Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:75–82
2:75Page 11
۞ أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٧٥
Do you covet [the hope, O believers], that they would believe for you while a party of them used to hear the words of Allāh and then distort it [i.e., the Torah] after they had understood it while they were knowing?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٥ ] ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾
"أفَتَطْمَعُونَ" أيُّها المُؤْمِنُونَ بَعْدَ أنْ عَلِمْتُمْ تَفاصِيلَ شُؤُونِ أسْلافِهِمُ المُؤَيَّسَةِ عَنْهم "أنْ يُؤْمِنُوا" أيْ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ الَّذِينَ بَيْنَ أظْهُرِكم، وهم مُتَماثِلُونَ في الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، لا يَأْتِي مِن أخْلاقِهِمْ إلّا مِثْلُ ما أتى مِن أسْلافِهِمْ. (واللّامُ في قَوْلِهِ) "لَكُمْ" لِتَضْمِينِ (p-١٦٦)مَعْنى الِاسْتِجابَةِ. كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: في إيمانِهِمْ مُسْتَجِيبِينَ لَكم، أوْ لِلتَّعْلِيلِ أيْ في أنْ يُحْدِثُوا الإيمانَ لِأجْلِ دَعْوَتِكم: ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ أيْ طائِفَةٌ فِيمَن سَلَفَ مِنهم: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ وهو ما يَتْلُونَهُ مِنَ التَّوْراةِ "ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ" قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ "يُحَرِّفُونَهُ" يُبَدِّلُونَ مَعْناهُ وتَأْوِيلَهُ ويُغَيِّرُونَهُ، وأصْلُهُ مِنِ انْحِرافِ الشَّيْءِ عَنْ جِهَتِهِ وهو مَيْلُهُ عَنْها إلى غَيْرِها. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ "يُحَرِّفُونَهُ" أيْ: يُمِيلُونَهُ عَنْ وجْهِهِ، ومَعْناهُ الَّذِي هو مَعْناهُ، إلى غَيْرِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾ أيْ فَهِمُوهُ عَلى الجَلِيَّةِ، ومَعَ هَذا يُخالِفُونَهُ عَلى بَصِيرَةٍ "وهم يَعْلَمُونَ" أنَّهم مُخْطِئُونَ فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن تَحْرِيفِهِ وتَأْوِيلِهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذا إخْبارٌ عَنْ إقْدامِهِمْ عَلى البَهْتِ ومُناصَبَتِهِمُ العَداوَةَ لَهُ ولِرَسُولِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وأنَّ بَقاياهم في العَصْرِ المُحَمَّدِيِّ عَلى مِثْلِ ما كانَ عَلَيْهِ أوائِلُهم في العَصْرِ المُوسَوِيِّ بَغْيًا وحَسَدًا. وهَذا المَقامُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ، بِالفَرِيقِ مِنهم، أحْبارُهم، وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ لِضَرْبٍ مِنَ الأغْراضِ عَلى ما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى، مِن بَعْدُ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ١٨٧] وقالَ: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]
(p-١٦٧)ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ، كَيْفَ يَلْزَمُ مِن إقْدامِ البَعْضِ عَلى التَّحْرِيفِ حُصُولُ اليَأْسِ مِن إيمانِ الباقِينَ، فَإنَّ عِنادَ البَعْضِ لا يُنافِي إقْرارَ الباقِينَ. وأجابَ القَفّالُ عَنْهُ فَقالَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كَيْفَ يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ، وهم إنَّما يَأْخُذُونَ دِينَهم، ويَتَعَلَّمُونَهُ مِن قَوْمٍ هم يَتَعَمَّدُونَ التَّحْرِيفَ عِنادًا، فَأُولَئِكَ إنَّما يُعَلِّمُونَهم ما حَرَّفُوهُ وغَيَّرُوهُ عَنْ وجْهِهِ، والمُقَلِّدَةُ لا يَقْبَلُونَ إلّا ذَلِكَ، ولا يَلْتَفِتُونَ إلى أقْوالِ أهْلِ الحَقِّ، وهو قَوْلُكَ لِلرَّجُلِ كَيْفَ تَفْلَحُ، وأُسْتاذُكَ فُلانٌ ؟ أيْ وأنْتَ عَنْهُ تَأْخُذُ، ولا تَأْخُذُ عَنْ غَيْرِهِ.
ونَحْوَهُ قَوْلُ الرّاغِبِ: لَمّا كانَ الإيمانُ هو العِلْمَ الحَقِيقِيَّ مَعَ العَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، فَمَتى لَمْ يَتَحَرَّ ذَلِكَ مَن حَصَلَ لَهُ بَعْضُ العُلُومِ، فَحَقِيقٌ أنْ لا يَحْصُلَ لِمَن غَبِيَ عَنْ كُلِّ العُلُومِ. فَذَكَرَ ذَلِكَ تَبْعِيدًا لِإيمانِهِمْ لا يَأْسًا لِلْحُكْمِ بِذَلِكَ؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ ما لا يُطْمَعُ فِيهِ كانَ مَأْيُوسًا (ثُمَّ قالَ الرّاغِبُ) وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ أنْ لَيْسَ المانِعُ لِلْإنْسانِ مِن تَحَرِّي الإيمانَ الجَهْلَ بِهِ فَقَطْ، بَلْ يَكُونُ عِنادًا وغَلَبَةَ شَهْوَةٍ.
(تَنْبِيهٌ) ما نَقَلْناهُ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ "ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ" هو الأنْسَبُ بِاعْتِبارِ سَوْقِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ولا يُتَوَهَّمُ مِن ذَلِكَ دَفْعُ تَحْرِيفِهِمُ اللَّفْظِيِّ عَنِ التَّوْراةِ، فَإنَّهُ واقِعٌ بِلا رَيْبٍ؛ فَقَدْ بَدَّلُوا بَعْضًا مِنها وحَرَّفُوا لَفْظَهُ، وأوَّلُوا بَعْضًا مِنها بِغَيْرِ المُرادِ مِنهُ، وكَذا يُقالُ في الإنْجِيلِ. ويَشْهَدُ لِذَلِكَ كَلامُ أحْبارِهِمْ، فَقَدْ نَقَلَ العَلّامَةُ الجَلِيلُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ الهِنْدِيُّ في كِتابِهِ (إظْهارُ الحَقِّ): أنَّ أهْلَ الكِتابِ سَلَفًا وخَلَفًا، عادَتُهم جارِيَةٌ بِأنَّهم يُتَرْجِمُونَ غالِبًا الأسْماءَ في تَراجُمِهِمْ، ويُورِدُونَ بَدَلَها مَعانِيها، وهَذا خَبْطٌ عَظِيمٌ ومَنشَأٌ لِلْفَسادِ، وأنَّهم يَزِيدُونَ تارَةً شَيْئًا بِطَرِيقِ التَّفْسِيرِ في الكَلامِ، الَّذِي هو كَلامُ اللَّهِ في زَعْمِهِمْ، (p-١٦٨)ولا يُشِيرُونَ إلى الِامْتِيازِ، وهَذانِ الأمْرانِ بِمَنزِلَةِ الأُمُورِ العادِيَّةِ عِنْدَهم. ومَن تَأمَّلَ في تَراجُمِهِمُ المُتَداوَلَةِ بِألْسِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وجَدَ شَواهِدَ تِلْكَ الأُمُورِ كَثِيرَةً. ثُمَّ ساقَ بَعْضًا مِنها فانْظُرْهُ.
وفِي (ذَخِيرَةِ الألْبابِ)، لِأحَدِ عُلَماءِ النَّصارى، ما مِثالُهُ: إنَّ بَعْضَهم ذَهَبَ إلى أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ لَمْ يَقِ الكَتَبَةَ عَثْرَةَ الخَطَأِ الطَّفِيفِ، ولا كَفاهم زَلَّةَ القَدَمِ حَتّى لَمْ يَسْتَحِلْ أنَّهم خَلَطُوا البُشْرَياتِ بِالإلَهِيّاتِ. وفِيهِ أيْضًا: إنَّ بَيْنَ النُّسْخَةِ العِبْرانِيَّةِ والسّامِرِيَّةِ واليُونانِيَّةِ مِنَ الأسْفارِ الخَمْسَةِ خِلافًا عَظِيمًا في أمْرِ التّارِيخِ. فَإذًا تَحْرِيفُ الأسْفارِ الخَمْسَةِ أمْرٌ بَيِّنٌ. وفِيهِ أيْضًا في الفَصْلِ (٣١): أنَّ بَعْضَ عُلَمائِهِمْ زَعَمَ أنَّهُ وجَدَ في التَّرْجَمَةِ اللّاتِينِيَّةِ العامِّيَّةِ لِلْعَهْدَيْنِ العَتِيقِ والجَدِيدِ نَيِّفًا وأرْبَعَةَ آلافِ غَلْطَةٍ، ورَأى آخَرُ فِيها ما يَزِيدُ عَلى الثَّمانِيَةِ آلافِ خَطَأٍ. انْتَهى. فَثَبَتَ مِن شَهادَتِهِمْ وُقُوعُ التَّحْرِيفِ اللَّفْظِيِّ فِيها. وهو المَقْصُودُ.
وأمّا القَوْلُ بِتَحْرِيفِ الأسْفارِ كُلِّها أوْ جُلِّها، فَهو إفْراطٌ. قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في آواخِرِ شَرْحِ الصَّحِيحِ في بابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] إنَّ القَوْلَ بِأنَّها بُدِّلَتْ كُلُّها مُكابَرَةٌ. والآياتُ والأخْبارُ كَثِيرَةٌ في أنَّهُ بَقِيَ مِنها أشْياءُ كَثِيرَةٌ لَمْ تُبَدَّلْ. مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآيَةَ. ومِن ذَلِكَ (p-١٦٩)قِصَّةُ رَجْمِ اليَهُودِيَّيْنِ وفِيهِ وُجُودُ آيَةِ الرَّجْمِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] وقَدْ أسْلَفْنا تَتِمَّةَ هَذا البَحْثِ في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ في الكَلامِ عَلى الإسْرائِيلِيّاتِ. فارْجِعْ إلَيْهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى، عَنْ تَخَلُّقِ أُولَئِكَ المَأْيُوسِ مِن إيمانِهِمْ مِنَ اليَهُودِ بِأخْلاقِ المُنافِقِينَ، وسُلُوكِهِمْ مِنهاجَهم، بِقَوْلِهِ تَعالى:
2:76Page 11
وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٧٦
And when they meet those who believe, they say, "We have believed"; but when they are alone with one another, they say, "Do you talk to them about what Allāh has revealed to you so they can argue with you about it before your Lord?" Then will you not reason?
(p-١٧٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٦ ] ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
"وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا" أيْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ "قالُواْ آمَنّا" أيْ بِأنَّكم عَلى الحَقِّ، وأنَّ مُحَمَّدًا هو الرَّسُولُ المُبَشَّرُ بِهِ، وكَأنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ إرْضاءً لِحُلَفائِهِمْ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، أوْ جَهْرًا بِحَقِيقَةٍ لا يَسَعُهُمْ، أمامَ حُلَفائِهِمُ، السُّكُوتُ عَنْها. "وإذا خَلا بَعْضُهُمْ" يَعْنِي الَّذِينَ لَمْ يُنافِقُوا "إلىَ بَعْضٍ" أيِ الَّذِينَ نافَقُوا "قالُوا" أيْ عاتِبِينَ عَلَيْهِمْ: ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بِما بَيَّنَ لَكم في التَّوْراةِ مِنَ البِشارَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، والإيمانِ بِالنَّبِيِّ الَّذِي يَجِيئُكم مُصَدِّقًا لِما مَعَكم، ونَصْرِهِ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: أيْ أتُقِرُّونَ بِأنَّهُ نَبِيٌّ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ أُخِذَ لَهُ المِيثاقُ عَلَيْكم بِاتِّباعِهِ، وهو يُخْبِرُهم أنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ في كِتابِنا، اجْحَدُوهُ ولا تُقِرُّوا بِهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أصْلُ الفَتْحِ في كَلامِ العَرَبِ القَضاءُ والحُكْمُ. والمَعْنى: أتُحَدِّثُونَهم بِما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكم وقَضاهُ فِيكم ؟ ومِن حُكْمِهِ تَعالى وقَضائِهِ فِيهِمْ، ما أخَذَ بِهِ مِيثاقَهم مِنَ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وبِما جاءَ بِهِ في التَّوْراةِ. اهـ.
"لِيُحاجُّوكُمْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِالتَّحْدِيثِ، دُونَ الفَتْحِ، أيْ لِيُقِيمَ المُؤْمِنُونَ بِهِ عَلَيْكُمُ الحُجَّةَ "بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ" أيْ لِتَكُونَ الحُجَّةُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْكم في الآخِرَةِ، فَيَقُولُونَ: ألَمْ تُحَدِّثُونا بِما في كِتابِكم، في الدُّنْيا، مِن حَقِّيَّةِ دِينِنا، وصِدْقِ نَبِيِّنا ؟ فَيَكُونُ ذَلِكَ زائِدًا في ظُهُورِ فَضِيحَتِكم، وتَوْبِيخِكم عَلى رُؤُوسِ الخَلائِقِ، في المَوْقِفِ. لِأنَّهُ لَيْسَ مَنِ اعْتَرَفَ بِالحَقِّ، ثُمَّ كَتَمَ، كَمَن ثَبَتَ عَلى الإنْكارِ.
وتَأوَّلَ الرّاغِبُ الأصْفَهانِيُّ قَوْلَهُ تَعالى "عِنْدَ رَبِّكُمْ" أيْ في حُكْمِهِ وكِتابِهِ، كَما هو وجْهٌ في آيَةِ: ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] أيْ في (p-١٧١)حُكْمِ اللَّهِ وقَضائِهِ، وهو وجْهٌ جَيِّدٌ، وقَوْلُهُ "أفَلا تَعْقِلُونَ" مِن تَمامِ التَّوْبِيخِ والعِتابِ، فَهو مِن جُمْلَةِ الحِكايَةِ عَنْهم عَلى سَبِيلِ إنْكارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ الرّاغِبُ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إنْكارٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، عَلى سَبِيلِ ما يُسَمّى في البَلاغَةِ (الِالتِفاتُ) . ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، تَنْبِيهًا عَلى ما يَفْعَلُهُ الكُفّارُ والمُنافِقُونَ.
2:77Page 12
أَوَلَا يَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٧
But do they not know that Allāh knows what they conceal and what they declare?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٧ ] ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾
﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ أيْ يُخْفُونَ مِن قَوْلِهِمْ لِأصْحابِهِمْ، ومِن غَيْرِهِ "وما يُعْلِنُونَ" أيْ يُظْهِرُونَ مِن ذَلِكَ، فَيُخْبِرُ بِهِ أوْلِياءَهُ. قالَ الرّاغِبُ: هَذا تَبْكِيتٌ لَهم، وإنْكارٌ لِما يَتَعاطَوْنَهُ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
ولَمّا ذَكَرَ العُلَماءَ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ عانَدُوا بِالتَّحْرِيفِ، مَعَ العِلْمِ والِاسْتِيقانِ، ذَكَرَ العَوامَّ الَّذِينَ قَلَّدُوهم، ونَبَّهَ عَلى أنَّهم في الضَّلالِ سَواءٌ؛ لِأنَّ العالِمَ عَلَيْهِ أنْ يَعْمَلَ بِعِلْمِهِ، وعَلى العامِّيِّ أنْ لا يَرْضى بِالتَّقْلِيدِ والظَّنِّ، وهو مُتَمَكِّنٌ مِنَ العِلْمِ، فَقالَ:
2:78Page 12
وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٧٨
And among them are unlettered ones who do not know the Scripture except [indulgement in] wishful thinking, but they are only assuming.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٨ ] ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلا أمانِيَّ وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾
"ومِنهم أُمِّيُّونَ" أيْ لا يُحْسِنُونَ الكُتُبَ فَيُطالِعُوا التَّوْراةَ ويَتَحَقَّقُوا ما فِيها مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، فَيُؤْمِنُوا. "لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ" أيِ التَّوْراةُ، أيْ لا يَدْرُونَ ما فِيها مِن حُدُودٍ وأحْكامٍ ومَواثِيقَ "إلّا أمانِيَّ" بِالتَّشْدِيدِ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، أصْلُها أُمْنُويَةٌ (أُفْعُولَةٌ) فَأُعِلَّتْ إعْلالَ سَيِّدٍ، ومَيِّتٍ. مَأْخُوذَةٌ مِن تَمَنّى الشَّيْءَ: قَدَّرَهُ وأحَبَّ أنْ يَصِيرَ إلَيْهِ. أوْ مِن تَمَنّى: كَذَبَ. أوْ مِن تَمَنّى الكِتابَ: قَرَأهُ. وعَلى كُلٍّ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ؛ إذْ لَيْسَ ما يُتَمَنّى، وما يُخْتَلَقُ وما يُتْلى، مِن جِنْسِ عِلْمِ الكِتابِ. أيْ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ. لَكِنْ يَتَمَنَّوْنَ (p-١٧٢)أمانِيَّ حَسْبَما مَنَّتْهم أحْبارُهم مِن أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْفُو عَنْهم. وأنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهم. وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أمانِيِّهِمُ الفارِغَةِ، المُسْتَنِدَةِ إلى الكِتابِ، عَلى زَعْمِ رُؤَسائِهِمْ. أوْ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ، لَكِنْ أكاذِيبُ مُخْتَلَقَةٌ سَمِعُوها مِن عُلَمائِهِمْ. فَتَقَبَّلُوها عَلى التَّقْلِيدِ. أوْ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ لَكِنْ يَتَلَقَّوْنَهُ قَدْرَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، فَيَقْبَلُونَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ فِيهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأوْلى ما رُوِّينا في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ "إلّا أمانِيَّ" أنَّ هَؤُلاءِ الأُمِّيِّينَ لا يَفْقَهُونَ، مِنَ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ، شَيْئًا. ولَكِنَّهم يَتَخَرَّصُونَ الكَذِبَ ويَتَقَوَّلُونَ الأباطِيلَ كَذِبًا وزُورًا. والتَّمَنِّي في هَذا المَوْضِعِ هو تَخَلُّقُ الكَذِبِ وتَخَرُّصُهُ وافْتِعالُهُ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ فَأخْبَرَ عَنْهم أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ ما يَتَمَنَّوْنَ مِنَ الأكاذِيبِ ظَنًّا مِنهم، لا يَقِينًا.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: حَمْلُهُ عَلى تَمَنِّي القَلْبِ أوْلى. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١] أيْ: تَمَنِّيهِمْ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وقالَ: ﴿تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] ﴿وقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] بِمَعْنى يَقْدِرُونَ ويَخْرُصُونَ. ورَجَّحَ كَثِيرُونَ حَمْلَهُ عَلى القِراءَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-١٧٣)﴿إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] إذْ في الِاسْتِثْناءِ، حِينَئِذٍ، نَوْعٌ تَعَلَّقَ بِما قَبْلَهُ. فَيَكُونُ ألْيَقَ في طَرِيقَةِ الِاسْتِثْناءِ. و"وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ" ما هم إلّا قَوْمٌ قُصارى أمْرِهِمُ الظَّنُّ والتَّقْلِيدُ. مِن غَيْرِ أنْ يَصِلُوا إلى رُتْبَةِ العِلْمِ. فَأنّى يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ المُؤَسَّسُ عَلى قَواعِدِ اليَقِينِ ؟
(تَنْبِيهٌ) قالَ الرّاغِبُ: قَدْ أنْبَأ اللَّهُ عَنْ جَهْلِ الأُمِّيِّينَ وذَمِّهِمْ، والمُبالَغَةِ في ذَمِّ عُلَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ؛ فَإنَّ الأُمِّيِّينَ لَمْ يَعْرِفُوا إلّا مُجَرَّدَ التِّلاوَةِ، واعْتَمَدُوا عَلى زُعَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ، وهم قَدْ ضَلُّوا وأضَلُّوا، ونَبَّهَنا اللَّهُ تَعالى بِذَمِّ الأُمِّيِّينَ، عَلى اكْتِسابِ المَعارِفِ لِئَلّا يَحْتاجَ إلى التَّقْلِيدِ والِاعْتِمادِ عَلى مَن لا يُؤْمَنُ كَذِبُهُ، وبِذَمِّ زُعَمائِهِمْ، عَلى تَحَرِّي الصِّدْقِ وتَجَنُّبِ الإضْلالِ؛ إذْ هو أعْظَمُ مِنَ الضَّلالِ. اهـ.
ولَمّا بَيَّنَ حالَ هَؤُلاءِ في تَمَسُّكِهِمْ بِحِبالِ الأمانِيِّ واتِّباعِ الظَّنِّ، عَقَّبَ بِبَيانِ حالِ الَّذِينَ أوْقَعُوهم في تِلْكَ الوَرْطَةِ، وهُمُ الدُّعاةُ إلى الضَّلالِ بِالزُّورِ والكَذِبِ عَلى اللَّهِ، وأكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، فَقِيلَ عَلى وجْهِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.
2:79Page 12
فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ ٧٩
So woe1 to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allāh," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٩ ] ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾
"فَوَيْلٌ" فَإنْ أُضِيفَ، نُصِبَ. نَحْوَ: ويْلَكَ ووَيْحَكَ -وإذا فُصِلَ عَنِ الإضافَةِ، (p-١٧٤)رُفِعَ. نَحْوَ: ويْلٌ لَهُ. الوَيْلُ: الهَلاكُ وشِدَّةُ العَذابِ "لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ" أيِ المُحَرَّفُ. أوْ ما كَتَبُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الزّائِفَةِ "بِأيْدِيهِمْ" تَأْكِيدٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ المَجازِ. كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُهُ بِيَمِينِي. وقَدْ يُقالُ في مِثْلِ هَذا: إنَّ فائِدَتَهُ تَصْوِيرُ الحالَةِ في النَّفْسِ كَما وقَعَتْ حَتّى يَكادَ السّامِعُ لِذَلِكَ أنْ يَكُونَ مُشاهِدًا لِلْهَيْئَةِ "ثُمَّ يَقُولُونَ" لِما كَتَبُوهُ، كَذِبًا وبُهْتانًا "هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ" أيْ يَأْخُذُوا لِأنْفُسِهِمْ بِمُقابَلَتِهِ "ثَمَنًا قَلِيلًا" أيْ عَرَضًا يَسِيرًا.
ويَجُوزُ في الآيَةِ مَعْنًى آخَرُ؛ أيْ: فَوَيْلٌ لِلَّذِينِ يَكْتُبُونَ كِتابَ التَّوْراةِ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَيَشْهَدُونَ بِذَلِكَ. وكانَ مِن مُقْتَضى كِتابَتِهِمْ بِأيْدِيهِمُ الَّتِي تَقِفُهم مِنَ الكِتابِ عَلى ما لا يَقِفُونَ عَلَيْهِ، لَوْ كانَ كِتابَةَ غَيْرِهِمْ، ومُقْتَضى قَوْلِهِمْ وإقْرارِهِمْ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ -الوُقُوفُ مَعَ عُهُودِهِ ومَواثِيقِهِ، إجْلالًا لِمُنْزِلِهِ ومُوحِيهِ، ودَعْوى النّاسِ إلى ظَواهِرِهِ وخَوافِيهِ. ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهم. بَلْ كانَ أنْ حَرَّفُوا كَلِمَهُ عَنْ مَواضِعِهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. وحاصِلُ هَذا الوَجْهِ إبْقاءُ الكِتابِ المَكْتُوبِ عَلى أصْلِهِ، وصِدْقُهم في قَوْلِهِمْ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ. ثُمَّ مُخالَفَتُهم لِذَلِكَ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى "لِيَشْتَرُوا بِهِ" تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ. أيْ: ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُحَرِّفُونَهُ لِيَشْتَرُوا بِهِ، وهو وجْهٌ جَيِّدٌ يُوافِقُ آيَةَ "يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ" ورُبَّما يُشِيرُ إلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُ مُجاهِدٍ فِيما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ عَرَفُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ يُحَرِّفُونَهُ: ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: فَشِدَّةُ العَذابِ لَهم مِمّا غَيَّرَتْ أيْدِيهِمْ "ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ" يُصِيبُونَ مِنَ الحَرامِ والسُّحْتِ.
قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ "يَكْسِبُونَ" بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ و"كَتَبَتْ" بِلَفْظِ الماضِي ؟ قِيلَ: تَنْبِيهًا عَلى ما قالَ النَّبِيُّ ﷺ ««مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةٍ فَعَلَيْهِ وِزْرُها (p-١٧٥)ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ»» فَنَبَّهَ بِالآيَةِ أنَّ ما أصَّلُوهُ وأثْبَتُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ، الَّتِي يَعْتَمِدُها الجَهَلَةُ، هو اكْتِسابُ وِزْرٍ يَكْتَسِبُونَهُ حالًا فَحالًا (إنْ قِيلَ) لِمَ ذَكَرَ الكِتابَةَ دُونَ القَوْلِ. (قِيلَ) لَمّا كانَتِ الكِتابَةُ مُتَضَمِّنَةً لِلْقَوْلِ وزائِدَةً عَلَيْهِ؛ إذْ هو كَذَّبَ بِاللِّسانِ واليَدِ، صارَ أبْلَغَ. لِأنَّ كَلامَ اليَدِ يَبْقى رَسْمُهُ والقَوْلُ يَضْمَحِلُّ أثَرُهُ.
(إنْ قِيلَ): ما الَّذِي كانُوا يَكْتُبُونَهُ ؟ (قِيلَ): رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ كانُوا يُغَيِّرُونَ مِنَ التَّوْراةِ نَعْتَ النَّبِيِّ ﷺ . ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ. وهَذا فَصْلٌ يَحْتاجُ إلى فَضْلِ شَرْحٍ. وهو أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُتَصَوَّرَ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أتى بِوَصْفٍ لِنَبِيٍّ بَعْدَهُ، فَإنَّهُ أتى بِلَفْظَةٍ مُعَرِّضَةٍ وإشارَةٍ مُدْرَجَةٍ، لا يَعْرِفُها إلّا الرّاسِخُونَ في العِلْمِ. وقَدْ قالَ العُلَماءُ: ما انْفَكَّ كِتابٌ مُنَزَّلٌ مِنَ السَّماءِ مِن تَضَمُّنِ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ، لَكِنْ بِإشاراتٍ. ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُتَجَلِّيًا لِلْعَوامِّ لَما عُوتِبَ عُلَماؤُهم في كِتْمانِهِ. ثُمَّ ازْدادَ ذَلِكَ غُمُوضًا بِنَقْلِهِ مِن لِسانٍ إلى لِسانٍ؛ مِنَ العِبْرانِيِّ إلى السُّرْيانِيِّ إلى العَرَبِيِّ. وقَدْ ذَكَرَ المُحَصِّلَةُ ألْفاظًا مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، إذا اعْتُبِرَتْ وُجِدَتْ دالَّةً عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِتَعْرِيضٍ، هو عِنْدَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ جَلِيٌّ، وعِنْدَ العامَّةِ خَفِيٌّ. فَبانَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّ ما كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ كانَتْ تَأْوِيلاتٍ مُحَرَّفَةً، وقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى بِالآيَةِ عَلى التَّحْذِيرِ مِن تَغْيِيرِ أحْكامِهِ، وتَبْدِيلِ آياتِهِ، وكِتْمانِ الحَقِّ عَنْ أهْلِهِ، وتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، طَمَعًا في عَرَضِ الدُّنْيا، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ عَنى بِالثَّمَنِ القَلِيلِ، أعْراضَ الدُّنْيا وإنْ كَثُرَتْ. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] اهـ كَلامُ الرّاغِبِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
2:80Page 12
وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٠
And they say, "Never will the Fire touch us, except for [a few] numbered days." Say, "Have you taken a covenant with Allāh? For Allāh will never break His covenant. Or do you say about Allāh that which you do not know?"
(p-١٧٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٠ ] ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ بَيانٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِهِمْ فِيما ادَّعَوْا لِأنْفُسِهِمْ مِن أنَّهم لا تَمَسُّهُمُ النّارُ في الآخِرَةِ إلّا مُدَّةً يَسِيرَةً، ومُرادُهم بِذَلِكَ أنَّهم لا يَخْلُدُونَ فِيها. لِأنَّ كُلَّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ. قالَ مُجاهِدٌ: كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إنَّما الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ. فَإنَّما نُعَذَّبُ، مَكانَ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ يَوْمًا، ثُمَّ يَنْقَطِعُ العَذابُ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْهُ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: لَنْ نَدْخُلَ النّارَ إلّا الأيّامَ الَّتِي عَبَدْنا فِيها العِجْلَ، أرْبَعِينَ، فَإذا انْقَضَتِ انْقَطَعَ عَنّا العَذابُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى إفْكَهم. لِأنَّ العَقْلَ لا طَرِيقَ لَهُ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وإنَّما سَبِيلُ مَعْرِفَتِهِ الإخْبارُ مِنهُ تَعالى، وهو مُنْتَفٍ، فَقالَ سُبْحانَهُ "قُلْ" مُنْكِرًا لِقَوْلِهِمْ ومُوَبِّخًا لَهم: ﴿أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ أيْ: عَهِدَ إلَيْكم أنَّهُ لا يُعَذِّبُكم إلّا هَذا المِقْدارَ "فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ" أيْ فَتَقُولُوا لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ. وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الفاءَ فَصِيحَةً مُعْرِبَةً عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: إنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلَنْ يَخْلُفَهُ "أمْ تَقُولُونَ" أيْ أمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأنْتُمْ تَقُولُونَ مُفْتَرِينَ "عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ" أيْ وُقُوعُهُ جَهْلًا وجَراءَةً. وقَوْلُهُمُ المَحْكِيُّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ تَصْرِيحًا بِالِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، لَكِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ. لِأنَّ ذَلِكَ الجَزْمَ لا يَكُونُ إلّا بِإسْنادِ سَبَبِهِ إلَيْهِ تَعالى.
2:81Page 12
بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨١
Yes, [on the contrary], whoever earns evil and his sin has encompassed him - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨١ ] ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
"بَلى" إثْباتٌ لِما بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ وهو قَوْلُهُ "لَنْ تَمَسَّنا النّارُ" أيْ بَلى تَمَسُّكم أبَدًا. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ "هم فِيها خالِدُونَ"، "مَن كَسَبَ سَيِّئَةً" أيْ عَمِلَها وهي والسَّيِّئُ (p-١٧٧)عَمَلانِ قَبِيحانِ أصْلُها سَيْوَءَةٌ، مِن: ساءَهُ يَسُوهُ. فَأُعِلَّتْ إعْلالَ سَيِّدٍ. ثُمَّ أوْضَحَ سُبْحانَهُ أنَّ مُجَرَّدَ كَسْبِ السَّيِّئَةِ لا يُوجِبُ الخُلُودَ في النّارِ، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ سَبَبُهُ مُحِيطًا بِهِ فَقالَ: ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ أيْ غَمَرَتْهُ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ فَلا تُبْقِي لَهُ حَسَنَةً، وسَدَّتْ عَلَيْهِ مَسالِكَ النَّجاةِ؛ بِأنْ عَمِلَ مِثْلَ عَمَلِكم أيُّها اليَهُودُ. وكَفَرَ بِما كَفَرْتُمْ بِهِ حَتّى يُحِيطَ كُفْرُهُ بِما لَهُ مِن حَسَنَةٍ: ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
(تَنْبِيهٌ) ذَهَبَ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ إلى أنَّ الخُلُودَ في النّارِ إنَّما هو لِلْكُفّارِ والمُشْرِكِينَ. لِما ثَبَتَ في السُّنَّةِ، تَواتُرًا، مِن خُرُوجِ عُصاةِ المُوَحِّدِينَ مِنَ النّارِ، فَيَتَعَيَّنُ تَفْسِيرُ السَّيِّئَةِ والخَطِيئَةِ، في هَذِهِ الآيَةِ، بِالكُفْرِ والشِّرْكِ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُها نازِلَةً في اليَهُودِ.
2:82Page 12
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨٢
But they who believe and do righteous deeds - those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٢ ] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ مِن عادَةِ التَّنْزِيلِ العَزِيزِ أنَّهُ لا يُذْكَرُ فِيهِ آيَةٌ في الوَعِيدِ إلّا ويَتْلُوها آيَةٌ في الوَعْدِ. وذَلِكَ لِفَوائِدَ: مِنها، لِيَظْهَرَ بِذَلِكَ عَدْلُهُ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَكَمَ بِالعَذابِ الدّائِمِ عَلى المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، وجَبَ أنْ يَحْكُمَ بِالنَّعِيمِ الدّائِمِ عَلى المُصِرِّينَ عَلى الإيمانِ. ومِنها، أنَّ المُؤْمِنَ لا بُدَّ وأنْ يَعْتَدِلَ خَوْفُهُ ورَجاؤُهُ. وذَلِكَ الِاعْتِدالُ لا يَحْصُلُ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ. ومِنها، أنَّهُ يَظْهَرُ بِوَعْدِهِ كَمالُ رَحْمَتِهِ، وبِوَعِيدِهِ كَمالُ حِكْمَتِهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْعِرْفانِ.
وقَدْ قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] أنَّ السَّلَفَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الإيمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ. فَإذا عُطِفَ عَلَيْهِ العَمَلُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ. أوْ يُقالُ: لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ولَكِنْ مَعَ العَطْفِ، كَما في اسْمِ الفَقِيرِ والمِسْكِينِ. فَتَذْكَّرْ.
(p-١٧٨)قالَ الرّاغِبُ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١] هو الكُفْرُ، وإحاطَةُ الخَطِيئَةِ بِهِ، الأعْمالُ السَّيِّئَةُ، وذَلِكَ لِما قابَلَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ، سُبْحانَهُ، يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلى أنَّهم مِمَّنْ أحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَقالَ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences