Al-QasimiAl‑Baqarah · 2:62–66

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:62–66

2:62Page 10

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢

Indeed, those who believed and those who were Jews or Christians or Sabeans [before Prophet Muḥammad (ﷺ)] - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - will have their reward with their Lord, and no fear will there be concerning them, nor will they grieve1.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٢ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

أيْ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِما دَعا إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وصارُوا مِن جُمْلَةِ أتْباعِهِ. قالَ في فَتْحِ البَيانِ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ حالَ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وحالَ مَن قَبْلَها مِن سائِرِ المِلَلِ، يَرْجِعُ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنَّ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا اسْتَحَقَّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ الأجْرِ. ومَن فاتَهُ ذَلِكَ فاتَهُ الخَيْرُ كُلُّهُ، والأجْرُ دِقُّهُ وجُلُّهُ. والمُرادُ بِالإيمانِ هَهُنا هو ما بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن قَوْلِهِ، «لَمّا سَألَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الإيمانِ (p-١٤١)فَقالَ: «أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ»» .

ولا يَتَّصِفُ بِهَذا الإيمانِ إلّا مَن دَخَلَ في المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ. فَمَن لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ ولا بِالقُرْآنِ، فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ. ومَن آمَنَ بِهِما صارَ مُسْلِمًا مُؤْمِنًا، ولَمْ يَبْقَ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولا مَجُوسِيًّا. انْتَهى.

قالَ الرّاغِبُ في تَفْسِيرِهِ: تَقَدَّمَ أنَّ الإيمانَ يُسْتَعْمَلُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما الإقْرارُ بِالشَّهادَتَيْنِ، الَّذِي يُؤَمِّنُ نَفْسَ الإنْسانَ، ومالَهُ عَنِ الإباحَةِ إلّا بِحَقٍّ، وذَلِكَ بَعْدَ اسْتِقْرارِ هَذا الدِّينِ مُخْتَصٌّ بِهِ كالإسْلامِ. والثّانِي تَحَرِّي اليَقِينِ فِيما يَتَعاطاهُ الإنْسانُ مِن أمْرِ دِينِهِ. فَقَوْلُهُ: (p-١٤٢)"إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا" عَنى بِهِ المُتَدَيِّنَ بِدِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُهُ "مَن آمَنَ بِاللَّهِ" عَنى بِهِ المُتَحَرِّي لِلِاعْتِقادِ اليَقِينِيِّ، فَهو غَيْرُ الأوَّلِ. ولِما كانَتْ مَشاهِيرُ الأدْيانِ هَذِهِ الأرْبَعَ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ مَن تَعاطى دِينًا مِن هَذِهِ الأدْيانِ في وقْتِ شَرْعِهِ، وقَبْلَ أنْ يُنْسَخَ، فَتَحَرّى في ذَلِكَ الِاعْتِقادَ اليَقِينِيَّ، وأتْبَعَ اعْتِقادَهُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ.

ثُمَّ قالَ: وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] يَعْنُونَ أنَّ هَذِهِ الأدْيانَ كُلَّها مَنسُوخَةٌ بِدِينِ الإسْلامِ، وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ لَهُمُ الأجْرَ قَبْلَ وقْتِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَأمّا في وقْتِهِ، فالأدْيانُ كُلُّها مَنسُوخَةٌ بِدِينِهِ. اهـ. أيْ فَلَيْسَ مُرادُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَن وافَقَهُ، أنَّهُ تَعالى كانَ وعَدَ مَن عَمِلَ صالِحًا مِنَ اليَهُودِ، ومَن ذُكِرَ مَعَهم عَلى عَمَلِهِ، في الآخِرَةِ الجَنَّةَ، ثُمَّ نَسَخَهُ بِآيَةِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] بَلْ مُرادُهُ ما ذَكَرَ الرّاغِبُ. وهَذا ما لا شُبْهَةَ فِيهِ. ولِذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ظاهِرُ التَّنْزِيلِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُخَصِّصْ بِالأجْرِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ مَعَ الإيمانِ، بَعْضَ خَلْقِهِ دُونَ بَعْضٍ مِنهم، والخَبَرُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ عَنْ جَمِيعِ ما ذُكِرَ في أوَّلِ الآيَةِ.

تَنْبِيهٌ:

ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، مَعَ تَفْسِيرِ الرّاغِبِ "مَن آمَنَ" بِالمُتَحَرِّي لِلِاعْتِقادِ اليَقِينِيِّ، مِمّا قَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ العَنْبَرِيُّ لِمَذْهَبِهِ. فَقَدْ نَقَلَ الأُصُولِيُّونَ في بابِ الِاجْتِهادِ والتَّقْلِيدِ أنَّ العَنْبَرِيَّ ذَهَبَ إلى أنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، حَتّى في الأُصُولِ، ووافَقَهُ الجاحِظُ. قالَ الغَزالِيُّ في " المُسْتَصْفى ": ذَهَبَ الجاحِظُ إلى أنَّ مُخالِفَ مِلَّةِ الإسْلامِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والدَّهْرِيَّةِ، إنْ كانَ مُعانِدًا عَلى خِلافِ اعْتِقادِهِ، فَهو آثِمٌ، وإنْ نَظَرَ فَعَجَزَ عَنْ دَرْكِ الحَقِّ فَهو مَعْذُورٌ (p-١٤٣)غَيْرُ آثِمٍ، وإنْ لَمْ يَنْظُرْ مِن حَيْثُ لَمْ يَعْرِفْ وُجُوبَ النَّظَرِ، فَهو أيْضًا مَعْذُورٌ، وإنَّما الآثِمُ المُعَذَّبُ المُعانِدُ فَقَطْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها. وهَؤُلاءِ قَدْ عَجَزُوا عَنْ دَرْكِ الحَقِّ، ولَزِمُوا عَقائِدَهم خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ إذِ اسْتَدَّ عَلَيْهِمْ طَرِيقَ المَعْرِفَةِ. ثُمَّ رَدَّهُ الغَزالِيُّ بِأدِلَّةٍ سَمْعِيَّةٍ ضَرُورِيَّةٍ، وذَلِكَ مِثْلُ مَعْرِفَتِنا ضَرُورَةَ أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ اليَهُودَ والنَّصارى بِالإيمانِ بِهِ، وذَمَّهم عَلى إصْرارِهِمْ عَلى عَقائِدِهِمْ، وذَلِكَ لا يَنْحَصِرُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ.

ثُمَّ قالَ الغَزالِيُّ: وأمّا قَوْلُهُ -أيِ: الجاحِظُ-: كَيْفَ يُكَلِّفُهم ما لا يُطِيقُونَ ؟ قُلْنا: نَعْلَمُ ضَرُورَةً أنَّهُ كَلَّفَهم، أمّا أنَّهم يُطِيقُونَ أوْ لا يُطِيقُونَ، فَلْنَنْظُرْ فِيهِ، بَلْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى أنَّهُ أقْدَرُهم عَلَيْهِ بِما رَزَقَهم مِنَ العَقْلِ، ونَصَبَ مِنَ الأدِلَّةِ، وبَعَثَ مِنَ الرُّسُلِ المُؤَيَّدِينَ بِالمُعْجِزاتِ، الَّذِينَ نَبَّهُوا العُقُولَ، وحَرَّكُوا دَواعِيَ النَّظَرِ، حَتّى لَمَّ يَبْقَ عَلى اللَّهِ لِأحَدٍ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ اهـ.

وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ أيْ: تَهَوَّدُوا. يُقالُ: هادَ يَهُودُ، وتَهَوَّدَ، إذا دَخَلَ في اليَهُودِيَّةِ. وهو هائِدٌ، والجَمْعُ هُودٌ. وهم أُمَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما لَزِمَهم هَذا الِاسْمُ؛ لِأنَّ الإسْرائِيلِيِّينَ الَّذِينَ رَجَعُوا مِن جَلاءِ سَبْعِينَ سَنَةً، ومِن سَبِّي بابِلَ إلى وطَنِهِمُ القَدِيمِ، كانَ أكْثَرُهم مِن نَسْلِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ (بِالذّالِ المُعْجَمَةِ، فَقَلَبَتْها العَرَبُ دالًا مُهْمَلَةً) .

وقَوْلُهُ تَعالى "والنَّصارى" جَمْعُ نَصْرانَ، كَنَدامى جَمْعِ نَدْمانَ، يُقالُ: رَجُلٌ نَصْرانُ، وامْرَأةٌ نَصْرانِيَّةٌ، والياءُ في نَصْرانِيٍّ لِلْمُبالَغَةِ، كَما في أحْمَرِيِّ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم نَصَرُوا المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ -كَذا في " الكَشّافِ"- أوْ هو جَمْعُ نَصْرانِيٍّ، مُغَيَّرٌ عَنْ ناصِرِيٍّ نِسْبَةً إلى ناصِرَةَ -القَرْيَةِ المَعْرُوفَةِ- وقَدْ نُسِبَ إلَيْها المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ رُبِّيَ بِها. وجاءَ في الإنْجِيلِ "يَسُوعُ النّاصِرِيُّ" .

وقَوْلُهُ تَعالى "والصّابِئِينَ" جَمْعُ صابِئٍ، ويُقالُ لَهُمُ الصّابِئَةُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الصّابِئُ هو المُسْتَحْدِثُ، سِوى دِينِهِ، دِينًا، كالمُرْتَدِّ مِن أهْلِ الإسْلامِ عَنْ دِينِهِ. وكُلُّ خارِجٍ مِن دِينٍ كانَ عَلَيْهِ إلى آخَرَ غَيْرِهِ تُسَمِّيهِ العَرَبُ "صابِئًا" . يُقالُ مِنهُ: صَبا فُلانٌ يَصْبُو صِباءً، ويُقالُ: صَبَأتِ النُّجُومُ إذا طَلَعَتْ.

وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ (p-١٤٤)التَّأْوِيلِ فِيمَن يَلْزَمُهُ هَذا الِاسْمُ، مِن أهْلِ المِلَلِ. فَقالَ بَعْضِهِمْ: يَلْزَمُ ذَلِكَ كُلُّ مَن خَرَجَ مِن دِينٍ إلى غَيْرِ دِينٍ. وقالُوا: الَّذِي عَنى اللَّهُ بِهَذا الِاسْمِ قَوْمًا لا دِينَ لَهم، فَعَنْ مُجاهِدٍ: الصّابِئُونَ لَيْسُوا بِيَهُودَ ولا نَصارى، ولا دِينَ لَهم. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: الصّابِئُونَ دِينٌ مِنَ الأدْيانِ كانُوا بِجَزِيرَةِ المَوْصِلِ، يَقُولُونَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا كِتابٌ ولا نَبِيٌّ. وعَنْ قَتادَةَ: أنَّهم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ اهـ.

وقالَ الإمامُ الشُّهْرَسْتانِيُّ، في الكَلامِ عَنِ الصّابِئَةِ ما مِثالُهُ: والصَّبْوَةُ في مُقابَلَةِ الحَنِيفِيَّةِ. وفي اللُّغَةِ: صَبا الرَّجُلُ إذا مالَ وزاغَ. فَبِحُكْمِ مَيْلِ هَؤُلاءِ عَنْ سُنَنِ الحَقِّ وزَيْغِهِمْ عَنْ نَهْجِ الأنْبِياءِ قِيلَ لَهُمُ: الصّابِئَةُ. وهم يَقُولُونَ: الصَّبْوَةُ هو الِانْحِلالُ عَنْ قَيْدِ الرِّجالِ. وإنَّما مَدارُ مَذْهَبِهِمْ عَلى التَّعَصُّبِ لِلرُّوحانِيِّينَ، كَما أنَّ مَدارَ مَذْهَبِ الحُنَفاءِ هو التَّعَصُّبُ لِلْبَشَرِ الجُسْمانِيِّينَ. والصّابِئَةُ تَدَّعِي أنَّ مَذْهَبَها هو الِاكْتِسابُ، والحُنَفاءُ تَدَّعِي أنَّ مَذْهَبَها هو الفِطْرَةُ. فَدَعْوَةُ الصّابِئَةِ إلى الِاكْتِسابِ، ودَعْوَةُ الحُنَفاءِ إلى الفِطْرَةِ، فالصّابِئَةُ قَوْمٌ يَقُولُونَ بِحُدُودٍ وأحْكامٍ عَقْلِيَّةٍ، ولا يَقُولُونَ بِالشَّرِيعَةِ والإسْلامِ. فَيُقابِلُونَ أرْبابَ الدِّياناتِ تَقابُلَ التَّضادِّ. والصّابِئَةُ الأوْلى الَّذِينَ قالُوا بِعاذِيمُونَ وهَرْمَسَ، وهُما شِيتُ وإدْرِيسُ، ولَمْ يَقُولُوا بِغَيْرِهِما مِنَ الأنْبِياءِ. وهم أصْحابُ الرُّوحانِيّاتِ. فَيَعْتَقِدُونَ أنَّ لِلْعالَمِ صانِعًا حَكِيمًا مُقَدَّسًا عَنْ سِماتِ الحَدَثانِ. والواجِبُ عَلَيْنا مَعْرِفَةُ العَجْزِ عَنِ الوُصُولِ إلى جَلالِهِ، وإنَّما يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالمُتَوَسِّطاتِ المُقَرَّبِينَ لَدَيْهِ، وهُمُ الرُّوحانِيُّونَ المُطَهَّرُونَ المُقَدَّسُونَ جَوْهَرًا وفِعْلًا وحالَةً. أمّا الجَوْهَرُ فَهُمُ المُقَدَّسُونَ عَنِ المَوادِّ الجُسْمانِيَّةِ، الَّذِينَ جُبِلُوا عَلى الطَّهارَةِ، وفُطِرُوا عَلى التَّقْدِيسِ والتَّسْبِيحِ، لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. قالُوا فَنَحْنُ نَتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ ونَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ، مِنهم أرْبابُنا وآلِهَتُنا وشُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، وهو رَبُّ الأرْبابِ.

وأمّا الفِعْلُ، فَقالُوا: الرُّوحانِيّاتُ هُمُ الأسْبابُ المُتَوَسِّطُونَ في الِاخْتِراعِ وتَصْرِيفِ الأُمُورِ مِن حالٍ إلى حالٍ، يَسْتَمِدُّونَ القُوَّةَ مِنَ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ، ويُفِيضُونَ الفَيْضَ عَلى المَوْجُوداتِ السُّفْلِيَّةِ، (p-١٤٥)فَمِنها مُدَبِّراتُ الكَواكِبِ السَّبْعِ السَّيّارَةِ في أفْلاكِها وهي هَياكِلُها، ولِكُلِّ رُوحانِيٍّ هَيْكَلٌ، ولِكُلِّ هَيْكَلٍ فَلَكٌ، ونِسْبَةُ الرُّوحانِيِّ إلى ذَلِكَ الهَيْكَلِ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ نِسْبَةُ الرُّوحِ إلى الجَسَدِ، فَهو رَبُّهُ ومُدَبِّرُهُ. وكانُوا يُسَمُّونَ الهَياكِلَ أرْبابًا، ورُبَّما يُسَمُّونَها آباءً، والعَناصِرَ أُمَّهاتٍ. فَفِعْلُ الرُّوحانِيّاتِ: تَحْرِيكُها عَلى قَدْرٍ مَخْصُوصٍ لِيَحْصُلَ مِن حَرَكاتِها انْفِعالاتٌ في الطَّبائِعِ والعَناصِرِ، فَيَحْصُلُ مِن ذَلِكَ تَرْكِيباتٌ وامْتِزاجاتٌ في المُرَكَّباتِ، فَيَتْبَعُها قُوًى جُسْمانِيَّةٌ ويَرْكَبُ عَلَيْها نُفُوسٌ رُوحانِيَّةٌ: مِثْلَ أنْواعِ النَّباتِ وأنْواعِ الحَيَوانِ. ثُمَّ قَدْ تَكُونُ التَّأْثِيراتُ كُلِّيَّةً صادِرَةً عَنْ رُوحانِيٍّ كُلِّيٍّ، وقَدْ تَكُونُ جُزْئِيَّةً صادِرَةً عَنْ رُوحانِيٍّ جُزْئِيٍّ. فَمَعَ جِنْسِ المَطَرِ مَلَكٌ، ومَعَ كُلِّ قَطْرَةٍ مَلَكٌ. ومِنها مُدَبِّراتُ الآثارِ العُلْوِيَّةِ الظّاهِرَةِ في الجَوِّ مِمّا يَصْعَدُ مِنَ الأرْضِ فَيَنْزِلُ، مِثْلَ الأمْطارِ والثُّلُوجِ والبَرَدِ والرِّياحِ، وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ: مِثْلَ الصَّواعِقِ والشُّهُبِ، وما يَحْدُثُ في الجَوِّ مِنَ الرَّعْدِ، والبَرْقِ، والسَّحابِ، والضَّبابِ، وقَوْسِ قُزَحَ، وذَواتِ الأذْنابِ، والهالَةِ، والمَجَرَّةِ؛ وما يَحْدُثُ في الأرْضِ مِنَ الزَّلازِلِ، والمِياهِ، والأبْخِرَةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

قالُوا: وأمّا الحالَةُ، فَأحْوالُ الرُّوحانِيّاتِ مِنَ الرُّوحِ والرَّيْحانِ والنِّعْمَةِ واللَّذَّةِ والسُّرُورِ في جِوارِ رَبِّ الأرْبابِ كَيْفَ يَخْفى ؟ .

هَذا مُلَخَّصُ ما أفادَهُ العَلّامَةُ الشِّهْرِسْتانِيُّ في كِتابِ -المِلَلِ والنِّحَلِ- ثُمَّ ساقَ مُناظَراتٍ ومُحاوَراتٍ بَيْنَ الصّابِئَةِ والحُنَفاءِ جَرَتْ في المُفاضَلَةِ بَيْنَ الرُّوحانِيِّ المَحْضِ، والبَشَرِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وأوْرَدَها عَلى شَكْلِ سُؤالٍ وجَوابٍ. فَلْتُنْظَرْ ثَمَّ.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ في كِتابِهِ -فِي الرَّدِّ عَلى المَنطِقِيِّينَ- إنَّ حَرّانَ كانَتْ دارَ هَؤُلاءِ الصّابِئَةِ، وفِيها وُلِدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، (أوِ انْتَقَلَ إلَيْها مِنَ العِراقِ. عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ)، وكانَ بِها هَيْكَلُ الصِّلَةِ الأُولى، هَيْكَلُ العَقْلِ الأوَّلِ، هَيْكَلُ النَّفْسِ الكُلِّيَّةِ، هَيْكَلُ زُحَلَ. هَيْكَلُ المُشْتَرى. هَيْكَلُ المِرِّيخِ، هَيْكَلُ الشَّمْسِ. وكَذَلِكَ الزُّهْرَةُ، وعُطارِدُ، والقَمَرُ. وكانَ هَذا دِينَهم قَبْلَ ظُهُورِ النَّصْرانِيَّةِ فِيهِمْ. ثُمَّ ظَهَرَتِ النَّصْرانِيَّةُ فِيهِمْ مَعَ بَقاءِ أُولَئِكَ الصّابِئَةِ (p-١٤٦)المُشْرِكِينَ، حَتّى جاءَ الإسْلامُ، ولَمْ يَزَلْ بِها الصّابِئَةُ والفَلاسِفَةُ في دَوْلَةِ الإسْلامِ إلى آخِرِ وقْتٍ، ومِنهُمُ الصّابِئَةُ الَّذِينَ كانُوا بِبَغْدادَ وغَيْرِها، أطِبّاءَ وكُتّابًا، وبَعْضُهم لَمْ يُسْلِمْ. وكَذَلِكَ كانَ دِينُ أهْلِ دِمَشْقَ وغَيْرِها قَبْلَ ظُهُورِ النَّصْرانِيَّةِ. وكانُوا يُصَلُّونَ إلى القُطْبِ الشَّمالِيِّ. وتَحْتَ جامِعِ دِمَشْقَ مَعْبَدٌ كَبِيرٌ لَهُ قِبْلَةٌ إلى القُطْبِ الشَّمالِيِّ كانَ لِهَؤُلاءِ.

فَإنَّ الصّابِئَةَ نَوْعانِ: صابِئَةٌ حُنَفاءُ مُوَحِّدُونَ، وصابِئَةٌ مُشْرِكُونَ. فالأُوَلُ هُمُ الَّذِينَ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ. فَأثْنى عَلى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا. مِن هَذِهِ المِلَلِ الأرْبَعِ: المُؤْمِنِينَ واليَهُودِ والنَّصارى والصّابِئِينَ، فَهَؤُلاءِ كانُوا يَدِينُونَ بِالتَّوْراةِ قَبْلَ النَّسْخِ والتَّبْدِيلِ، وكَذَلِكَ الَّذِينَ دانُوا بِالإنْجِيلِ قَبْلَ النَّسْخِ والتَّبْدِيلِ.

والصّابِئُونَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ هَؤُلاءِ، كالمُتَّبِعِينَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ إمامِ الحُنَفاءِ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وهَذا بِخِلافِ المَجُوسِ والمُشْرِكِينَ، فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ. فَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] فَذَكَرَ المِلَلَ السِّتَّ هَؤُلاءِ، وأخْبَرَ أنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ. لَمْ يَذْكُرْ في السِّتِّ مَن كانَ مُؤْمِنًا، وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ في الأرْبَعَةِ فَقَطْ. ثُمَّ إنَّ الصّابِئِينَ ابْتَدَعُوا الشِّرْكَ فَصارُوا مُشْرِكِينَ، والفَلاسِفَةُ المُشْرِكُونَ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ.

وأمّا قُدَماءُ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، ويُؤْمِنُونَ بِأنَّ اللَّهَ مُحْدِثٌ لِهَذا العالَمِ، ويُقِرُّونَ بِمَعادِ الأبْدانِ، فَأُولَئِكَ مِنَ الصّابِئَةِ الحُنَفاءِ الَّذِينَ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ المُشْرِكُونَ مِنَ الصّابِئَةِ كانُوا يُقِرُّونَ بِحُدُوثِ هَذا العالَمِ كَما كانَ المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ يُقِرُّونَ بِحُدُوثِهِ. وكَذَلِكَ المُشْرِكُونَ مِنَ الهِنْدِ. وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ المَقالاتِ أنَّ أوَّلَ مَن ظَهَرَ عَنْهُ القَوْلُ بِقِدَمِهِ مِن هَؤُلاءِ الفَلاسِفَةِ المُشْرِكِينَ، هو أرِسْطُو. انْتَهى.

وما قَرَّرَهُ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، يُؤَيِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، مِن أنَّ مَعْنى (p-١٤٧)قَوْلِهِ تَعالى "مَن آمَنَ" مَن كانَ مِنهم في دِينِهِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ، مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، عامِلًا بِمُقْتَضى شَرْعِهِ، وذَلِكَ كَأهْلِ الكِتابَيْنِ أوْ كانَ مِنَ الصّابِئَةِ المُوَحِّدِينَ. وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ "مَن آمَنَ" مَن أحْدَثَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ، إيمانًا خالِصًا بِما ذَكَرَ. قالُوا: لِأنَّ مُقْتَضى المَقامِ هو التَّرْغِيبُ في دِينِ الإسْلامِ. وأمّا بَيانُ حالِ مَن مَضى عَلى دِينٍ آخَرَ قَبْلَ انْتِساخِهِ، فَلا مُلابَسَةَ لَهُ بِالمَقامِ، والصّابِئُونَ لَيْسَ لَهم دِينٌ يَجُوزُ رِعايَتُهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ. فَلْيَتَأمَّلْ.

وقَوْلُهُ تَعالى "فَلَهم أجْرُهُمْ" أيِ: الَّذِي وعَدُوهُ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ المَشْرُوطَةِ بِالإيمانِ، وهو في الأصْلِ جُعْلُ العامِلِ عَلى عَمَلِهِ. وفي قَوْلِهِ "عِنْدَ رَبِّهِمْ" مَزِيدُ لُطْفٍ بِهِمْ وإيذانٌ بِأنَّ أجْرَهم مُتَيَقِّنُ الثُّبُوتِ، مَأْمُونٌ مِنَ الفَواتِ. وقَوْلُهُ تَعالى "ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ" أيْ حِينَ يَخافُ الكُفّارُ العِقابَ ويَحْزَنُونَ عَلى تَفْوِيتِ الثَّوابِ.

(تَنْبِيهٌ) قالَ العَلّامَةُ البِقاعِيُّ في تَفْسِيرِهِ: وحَسَّنَ وضْعَ هَذِهِ الآيَةِ، في أثْناءِ قِصَصِهِمْ، أنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ بِقَتْلِ كُلِّ ذَكَرٍ مِمَّنْ عَداهم. ورُبَّما أُمِرُوا بِقَتْلِ النِّساءِ أيْضًا. فَرُبَّما ظُنَّ مِن ذَلِكَ أنَّ مَن آمَنَ مِن غَيْرِهِمْ لا يُقْبَلُ. وقَدْ ذُكِرَ مِنهُ في سُورَةِ المائِدَةِ، وفي وضْعِها أيْضًا في أثْناءِ قِصَصِهِمْ، إشارَةٌ إلى تَكْذِيبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] وأنَّ المَدارَ في عِصْمَةِ الدَّمِ والمالِ إنَّما هو الإيمانُ والِاسْتِقامَةُ. وذَلِكَ مَوْجُودٌ في نَصِّ التَّوْراةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. وفِيها تَهْدِيدُهم عَلى المُخالَفَةِ في ذَلِكَ بِالذُّلِّ والمَسْكَنَةِ. وسَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] الآيَةَ. بَلْ وفِيها ما يَقْتَضِي المَنعَ مِن مالِ المُخالِفِ (p-١٤٨)فِي الدِّينِ، فَإنَّهُ قالَ في وسَطِ السِّفْرِ الثّانِي: وإذا لَقِيتَ ثَوْرَ عَدُوِّكَ أوْ حِمارَهُ وعَلَيْهِ حُمُولَةٌ فارْدُدْها إلَيْهِ. وإذا رَأيْتَ حِمارَ عَدُوِّكَ جاثِمًا تَحْتَ حِمْلِهِ فَهَمَمْتَ أنْ لا تُوازِرَهُ فَوازِرْهُ وساعِدْهُ. ثُمَّ رَجَعَ إلى قِصَصِهِمْ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ فَقالَ:

2:63Page 10

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٦٣

And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٣ ] ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾

"وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ" تَذْكِيرًا لِجِنايَةٍ أُخْرى لِأسْلافِهِمْ، أيْ واذْكُرُوا وقْتَ أخْذِنا لِمِيثاقِكم بِالمُحافَظَةِ عَلى ما في التَّوْراةِ، ﴿ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ تَرْهِيبًا لَكم لِتَقْبَلُوا المِيثاقَ. وذَلِكَ أنَّ الطُّورَ اقْتُلِعَ مِن أصْلِهِ، ورُفِعَ وظَلَّلَ فَوْقَهم. والطُّورُ: هو الجَبَلُ. وقِيلَ لَهم وهو مُطِلٌّ فَوْقَهم "خُذُواْ ما آتَيْناكُمْ" مِنَ الكِتابِ "بِقُوَّةٍ" أيْ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ "واذْكُرُواْ ما فِيهِ" واحْفَظُوا ما في الكِتابِ وادْرُسُوهُ ولا تَنْسَوْهُ ولا تَغْفُلُوا عَنْهُ "لَعَلَّكم تَتَّقُونَ" لِكَيْ تَتَّقُوا المَعاصِيَ، أوْ رَجاءً مِنكم أنْ تَنْتَظِمُوا في سِلْكِ المُتَّقِينَ، أوْ طَلَبًا لِذَلِكَ.

وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٧١]

قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ إنَّ هَذا يَكُونُ إلْجاءً ولا يَسْتَحِقُّ بِهِ الثَّوابَ، قِيلَ: لَمْ يَسْتَحِقُّوا الثَّوابَ بِالِالتِزامِ، وإنَّما اسْتَحَقُّوهُ بِالعَمَلِ بِها مِن بَعْدُ. فَأمّا في التِزامِها فَمُضْطَرُّونَ، وقالَ بَعْضُ (p-١٤٩)النّاسِ: عَنى بِالطُّورِ تَشْدِيدَ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، وجَعَلَ ذَلِكَ مَثَلًا. وذَلِكَ بَعِيدٌ. ومِثْلُهُ قالَ القاشانِيُّ: طَوَّرَ الدِّماغَ لِلتَّمَكُّنِ مِن فَهْمِ المَعانِي وقَبُولِها. فَإنَّهُ بَعِيدٌ يَأْباهُ ظاهِرُ الآيَةِ الأُخْرى. وإنْ كانَ الإطْلاقُ في اللُّغَةِ لا يَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ.

2:64Page 10

ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٤

Then you turned away after that. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have been among the losers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٤ ] ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

"ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ" أيْ: أعْرَضْتُمْ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ "مِن بَعْدِ ذَلِكَ" أيْ: مِن بَعْدِ أخْذِ ذَلِكَ المِيثاقِ المُؤَكَّدِ: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ أيْ لَكم بِتَوْفِيقِكم لِلتَّوْبَةِ، أوْ تَأْخِيرِ العَذابِ، ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيِ الهالِكِينَ بِالعُقُوبَةِ.

قالَ الرّاغِبُ: الخاسِرُ المُطْلَقُ، في القُرْآنِ، هو الَّذِي خَسِرَ أعْظَمَ ما يُقْتَنى، وذَلِكَ نَعِيمُ الأبَدِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ١٥]

وقالَ القَفّالُ: قَدْ يُعْلَمُ في الجُمْلَةِ أنَّهم بَعْدَ قَبُولِ التَّوْراةِ ورَفْعِ الطُّورِ، تَوَلَّوْا عَنِ التَّوْراةِ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ؛ فَحَرَّفُوا كَلِمَها عَنْ مَواضِعِهِ، وتَرَكُوا العَمَلَ بِها، وقَتَلُوا الأنْبِياءَ، وكَفَرُوا بِهِمْ، وعَصَوْا أمْرَهم. ومِنها ما عَمِلَهُ أوائِلُهم، ومِنها ما فَعَلَهُ مُتَأخِّرُوهم، ولَمْ يَزالُوا في التِّيهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمُ الأعاجِيبَ لَيْلًا ونَهارًا يُخالِفُونَ مُوسى ويَعْتَرِضُونَ عَلَيْهِ، ويَلْقَوْنَهُ بِكُلِّ أذًى ويُجاهِرُونَ بِالمَعاصِي في مُعَسْكَرِهِمْ ذَلِكَ. حَتّى لَقَدْ خُسِفَ بِبَعْضِهِمْ، وأحْرَقَتِ النّارُ بَعْضَهُمْ، وعُوقِبُوا بِالطّاعُونِ. وكُلُّ هَذا مَذْكُورٌ في تَراجِمِ التَّوْراةِ الَّتِي يُقِرُّونَ بِها، ثُمَّ فَعَلَ مُتَأخِّرُوهم ما لا خَفاءَ بِهِ. حَتّى عُوقِبُوا بِتَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكَفَرُوا بِالمَسِيحِ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِ.

والقُرْآنُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَيانُ ما تَوَلَّوْا بِهِ عَنِ التَّوْراةِ، فالجُمْلَةُ مَعْرُوفَةٌ، وذَلِكَ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ عِنادِ أسْلافِهِمْ. فَغَيْرُ عَجِيبٍ إنْكارُهم ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-١٥٠)مِنَ الكِتابِ، وجُحُودِهِمْ لِحَقِّهِ. وحالُهم في كِتابِهِمْ ونَبِيِّهِمْ ما ذُكِرَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

ثُمَّ ذَكَّرَهم تَعالى بِالإيقاعِ بِمَن نَقَضَ مِيثاقَهُ وفِيما أخَذَهُ عَلَيْهِمْ مِن تَعْظِيمِ السَّبْتِ بِقَوْلِهِ:

2:65Page 10

وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ٦٥

And you had already known about those who transgressed among you concerning the sabbath, and We said to them, "Be apes, despised."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٥ ] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾

﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا﴾ أيْ: تَعَمَّدُوا العُدْوانَ "مِنكم في السَّبْتِ" بِأنِ اسْتَحَلُّوهُ وتَحَيَّلُوا عَلى اصْطِيادِ الحِيتانِ فِيهِ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ ابْتَلاهم، فَما كانَ يَبْقى حُوتٌ في البَحْرِ إلّا أخْرَجَ خُرْطُومَهُ يَوْمَ السَّبْتِ، فَإذا مَضى تَفَرَّقَتْ كَما قالَ: ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] فَحَفَرُوا حِياضًا عِنْدَ البَحْرِ، وشَرَعُوا إلَيْها الجَداوِلَ، فَكانَتِ الحِيتانُ تَدْخُلُها فَيَصْطادُونَها يَوْمَ الأحَدِ. فَذَلِكَ الحَبْسُ في الحِياضِ هو اعْتِداؤُهم. فَتَسَبَّبَ عَنِ اعْتِدائِهِمُ المَذْكُورِ ما ذَكَرَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ أيْ: صاغِرِينَ مَطْرُودِينَ مُبْعَدِينَ مِنَ الخَيْرِ، أذِلّاءَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ وقَتادَةَ: أنَّهم مُسِخُوا قِرَدَةً، لَها أذْنابٌ تَعاوى، بَعْدَ ما كانُوا رِجالًا ونِساءً. وأمّا مُجاهِدٌ فَقالَ: مُسِخَتْ قُلُوبُهم ولَمْ يُمْسَخُوا قِرَدَةً. وإنَّما هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهم كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا. رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وهَكَذا قالَ القاشانِيُّ "كُونُوا قِرَدَةً" أيْ مُشابِهِينَ النّاسَ في الصُّورَةِ ولَيْسُوا بِهِمْ. ثُمَّ قالَ: والمَسْخُ بِالحَقِيقَةِ حَقٌّ غَيْرُ مُنْكَرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ورَدَتْ بِهِ الآياتُ والأحادِيثُ. وفي أثَرٍ: عُدَّ المُسُوخُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، وبَيانُ أعْمالِهِمْ ومَعاصِيهِمْ ومُوجِباتِ (p-١٥١)مَسْخِهِمْ. والحاصِلُ أنَّ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ وصْفٌ مِن أوْصافِ الحَيَواناتِ، ورَسَخَ فِيهِ بِحَيْثُ زالَ اسْتِعْدادُهُ، وتَمَكَّنَ في طَبْعِهِ، وصارَ صُورَةً ذاتِيَّةً لَهُ، صارَ طَبْعُهُ طَبْعَ ذَلِكَ الحَيَوانِ. ونَفْسُهُ نَفْسَهُ، فَصارَتْ صِفَتُهُ صُورَتَهُ.

وهَذِهِ القِصَّةُ مَبْسُوطَةٌ في سُورَةِ الأعْرافِ حَيْثُ يَقُولُ تَعالى: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣]

2:66Page 10

فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٦٦

And We made it a deterrent punishment for those who were present and those who succeeded [them] and a lesson for those who fear Allāh.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٦ ] ﴿فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾

"فَجَعَلْناها" أيِ: المِسْخَةُ والعُقُوبَةُ "نَكالًا" عِبْرَةً تُنَكِّلُ المُعْتَبِرَ بِها، أيْ: تَمْنَعُهُ وتَرْدَعُهُ. ومِنهُ النِّكْلُ لِلْقَيْدِ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ مِنَ المَعاصِي مِن أهْلِ عالَمِها الشّاهِدِينَ لَها "وما خَلْفَها" مِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم، أوْ لِأهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ وما حَوالَيْها، أوْ لِما بِحَضْرَتِها مِنَ القُرى وما تَباعَدَ عَنْها "ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ" مِن قَوْمِهِمْ، أوْ لِكُلِّ مُتَّقٍ سَمِعَها. وأشْعَرَ هَذا أنَّ التَّقْوى عِصْمَةٌ مِن كُلِّ مَحْذُورٍ، وأنَّ النِّقَمَ تَقَعُ في غَيْرِهِمْ، وعْظًا لَهم.

(تَنْبِيهٌ): أفادَتْ هَذِهِ الآيَةُ التَّنْوِيهَ بِشَأْنِ يَوْمِ السَّبْتِ عِنْدَ الإسْرائِيلِيِّينَ؛ إذْ مُسْتَحِلُّوهُ مِنهم مُسِخُوا قِرَدَةً. وفي تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ ما نَصُّهُ: وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى قائِلًا: كَلِّمْ بَنِي إسْرائِيلَ، تَحْفَظُونَ السَّبْتَ لِأنَّهُ مُقَدَّسٌ لَكم، مَن دَنَّسَهُ يُقْتَلْ، ومَن صَنَعَ فِيهِ عَمَلًا يُقْطَعُ مِن بَيْنِ شُعَبِهِ. في سِتَّةِ أيّامٍ تُصْنَعُ الأعْمالُ، وأمّا اليَوْمُ السّابِعُ فَفِيهِ سَبْتٌ راحَةٌ، ولْيَحْفَظْ بَنُو إسْرائِيلَ السَّبْتَ، ولْيَتَّخِذُوهُ عِيدًا بِأجْيالِهِمْ. لِأنَّ الرَّبَّ خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ، وفَرَغَ يَوْمَ السّابِعِ. وفِيها أيْضًا ما نَصُّهُ: في سِتَّةِ أيّامٍ تَعْمَلُ عَمَلَكَ، وأمّا اليَوْمُ السّابِعُ فَفِيهِ تَسْتَرِيحُ، لِكَيْ يَسْتَرِيحَ ثَوْرُكَ وحِمارُكَ ويَتَنَفَّسَ ابْنُ أمَتِكَ والغَرِيبُ. انْتَهى.

وقَدْ حَرُمَ عَلى اليَهُودِ فِيهِ أنْ يُعِدُّوا طَعامَهم. بَلْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ أنْ يُوقِدُوا نارًا. وفي (p-١٥٢)سِفْرِ نَحِمْيا -فِي الفَصْلِ الثّالِثَ عَشَرَ- ما نَصُّهُ: وفي تِلْكَ الأيّامِ رَأيْتُ في يَهُوذا قَوْمًا يَدُوسُونَ في المَعاصِرِ في السَّبْتِ، ويَأْتُونَ بِأكْداسِها يَحْمِلُونَها عَلى الحَمِيرِ، وبِخَمْرٍ أيْضًا، وعِنَبٍ وتِينٍ، وكُلِّ حِمْلٍ مِمّا كانُوا يَأْتُونَ بِهِ إلى أُورْشَلِيمَ في يَوْمِ السَّبْتِ. فَأشْهَدْتُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَيْعِهِمُ الطَّعامَ. وكانَ الصُّورِيُّونَ المُقِيمُونَ بِها يَأْتُونَ بِالسَّمَكِ. وكُلُّ نَوْعٍ مِنَ المَبِيعاتِ، ويَبِيعُونَ في يَوْمِ السَّبْتِ لِبَنِي يَهُوذا وفي أُورْشَلِيمَ. فَخاصَمْتُ عُظَماءَ يَهُوذا، وقُلْتُ لَهم: ما هَذا الشَّرُّ الَّذِي تَفْعَلُونَهُ وتُدَنِّسُونَ يَوْمَ السَّبْتِ ؟ ألَمْ تَفْعَلْ آباؤُكم هَكَذا ؟ فَجَلَبَ إلَهُنا كُلَّ هَذا الشَّرِّ عَلَيْنا وعَلى هَذِهِ المَدِينَةِ، وأنْتُمْ تَزِيدُونَ الغَضَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِتَدْنِيسِكُمُ السَّبْتَ، إلى آخِرِهِ.

ولِما بَيَّنَ تَعالى قَساوَتَهم في حُقُوقِهِ العَلِيَّةِ، أتْبَعَهُ بِبَيانِ قَساوَتِهِمْ في مَصالِحِ أنْفُسِهِمْ تَوْبِيخًا لِأخْلاقِهِمْ. مَعَ الإشارَةِ إلى نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ في خَرْقِ العادَةِ في شَأْنِ البَقَرَةِ، وبَيانِ مَن هو القاتِلُ بِسَبَبِها، وإحْياءِ اللَّهِ تَعالى المَقْتُولَ، ونَصِّهِ عَلى مَن قَتَلَهُ مِنهم، فَقالَ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском