Al-QasimiAl‑Anbya · 21:87–97

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Anbya 21:87–97

21:87–88Page 329

وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٧

And [mention] the man of the fish [i.e., Jonah], when he went off in anger1 and thought that We would not decree [anything] upon him.2 And he called out within the darknesses,3 "There is no deity except You; exalted are You. Indeed, I have been of the wrongdoers."

فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨

So We responded to him and saved him from the distress. And thus do We save the believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٧] ﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [٨٨] ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] .

﴿وذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] أيِ: اذْكُرْ ذا النُّونِ يَعْنِي صاحِبَ الحُوتِ، وهو يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصَبْرَهُ عَلى ما أصابَهُ، ثُمَّ إنابَتَهُ ونَجاتَهُ، لِيَتَثَبَّتَ في نَبَئِهِ فُؤادُكَ ويَقْوى عَلى الصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُهُ الطُّغاةُ جَنانُكَ. وهَذِهِ القِصَّةُ مَذْكُورَةٌ هَهُنا وفي سُورَةِ (الصّافّاتِ) وفي سُورَةِ (ن). وذَلِكَ أنَّ يُونُسَ بْنَ مَتّى عَلَيْهِ السَّلامُ، أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَنْطَلِقَ إلى أهْلِ نِينَوى -مِن أرْضِ المُوصِلِ، كُرْسِيِّ سَلْطَنَةِ الأشُورِيِّينَ لِيَدْعُوَهم إلى الإيمانِ بِهِ تَعالى وحْدَهُ، وإلى إقامَةِ القِسْطِ ونَشْرِ العَدْلِ وحُسْنِ السِّيرَةِ. وكانُوا عَلى الضِّدِّ مِن ذَلِكَ، تَعاظَمَ كُفْرُهم وتَزايَدَ شَرُّهم. فَخَشِيَ أنْ لا يَتِمَّ لَهُ الأمْرُ مَعَهُمْ، فَأبَقَ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى يافا. ونَزَلَ في سَفِينَةٍ سائِرَةٍ إلى تَرْشِيشَ لِيُقِيمَ فِيها. فَأرْسَلَ اللَّهُ رِيحًا شَدِيدَةً عَلى البَحْرِ أشْرَفَتِ السَّفِينَةُ مَعَهُ عَلى الغَرَقِ. فَتَخَفَّفَ الرُّكّابُ مِن أمْتِعَتِهِمْ (p-٤٣٠٠)فَلَمْ يُفِدْ، فَوَقَعَ في أنْفُسِهِمْ أنَّ في السَّفِينَةِ شَخْصًا سَيَهْلَكُونَ بِسَبَبِهِ، فاقْتَرَعُوا لِيَنْظُرُوا مَن هو فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونُسَ، فَقَذَفُوهُ في البَحْرِ وسَكَنَ جَيَشانُهُ وتَمَوُّجُهُ. وهَيَّأ اللَّهُ حُوتًا لِيُونُسَ فابْتَلَعَهُ، فَمَكَثَ في جَوْفِ الحُوتِ ثَلاثَةَ أيّامٍ. ثُمَّ دَعا رَبَّهُ فاسْتَجابَ لَهُ، وألْقاهُ الحُوتُ عَلى السّاحِلِ. ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلى يُونُسَ ثانِيَةً بِالمَسِيرِ إلى نِينَوى، ودَعْوَتَها إلى اللَّهِ تَعالى، فَوَصَلَها ونادى فِيهِمْ بِالتَّوْحِيدِ والتَّوْبَةِ. وتَوَعَّدَهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا أنْ تَنْقَلِبَ بِهِمْ نِينَوى، فَلَمّا تَحَقَّقُوا ذَلِكَ آمَنُوا. فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ العَذابَ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُسَمّى في التَّوْراةِ (يُونانُ) وهو عِبْرانِيٌّ. ويُقالُ إنَّهُ مِن جَتْ حافِرَ وهي قَرْيَةٌ في سِبْطِ زَبُولُونَ، في شَمالِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ. وإنَّهُ نُبِّئَ قَبْلَ المَسِيحِ بِنَحْوِ ثَمانِمِائَةِ سَنَةٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الثّانِي: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ (كَما حَكاهُ الرّازِيُّ ) عَلى أنَّ يُونُسَ ذَهَبَ مُغاضِبًا لِرَبِّهِ. وأنَّهُ ظَنَّ بِإباقِهِ إلى الفُلْكِ، وتَرْكِهِ المَسِيرَ إلى نِينَوى أوَّلًا، أنْ يُتْرَكَ ولا يُقاصَّ. قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّما خالَفَ يُونُسُ أوَّلًا الأمْرَ الإلَهِيَّ وتَرَخَّصَ فِيهِ، مَخافَةَ أنْ يَظُنَّ أنَّهُ نَبِيٌّ كاذِبٌ إذا تابَ أهْلُ نِينَوى وعَفا اللَّهُ عَنْ جُرْمِهِمْ. وإيثارُ صِيغَةِ المُبالَغَةِ في (مُغاضِبًا) لِلْمُبالَغَةِ. لِأنَّ أصْلَهُ يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، يَجْهَدُ كُلٌّ مِنهُما في غَلَبَةِ الآخَرِ. فَيَقْتَضِي بَذْلَ المَقْدُورِ والتَّناهِي. فاسْتُعْمِلَ في لازِمِهِ لِلْمُبالَغَةِ، دُونَ قَصْدِ (مُفاعَلَةٍ) وقَدِ اسْتَدَلَّ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها، مَن ذَهَبَ إلى جَوازِ صُدُورِ الخَطَأِ مِنَ الأنْبِياءِ، إلّا الكَذِبَ في التَّبْلِيغِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الخَطَأُ فِيهِ، لِأنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ. وإلّا ما يَجْرِي مَجْرى بَيانِ الوَحْيِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الخَطَأُ في حالِ بَيانِ المَشْرُوعِ. وهو قَوْلُ الكَرّامِيَّةِ في المُرْجِئَةِ كَما في (شَرْحِ نَهْجِ البَلاغَةِ لِابْنِ أبِي الحَدِيدِ). (p-٤٣٠١)وقَوْلُ الباقِلّانِيِّ مِنَ الأشْعَرِيَّةِ (عَلى ما حَكاهُ ابْنُ حَزْمٍ في المِلَلِ): وأمّا الجُمْهُورُ المانِعُونَ مِن ذَلِكَ، فَلَهم في هَذِهِ الآيَةِ وأشْباهِها تَأْوِيلاتٌ. ونَحْنُ نُؤْثِرُ ما قالَهُ ابْنُ حَزْمٍ في هَذا المَقامِ، لِأنَّهُ أطْلَقُ لِسانًا، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (بَعْدَ أنْ حَكى مَذْهَبَ الكَرّامِيَّةِ المَذْكُورَ): وذَهَبَ أهْلُ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ والنَّجّارِيَّةِ والخَوارِجِ والشِّيعَةِ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ البَتَّةَ أنْ يَقَعَ مِن نَبِيٍّ مَعْصِيَةٌ بِعَمْدٍ لا صَغِيرَةٌ ولا كَبِيرَةٌ.

ثُمَّ قالَ: وهَذا القَوْلُ الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ. ولا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَدِينَ بِسِواهُ. ونَقُولُ: إنَّهُ يَقَعُ مِنَ الأنْبِياءِ السَّهْوُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ. ويَقَعُ مِنهم أيْضًا قَصْدُ الشَّيْءِ يُرِيدُونَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى، والتَّقَرُّبَ بِهِ مِنهُ. فَيُوافِقُ خِلافَ مُرادِ اللَّهِ تَعالى. إلّا أنَّهُ تَعالى لا يُقِرُّهم عَلى شَيْءٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أصْلًا، بَلْ يُنَبِّهُهم عَلى ذَلِكَ ولا بُدَّ، إثْرَ وُقُوعِهِ مِنهم. ورُبَّما يُبَغِّضُ المَكْرُوهَ في الدُّنْيا، كالَّذِي أصابَ آدَمَ ويُونُسَ والأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِخِلافِنا في هَذا. فَإنَّنا غَيْرُ مُؤاخَذِينَ بِما سَهَوْنا فِيهِ، ولا بِما قَصَدْنا بِهِ وجْهَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلَمْ يُصادِفْ مُرادَهُ تَعالى. بَلْ نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلى هَذا الوَجْهِ أجْرًا واحِدًا.

ثُمَّ قالَ (فِي الكَلامِ عَلى يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ): وأمّا إخْبارُ اللَّهِ تَعالى أنَّ يُونُسَ ذَهَبَ مُغاضِبًا، فَلَمْ يُغاضِبْ رَبَّهُ قَطُّ، ولا قالَ اللَّهُ تَعالى إنَّهُ غاضَبَ رَبَّهُ. فَمَن زادَ هَذِهِ الزِّيادَةَ كانَ قائِلًا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، وزائِدًا في القُرْآنِ ما لَيْسَ فِيهِ. هَذا لا يَحِلُّ ولا يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ بِمَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ مِن عَقْلٍ، أنَّهُ يُغاضِبُ رَبَّهُ تَعالى. فَكَيْفَ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ؟ فَعَلِمْنا يَقِينًا أنَّهُ إنَّما غاضَبَ قَوْمَهُ، ولَمْ يُوافِقْ ذَلِكَ مُرادَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَعُوقِبَ بِذَلِكَ. وإنْ كانَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ إلّا رِضاءَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ فَلَيْسَ عَلى ما ظَنُّوهُ مِنَ الظَّنِّ السَّخِيفِ الَّذِي لا يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ بِضَعِيفَةٍ مِنَ النِّساءِ أوْ بِضَعِيفٍ مِنَ الرِّجالِ. إلّا أنْ يَكُونَ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ مِنَ الجَهْلِ. فَكَيْفَ بِنَبِيٍّ مُفَضَّلٍ عَلى النّاسِ في العِلْمِ؟ ومِنَ المُحالِ المُتَيَقَّنِ أنْ يَكُونَ نَبِيٌّ يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ تَعالى الَّذِي أرْسَلَهُ بِدِينِهِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وهو يَرى أنَّ آدَمِيًّا مِثْلَهُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ. ولا شَكَّ في أنَّ مَن نَسَبَ هَذا لِلنَّبِيِّ ﷺ الفاضِلِ، فَإنَّهُ يَشْتَدُّ غَضَبُهُ لَوْ نُسِبَ ذَلِكَ إلَيْهِ أوْ إلى ابْنِهِ. فَكَيْفَ إلى يُونُسَ بْنِ مَتّى الَّذِي يَقُولُ فِيهِ (p-٤٣٠٢)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا تُفَضِّلُونِي عَلى يُونُسَ بْنِ مَتّى ؟»» فَقَدْ بَطَلَ ظَنُّهم بِلا شَكٍّ، وصَحَّ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] أيْ: ضَيَّقَ عَلَيْهِ. فَظَنَّ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ في مُغاضَبَتِهِ لِقَوْمِهِ، إذْ ظَنَّ أنَّهُ مُحْسِنٌ في فِعْلِهِ ذَلِكَ: وإنَّما نَهى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، مُحَمَّدًا ﷺ عَنْ أنْ يَكُونَ كَصاحِبِ الحُوتِ، فَنَعَمْ، نَهاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ مُغاضَبَةِ قَوْمِهِ، وأمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهم وبِالمُطاوَلَةِ لَهم. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: أنَّهُ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ والمَلامَةَ، لَوْلا النِّعْمَةُ الَّتِي تَدارَكَهُ بِها، لَلَبِثَ مُعاقَبًا في بَطْنِ الحُوتِ، فَهَذا نَفْسُ ما قُلْناهُ مِن أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُؤاخَذُونَ في الدُّنْيا عَلى ما فَعَلُوهُ، مِمّا يَظُنُّونَهُ خَيْرًا وقُرْبَةً إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إذا لَمْ يُوافِقْ مُرادَ رَبِّهِمْ. وعَلى هَذا الوَجْهِ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ كانَ مِنَ الظّالِمِينَ. والظُّلْمُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. فَلَمّا وضَعَ النَّبِيُّ ﷺ المُغاضَبَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، اعْتَرَفَ في ذَلِكَ بِالظُّلْمِ. لا عَلى أنَّهُ قَصَدَهُ وهو يَدْرِي أنَّهُ ظَلَمَ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَزْمٍ.

وأقُولُ: إنَّ الَّذِي يَفْتَحُ بابَ الإشْكالاتِ هو التَّعَمُّقُ في الألْفاظِ. والتَّنَطُّعُ في شَرْحِها وتَوْلِيدِ مَعانِي ولَوازِمَ لَها، والتَّوَسُّعُ في وُجُوهِها تَوَسُّعًا يُمِيتُ رَوْنَقَ التَّرْكِيبِ ونَصاعَةَ بَلاغَتِهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ التَّنْزِيلَ الكَرِيمَ فاقَ سائِرَ أسالِيبِ الكَلامِ المَعْهُودَةِ بِأُسْلُوبِهِ البَدِيعِ. ولِذا كانَتْ آيَةً تَأْخُذُ بِمَجامِعِ القُلُوبِ رِقَّةً وانْسِجامًا. وبَلاغَةً وانْتِظامًا. فَلا تَرى في كَلِمِهِ إلّا المُخْتاراتِ لُطْفًا، ولا في جُمَلِهِ إلّا الفَخِيماتِ تَرْكِيبًا، ولا في إشاراتِهِ إلّا الأقْوى رَمْزًا، ولا في كِناياتِهِ إلّا الأعْلى مَغْزًى. ومِن ذَلِكَ سُنَّتُهُ في المَلامِ والوَعِيدِ مِن إفْراغِ القَوْلِ في أبْلَغِ قالَبٍ شَدِيدٍ، مِمّا يُؤْخَذُ مِنهُ شِدَّةُ الخَطْبِ، وقُوَّةُ العَتَبِ وذَلِكَ لِعِزَّةِ الجَنابِ الإلَهِيِّ والمَقامِ الرَّبّانِيِّ. فالعَرَبِيُّ البَلِيغُ طَبْعًا، الذّائِقُ جِبِلَّةً، إذا تُلِيَ عَلَيْهِ مُجْمَلُ نَبَأِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ الآيَةِ، يُدْهِشُ لِما تَرْمِي (p-٤٣٠٣)إلَيْهِ مِن قُوَّةِ العَتَبِ والمَلامِ، وأنَّهُ بِإباقِهِ غاضَبَ مَوْلاهُ، غَضَبًا لا يُماثِلُ الغَضَبَ عَلى العُصاةِ. فَإنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ. وأنَّهُ ظَنَّ أنْ يُنْسى فَلا يُؤاخَذُ. ويَفْلِتُ فَلا يُحْصَرُ. فَأتاهُ ما لَمْ يَكُنْ عَلى بالٍ. ووَقَعَ في شَرَكِ قُدْرَةِ المُتَعالِ، ثُمَّ تَدارَكَتْهُ النِّعْمَةُ، ولَحِقَتْهُ الرَّحْمَةُ. هَذا مُجْمَلُ ما يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ مَنطُوقًا ومَفْهُومًا. فافْهَمْ ما ذَكَرْتُهُ لَكَ. فَإنَّهُ يَبْلُغُكَ مِنَ التَّحْقِيقِ أمَلُكَ.

الثّالِثُ: عَدَّ بَعْضُ المَلاحِدَةِ ابْتِلاعَ الحُوتِ يُونُسَ مُحالًا. فَكَتَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مُجِيبًا بِأنَّ هَذا إنْكارٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ. الَّذِي لَهُ في خَلْقِهِ غَرائِبُ. ومِنها الحِيتانُ المُتَنَوِّعَةُ الهائِلَةُ الجُثَثِ، الَّتِي لَمْ يَزَلْ يُصْطادُ مِنها في هَذا العَصْرِ، وفي بُطُونِها أجْسادُ النّاسِ بِمَلابِسِهِمْ. وكَتَبَ آخَرُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَعْيِينِ نَوْعِ الحُوتِ الَّذِي ابْتَلَعَ يُونُسَ. ولَعَلَّهُ فِيما قالَ قَوْمٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ. مِنَ النَّوْعِ المَعْرُوفِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ (بِالزَّفا) وهو مِن كِبارِ الحِيتانِ يَكُونُ في بَحْرِ الرُّومِ، واسِعُ الحُلْقُومِ، حَتّى أنَّهُ لَيَبْتَلِعُ الرَّجُلَ بِرُمَّتِهِ، دُونَ أنْ يَشْدَخَهُ أوْ يَجْرَحَهُ. حَتّى يَبْقى في الإمْكانِ أنْ يَخْرُجَ مِنهُ وهو حَيٌّ: ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ بِغَيْرِ مُعْجِزَةٍ بَقاؤُهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ في جَوْفِ هَذا الحُوتِ، ولَبِثَ مالِكًا رُشْدَهُ مُتَمَكِّنًا مِنَ التَّسْبِيحِ والدُّعاءِ. انْتَهى.

الرّابِعُ: الجَمْعُ في قَوْلِهِ: في الظُّلُماتِ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ، وهي ظُلْمَةُ بَطْنِ الحُوتِ وظُلْمَةُ البَحْرِ وظُلْمَةُ اللَّيْلِ. وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِما. أوْ مَجازٌ، يَجْعَلُ الظُّلْمَةَ لِشِدَّتِها وتَكاثُفِها في بَطْنِ الحُوتِ كَأنَّها ظُلُماتٌ. والمُرادُ مِنها أحَدُ المَذْكُوراتِ، أوْ بَطْنُ الحُوتِ. وقَدَّمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ونَظَّرَهُ بِآيَةِ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ﴾ [البقرة: ١٧]

الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٨] أيْ: دُعاؤُهُ: ﴿ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ﴾ [الأنبياء: ٨٨] يَعْنِي بِأنْ قَذَفَهُ الحُوتُ إلى السّاحِلِ، قِيلَ لَمْ يَقُلْ فَنَجَّيْناهُ كَما قالَ في قِصَّةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَكَشَفْنا﴾ [الأنبياء: ٨٤] لِأنَّهُ دَعا بِالخَلاصِ مِنَ الضُّرِّ، فالكَشْفُ المَذْكُورُ يَتَرَتَّبُ عَلى اسْتِجابَتِهِ. (p-٤٣٠٤)ويُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْعُ، فَلَمْ يُوجَدْ وجْهُ التَّرْتِيبِ في اسْتِجابَتِهِ. ورُدَّ بِأنَّ الفاءَ في قِصَّةِ أيُّوبَ تَفْسِيرِيَّةٌ. والعَطْفُ هُنا أيْضًا تَفْسِيرِيٌّ. والتَّفَنُّنُ طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ في عِلْمِ البَلاغَةِ. ثُمَّ لا نُسَلِّمُ أنَّ يُونُسَ لَمْ يَدْعُ بِالخَلاصِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ دُعاءٌ لَمْ تَتَحَقَّقْ الِاسْتِجابَةُ. واسْتَظْهَرَ الشِّهابُ في سِرِّ الإتْيانِ بِالفاءِ ثَمَّةَ. والواوُ هُنا غَيْرُ التَّفَنُّنِ المَذْكُورِ. أنْ يُقالَ: إنَّ الأوَّلَ دُعاءٌ بِكَشْفِ الضُّرِّ وتَلَطُّفٌ في السُّؤالِ.

فَلَمّا أجْمَلَ في الِاسْتِجابَةِ، وكانَ السُّؤالُ بِطَرِيقَةِ الإيماءِ، ناسَبَ أنْ يُؤْتى بِالفاءِ التَّفْصِيلِيَّةِ. وأمّا هُنا، فَإنَّهُ لَمّا هاجَرَ مِن غَيْرِ أمْرٍ، عَلى خِلافِ مُعْتادِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. كانَ ذَلِكَ ذَنْبًا. كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ فَما أوْمَأ إلَيْهِ هو الدُّعاءُ بِعَدَمِ مُؤاخَذَتِهِ بِما صَدَرَ مِنهُ مِن سَيِّئاتِ الأبْرارِ. فالِاسْتِجابَةُ عِبارَةٌ عَنْ قَبُولِ تَوْبَتِهِ وعَدَمِ مُؤاخَذَتِهِ: ولَيْسَ ما بَعْدَهُ تَفْسِيرًا لَهُ، بَلْ زِيادَةَ إحْسانٍ عَلى مَطْلُوبِهِ. ولِذا عَطَفَ بِالواوِ. انْتَهى.

السّادِسُ: قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] أيْ: إذا كانُوا في غُمُومٍ، وأخْلَصُوا في أدْعِيَتِهِمْ مُنِيبِينَ، لا سِيَّما بِهَذا الدُّعاءِ: وقَدْ رُوِيَ في التَّرْغِيبِ آثارٌ: مِنها عِنْدَ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ: («دَعْوَةُ ذِي النُّونِ، لَمْ يَدْعُ بِها مُسْلِمٌ رَبَّهُ في شَيْءٍ قَطُّ، إلّا اسْتَجابَ لَهُ»). وقَوْلُهُ تَعالى:

21:89Page 329

وَزَكَرِيَّآ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٨٩

And [mention] Zechariah, when he called to his Lord, "My Lord, do not leave me alone [with no heir], while You are the best of inheritors."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٩] ﴿وزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ .

﴿وزَكَرِيّا﴾ أيْ: واذْكُرْ خَبَرَهُ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ أيْ: حِينَ طَلَبَ أنْ يَهَبَهُ رَبُّهُ ولَدًا يَكُونُ مِن بَعْدِهِ نَبِيًّا، ولا يَتْرُكُهُ فَرْدًا وحِيدًا بِلا وارِثٍ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ القِصَّةُ مَبْسُوطَةً في أوَّلِ سُورَةِ مَرْيَمَ وفي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ أيْضًا. وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ (p-٤٣٠٥)ثَناءٌ مُناسِبٌ لِلْمَسْألَةِ. قالَ الغَزالِيُّ في (شَرْحِ الأسْماءِ الحُسْنى): الوارِثُ هو الَّذِي تَرْجِعُ إلَيْهِ الأمْلاكُ بَعْدَ فَناءِ المُلّاكِ. وذَلِكَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، إذْ هو الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، وإلَيْهِ مَرْجِعُ كُلِّ شَيْءٍ ومُصَيِّرُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:

21:90Page 329

فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠

So We responded to him, and We gave to him John, and amended for him his wife. Indeed, they used to hasten to good deeds and supplicate1 Us in hope and fear, and they were to Us humbly submissive.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٠] ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ .

﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أيْ: دُعاءَهُ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أيْ: أصْلَحْناها لِلْوِلادَةِ بَعْدَ عُقْرِها، مُعْجِزَةً وكَرامَةً لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما فَصَّلَ مِن فُنُونِ إحْسانِهِ تَعالى، المُتَعَلِّقَةِ بِالأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ، أيْ: كانُوا يُبادِرُونَ في كُلِّ بابٍ مِنَ الخَيْرِ. وإيثارٌ (فِي) عَلى (إلى) لِلْإشارَةِ إلى ثَباتِهِمْ واسْتِقْرارِهِمْ في أصْلِ الخَيْرِ. لِأنَّ (إلى) تَدُلُّ عَلى الخُرُوجِ عَنِ الشَّيْءِ والتَّوَجُّهِ إلَيْهِ: ﴿ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ أيْ: ذَوِي رَغَبٍ ورَهَبٍ، أوْ راغِبِينَ في الثَّوابِ راجِينَ لِلْإجابَةِ: ﴿وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ أيْ: مُخْبَتِينَ مُتَضَرِّعِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى:

21:91Page 330

وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩١

And [mention] the one who guarded her chastity [i.e., Mary], so We blew into her [garment] through Our angel [i.e., Gabriel], and We made her and her son a sign for the worlds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩١] ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ .

﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ أيِ: اذْكُرْ نَبَأ الَّتِي أحْصَنَتْهُ إحْصانًا كُلِّيًّا، عَنِ الحَلالِ والحَرامِ جَمِيعًا. كَما قالَتْ: ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم: ٢٠] والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالمَوْصُولِ، لِتَفْخِيمِ شَأْنِها، وتَنْزِيهِها عَمّا زَعَمُوهُ في حَقِّها، بادِئَ بَدْءٍ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ أيْ: نَفْخُنا (p-٤٣٠٦)الرُّوحَ في عِيسى فِيها. أيْ: أحْيَيْناهُ في جَوْفِها. فَنَزَلَ نَفْخُ الرُّوحِ في عِيسى، لِكَوْنِهِ في جَوْفِ مَرْيَمَ، مَنزِلَةَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيها. ونَفْخُ الرُّوحِ في الجَسَدِ عِبارَةٌ عَنْ إحْيائِهِ. وقِيلَ المَعْنى: فَعَلْنا النَّفْخَ فِيها مِن جِهَةِ رُوحِنا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: أمَرْناهُ فَنَفَخَ. أوْ فَنَفَخْنا فِيها بَعْضَ رُوحِنا، أيْ: بَعْضَ الأرْواحِ المَخْلُوقَةِ لَنا. وذَلِكَ البَعْضُ هو رُوحُ عِيسى، لِأنَّها وصَلَتْ في الهَواءِ الَّذِي نَفَخَهُ في رَحِمِها: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها﴾ أيْ: نَبَأهُما: ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ: في كَمالِ قُدْرَتِهِ واخْتِصاصِهِ مَن شاءَ بِما شاءَ. وقَدْ كانَ مِن آيَتِهِما إتْيانُ الرِّزْقِ لِمَرْيَمَ في غَيْرِ أوانِهِ. وتَثْمِيرُ النَّخْلِ اليابِسِ. وإجْراءُ العَيْنِ، ونُطْقُ ابْنِها في المَهْدِ. وإحْياءُ المَوْتى. وإبْراءُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ: آيَتَيْنِ كَما قالَ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢] ؟ قُلْتُ: لِأنَّ حالَهُما بِمَجْمُوعِها آيَةٌ واحِدَةٌ. وهي وِلادَتُها إيّاهُ مِن غَيْرِ فَحْلٍ. انْتَهى. وقِيلَ: المَعْنى وجَعَلْناها آيَةً وابْنَها آيَةً. فَحُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها. ولِما أنْهى ما ذَكَرَ تَعالى مِن شَأْنِ جَماعَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، أشارَ إلى أنَّ عَقائِدَهم وأُصُولَ دِينِهِمْ واحِدَةٌ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى:

21:92Page 330

إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ ٩٢

Indeed this, your religion, is one religion,1 and I am your Lord, so worship Me.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٢] ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾ .

﴿إنَّ هَذِهِ﴾ أيْ: عِلَّةُ التَّوْحِيدِ والِاسْتِسْلامِ لِمَعْبُودٍ واحِدٍ لا شَرِيكَ لَهُ: ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ أيْ: مِلَّتُكُمُ الَّتِي يَجِبُ أنْ تُحافِظُوا عَلى حُدُودِها وتُراعُوا حُقُوقَها. والخِطابُ لِلنّاسِ كافَّةً: ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ: غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ. بَلْ هي مِلَّةٌ واحِدَةٌ. أيْ: أنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ ورُسُلِ اللَّهِ عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ ودِينٍ واحِدٍ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ﴿وأنا رَبُّكُمْ﴾ أيْ: لا إلَهَ لَكم غَيْرِي: ﴿فاعْبُدُونِ﴾ أيْ: ولا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا.

(p-٤٣٠٧)تَنْبِيهٌ:

قُلْنا: إنَّ الأُمَّةَ هُنا بِمَعْنى المِلَّةِ، وهو الدَّيْنُ المُجْتَمَعُ عَلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] أيْ: عَلى دِينٍ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ. والأُمَّةُ بِهَذا المَعْنى هو ما رَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي آيَةِ: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] وتُطْلَقُ (الأُمَّةُ) بِمَعْنى الجَماعَةِ. كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] أيْ: جَماعَةٌ. وكَما في قَوْلِهِ: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ولا تَكُونُ بِمَعْنى الجَماعَةِ مُطْلَقًا، وإنَّما هي بِمَعْنى الجَماعَةِ الَّذِينَ تَرْبُطُهم رابِطَةُ اجْتِماعٍ، يُعْتَبَرُونَ بِها واحِدًا، وتُسَوِّغُ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِمُ اسْمٌ واحِدٌ كاسْمِ الأُمَّةِ. وتُطْلَقُ الأُمَّةُ بِمَعْنى السِّنِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨] وفي قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] وبِمَعْنى الإمامِ الَّذِي يُقْتَدى بِهِ،كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠] وبِمَعْنى إحْدى الأُمَمِ المَعْرُوفَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وهَذا المَعْنى الأخِيرُ لا يَخْرُجُ عَنْ مَعْنى الجَماعَةِ، عَلى ما ذَكَرْنا. وإنَّما خَصَّصَهُ العُرْفُ تَخْصِيصًا. كَذا حَقَّقَهُ العَلّامَةُ مُحَمَّدُ عَبْدُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِ آيَةِ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]

21:93Page 330

وَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡۖ كُلٌّ إِلَيۡنَا رَٰجِعُونَ ٩٣

And [yet] they divided their affair [i.e., that of their religion] among themselves,1 [but] all to Us will return.

(p-٤٣٠٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٣] ﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ .

﴿وتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ أيْ: تَفَرَّقَ النّاسُ في دِينِهِمُ الَّذِي أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، ودَعاهم إلَيْهِ، فَصارُوا فِيهِ أحْزابًا ومِلَلًا.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: والأصْلُ (وتَقَطَّعْتُمْ) إلّا أنَّ الكَلامَ صُرِفَ إلى الغَيْبَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. كَأنَّهُ يَنْعِي عَلَيْهِمْ ما أفْسَدُوهُ، إلى آخَرِينَ، ويُقَبِّحُ عِنْدَهم فِعْلَهُمْ، ويَقُولُ لَهُمْ: ألا تَرَوْنَ إلى عَظِيمِ ما ارْتَكَبَ هَؤُلاءِ في دِينِ اللَّهِ؟ والمَعْنى جَعَلُوا أمْرَ دِينِهِمْ فِيما بَيْنَهم قَطْعًا، كَما يَتَوَرَّعُ الجَماعَةُ الشَّيْءَ ويَقْتَسِمُونَهُ. فَيَطِيرُ لِهَذا نَصِيبٌ ولِذاكَ نَصِيبٌ، تَمْثِيلًا لِاخْتِلافِهِمْ فِيهِ، وصَيْرُورَتِهِمْ فِرَقًا وأحْزابًا شَتّى. ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأنَّ هَؤُلاءِ الفِرَقَ المُخْتَلِفَةَ، إلَيْهِ يَرْجِعُونَ. فَهو مُحاسِبُهم ومُجازِيهِمُ، المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ.

21:94Page 330

فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ ٩٤

So whoever does righteous deeds while he is a believer - no denial will there be for his effort,1 and indeed We [i.e., Our angels], of it, are recorders.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٤] ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وإنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ .

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وإنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ أيْ: فَمَن عَمِلَ مِن هَؤُلاءِ، الَّذِينَ تَفَرَّقُوا في دِينِهِمْ، بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، وأطاعَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وهو مُقِرٌّ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ، مُصَدِّقٌ وعْدَهُ ووَعِيدَهُ، مُتَبَرِّئٌ مِنَ الأنْدادِ والآلِهَةِ، فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ، بَلْ يَشْكُرُ اللَّهُ عَمَلَهُ هَذا، ويُثِيبُهُ ثَوابَ أهْلِ طاعَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَهُ﴾ أيْ: لِسَعْيِهِ المَشْكُورِ: ﴿كاتِبُونَ﴾ أيْ: مُثْبِتُوهُ في صَحِيفَةِ أعْمالِهِ، ولا نُضَيِّعُهُ.

تَنْبِيهٌ:

الكُفْرانُ مَصْدَرٌ مِن: (كَفَرَ فُلانٌ النِّعْمَةَ كُفْرًا وكُفْرانًا) وأُوثِرَ (لا كُفْرانَ) عَلى (لا نَكْفُرُ) لِلْمُبالَغَةِ. لِأنَّ نَفْيَ الجِنْسِ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ وأبْلَغُ في التَّنْزِيهِ بِعُمُومِهِ. وعَبَّرَ عَنِ العَمَلِ (p-٤٣٠٩)بِالسَّعْيِ لِإظْهارِ الِاعْتِدادِ بِهِ. والآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]

ثُمَّ أشارَ إلى مُقابِلِ هَؤُلاءِ، وهم مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى، بِلُحُوقِ الوَعِيدِ لَهُمْ، لِما جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ تَعالى، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

21:95Page 330

وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآ أَنَّهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٩٥

And it is prohibited to [the people of] a city which We have destroyed that they will [ever] return1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٥] ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ .

﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: وحَرامٌ عَلى أهْلِ قَرْيَةٍ فَسَقُوا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ، فَأهْلَكَهم بِذُنُوبِهِمْ، أنْ يَرْجِعُوا إلى أهْلِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣١] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] وزِيادَةُ (لا) هُنا لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ مِن (حَرامٍ) وهَذا مِن أسالِيبِ التَّنْزِيلِ البَدِيعَةِ البالِغَةِ النِّهايَةَ في الدِّقَّةِ. وسِرُّ الإخْبارِ بِعَدَمِ الرُّجُوعِ مَعَ وُضُوحِهِ، هو الصَّدْعُ بِما يُزْعِجُهم ويُؤْسِفُهم ويُلَوِّعُهم مِنَ الهَلاكِ المُؤَبَّدِ، وفَواتِ أُمْنِيَتِهِمُ الكُبْرى، وهي حَياتُهُمُ الدُّنْيا. وجَعَلَ أبُو مُسْلِمٍ هَذِهِ الآيَةَ مِن تَتِمَّةِ ما قَبْلَها، و(لا) فِيها عَلى بابِها. وهي مَعَ (حَرامٍ) مِن قَبِيلِ نَفْيِ النَّفْيِ. فَيَدُلُّ عَلى الإثْباتِ. والمَعْنى: وحَرامٌ عَلى القَرْيَةِ المُهْلَكَةِ، عَدَمُ رُجُوعِها إلى الآخِرَةِ. بَلْ واجِبٌ رُجُوعُها لِلْجَزاءِ. فَيَكُونُ الغَرَضُ إبْطالُ قَوْلِ مَن يُنْكِرُ البَعْثَ. وتَحْقِيقُ ما تَقَدَّمَ أنَّهُ لا كُفْرانَ لِسَعْيِ أحَدٍ. وأنَّهُ سُبْحانَهُ سَيُحْيِيهِ، وبِعَمَلِهِ يَجْزِيهِ. واللَّفْظُ الكَرِيمُ يَحْتَمِلُهُ ويَتَّضِحُ فِيهِ. إلّا أنَّ الأوَّلَ لِرِعايَةِ النَّظائِرِ مِنَ الآيِ أوْلى. وأمّا ذِكْرُ سِواهُما، فَلا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ ولا النَّظِيرُ. وفِيهِ ما يُخِلُّ بِالبَلاغَةِ مِنَ التَّعْقِيدِ وفَواتِ سَلاسَةِ التَّعْبِيرِ.

21:96Page 330

حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتۡ يَأۡجُوجُ وَمَأۡجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٖ يَنسِلُونَ ٩٦

Until when [the dam of] Gog and Magog has been opened and they, from every elevation, descend

ثُمَّ أشارَ إلى تَحَقُّقِ نَصْرِ الرُّسُلِ وغَلَبَتِهِمْ، وكَثْرَةِ أتْباعِهِمْ حَتّى يُحِيطُوا بِأعْدائِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ، ويُنْزِلُوا بِهِمْ ما تَشْخَصُ لَهم أبْصارُهُمْ، يُورِثُهم طُولَ النَّدامَةِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

(p-٤٣١٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٦] ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ .

﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ عَلَمٌ لِكُلِّ أُمَّةٍ كَثِيرَةِ العَدَدِ مُخْتَلِطَةٍ مِن أجْناسٍ شَتّى: ﴿وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ أيْ: مِن كُلِّ نَشَزٍ مِنَ الأرْضِ يُسْرِعُونَ، مُتَجَنِّدِينَ لِقَهْرِ أعْدائِهِمْ، تَحْتَ رايَةِ نَبِيِّهِمْ أوْ أمِيرِهِ أوْ خَلِيفَتِهِ.

21:97Page 330

وَٱقۡتَرَبَ ٱلۡوَعۡدُ ٱلۡحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَٰخِصَةٌ أَبۡصَٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَٰوَيۡلَنَا قَدۡ كُنَّا فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا بَلۡ كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٩٧

And [when] the true promise [i.e., the resurrection] has approached; then suddenly the eyes of those who disbelieved will be staring [in horror, while they say], "O woe to us; we had been unmindful of this; rather, we were wrongdoers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٧] ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ .

﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ﴾ أيْ: طَلَعَتْ طَلائِعُ النَّصْرِ والقَهْرِ، ودَحْرِ الباطِلِ والكُفْرِ: ﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: لِهَوْلِ ما حَلَّ بِساحَتِهِمْ والدَّهْشَةِ مِنهُ، قائِلِينَ: ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ: لَمْ نَعْلَمْ أنَّهُ حَقٌّ: ﴿بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لِأنْفُسِنا، بِالإخْلالِ بِالنَّظَرِ والإباءِ والعِنادِ. ثُمَّ أشارَ إلى شَأْنِهِمْ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском