Al-QasimiAl‑Baqarah · 2:259–264

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:259–264

2:259Page 43

أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٥٩

Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allāh bring this to life after its death?" So Allāh caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" He [the man] said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allāh is over all things competent."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥٩] ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

(p-٦٦٩)﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾ اسْتِشْهادٌ عَلى ما ذَكَرَ تَعالى مِن ولايَتِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَقْرِيرٌ لَهُ، مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ السّابِقِ، وإيثارُ (أوِ) الفارِقَةِ عَلى (الواوِ) الجامِعَةِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ اتِّحادِ المُسْتَشْهَدِ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، والكافُ: إمّا اسْمِيَّةٌ جِيءَ بِها لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعَدُّدِ الشَّواهِدِ وعَدَمِ انْحِصارِها فِيما ذَكَرَ، وإمّا زائِدَةٌ، والمَعْنى: أوْ لَمْ تَرَ إلى مِثْلِ الَّذِي. أوْ إلى الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، كَيْفَ هَداهُ اللَّهُ تَعالى وأخْرَجَهُ مِن ظُلْمَةِ الِاشْتِباهِ إلى نُورِ العِيانِ والشُّهُودِ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ خالِيَةٌ ساقِطَةٌ حِيطانُها عَلى سُقُوفِها: ﴿قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ: كَيْفَ يُعَمِّرُ اللَّهُ هَذِهِ القَرْيَةَ بَعْدَ خَرابِها، فَكانَ مِنهُ كالوُقُوعِ في الظُّلُماتِ، فَأراهُ الدَّلِيلَ عَلى الإحْياءِ الحَقِيقِيِّ في نَفْسِهِ مُبالَغَةً في قَلْعِ الشُّبْهَةِ، إخْراجًا لَهُ مِنها إلى النُّورِ: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ﴾ لِيَنْدَرِسَ بِالكُلِّيَّةِ: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أيْ: أحْياهُ بِبَعْثِ رُوحِهِ إلى بَدَنِهِ وبَعْضِ أجْزائِهِ إلى بَعْضٍ بَعْدَ تَفَرُّقِها: ﴿قالَ﴾ اللَّهُ لَهُ: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ أيْ: مَكَثْتَ مَيِّتًا: ﴿قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قالَهُ بِناءً عَلى التَّقْرِيبِ والتَّخْمِينِ، أوِ اسْتِقْصارًا لِمُدَّةِ لُبْثِهِ: ﴿قالَ﴾ اللَّهُ: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ وإنَّما سَألَهُ تَعالى لِيَظْهَرَ لَهُ عَجْزُهُ عَنِ الإحاطَةِ بِشُؤُونِهِ، وأنَّ إحْياءَهُ لَيْسَ بَعْدَ مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، رُبَّما يُتَوَهَّمُ أنَّهُ هَيِّنٌ في الجُمْلَةِ، بَلْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ويَنْحَسِمُ بِهِ مادَّةُ اسْتِبْعادِهِ بِالمَرَّةِ. ويَطَّلِعُ في تَضاعِيفِهِ عَلى أمْرٍ آخَرَ مِن بَدائِعِ آثارِ قُدْرَتِهِ تَعالى، وهو إبْقاءُ الغِذاءِ المُتَسارِعِ إلى الفَسادِ بِالطَّبْعِ، عَلى ما كانَ عَلَيْهِ دَهْرًا طَوِيلًا، مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ ما، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فانْظُرْ﴾ لِتُعايِنَ أمْرًا آخَرَ مَن دَلائِلِ قُدْرَتِنا: ﴿إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أيْ: لَمْ يَتَغَيَّرْ في هَذِهِ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ مَعَ تَداعِيهِ إلى الفَسادِ. والهاءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هاءَ سَكْتٍ زِيدَتْ في الوَقْفِ. وأصْلُ الفِعْلِ عَلى هَذا فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: يَتَسَنَّنُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] فَلَمّا اجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ قُلِبَتِ الأخِيرَةُ ياءً كَما قُلِبَتْ في تَظَنَّيْتُ ثُمَّ أُبْدِلَتِ الياءُ ألِفًا ثُمَّ حُذِفَتْ لِلْجَزْمِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ أصْلُ الألِفِ واوًا مِن قَوْلِهِمْ: أسْنى يُسْنِي إذا مَضَتْ عَلَيْهِ السُّنُونَ. وأصْلُ سِنَةٌ سِنْوَةٌ، لِقَوْلِهِمْ: سَنَواتٌ، أيْ: لَمْ تَمُرَّ عَلَيْهِ السُّنُونَ. والمَعْنى عَلى التَّشْبِيهِ. أيْ: كَأنَّهُ لَمْ تَمُرَّ (p-٦٧٠)عَلَيْهِ المِائَةُ سَنَةٍ لِبَقائِهِ عَلى حالِهِ وعَدَمِ تَغَيُّرِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهاءُ أصْلًا ويَكُونَ اشْتِقاقُهُ مِنَ السَّنَةِ، بِناءً عَلى أنَّ لامَ السَّنَةِ هاءٌ وأصْلَها سَنْهَةٌ. لِقَوْلِهِمْ: سَنْهاءُ وعامَلْتُهُ مُسانَهَةً. فَعَلى هَذا تَثْبُتُ الهاءُ وصْلًا ووَقْفًا؛ إذِ الفِعْلُ مَجْزُومٌ بِسُكُونِها. وعَلى الأوَّلِ تَثْبُتُ في الوَقْفِ دُونَ الوَصْلِ، ومَن أثْبَتَها في الوَصْلِ أجْراهُ مَجْرى الوَقْفِ. وقَدْ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِحَذْفِ الهاءِ وصْلًا وإثْباتِها وقْفًا والباقُونَ بِإثْباتِها وصْلًا ووَقْفًا. فَإنْ قِيلَ: ما فاعِلُ يَتَسَنّى؟ قِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الطَّعامِ والشَّرابِ؛ لِاحْتِياجِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلى الآخَرِ، فَكانا بِمَنزِلَةِ شَيْءٍ واحِدٍ، فَلِذَلِكَ أُفْرِدَ الضَّمِيرُ في الفِعْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِـ " ذَلِكَ " و" ذَلِكَ " يُكَنّى بِهِ عَنِ الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلشَّرابِ فَقَطْ، لِأنَّهُ أقْرَبُ، وثَمَّ جُمْلَةٌ أُخْرى حُذِفَتْ لِدَلالَةِ هَذِهِ عَلَيْها. والتَّقْدِيرُ: وانْظُرْ إلى طَعامِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ، وإلى شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أفْرَدَ في مَوْضِعِ التَّثْنِيَةِ كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎فَكَأنَّ في العَيْنَيْنِ حَبَّ قَرَنْفُلٍ أوْ سُنْبُلًا كُحِلَتْ بِهِ فانْهَلَّتِ

أشارَ لِذَلِكَ أبُو البَقاءِ: ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ كَيْفَ هُوَ، فَرَآهُ صارَ عِظامًا نَخِرَةً: ﴿ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ مُتَعَلِّقٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ قَبْلَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ مُقَرِّرٍ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ. أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا، مِن إحْيائِكَ بَعْدَ ما ذُكِرَ، لِتُعايِنَ ما اسْتَبْعَدْتَهُ مِنَ الإحْياءِ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ. ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ عَلى البَعْثِ. أوْ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَهُ. أيْ: ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ، فَعَلْنا ما فَعَلْنا: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ﴾ أيْ: عِظامِ الحِمارِ لِتُشاهِدَ كَيْفِيَّةَ الإحْياءِ: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ قُرِئَ بِالزّايِ، أيْ: نَرْفَعُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ ونُرَكِّبُهُ عَلَيْهِ. مِنَ (النَّشْزِ) وهو المُرْتَفَعُ مِنَ الأرْضِ، وفِيها عَلى هَذا وجْهانِ: ضَمُّ النُّونِ وكَسْرُ الشِّينِ مِن (أنْشَزْتُهُ) وفَتْحُ النُّونِ وضَمُّ الشِّينِ مِن (نَشَزْتُهُ) وهُما لُغَتانِ، وقُرِئَ بِالرّاءِ. وفِيها وجْهانِ:

الأوَّلُ: فَتْحُ النُّونِ وضَمُّ الشِّينِ وماضِيهِ (نَشَرَ) فَيَكُونُ إمّا مُطاوِعُ أنْشَرَ اللَّهُ المَيِّتَ فَنَشَرَ، وحِينَئِذٍ نَشَرَ بِمَعْنى أنْشَرَ. فاللّازِمُ والمُتَعَدِّي بِلَفْظٍ واحِدٍ، وإمّا مِنَ النَّشْرِ الَّذِي هو ضِدَّ الطَّيِّ، أيْ: يَبْسُطُها بِالإحْياءِ. والثّانِي: ضَمُّ النُّونِ (p-٦٧١)وكَسْرُ الشِّينِ، أيْ: نُحْيِيها، كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] قالَهُ أبُو البَقاءِ ﴿ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا﴾ أيْ: نَسْتُرُها بِهِ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ أيِ: اتَّضَحَ لَهُ إعادَتُهُ مَعَ طَعامِهِ وشَرابِهِ وحِمارِهِ، بَعْدَ التَّلَفِ الكُلِّيِّ، وظَهَرَ لَهُ كَيْفِيَّةُ الإحْياءِ: ﴿قالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَخَرَجَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.

2:260Page 44

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٦٠

And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allāh] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allāh] said, "Take four birds and commit them to yourself.1 Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allāh is Exalted in Might and Wise."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦٠] ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: واذْكُرْ لِتَمْثِيلِ قِصَّةِ المارِّ عَلى القَرْيَةِ، في الإخْراجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، بِالإحْياءِ، قِصَّةَ إبْراهِيمَ.

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ إنَّما سَألَ ذَلِكَ لِيَصِيرَ عِلْمُهُ عِيانًا.

﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أيْ: بَلى آمَنتُ ولَكِنْ سَألْتُ لِأزْدادَ بَصِيرَةً وسُكُونَ قَلْبٍ بِرُؤْيَةِ الإحْياءِ، فَوْقَ سُكُونِهِ بِالوَحْيِ. فَإنَّ تَظاهُرَ الأدِلَّةِ أسْكَنُ لِلْقُلُوبِ وأزْيَدُ لِلْبَصِيرَةِ واليَقِينِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ شاكًّا في إحْياءِ المَوْتى قَطُّ. وإنَّما طَلَبُ المُعايِنَةِ لِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ مِن رُؤْيَةِ ما أُخْبِرَتْ عَنْهُ. ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ»» . وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ طائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ سَألَ ذَلِكَ، لِأنَّهُ شَكَّ في قُدْرَةِ اللَّهِ. واسْتَدَلُّوا بِما صَحَّ عَنْهُ ﷺ (p-٦٧٢)فِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن قَوْلِهِ: ««نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ»» . وبِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ما في القُرْآنِ عِنْدِي آيَةٌ أرْجى مِنها؛ إذْ رَضِيَ اللَّهُ مِن إبْراهِيمَ قَوْلَهُ: ﴿بَلى﴾ قالَ فَهَذا لِما يَعْتَرِضُ في النُّفُوسِ ويُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطانُ. أخْرَجَهُ عَنْهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وصَحَّحَهُ، ورَجَّحَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ بَعْدَ حِكايَتِهِ لَهُ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو عِنْدِي مَرْدُودٌ. يَعْنِي قَوْلَ هَذِهِ الطّائِفَةِ. ثُمَّ قالَ: وأمّا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ««نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ»» فَمَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ شاكًّا لَكُنّا نَحْنُ أحَقَّ بِهِ، ونَحْنُ لا نَشُكُّ، فَإبْراهِيمُ أحْرى أنْ لا يَشُكَّ، فالحَدِيثُ مَبْنِيٌّ عَلى نَفْيِ الشَّكِّ عَنْ إبْراهِيمَ، وأطالَ ابْنُ عَطِيَّةَ البَحْثَ في هَذا، وأطابَ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِثْلُ هَذا الشَّكِّ. وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ (p-٦٧٣)أنَّ أصْفِياءَهُ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، فَقالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وقالَ اللَّعِينُ: ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] وإذا لَمْ تَكُنْ لَهُ عَلَيْهِمْ سَلْطَنَةٌ فَكَيْفَ يُشَكِّكُهُمْ؟ وإنَّما سَألَ أنْ يُشاهِدَ كَيْفِيَّةَ جَمْعِ أجْزاءِ المَوْتى بَعْدَ تَفَرُّقِها، وإيصالِ الأعْصابِ والجُلُودِ بَعْدَ تَمَزُّقِها، فَأرادَ أنْ يَرْقى مِن عِلْمِ اليَقِينِ إلى عَيْنِ اليَقِينِ.

وقالَ النّاصِرُ في " الِانْتِصافِ ": الأوْلى في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُذْكَرَ فِيها المُخْتارُ في تَفْسِيرِها، مِنَ المَباحِثِ المُمْتَحَنَةِ بِالفِكْرِ المُحَرَّرِ، والنُّكَتِ المُفْصِحَةِ بِالرَّأْيِ المُخَمَّرِ، فَنَقُولُ: أمّا سُؤالُ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ لَهُ: ﴿كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ فَلَيْسَ عَنْ شَكٍّ، والعِياذُ بِاللَّهِ، في قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الإحْياءِ، ولَكِنَّهُ سُؤالٌ عَنْ كَيْفِيَّةِ الإحْياءِ، ولا يُشْتَرَطُ في الإيمانِ الإحاطَةُ بِصُورَتِها، فَإنَّما هي طَلَبُ عِلْمِ ما لا يَتَوَقَّفُ الإيمانُ عَلى عِلْمِهِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وُرُودُ السُّؤالِ بِصِيغَةِ كَيْفَ ومَوْضُوعُها السُّؤالُ عَنِ الحالِ، ونَظِيرُ هَذا السُّؤالِ أنْ يَقُولَ القائِلُ: كَيْفَ يَحْكُمُ زَيْدٌ في النّاسِ؟ فَهو لا يَشُكُّ أنَّهُ يَحْكُمُ فِيهِمْ، ولَكِنَّهُ سَألَ عَنْ كَيْفِيَّةِ حُكْمِهِ، لا ثُبُوتِهِ. ولَوْ كانَ الوَهْمُ قَدْ يَتَلاعَبُ بِبَعْضِ الخاطِرِ فَيُطَرِّقُ إلى إبْراهِيمَ شَكًّا مِن هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ قَطَعَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دابِرَ هَذا الوَهْمِ بِقَوْلِهِ: ««نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ»» أيْ: ونَحْنُ لَمْ نَشُكَّ، فَلَأنْ لا يَشُكُّ إبْراهِيمُ أحْرى وأوْلى، فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ السُّؤالُ مَصْرُوفًا إلى الكَيْفِيَّةِ الَّتِي لا يَضُرُّ عَدَمُ تَصَوُّرِها ومُشاهَدَتِها بِالإيمانِ ولا تُخِلُّ بِهِ، فَما مَوْقِعُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ ؟ قُلْتُ: قَدْ وقَعْتُ لِبَعْضِ الحُذّاقِ فِيهِ عَلى لَطِيفَةٍ، وهي أنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُسْتَعْمَلُ ظاهِرًا في السُّؤالِ عَنِ الكَيْفِيَّةِ كَما مَرَّ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في الِاسْتِعْجازِ. مِثالُهُ: أنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أنَّهُ يَحْمِلُ ثِقْلًا مِنَ الأثْقالِ، وأنْتَ جازِمٌ بِعَجْزِهِ عَنْ حَمْلِهِ فَتَقُولُ لَهُ: أرِنِي كَيْفَ تَحْمِلُ هَذا؟ فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ (p-٦٧٤)قَدْ يَعْرِضُ لَها هَذا الِاسْتِعْمالُ الَّذِي أحاطَ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ إبْراهِيمَ مُبَرَّأٌ مِنهُ - أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ أنْ يَنْطِقَ إبْراهِيمُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى﴾ آمَنتُ. لِيَدْفَعَ عَنْهُ ذَلِكَ الِاحْتِمالَ اللَّفْظِيَّ في العِبارَةِ الأُولى.

لِيَكُونَ إيمانُهُ مُخْلِصًا، نَصَّ عَلَيْهِ بِعِبارَةٍ يَفْهَمُها كُلُّ مَن يَسْمَعُها فَهْمًا لا يَلْحَقُهُ فِيهِ شَكٌّ. فَإنْ قُلْتَ: قَدْ تَبَيَّنَ لِي وجْهُ الرَّبْطِ بَيْنَ الكَلامِ عَلى التَّقْدِيرِ المُبَيَّنِ. فَما مَوْقِعُ قَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ؟ وذَلِكَ يُشْعِرُ ظاهِرًا بِأنَّهُ كانَ عِنْدَ السُّؤالِ فاقِدًا لِلطُّمَأْنِينَةِ. قُلْتُ: مَعْناهُ: ولَكِنْ لِيَزُولَ عَنْ قَلْبِي الفِكْرُ في كَيْفِيَّةِ الحَياةِ، لِأنِّي إذا شاهَدْتُها سَكَنَ قَلْبِي عَنِ الجَوَلانِ في كَيْفِيّاتِها المُتَخَيَّلَةِ، وتَعَيَّنَتْ عِنْدِي بِالتَّصْوِيرِ المُشاهَدِ، فَهَذا أحْسَنُ ما يَجْرِي لِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. ورَبُّكَ الفَتّاحُ العَلِيمُ. انْتَهى.

﴿قالَ﴾ أيْ: إذا أرَدْتَ الطُّمَأْنِينَةَ: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ﴾ بِضَمِّ الصّادِ وكَسْرِها، بِمَعْنى: فَأمِلْهُنَّ واضْمُمْهُنَّ إلَيْكَ. يُقالُ: صارَهُ يَصُورُهُ ويَصِيرُهُ، إذا أمالَهُ، لُغَتانِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَصُرَّهُنَّ، بِضَمِّ الصّادِ وكَسْرِها وتَشْدِيدِ الرّاءِ مِن: صَرَّهُ يَصِرُّهُ ويَصُرُّهُ إذا جَمَعَهُ، وعَنْهُ: فَصُرْهُنَّ (مِنَ التَّصْرِيَةِ) وهي الجَمْعُ أيْضًا: وقالَ اللِّحْيانِيُّ: قالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى صُرْهُنَّ: وجِّهْهُنَّ. ومَعْنى صِرْهُنَّ: قَطِّعْهُنَّ وشَقِّقْهُنَّ. والمَعْرُوفُ أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. وكُلُّهم فَسَّرُوا فَصُرْهُنَّ: أمِلْهُنَّ، والكَسْرُ فُسِّرَ بِمَعْنى قَطِّعْهُنَّ. وقالَ الفَيْرُوزَآبادِيُّ في " البَصائِرِ ": قالَ بَعْضُهُمْ: صُرْهُنَّ بِضَمِّ الصّادِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ وفَتْحِها، مِنَ الصَّرِّ أيِ: الشَّدِّ. قالَ: وقُرِئَ فَصِرَّهُنَّ بِكَسْرِ الصّادِ وفَتْحِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ (مِنَ الصَّرِيرِ) أيِ: الصَّوْتِ، أيْ: صَحَّ بِهِنَّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويُقْرَأُ بِضَمِّ الصّادِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ، ثُمَّ مِنهم مَن يَضُمُّها اتِّباعًا ومِنهم مَن يَفْتَحُها تَخْفِيفًا ومِنهم مَن يَكْسِرُها عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.

أقُولُ: قَدْ تَقَرَّرَ في العَرَبِيَّةِ أنَّ المُضاعَفَ إذا لَحِقَتْهُ هاءُ الضَّمِيرِ يَلْزَمُ وجْهٌ واحِدٌ في المُؤَنَّثِ، وهو فَتْحُ ما قَبْلَها، نَحْوَ رَدَّها مُراعاةً لِلْألِفِ اتِّفاقًا، وفي المُذَكَّرِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أفْصَحُها الضَّمُّ، ويَلِيهِ الكَسْرُ وهو ضَعِيفٌ، ويَلِيهِ الفَتْحُ وهو أضْعَفُها.

ومِمَّنْ ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ في " الفَصِيحِ " (p-٦٧٥)لَكِنْ غَلَّطُوهُ لِكَوْنِهِ أوْهَمَ فَصاحَتَهُ ولَمْ يُنَبِّهْ عَلى ضَعْفِهِ ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ أيْ: ثُمَّ اذْبَحْهُنَّ وجَزِّئْهُنَّ وضَعْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنهُنَّ بَعْضًا: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ أيْ: بِأسْمائِهِنَّ: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ أيْ: مُسْرِعاتٍ: ﴿واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى أمْرِهِ بِضَمِّها إلى نَفْسِهِ بَعْدَ أنْ يَأْخُذَها؟ قُلْتُ: لِيَتَأمَّلَها ويَعْرِفَ أشْكالَها وهَيْآتِها وحُلاها؛ لِئَلّا تَلْتَبِسَ عَلَيْهِ بَعْدَ الإحْياءِ ولا يُتَوَهَّمَ أنَّها غَيْرُ تِلْكَ. ولِذَلِكَ قالَ: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ أيْ: ولَمْ يَقُلْ طَيَرانًا، لِأنَّهُ إذا كانَتْ ساعِيَةً كانَتْ أثْبَتَ لِنَظَرِهِ عَلَيْها مِن أنْ تَكُونَ طائِرَةً. واللَّهُ أعْلَمُ.

2:261Page 44

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٢٦١

The example of those who spend their wealth in the way of Allāh is like a seed [of grain] which grows seven spikes; in each spike is a hundred grains. And Allāh multiplies [His reward] for whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦١] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: في طاعَتِهِ: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ أيْ: مَثَلُ نَفَقَتِهِمْ كَمَثَلِ حَبَّةٍ، أوْ مَثَلُهم كَمَثَلِ باذِرِ حَبَّةٍ، فالحَذْفُ إمّا مِن جانِبِ المُشَبَّهِ أوِ المُشَبَّهِ بِهِ لِتَحْصِيلِ المُناسَبَةِ، أيْ: وتِلْكَ الحَبَّةُ أُلْقِيَتْ في الأرْضِ ثُمَّ: ﴿أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ أيْ: أنْبَتَتْ ساقًا انْشَعَبَ سَبْعَ شُعَبٍ، خَرَجَ مِن كُلِّ شُعْبَةٍ سُنْبُلَةٌ فِيها مِائَةُ حَبَّةٍ، فَصارَتِ الحَبَّةُ سَبْعَمِائَةِ حَبَّةٍ بِمُضاعَفَةِ اللَّهِ لَها. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا المَثَلُ أبْلَغُ في النُّفُوسِ مِن ذِكْرِ عَدَدِ السَّبْعِمِائَةِ، فَإنَّ هَذا فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ يُنَمِّيها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِأصْحابِها، كَما يُنَمِّي الزَّرْعَ لِمَن بَذَرَهُ في الأرْضِ الطَّيِّبَةِ. انْتَهى.

أقُولُ: مِصْداقُ هَذا ما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن (p-٦٧٦)تَصَدَّقَ بِعِدْلِ تَمْرَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ، ولا يَصْعَدُ إلى اللَّهِ إلّا الطَّيِّبُ، فَإنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُها بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيها لِصاحِبِها كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ، حَتّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ»» .

﴿واللَّهُ يُضاعِفُ﴾ أيْ: هَذا التَّضْعِيفَ أوْ أكْثَرَ مِنهُ: ﴿لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وقَدْ ورَدَتِ السُّنَّةُ بِتَضْعِيفِ الحَسَنَةِ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، فَفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضاعِفُ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إلّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ»» وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ بِناقَةٍ مَخْطُومَةٍ فَقالَ: هَذِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَكَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعُمِائَةِ ناقَةٍ كُلُّها مَخْطُومَةٌ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««النَّفَقَةُ في الحَجِّ كالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ. الدِّرْهَمُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ»» . وثَمَّةَ آثارٌ أُخْرى في (ابْنِ كَثِيرٍ) و(الدُّرِّ المَنثُورِ)، ثُمَّ مَدَحَ تَعالى مَن حَفِظَ نَفْسَهُ مِنَ المَنِّ والأذى فِيما أنْفَقَ بِقَوْلِهِ:

2:262Page 44

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٦٢

Those who spend their wealth in the way of Allāh and then do not follow up what they have spent with reminders [of it] or [other] injury will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦٢] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ﴾ أيْ: لا يُعَقِّبُونَ: ﴿ما أنْفَقُوا مَنًّا﴾ وهو ذِكْرُهُ لِمَن أنْفَقَ عَلَيْهِ لِيُرِيَهُ أنَّهُ أوْجَبَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ حَقًّا: ﴿ولا أذًى﴾ وهو (p-٦٧٧)ذِكْرُهُ لِغَيْرِهِ، فَيُؤْذِيهِ بِذَلِكَ أوِ التَّطاوُلُ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ: ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ المَوْعُودُ بِهِ قَبْلُ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: فِيما يَسْتَقْبِلُونَهُ مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] عَلى فائِتٍ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا، لِصَيْرُورَتِهِمْ إلى ما هو خَيْرٌ مِن ذَلِكَ.

لَطائِفُ:

الأُولى: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنى (ثُمَّ) إظْهارُ التَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكَ المَنِّ والأذى. وفي حَواشِيهِ لِلنّاصِرِ ما نَصُّهُ: (ثُمَّ) في أصْلِ وضْعِها تُشْعِرُ بِتَراخِي المَعْطُوفِ بِها عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ في الزَّمانِ وبُعْدِ ما بَيْنَهُما، والزَّمَخْشَرِيُّ يَحْمِلُها عَلى التَّفاوُتِ في المَراتِبِ والتَّباعُدِ بَيْنَهُما، حَيْثُ لا يُمْكِنُهُ حَمْلُها عَلى التَّراخِي في الزَّمانِ لِسِياقٍ يَأْبى ذَلِكَ، كَهَذِهِ الآيَةِ، وحاصِلُهُ أنَّها اسْتُعِيرَتْ مِن تَباعُدِ الأزْمِنَةِ لِتَباعُدِ المَرْتَبَةِ، وعِنْدِي فِيها وجْهٌ آخَرُ مُحْتَمَلٌ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها، وهو الدَّلالَةُ عَلى دَوامِ الفِعْلِ المَعْطُوفِ بِها وإرْخاءِ الطُّولِ في اسْتِصْحابِهِ، فَهي عَلى هَذا لَمْ تَخْرُجْ عَنِ الإشْعارِ بِبُعْدِ الزَّمَنِ، ولَكِنَّ مَعْناها الأصْلِيَّ تَراخِي زَمَنِ وُقُوعِ الفِعْلِ وحُدُوثِهِ، ومَعْناها المُسْتَعارَةُ إلَيْهِ دَوامُ وُجُودِ الفِعْلِ وتَراخِي زَمَنِ بَقائِهِ، وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣] أيْ: داوَمُوا عَلى الِاسْتِقامَةِ دَوامًا مُتَراخِيًا مُمْتَدَّ الأمَدِ، وتِلْكَ الِاسْتِقامَةُ هي المُعْتَبَرَةُ، لا ما هو مُنْقَطِعٌ إلى ضِدِّهِ مِنَ الحَيْدِ إلى الهَوى والشَّهَواتِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾ أيْ: يَدُومُونَ عَلى تَناسِي الإحْسانِ وعَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِهِ والِامْتِنانِ، لَيْسُوا بِتارِكِيهِ في أزْمِنَةٍ إلى الأذِيَّةِ، وتَقْلِيدِ المِنَنِ بِسَبَبِهِ، ثُمَّ يَتُوبُونَ. واللَّهُ أعْلَمُ. وقَرِيبٌ مِن هَذا أوْ مِثْلُهُ، أنَّ السِّينَ يَصْحَبُ الفِعْلَ لِتَنْفِيسِ زَمانِ وُقُوعِهِ وتَراخِيهِ، ثُمَّ ورَدَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً (p-٦٧٨)عَنِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] فَلَيْسَ إلى حَمْلِ السِّينِ عَلى تَراخِي زَمانِ وُقُوعِ الهِدايَةِ لَهُ مِن سَبِيلٍ. فَيَتَعَيَّنُ المَصِيرُ إلى حَمْلِها عَلى الدَّلالَةِ عَلى تَنَفُّسِ دَوامِ الهِدايَةِ الحاصِلَةِ لَهُ وتَراخِي بَقائِها وتَمادِي أمَدِها. انْتَهى.

الثّانِيَةُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ وقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ: ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤] ؟! (قُلْتُ): المَوْصُولُ لَمْ يَضْمَن هَهُنا مَعْنى الشَّرْطِ، وضَمِنَهُ ثَمَّهُ، والفَرْقُ بَيْنَهُما مِن جِهَةِ المَعْنى: أنَّ الفاءَ فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإنْفاقَ بِهِ اسْتَحَقَّ الأجْرَ، وطَرْحُها عارٍ عَنْ تِلْكَ الدَّلالَةِ.

وقالَ أبُو السُّعُودِ: وتَخْلِيَةُ الخَبَرِ عَنِ الفاءِ المُفِيدَةِ لِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها، لِلْإيذانِ بِأنَّ تَرْتِيبَ الأجْرِ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الإنْفاقِ وتَرْكِ اتِّباعِ المَنِّ والأذى - أمْرٌ بَيِّنٌ لا يَحْتاجُ إلى التَّصْرِيحِ بِالسَّبَبِيَّةِ.

2:263Page 44

۞ قَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ وَمَغۡفِرَةٌ خَيۡرٞ مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ ٢٦٣

Kind speech and forgiveness are better than charity followed by injury. And Allāh is Free of need and Forbearing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦٣] ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ .

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أيْ: مِن كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ودُعاءٍ لِمُسْلِمٍ: ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ أيْ: غَفْرٌ عَنْ ظُلْمٍ قَوْلِيٍّ أوْ فِعْلِيٍّ: ﴿خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ إذْ لا يَحْصُلُ لِلصَّدَقَةِ ثَوابٌ ويَحْصُلُ إثْمُ الأذى، وقَدْ دَخَلَ في قَوْلِهِ (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ) الرَّدُّ الجَمِيلُ لِلسّائِلِ. و(مَغْفِرَةٌ) العَفْوُ عَنِ السّائِلِ إذا وُجِدَ مِنهُ ما يَثْقُلُ عَلى المَسْؤُولِ ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عَنْ طَلَبِ صَدَقَةٍ لِعَبِيدِهِ مَعَ الأذى لَهم أوِ المَنِّ عَلَيْهِمْ: ﴿حَلِيمٌ﴾ عَنْ مُعالَجَةِ مَن يَمُنُّ ويُؤْذِي بِالعُقُوبَةِ.

2:264Page 44

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦٤

O you who have believed, do not invalidate your charities with reminders [of it] or injury as does one who spends his wealth [only] to be seen by the people and does not believe in Allāh and the Last Day. His example is like that of a [large] smooth stone upon which is dust and is hit by a downpour that leaves it bare. They are unable [to keep] anything of what they have earned. And Allāh does not guide the disbelieving people.

(p-٦٧٩)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ أيْ: لا تُحْبِطُوا أجْرَها بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فَإنَّهُما إساءَتانِ يُنافِيانِ الإحْسانَ المُعْتَبَرَ في الصَّدَقَةِ، والمُنافِي مُبْطِلٌ كالرِّياءِ.

فَيَصِيرُ المانُّ والمُؤْذِي: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ في بُطْلانِ صَدَقَتِهِ، و(رِئاءَ) إمّا مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ. أيْ: مُرائِيًا. والهَمْزَةُ الأُولى في (رِئاءَ) عَيْنُ الكَلِمَةِ لِأنَّهُ مِن: راءى، والأخِيرَةُ بَدَلٌ مِنَ الياءِ لِوُقُوعِها طَرَفًا بَعْدَ ألِفِ زائِدَةٍ كالقَضاءِ، ويَجُوزُ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ الأوْلى بِأنْ تُقْلَبَ ياءً فِرارًا مِن ثِقَلِ الهَمْزَةِ بَعْدَ الكَسْرَةِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ. قالَهُ أبُو البَقاءِ.

﴿فَمَثَلُهُ﴾ أيْ: هَذا المُنْفِقِ رِياءً، في إنْفاقِهِ مُقارِنًا لِما يُفْسِدُهُ. ومَثَلُ نَفَقَتِهِ: ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ وهو حَجَرٌ أمْلَسُ: ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ﴾ أيْ: مَطَرٌ كَثِيرٌ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أيْ: أجْرَدَ لا شَيْءَ عَلَيْهِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيِ: المُرائِي والمانُّ والمُؤْذِي، لا يَقْدِرُونَ عَلى تَحْصِيلِ شَيْءٍ مِن ثَوابِ ما عَمِلُوا لِبُطْلانِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]

فَلا يَجِدُونَ ثَوابَ صَدَقاتِهِمْ كَما لا يُوجَدُ عَلى الصَّفا التُّرابُ بَعْدَ ما أصابَهُ الوابِلُ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ إلى الخَيْرِ والرَّشادِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الرِّياءَ والمَنَّ والأذى عَلى الإنْفاقِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ، ولا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَتَجَنَّبَ عَنْها، وقَدْ ورَدَ في وعِيدِ المَنِّ بِالصَّدَقَةِ أحادِيثُ مُتَواتِرَةٌ، فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ثَلاثَةٌ (p-٦٨٠)لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ: المَنّانُ بِما أعْطى، والمُسْبِلُ إزارَهُ، والمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالحِلْفِ الكاذِبِ»» . وفي سُنَنِ النَّسائِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ ولا عاقٌّ لِوالِدَيْهِ ولا مَنّانٌ»» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском