍ. قالَ ابْنُ بِرِّي: (p-٥٣٧)ويَدُلُّ لِصِحَّةِ قَوْلِ الفَرّاءِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ بِضَمِّ الكافِ. وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ بِفَتْحِ الكافِ. فَيَصِيرُ الكَرْهُ بِالفَتْحِ، فِعْلَ المُضْطَرِّ، والكُرْهُ بِالضَّمِّ: فِعْلَ المُخْتارِ.

﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ - كالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى -: ﴿وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ إذْ فِيهِ إحْدى الحُسْنَيْنِ: إمّا الظَّفْرُ والغَنِيمَةُ، وإمّا الشَّهادَةُ والجَنَّةُ: ﴿وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ - كالقُعُودِ عَنِ الغَزْوِ -: ﴿وهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الذُّلِّ والفَقْرِ وحِرْمانِ الغَنِيمَةِ والأجْرِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما هو خَيْرٌ لَكُمْ: ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ، فَبادِرُوا إلى ما يَأْمُرُكم بِهِ وإنْ شَقَّ عَلَيْكُمْ، فَهو رَؤُوفٌ بِالعِبادِ لا يَأْمُرُهم إلّا بِخَيْرٍ.

قالَ الحَرالِيُّ: فَنَفْيُ العِلْمِ عَنْهم بِكَلِمَةِ لا أيِ: الَّتِي هي لِلِاسْتِقْبالِ حَتّى تُفِيدَ دَوامَ الِاسْتِصْحابِ. وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا. قالَ: مِن حَيْثُ رُتْبَةِ هَذا الصِّنْفِ مِنَ النّاسِ مِنَ الأعْرابِ وغَيْرِهِمْ، وأمّا المُؤْمِنُونَ - أيِ: الرّاسِخُونَ - فَقَدْ عَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِن عِلْمِهِ ما عَلِمُوا أنَّ القِتالَ خَيْرٌ لَهم وأنَّ التَّخَلُّفَ شَرٌّ لَهم.

حَتّى إنَّ عِلْمَهم ذَلِكَ أفاضَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ ما يُفِيضُ الدُّمُوعَ ويُنِيرُ القُلُوبَ، حَتّى «شاوَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ في التَّوَجُّهِ إلى غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ وأحْسَنَ، (p-٥٣٨)ثُمَّ قامَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ وأحْسَنَ، ثُمَّ قامَ المِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ امْضِ لِما أمَرَكَ اللَّهُ، فَنَحْنُ مَعَكَ، واللَّهِ! لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ! فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوْ سِرْتَ إلى بَرْكِ الغِمادِ لَجالَدْنا مَعَكَ مِن دُونِهِ حَتّى تَبْلُغَهُ..! فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرًا ودَعا لَهُ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها النّاسُ» ! فَقالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ الأنْصارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: واللَّهِ! لَكَأنَّكَ تُرِيدُنا يا رَسُولَ اللَّهِ! قالَ: «أجَلْ» . قالَ: فَقَدْ آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ، وشَهِدْنا أنَّ ما جِئْتَ بِهِ هو الحَقُّ، وأعْطَيْناكَ عَلى ذَلِكَ عُهُودَنا ومَواثِيقَنا عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ، فامْضِ يا رَسُولَ اللَّهِ لِما أرَدْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْناهُ مَعَكَ، ما تَخَلَّفَ مِنّا رَجُلٌ واحِدٌ وما نَكْرَهُ أنْ تَلْقى بِنا عَدُوَّنا غَدًا، إنّا لَصُبُرٌ في الحَرْبِ، صُدُقٌ في اللِّقاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنّا ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ».

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском