Al-QasimiAl‑Baqarah · 2:246–252

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:246–252

2:246Page 40

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٢٤٦

Have you not considered the assembly of the Children of Israel after [the time of] Moses when they said to a prophet of theirs, "Send to us a king, and we will fight in the way of Allāh"? He said, "Would you perhaps refrain from fighting if battle was prescribed for you?" They said, "And why should we not fight in the cause of Allāh when we have been driven out from our homes and from our children?" But when battle was prescribed for them, they turned away, except for a few of them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٤٦] ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا ألا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلا قَلِيلا مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ .

﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلإ﴾ وهُمُ القَوْمُ ذُو الشّارَةِ والتَّجَمُّعِ: ﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ إنَّما نُكِّرَ لِعَدَمِ مُقْتَضٍ لِتَعْرِيفِهِ، وزَعَمَ الكِتابِيُّونَ أنَّهُ صَمُوئِيلُ: (p-٦٤٢)﴿ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ أيْ: أقِمْ لَنا أمِيرًا: ﴿نُقاتِلْ﴾ أيْ: مَعَهُ عَنْ أمْرِهِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ حِينَ ظَهَرَتِ العَمالِقَةُ، قَوْمُ جالُوتَ عَلى كَثِيرٍ مِن أرْضِهِمْ: ﴿قالَ﴾ لَهم نَبِيُّهُمْ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألا تُقاتِلُوا﴾

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَبَرُ (عَسَيْتُمْ) ألّا تُقاتِلُوا. والشَّرْطُ فاصِلٌ بَيْنَهُما. والمَعْنى: هَلْ قارَبْتُمْ ألّا تُقاتِلُوا: يَعْنِي هَلِ الأمْرُ كَما أتَوَقَّعُهُ أنَّكم لا تُقاتِلُونَ؟ أرادَ أنْ يَقُولَ عَسَيْتُمْ ألّا تُقاتِلُوا بِمَعْنى أتَوَقَّعُ جُبْنَكم عَنِ القِتالِ، فَأدْخَلَ (هَلْ) مُسْتَفْهِمًا عَمّا هو مُتَوَقَّعٌ عِنْدَهُ ومَظْنُونٌ، وأرادَ بِالِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرَ وتَثْبِيتَ أنَّ المُتَوَقَّعَ كائِنٌ وأنَّهُ صائِبٌ في تَوَقُّعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ [الإنسان: ١] مَعْناهُ التَّقْرِيرُ. وقُرِئَ (عَسَيْتُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ، وهي ضَعِيفَةٌ.

﴿قالُوا وما لَنا ألا نُقاتِلَ﴾ أيْ: وأيُّ سَبَبٍ لَنا في تَرْكِ قِتالِ عَدُوِّنا: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ عَرَضَ ما يُوجِبُ القِتالَ إيجابًا قَوِيًّا مِن أخْذِ بِلادِنا وسَبْيِ أوْلادِنا: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ بَعْدَ إلْحاحِهِمْ في طَلَبِهِ: ﴿تَوَلَّوْا﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنْ قِتالِ عَدُوِّهِمْ جُبْنًا: ﴿إلا قَلِيلا مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى ظُلْمِهِمْ بِالتَّوَلِّي عَنِ القِتالِ وتَرْكِ الجِهادِ وعِصْيانًا لِأمْرِهِ تَعالى.

قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّها دَلَّتْ عَلى أحْكامٍ:

الأوَّلُ: وُجُوبُ الجِهادِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ المَشْهُورَةَ في بَنِي إسْرائِيلَ وما نالَهم تَحْذِيرًا مِن سُلُوكِ طَرِيقِهِمْ. وأيْضًا: شَرائِعُ مَن قَبْلَنا تَلْزَمُنا.

الثّانِي: أنَّ الأمِيرَ يُحْتاجُ إلَيْهِ في أمْرِ الجِهادِ لِتَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ، وقَدْ «كانَ ﷺ إذا بَعَثَ سِرِّيَّةً أمَّرَ عَلَيْها أمِيرًا». قالَ في " الكَشّافِ ": (p-٦٤٣)ورُوِيَ أنَّهُ أمَرَ النّاسِ إذا سافَرُوا أنْ يَجْعَلُوا أحَدَهم أمِيرًا عَلَيْهِمْ.

الثّالِثُ: وُجُوبُ طاعَةِ الأمِيرِ في أمْرِ السِّياسَةِ وتَدْبِيرِ الحَرْبِ، لِأنَّ سِياقَ الآيَةِ يَقْضِي بِذَلِكَ، فَفي الحَدِيثِ عَنْهُ ﷺ: ««أطِيعُوا الأمِيرَ ولَوْ كانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا»» . وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ عِلْمِ المُعامَلَةِ: أنَّهُ يَنْبَغِي في الأسْفارِ أنْ يَجْعَلَ أهْلُ السَّفَرِ لَهم أمِيرًا ودَلِيلًا وإمامًا، وهَذا مَحْمُودٌ؛ إذْ بِذَلِكَ يَنْقَطِعُ الجِدالُ وتَنْتَظِمُ أُمُورُهم. ويَلْزَمُ مِثْلُ هَذا في كُلِّ أمْرٍ يَحْتاجُ فِيهِ إلى تَرْدادٍ في الآراءِ، نَحْوَ أُمُورِ الأوْقافِ والمَساجِدِ والإمامَةِ لِكُلِّ مَسْجِدٍ ونَحْوَ هَذا.

قالَ الحاكِمُ: وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ لِلْأنْبِياءِ تَشْدِيدَ العُهُودِ والمَواثِيقِ فِيما يَلْزَمُهم ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ قالَ: هَلْ عَسَيْتُمْ وهَذا نَوْعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ عَلَيْهِمْ، وكَذا يَأْتِي في الإمامِ قِياسُ ما ذَكَرَ الحاكِمُ في النَّبِيِّ.

2:247Page 40

وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٤٧

And their prophet said to them, "Indeed, Allāh has sent to you Saul as a king." They said, "How can he have kingship over us while we are more worthy of kingship than him and he has not been given any measure of wealth?" He said, "Indeed, Allāh has chosen him over you and has increased him abundantly in knowledge and stature. And Allāh gives His sovereignty to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing [in favor] and Knowing."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٤٧] ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .

(p-٦٤٤)﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا﴾ هَذا شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما جَرى بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهم مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، إثْرَ الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى مَصِيرِ حالِهِمْ. أيْ: قالَ لَهم (بَعْدَ ما أوْحى إلَيْهِ ما أوْحى) إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا أيْ: مَلَّكَهُ عَلَيْكُمْ، فانْتَهُوا في تَدْبِيرِ الحَرْبِ إلى أمْرِهِ، وكانَ طالُوتُ مِن سِبْطٍ لَمْ يَكُنِ المُلْكُ فِيهِمْ. وطالُوتُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ كَجالُوتَ وداوُدَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ، وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّهُ عَرَبِيٌّ مِنَ (الطُّولِ) لِما وُصِفَ بِهِ مِنَ البَسْطَةِ في الجِسْمِ. ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ العَرَبِ، فَمَنعُ صَرْفِهِ لِلْعَلَمِيَّةِ وشِبْهِ العُجْمَةِ. وقَدْ زَعَمَ الكِتابِيُّونَ أنَّ طالُوتَ هو المَعْرُوفُ عِنْدَهم بِشاوُلَ ﴿قالُوا﴾ مُعْتَرِضِينَ عَلى نَبِيِّهِمْ بَلْ عَلى اللَّهِ تَعالى: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ أيْ: مِن أيْنَ يَكُونُ أوْ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ: ﴿ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾ أيْ: لِأنَّ فِينا مَن هو سِبْطُ المُلُوكِ دُونَهُ.

قالَ الحَرالِيُّ: فَثَنَّوُا اعْتِراضَهم بِما هو أشَدُّ وهو الفَخْرُ بِما ادَّعَوْهُ مِنِ اسْتِحْقاقِ المُلْكِ عَلى مَن مَلَّكَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَكانَ فِيهِ حَظٌّ مِن فَخْرِ إبْلِيسَ، حَيْثُ قالَ حِينَ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ [ص: ٧٦]

﴿ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾ أيْ: فَصارَ لَهُ مانِعانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَ مِن بَيْتِ المُلْكِ.

والثّانِي: أنَّهُ مُمْلِقٌ. والمَلِكُ لا بُدَّ لَهُ مِن مالٍ يَعْتَضِدُ بِهِ.

قالَ الحَرالِيُّ: فَكانَ في هَذِهِ الثّالِثَةِ فِتْنَةُ اسْتِصْنامِ المالِ، وأنَّهُ مِمّا يُقامُ بِهِ مُلْكٌ. وإنَّما المُلْكُ بِإيتاءِ اللَّهِ. فَكانَ في هَذِهِ الفِتْنَةِ الثّالِثَةِ جَهْلٌ وشِرْكٌ، فَتَزايَدَتْ صُنُوفُ فِتْنَتِهِمْ فِيما انْبَعَثُوا إلى طَلَبِهِ مِن أنْفُسِهِمْ.

﴿قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾ لَمّا اسْتَبْعَدُوا (p-٦٤٥)تَمَلُّكَهُ بِسُقُوطِ نَسَبِهِ وبِفَقْرِهِ، رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أوَّلًا: بِأنَّ مَلاكَ الأمْرِ هو اصْطِفاءُ اللَّهِ تَعالى وقَدِ اخْتارَهُ عَلَيْكم وهو أعْلَمُ بِالمَصالِحِ مِنكُمْ، وثانِيًا: بِأنَّ العُمْدَةَ فِيهِ وُفُورُ العِلْمِ لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِن مَعْرِفَةِ أُمُورِ السِّياسَةِ، وجَسامَةُ البَدَنِ لِيَعْظُمَ خَطَرُهُ في القُلُوبِ ويَقْدِرَ عَلى مُقاوَمَةِ الأعْداءِ ومُكابَدَةِ الحُرُوبِ، وقَدْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُما بِحَظٍّ وافِرٍ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾ في الدُّنْيا مِن غَيْرِ إرْثٍ أوْ مالٍ؛ إذْ لا يُشْتَرَطُ في حَقِّهِ تَعالى شَيْءٌ، فَهو الفَعّالُ لِما يُرِيدُ: ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ يُوَسِّعُ عَلى الفَقِيرِ ويُغْنِيهِ: ﴿عَلِيمٌ﴾ بِمَن يَلِيقُ بِالمُلْكِ مِمَّنْ لا يَلِيقُ بِهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.

قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ أنَّ النُّبُوَّةَ والإمامَةَ لا تُسْتَحَقُّ بِالإرْثِ وأنَّ الغِنى والصِّيانَةَ مِنَ الحِرَفِ الدَّنِيئَةِ، لا تُشْتَرَطُ في أمِيرٍ ولا إمامٍ ولا قاضٍ. أيْ: لَمّا رُوِيَ أنَّ طالُوتَ كانَ دَبّاغًا أوْ سَقّاءً مَعَ فَقْرِهِ. قالَ الحاكِمُ: فَيَبْطُلُ قَوْلُ الإمامِيَّةِ إنَّها وِراثَةٌ، والمَعْرُوفُ مِن قَوْلِهِمْ أنَّ الإمامَةَ طَرِيقُها النَّصُّ، وتَدُلُّ الآيَةُ أيْضًا عَلى أنَّهُ يُشْتَرَطُ في الأمِيرِ ونَحْوِهِ القُوَّةُ عَلى ما تَوَلّاهُ، فَيَكُونُ سَلِيمًا مِنَ الآفاتِ عالِمًا بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ البَسْطَةَ في العِلْمِ والجِسْمِ رَدًّا عَلى ما اعْتَبَرُوا.

2:248Page 40

وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٤٨

And their prophet said to them, "Indeed, a sign of his kingship is that the chest will come to you in which is assurance1 from your Lord and a remnant of what the family of Moses and the family of Aaron had left, carried by the angels. Indeed in that is a sign for you, if you are believers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٤٨] ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ﴾ أيْ: عَلامَةَ: ﴿مُلْكِهِ﴾ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى: ﴿أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ أيْ: يَرُدُّ اللَّهُ إلَيْكُمُ التّابُوتَ الَّذِي أُخِذَ مِنكم وهو صُنْدُوقُ التَّوْراةِ، عَلى ما سَنَذْكُرُهُ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: وقارٌ وجَلالٌ وهَيْبَةٌ، أوْ فِيهِ سُكُونُ نُفُوسِ بَنِي إسْرائِيلَ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلى (p-٦٤٦)الحَرْبِ: ﴿وبَقِيَّةٌ﴾ أيْ: فَضْلَةُ جُمْلَةٍ، ذَهَبَ جُلُّها: ﴿مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ أيْ: مِن آثارِهِمُ الفاضِلَةِ: ﴿تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في رَدِّ التّابُوتِ إلَيْكُمْ: ﴿لآيَةً لَكُمْ﴾ أنَّ مُلْكَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بِآياتِ اللَّهِ وأنْبِيائِهِ.

قالَ العَلّامَةُ البِقاعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: التّابُوتُ واللَّهُ أعْلَمُ، الصُّنْدُوقُ الَّذِي وُضِعَ فِيهِ اللَّوْحانِ اللَّذانِ كُتِبَ فِيهِما العَشْرُ الآياتِ، ويُسَمّى تابُوتَ الشَّهادَةَ، وكانُوا إذا حارَبُوا حَمَلَهُ جَماعَةٌ مِنهُمْ، مُوَظَّفُونَ لِحَمْلِهِ، ويَتَقَدَّمُونَ بِهِ أمامَ الجَيْشِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ نَصْرِهِمْ. وكانَ العَمالِقَةُ أصْحابُ جالُوتَ لَمّا ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ أخَذُوهُ في جُمْلَةِ ما أخَذُوا مِن نَفائِسِهِمْ، وكانَ عَهْدُهم بِهِ قَدْ طالَ. فَذَكَّرَهم بِمَآثِرِهِ تَرْغِيبًا فِيهِ وحَمْلًا عَلى الِانْقِيادِ لِطالُوتَ، فَقالَ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ الآيَةَ.

وفِي الإصْحاحِ الخامِسِ والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ ما نَصُّهُ:

١ * وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى قائِلًا.

٢ * كَلِّمْ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَأْخُذُوا لِي تَقْدِمَةٍ مِن كُلِّ مَن يَحُثُّهُ قَلْبُهُ تَأْخُذُونَ تَقْدِمَتِي.

٣ * وهَذِهِ هي التَّقْدِمَةُ الَّتِي تَأْخُذُونَها مِنهُمْ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ ونُحاسٌ.

٤ * وأسْمانْجُونِيٌّ وأُرْجُوانٌ وقِرْمِزٌ وبُوصٌ وشَعْرُ مِعْزى. (٥) وجُلُودُ كِباشٍ مُحَمَّرَةٌ وجُلُودُ نُخَسٍ وخَشَبُ سَنْطٍ. * ٦ * وزَيْتٌ لِلْمَنارَةِ وأطْيابٌ لِدُهْنِ المَسْحَةِ ولِلْبَخُورِ العَطِرُ. * ٧ * وحِجارَةُ جَزْعٍ، وحِجارَةُ تَرْصِيعٍ لِلرِّداءِ والصُّدْرَةِ. * ٨ * فَيَصْنَعُونَ لِي مَقْدِسًا لِأسْكُنَ في وسْطِهِمْ. * ٩ * بِحَسَبِ جَمِيعِ ما أنا أُرِيكَ مِن مِثالِ المَسْكَنِ ومِثالِ جَمِيعِ آنِيَتِهِ، هَكَذا تَصْنَعُونَ.

١٠ * فَتَصْنَعُونَ تابُوتًا مِن خَشَبِ السَّنْطِ طُولُهُ ذِراعانِ ونِصْفٌ وعَرْضُهُ ذِراعٌ ونِصْفٌ، وارْتِفاعُهُ ذِراعٌ ونِصْفٌ. * ١١ * وتَغُشِّيهِ بِذَهَبٍ نَقِيٍّ مِن داخِلٍ ومِن خارِجٍ تَغُشِّيهِ، وتَصْنَعُ عَلَيْهِ إكْلِيلًا مِن ذَهَبٍ حَوالَيْهِ. * ١٢ * وتَسْبِكُ لَهُ أرْبَعَ حَلَقاتٍ مِن ذَهَبٍ وتَجْعَلُها عَلى قَوائِمِهِ الأرْبَعِ؛ عَلى جانِبِهِ الواحِدِ حَلْقَتانِ، وعَلى جانِبِهِ الثّانِي حَلْقَتانِ. * ١٣ * وتَصْنَعُ عَصَوَيْنِ مِن خَشَبِ السَّنْطِ وتَغُشِّيهِما بِذَهَبٍ. * ١٤ * وتُدْخِلُ العَصَوَيْنِ في الحَلَقاتِ عَلى جانِبِ التّابُوتِ لِيُحْمَلَ التّابُوتُ (p-٦٤٧)بِهِما. * ١٥ * تُبْقى العَصَوانِ في حَلَقاتِ التّابُوتِ، لا تُنْزَعانِ مِنها. * ١٦ * وتَضَعُ في التّابُوتِ الشَّهادَةَ الَّتِي أُعْطِيكَ.

وفِي الإصْحاحِ الحادِي والثَّلاثِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ:

١٨ * ثُمَّ أعْطى مُوسى عِنْدَ فَراغِهِ مِنَ الكَلامِ مَعَهُ في جَبَلِ سَيْناءَ لَوْحَيِ الشَّهادَةِ: لَوْحَيْ حَجَرٍ مَكْتُوبَيْنِ بِأُصْبُعِ اللَّهِ.

وفِي الإصْحاحِ الرّابِعِ والثَّلاثِينَ مِنهُ: أنَّ مُوسى لَمّا كَسَرَ اللَّوْحَيْنِ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَنْحِتَ لَوْحَيْنِ مِثْلَ الأوَّلِينَ، وأمَرَهُ أنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِما كَلِماتِ العَهْدِ الكَلِماتِ العَشْرَ. ونَصُّهُ:

١ * ثُمَّ قالَ الرَّبُّ لِمُوسى: انْحِتْ لَكَ لَوْحَيْنِ مِن حَجَرٍ مِثْلَ الأوَّلِينَ، فَأكْتُبُ أنا عَلى اللَّوْحَيْنِ الكَلِماتِ الَّتِي كانَتْ عَلى اللَّوْحَيْنِ الأوَّلَيْنِ اللَّذَيْنِ كَسَرْتَهُما.

وفِي حَواشِي التَّوْراةِ: أنَّ تابُوتَ الشَّهادَةِ هو التّابُوتُ الَّذِي كانَ فِيهِ لَوْحا الشَّرِيعَةِ الإلَهِيَّةِ المُسَمّاةِ: شَهادَةً.

وزَعَمُوا أنَّ السِّكِّينَةَ مُعَرَّبَةٌ عَنْ (شَكِينا) في اللُّغَةِ العَبْرانِيَّةِ. وفي سِفْرِ صَمُوئِيلَ مِن سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ في الإصْحاحِ الرّابِعِ وما بَعْدَهُ نَبَأُ انْكِسارِ الإسْرائِيلِيِّينَ أمامَ الفِلَسْطِينِيِّينَ، وأخْذُ التّابُوتِ مِنَ الإسْرائِيلِيِّينَ، وأنَّهُ بَقِيَ التّابُوتُ في بِلادِ الفِلَسْطِينِيِّينَ سَبْعَةَ أشْهُرٍ، في قِصَصٍ مُسْهَبَةٍ.

2:249Page 41

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٢٤٩

And when Saul went forth with the soldiers, he said, "Indeed, Allāh will be testing you with a river. So whoever drinks from it is not of me, and whoever does not taste it is indeed of me, excepting one who takes [from it] in the hollow of his hand." But they drank from it, except a [very] few of them. Then when he had crossed it along with those who believed with him, they said, "There is no power for us today against Goliath and his soldiers." But those who were certain that they would meet Allāh said, "How many a small company has overcome a large company by permission of Allāh. And Allāh is with the patient."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٤٩] ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا مِنهم فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾

(p-٦٤٨)وقَوْلُهُ تَعالى:

﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ أيْ: خَرَجَ بِالجَيْشِ، لَمّا رَدَّ إلَيْهِمُ التّابُوتَ وقَبِلُوا مُلْكَهُ، وخَرَجُوا مَعَهُ، وكانَ طالُوتُ أخَذَ بِهِمْ في أرْضٍ قَفْرَةٍ، فَأصابَهم حَرٌّ وعَطَشٌ شَدِيدٌ: قالَ لَهم طالُوتُ: إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي، أيْ: مِن أشْياعِي الَّذِينَ يُقاتِلُونَ مَعِي عَدُوِّي، ولا يُجاوِزُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: لَمْ يَذُقْهُ. مِن: طَعِمَ، كَعَلِمَ الشَّيْءَ، إذا ذاقَهُ مَأْكُولًا كانَ أوْ مَشْرُوبًا وفي إيثارِهِ عَلى لَمْ يَشْرَبْهُ إشْعارٌ بِأنَّهُ مَحْظُورٌ تَناوُلُهُ ولَوْ مَعَ الطَّعامِ. ذَكَرُهُ الرّاغِبُ: ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ الواحِدَةَ فَإنَّهُ لا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مِنِّي، لِأنَّهُ في مَعْنى مَن لَمْ يَذُقْهُ.

قالَ الحَرالِيُّ في قِراءَةِ فَتْحِ الغَيْنِ إعْرابٌ عَنْ مَعْنى إفْرادِها، آخِذَةً ما أخَذَتْ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، وفي الضَّمِّ، إعْلامٌ بِمَلْئِها.

﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾ أيْ: إلى حَدِّ الِارْتِواءِ: ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ لَمْ يَشْرَبُوا إلّا كَما أذِنَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾ أيِ: النَّهْرَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: طالُوتُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا﴾ أيِ: المُفْرِطُونَ في الشَّرابِ: ﴿لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ لِأنَّهُ سُلِبَتْ شَجاعَتُهُمْ

وجاءَ في التَّوْراةِ تَسْمِيَتُهُ بِجُلْياتَ. عَلى ما سَنَذْكُرُهُ: ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ: ﴿أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾

2:250Page 41

وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٥٠

And when they went forth to [face] Goliath and his soldiers, they said, "Our Lord, pour upon us patience and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥٠] ﴿ولَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ .

﴿ولَمّا بَرَزُوا﴾ ظَهَرُوا: ﴿لِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ إذْ دَنَوْا مِنهُ: ﴿قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ أيْ: أفِضْهُ عَلَيْنا وأكْرِمْنا بِهِ لِقِتالِهِمْ فَلا نَجْزَعَ لِلْجِراحاتِ، وإنَّما طَلَبُوهُ أوَّلًا لِأنَّهُ (p-٦٤٩)مَلاكُ الأمْرِ: ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ في مَيْدانِ الحَرْبِ فَلا نَهْرُبَ مِنهُ: ﴿وانْصُرْنا﴾ لِأنّا مُؤْمِنُونَ بِكَ: ﴿عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ بِكَ. وهُمْ: جالُوتُ وجُنُودُهُ، وهَذا الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مِن حَزَبَهُ أمْرٌ، فَإنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ سُؤالُ المَعُونَةِ مِنَ اللَّهِ، والتَّوْفِيقِ، والِانْقِطاعُ إلَيْهِ تَعالى.

2:251Page 41

فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٥١

So they defeated them by permission of Allāh, and David killed Goliath, and Allāh gave him the kingship and wisdom [i.e., prophethood] and taught him from that which He willed. And if it were not for Allāh checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allāh is the possessor of bounty for the worlds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥١] ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ .

﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ القَلِيلُونَ، أُولَئِكَ الكَثِيرُونَ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ بِنَصْرِهِ إذْ شَجَّعَ القَلِيلِينَ وجَبَّنَ الكَثِيرِينَ: ﴿وقَتَلَ داوُدُ﴾ وكانَ في جَيْشِ طالُوتَ: ﴿جالُوتَ﴾ الَّذِي هو رَأْسُ الأقْوِياءِ: ﴿وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ أيْ: أعْطى اللَّهُ داوُدَ مُلْكَ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيِ: الفَهْمَ والنُّبُوَّةَ: ﴿وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ مِن صَنْعَةِ الدُّرُوعِ وغَيْرِها: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ﴾ مِن أهْلِ الشَّرِّ: ﴿بِبَعْضٍ﴾ مِن أهْلِ الخَيْرِ: ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ أيْ: بِغَلَبَةِ الكُفّارِ وظُهُورِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠] الآيَةَ.

﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ: مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالدَّفْعِ. ولِذَلِكَ قَوّى سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءَ وأعْطى بَعْضَهُمُ المُلْكَ والحِكْمَةَ ومِن سائِرِ العُلُومِ، لِيَدْفَعَ فَسادَ الأقْوِياءِ بِالسَّيْفِ.

2:252Page 41

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٥٢

These are the verses of Allāh which We recite to you, [O Muḥammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.

(p-٦٥٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥٢] ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ .

﴿تِلْكَ﴾ أيِ: المَذْكُوراتُ مِن إماتَةِ الأُلُوفِ وإحْيائِهِمْ وتَمْلِيكِ طالُوتَ وإتْيانِ التّابُوتِ وانْهِزامِ جالُوتَ وقَتْلِ داوُدَ إيّاهُ وتَمَلُّكِهِ: ﴿آياتُ اللَّهِ﴾ إذْ هي أخْبارُ غُيُوبٍ تَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وحِكْمَتِهِ ولُطْفِهِ: ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ أيْ: نُنَزِّلُ عَلَيْكَ جِبْرِيلَ بِها: ﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ: اليَقِينِ الَّذِي لا يُرْتابُ فِيهِ: ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتُ مِن عِلْمِكَ بِها مِن غَيْرِ مُعَلِّمٍ مِنَ البَشَرِ، ثُمَّ بِإعْجازِها الباقِي عَلى مَدى الدَّهْرِ. وفي هَذِهِ القِصَصِ مُعْتَبَرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ في احْتِمالِ الشَّدائِدِ في الجِهادِ كَما احْتَمَلَها المُؤْمِنُونَ في الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ، كَما أنَّ فِيها تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ عَرَفْتَ بِهَذِهِ الآياتِ ما جَرى عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الخِلافِ عَلَيْهِمْ والرَّدِّ لِقَوْلِهِمْ، فَلا يَعْظُمَنَّ عَلَيْكَ كُفْرُ مَن كَفَرَ بِكَ، وخِلافُ مَن خالَفَ عَلَيْكَ لِأنَّكَ مِثْلُهم. وإنَّما بُعِثَ الكُلُّ لِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ ولِامْتِثالِ الأمْرِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ والطَّوْعِ، لا عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ، فَلا عَتَبَ عَلَيْكَ في خِلافِهِمْ وكُفْرِهِمْ، والوَبالُ في ذَلِكَ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ كالتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ. أشارَ لَهُ الرّازِيُّ.

قالَ البِقاعِيُّ: ولَعَلَّ خِتامَ قِصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ بِهَذِهِ القِصَّةِ، لِما فِيها لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن واضِحِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ، لِأنَّهُ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا القَلِيلُ مِن حُذّاقِ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ.

قُلْتُ: يَرْحَمُ اللَّهُ البِقاعِيَّ، فَإنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلى هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ، مَعَ أنَّها مَسُوقَةٌ في الإصْحاحِ السّابِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ صَمُوئِيلَ الأوَّلِ ونَصُّهُ:

١ * وجَمَعَ الفِلَسْطِينِيُّونَ جُيُوشَهم لِلْحَرْبِ فاجْتَمَعُوا في سُوكُوهَ الَّتِي لِيَهُوذا ونَزَلُوا بَيْنَ سُوكُوهَ وعَرِيقَةَ في أفَسِ دَمِّيمَ.

٢ * واجْتَمَعَ شاوُلُ ورِجالُ إسْرائِيلَ ونَزَلُوا في وادِي (p-٦٥١)البُطْمِ واصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ لِلِقاءِ الفِلَسْطِينِيِّينَ. * ٣ * وكانَ الفِلَسْطِينِيُّونَ وُقُوفًا عَلى جَبَلٍ مِن هُنا وإسْرائِيلُ وُقُوفًا عَلى جَبَلٍ مِن هُناكَ والوادِي بَيْنَهم. * ٤ * فَخَرَجَ رَجُلٌ مُبارِزٌ مِن جُيُوشِ الفِلَسْطِينِيِّينَ اسْمُهُ جُلْياتُ مِن جَتَّ طُولُهُ سِتُّ أذْرُعٍ وشِبْرٌ. * ٥ * وعَلى رَأْسِهِ خُوذَةٌ مِن نُحاسٍ، وكانَ لابِسًا دِرْعًا حَرْشَفِيًّا ووَزْنُ الدِّرْعِ خَمْسَةُ آلافِ شاقِلِ نُحاسٍ. * ٦ * وجُرْمُوقًا نُحاسًا عَلى رِجْلَيْهِ، ومِزْراقَ نُحاسٍ بَيْنَ كَتِفَيْهِ.

٧ * وقَناةُ رُمْحِهِ كَنَوْلِ النَّسّاجِينَ، وسِنانُ رُمْحِهِ سِتُّ مِائَةِ شاقِلِ حَدِيدٍ، وحامِلُ التُّرْسِ كانَ يَمْشِي قُدّامَهُ. * ٨ * فَوَقَفَ ونادى صُفُوفَ إسْرائِيلَ وقالَ لَهُمْ: لِماذا تَخْرُجُونَ لِتَصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ؟ أمّا أنا الفِلَسْطِينِيُّ وأنْتُمْ عَبِيدٌ لِشاوُلَ. اخْتارُوا لِأنْفُسِكم رَجُلًا ولْيَنْزِلْ إلَيَّ. * ٩ * فَإنْ قَدَرَ أنْ يُحارِبَنِي ويَقْتُلَنِي نَصِيرُ لَكم عَبِيدًا. وإنْ قَدَرْتُ أنا عَلَيْهِ وقَتَلْتُهُ تَصِيرُونَ أنْتُمْ لَنا عَبِيدًا وتَخْدِمُونَنا.

١٠ * وقالَ الفِلَسْطِينِيُّ: أنا عَيَّرْتُ صُفُوفَ إسْرائِيلَ هَذا اليَوْمَ. أعْطُونِي رَجُلًا فَنَتَحارَبَ مَعًا. * ١١ * ولَمّا سَمِعَ شاوُلُ وجَمِيعُ إسْرائِيلَ كَلامَ الفِلَسْطِينِيِّ هَذا ارْتاعُوا وخافُوا جِدًّا.

١٢ * وداوُدُ هو ابْنُ ذَلِكَ الرَّجُلِ الأفْراتِيِّ مِن بَيْتِ لَحْمِ يَهُوذا الَّذِي اسْمُهُ: يَسّى ولَهُ ثَمانِيَةُ بَنِينَ، وكانَ الرَّجُلُ في أيّامِ شاوُلَ قَدْ شاخَ وكَبِرَ بَيْنَ النّاسِ.

١٣ * وذَهَبَ بَنُو يَسّى الثَّلاثَةُ الكِبارُ وتَبِعُوا شاوُلَ إلى الحَرْبِ، وأسْماءُ بَنِيهِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى الحَرْبِ ألِيآبُ البِكْرُ، وأبِينادابُ ثانِيهِ، وشَمَّةُ ثالِثُهُما.

١٤ * وداوُدُ هو الصَّغِيرُ، والثَّلاثَةُ الكِبارُ ذَهَبُوا وراءَ شاوُلَ. * ١٥ * وأمّا داوُدُ فَكانَ يَذْهَبُ ويَرْجِعُ مِن عِنْدِ شاوُلَ لِيَرْعى غَنَمَ أبِيهِ في بَيْتِ لَحْمٍ.

١٦ * وكانَ الفِلَسْطِينِيُّ يَتَقَدَّمُ ويَقِفُ صَباحًا ومَساءً أرْبَعِينَ يَوْمًا. * ١٧ * فَقالَ يَسّى لِداوُدَ ابْنِهِ خُذْ لِإخْوَتِكَ إيفَةً مِن هَذا الفَرِيكِ، وهَذِهِ العَشْرَ الخُبْراتِ وارْكُضْ إلى المَحَلَّةِ إلى إخْوَتِكَ. * ١٨ * وهَذِهِ العَشْرُ القِطْعاتِ مِنَ الجُبْنِ قَدِّمْها لِرَئِيسِ الألْفِ، وافْتَقِدْ سَلامَةَ إخْوَتِكَ وخُذْ مِنهم عُرْبُونًا.

١٩ * وكانَ شاوُلُ وهم وجَمِيعُ رِجالِ إسْرائِيلَ في وادِي البُطْمِ يُحارِبُونَ الفِلَسْطِينِيِّينَ.

٢٠ * فَبَكَّرَ داوُدُ صَباحًا وتَرَكَ الغَنَمَ مَعَ حارِسٍ وحَمَّلَ، وذَهَبَ كَما أمَرَهُ يَسّى وأتى إلى المِتْراسِ (p-٦٥٢)والجَيْشُ خارِجٌ إلى الِاصْطِيافِ وهَتَفُوا لِلْحَرْبِ. * ٢١ * واصْطَفَّ إسْرائِيلُ والفِلَسْطِينِيُّونَ صَفًّا مُقابِلَ صَفٍّ. * ٢٢ * فَتَرَكَ داوُدُ الأمْتِعَةَ الَّتِي مَعَهُ بِيَدِ حافِظِ الأمْتِعَةِ ورَكَضَ إلى الصَّفِّ وأتى وسَألَ عَنْ سَلامَةِ إخْوَتِهِ. * ٢٣ * وفِيما هو يُكَلِّمُهم إذا بِرَجُلٍ مُبارِزٍ اسْمُهُ جُلْياتُ الفِلَسْطِينِيُّ مِنَّ جَتَّ صاعِدٌ مِن صُفُوفِ الفِلَسْطِينِيِّينَ، وتَكَلَّمَ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ فَسَمِعَ داوُدُ. * ٢٤ * وجَمِيعُ رِجالِ إسْرائِيلَ لَمّا رَأوُا الرَّجُلَ هَرَبُوا مِنهُ وخافُوا جِدًّا.

٢٥ * فَقالَ رِجالُ إسْرائِيلَ: أرَأيْتُمْ هَذا الرَّجُلَ الصّاعِدَ. لِيُعَيِّرَ إسْرائِيلَ هو صاعِدٌ، فَيَكُونُ أنَّ الرَّجُلَ الَّذِي يَقْتُلُهُ يُغْنِيهِ المَلِكُ غِنًى جَزِيلًا، ويُعْطِيهِ بِنْتَهُ ويَجْعَلُ بَيْتَ أبِيهِ حُرًّا في إسْرائِيلَ.

٢٦ * فَكَلَّمَ داوُدُ الرِّجالَ الواقِفِينَ مَعَهُ قائِلًا: ماذا يُفْعَلُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَقْتُلُ ذَلِكَ الفِلَسْطِينِيَّ ويُزِيلُ العارَ عَنْ إسْرائِيلَ، لِأنَّهُ مَن هو هَذا الفِلَسْطِينِيُّ الأغْلَفُ حَتّى يُعَيِّرَ صُفُوفَ اللَّهِ الحَيِّ.

٢٧ * فَكَلَّمَهُ الشَّعْبُ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ قائِلِينَ: كَذا يُفْعَلُ بِالرَّجُلِ الَّذِي يَقْتُلُهُ.

٢٨ * وسَمِعَ أخُوهُ الأكْبَرُ ألِيآبُ كَلامَهُ مَعَ الرِّجالِ، فَحَمِيَ غَضَبُ ألِيآبَ عَلى داوُدَ وقالَ: لِماذا نَزَلْتَ وعَلى مَن تَرَكْتَ تِلْكَ الغُنَيْماتِ القَلِيلَةَ في البَرِّيَّةِ؟ أنا عَلِمْتُ كِبْرِياءَكَ وشَرَّ قَلْبِكَ، لِأنَّكَ نَزَلْتَ لِكَيْ تَرى الحَرْبَ.

٢٩ * فَقالَ داوُدُ: ماذا عَمِلْتُ الآنَ؟ أما هو كَلامٌ؟

٣٠ * وتَحَوَّلَ مِن عِنْدِهِ نَحْوَ آخَرَ وتَكَلَّمَ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ، فَرَدَّ لَهُ الشَّعْبُ جَوابًا كالجَوابِ الأوَّلِ.

٣١ * وسُمِعَ الكَلامُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ داوُدُ وأخْبَرُوا بِهِ أمامَ شاوُلَ، فاسْتَحْضَرَهُ.

٣٢ * فَقالَ داوُدُ لِشاوُلَ: لا يَسْقُطُ قَلْبُ أحَدٍ بِسَبَبِهِ. عَبْدُكَ يَذْهَبُ ويُحارِبُ هَذا الفِلَسْطِينِيَّ.

٣٣ * فَقالَ شاوُلُ لِداوُدَ: لا تَسْتَطِيعُ أنْ تَذْهَبَ إلى هَذا الفِلَسْطِينِيِّ لِتُحارِبَهُ لِأنَّكَ غُلامٌ وهو رَجُلُ حَرْبٍ مُنْذُ صِباهُ.

٣٤ * فَقالَ داوُدُ لِشاوُلَ: كانَ عَبْدُكَ يَرْعى لِأبِيهِ غَنَمًا فَجاءَ أسَدٌ مَعَ دُبٍّ وأخَذَ شاةً مِنَ القَطِيعِ.

٣٥ * فَخَرَجْتُ وراءَهُ وقَتَلْتُهُ وأنْقَذْتُها مِن فِيهِ، ولَمّا قامَ عَلَيَّ أمْسَكْتُهُ مِن ذَقْنِهِ وضَرَبْتُهُ فَقَتَلْتُهُ.

٣٦ * قَتَلَ عَبْدُكَ الأسَدَ والدُّبَّ جَمِيعًا. وهَذا الفِلَسْطِينِيُّ الأغْلَفُ يَكُونُ كَواحِدٍ مِنهُما لِأنَّهُ قَدْ عَيَّرَ صُفُوفَ اللَّهِ الحَيِّ.

٣٧ * وقالَ داوُدُ: الرَّبُّ الَّذِي أنْقَذَنِي مِن يَدِ الأسَدِ ومِن يَدِ الدُّبِّ (p-٦٥٣)هُوَ يُنْقِذُنِي مِن يَدِ هَذا الفِلَسْطِينِيِّ. فَقالَ شاوُلُ لِداوُدَ: اذْهَبْ ولْيَكُنِ الرَّبُّ مَعَكَ.

٣٨ * وألْبَسُ شاوُلُ داوُدَ ثِيابَهُ، وجَعَلَ خُوذَةً مِن نُحاسٍ عَلى رَأْسِهِ وألْبَسَهُ دِرْعًا.

٣٩ * فَتَقَلَّدَ داوُدُ بِسَيْفِهِ فَوْقَ ثِيابِهِ، وعَزَمَ أنْ يَمْشِيَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ جَرَّبَ. فَقالَ داوُدُ لِشاوُلَ: لا أقْدِرُ أنْ أمْشِيَ بِهَذِهِ لِأنِّي لَمْ أُجَرِّبْها. ونَزَعَها داوُدُ عَنْهُ.

٤٠ * وأخَذَ عَصاهُ بِيَدِهِ، وانْتَخَبَ لَهُ خَمْسَةَ حِجارَةٍ مُلْسٍ مِنَ الوادِي وجَعَلَها في كِنْفِ الرُّعاةِ الَّذِي لَهُ أيْ: في الجِرابِ ومِقْلاعُهُ بِيَدِهِ وتَقَدَّمَ نَحْوَ الفِلَسْطِينِيِّ.

٤١ * وذَهَبَ الفِلَسْطِينِيُّ ذاهِبًا واقْتَرَبَ إلى داوُدَ والرَّجُلُ حامِلٌ التُّرْسَ أمامَهُ.

٤٢ * ولَمّا نَظَرَ الفِلَسْطِينِيُّ ورَأى داوُدَ اسْتَحْقَرَهُ لِأنَّهُ كانَ غُلامًا وأشْقَرَ جَمِيلَ المَنظَرِ.

٤٣ * فَقالَ الفِلَسْطِينِيُّ لِداوُدَ: ألَعَلِّي أنا كَلْبٌ حَتّى أنَّكَ تَأْتِي إلَيَّ بِعِصِيٍّ؟ ولَعَنَ الفِلَسْطِينِيُّ داوُدَ بِآلِهَتِهِ.

٤٤ * وقالَ الفِلَسْطِينِيُّ لِداوُدَ تَعالَ إلَيَّ فَأُعْطِيَ لَحْمَكَ لِطُيُورِ السَّماءِ ووُحُوشِ البَرِّيَّةِ.

٤٥ * فَقالَ داوُدُ لِلْفِلَسْطِينِيِّ: أنْتَ تَأْتِي إلَيَّ بِسَيْفٍ وبِرُمْحٍ وبِتُرْسٍ. وأنا آتِي إلَيْكَ بِاسْمِ رَبِّ الجُنُودِ إلَهِ صُفُوفِ إسْرائِيلَ الَّذِي عَيَّرْتَهم.

٤٦ * هَذا اليَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ في يَدِيَّ، فَأقْتُلُكَ وأقْطَعُ رَأْسَكَ، وأُعْطِي جُثَثَ جَيْشِ الفِلَسْطِينِيِّينَ هَذا اليَوْمَ لِطُيُورِ السَّماءِ وحَيَواناتِ الأرْضِ، فَتَعْلَمُ كُلُّ الأرْضِ أنَّهُ يُوجَدُ إلَهٌ لِإسْرائِيلَ.

٤٧ * وتَعْلَمُ هَذِهِ الجَماعَةُ كُلُّها أنَّهُ لَيْسَ بِسَيْفٍ ولا بِرُمْحٍ يُخَلِّصُ الرَّبَّ لِأنَّ الحَرْبَ لِلرَّبِّ وهو يَدْفَعُكم لِيَدِنا.

٤٨ * وكانَ لَمّا قامَ الفِلَسْطِينِيُّ وذَهَبَ وتَقَدَّمَ لِلِقاءِ داوُدَ أنَّ داوُدَ أسْرَعَ ورَكَضَ نَحْوَ الصَّفِّ لِلِقاءِ الفِلَسْطِينِيِّ.

٤٩ * ومَدَّ داوُدُ يَدَهُ إلى الكِنْفِ وأخَذَ مِنهُ حَجَرًا ورَماهُ بِالمِقْلاعِ، وضَرَبَ الفِلَسْطِينِيَّ في جَبْهَتِهِ، فارْتَزَّ الحَجْرُ في جَبْهَتِهِ وسَقَطَ عَلى وجْهِهِ إلى الأرْضِ.

٥٠ * فَتَمَكَّنَ داوُدُ مِنَ الفِلَسْطِينِيِّ بِالمِقْلاعِ والحَجَرِ وضَرَبَ الفِلَسْطِينِيَّ وقَتَلَهُ، ولَمْ يَكُنْ سَيْفٌ بِيَدِ داوُدَ.

٥١ * فَرَكَضَ داوُدُ ووَقَفَ عَلى الفِلَسْطِينِيِّ وأخَذَ سَيْفَهُ واخْتَرَطَهُ مِن غِمْدِهِ وقَتَلَهُ وقَطَعَ بِهِ رَأْسَهُ، فَلَمّا رَأى الفِلَسْطِينِيُّونَ أنَّ جَبّارَهم قَدْ ماتَ هَرَبُوا.

٥٢ * فَقامَ رِجالُ إسْرائِيلَ ويَهُوذا وهَتَفُوا ولَحِقُوا الفِلَسْطِينِيِّينَ حَتّى مَجِيئِكَ إلى الوادِي وحَتّى أبْوابِ عَقْرُونَ... إلخ.

(p-٦٥٤)وتَتِمَّةُ شَأْنِ داوُدَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ مَذْكُورٌ في الفُصُولِ بَعْدَ هَذا الفَصْلِ مِنَ التَّوْراةِ. فانْظُرْهُ إنْ شِئْتَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском