Al-QasimiAl‑Hajj · 22:54–62

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:54–62, continued

ذَكَرَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ حالًا مِن أحْوالِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ قَبْلَهُ، لِيُبَيِّنَ لَهُ سُنَّتَهُ فِيهِمْ. وذَلِكَ بَعْدَ أنْ قالَ: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ﴾ [الحج: ٤٢] إلى آخِرِ الآياتِ ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الحج: ٤٩] ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج: ٥٠] ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١] ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] إلَخْ، فالقَصَصُ السّابِقُ كانَ في تَكْذِيبِ الأُمَمِ لِأنْبِيائِهِمْ. ثُمَّ تَبِعَهُ الأمْرُ الإلَهِيُّ بِأنْ يَقُولَ النَّبِيُّ ﷺ لِقَوْمِهِ: إنَّنِي لَمْ أُرْسَلْ إلَيْكم إلّا لِأُنْذِرَكم بِعاقِبَةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، ولِأُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ بِالنَّعِيمِ. وأمّا الَّذِينَ يَسْعَوْنَ في الآياتِ والأدِلَّةِ الَّتِي أُقِيمُها عَلى الهُدى وطُرُقِ السَّعادَةِ، لِيُحَوِّلُوا عَنْها الأنْظارَ ويَحْجُبُوها عَنِ الأبْصارِ، ويُفْسِدُوا أثَرَها الَّذِي أُقِيمَتْ لِأجْلِهِ، ويُعاجِزُوا بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، أيْ: يُسابِقُوهم لِيُعْجِزُوهم ويُسْكِتُوهم عَنِ القَوْلِ بِذَلِكَ. وذَلِكَ بِلَعِبِهِمْ بِالألْفاظِ وتَحْوِيلِها عَنْ مَقْصِدِ قائِلِها، كَما يَقَعُ عادَةً مِن أهْلِ الجَدَلِ والمُماحَكَةِ - هَؤُلاءِ الضّالُّونَ المُضِلُّونَ هم أصْحابُ الجَحِيمِ. وأعْقَبَ ذَلِكَ بِما يُفِيدُ أنَّ ما ابْتُلِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المُعاجَزَةِ في الآياتِ، قَدِ ابْتُلِيَ بِهِ الأنْبِياءُ السّابِقُونَ. فَلَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ في أُمَّةٍ إلّا كانَ لَهُ خُصُومٌ يُؤْذُونَهُ بِالتَّأْوِيلِ والتَّحْرِيفِ، ويُضادُّونَ أمانِيَهُ، ويَحُولُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَبْتَغِي، بِما يُلْقُونَ في سَبِيلِهِ مِنَ العَثَراتِ. فَعَلى هَذا المَعْنى الَّذِي يَتَّفِقُ مَعَ ما لَقِيَهُ الأنْبِياءُ جَمِيعًا، يَجِبُ أنْ تُفَسَّرَ الآيَةُ. وذَلِكَ يَكُونُ عَلى وجْهَيْنِ:

(p-٤٣٦٦)الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ (تَمَنّى ) بِمَعْنى: (قَرَأ ) و(الأُمْنِيَّةُ ) بِمَعْنى: (القِراءَةِ ) وهو مَعْنى قَدْ يَصِحُّ. وقَدْ ورَدَ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ فِيهِ؛ قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ في عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:

؎تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ * * وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ

وقالَ آخَرُ:

؎تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ * * ∗∗∗ تَمَنِّيَ داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رِسْلِ

غَيْرَ أنَّ الإلْقاءَ لا يَكُونُ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرُوهُ، بَلْ عَلى المَعْنى المَفْهُومِ مِن قَوْلِكَ: (ألْقَيْتُ في حَدِيثِ فُلانٍ )، إذا أدْخَلْتَ فِيهِ ما رُبَّما يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، ولا يَكُونُ قَدْ أرادَهُ. أوْ نَسَبْتَ إلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ تَعَلُّلًا بِأنَّ ذَلِكَ الحَدِيثَ يُؤَدِّي إلَيْهِ. وذَلِكَ مِن عَمَلِ المُعاجِزِينَ الَّذِينَ يُنَصِّبُونَ أنْفُسَهم لِمُحارَبَةِ الحَقِّ، يَتَّبِعُونَ الشُّبْهَةَ، ويَسْعَوْنَ وراءَ الرِّيبَةِ، فالإلْقاءُ بِهَذا المَعْنى دَأبُهم، ونِسْبَةُ الإلْقاءِ إلى الشَّيْطانِ لِأنَّهُ مُثِيرُ الشُّبُهاتِ بِوَساوِسِهِ، مُفْسِدُ القُلُوبِ بِدَسائِسِهِ، وكُلُّ ما يَصْدُرُ مِن أهْلِ الضَّلالِ يَصِحُّ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ. ويَكُونُ المَعْنى: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا حَدَّثَ قَوْمَهُ عَنْ رَبِّهِ، أوْ تَلا وحْيًا أُنْزِلَ إلَيْهِ في هُدًى لَهم، قامَ في وجْهِهِ مُشاغِبُونَ، يُحَوِّلُونَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ عَنِ المُرادِ مِنهُ. ويَتَقَوَّلُونَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ، ويَنْشُرُونَ ذَلِكَ بَيْنَ النّاسِ، لِيُبْعِدُوهم عَنْهُ، ويَعْدِلُوا بِهِمْ عَنْ سَبِيلِهِ، ثُمَّ يُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ ويُبْطِلُ الباطِلَ. وما زالَ الأنْبِياءُ يَصْبِرُونَ عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا، ويُجاهِدُونَ في الحَقِّ، ولا يَعْتَدُّونَ بِتَعْجِيزِ المُعَجِّزِينَ، ولا بِهَزْءِ المُسْتَهْزِئِينَ إلى أنْ يَظْهَرَ الحَقُّ بِالمُجاهِدَةِ، ويَنْتَصِرَ عَلى الباطِلِ بِالمُجالَدَةِ. فَيَنْسَخُ اللَّهُ تِلْكَ الشُّبَهَ ويَجْتَثُّها مِن أُصُولِها، ويُثْبِتُ آياتِهِ ويُقَرِّرُها. وقَدْ وضَعَ اللَّهُ هَذِهِ السُّنَّةَ في النّاسِ لِيَتَمَيَّزَ الخَبِيثُ مِنَ الطَّيِّبِ، فَيَفْتَتِنُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وهم ضُعَفاءُ العُقُولِ، بِتِلْكَ الشُّبَهِ والوَساوِسِ، فَيَنْطَلِقُونَ وراءَها. ويَفْتَتِنُ بِها القاسِيَةُ قُلُوبُهم مِن أهْلِ العِنادِ والمُجاحَدَةِ، فَيَتَّخِذُونَها سَنَدًا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْها في جَدَلِهِمْ. ثُمَّ يَتَمَحَّصُ الحَقُّ عِنْدَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، ويُخْلِصُ لَهم بَعْدَ وُرُودِ كُلِّ شُبْهَةٍ عَلَيْهِ، فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُصَدِّقُونَ بِهِ، فَتُخْبِتُ وتَطْمَئِنُّ لَهُ قُلُوبُهم. والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ هُمُ الَّذِينَ رُزِقُوا قُوَّةَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ البُرْهانِ القاطِعِ الَّذِي (p-٤٣٦٧)يَسْتَقِرُّ بِالعَقْلِ في قَرارَةِ اليَقِينِ. وبَيْنَ المُغالَطاتِ وضُرُوبِ السَّفْسَطَةِ الَّتِي تَطِيشُ بِالفَهْمِ، وتَطِيرُ بِهِ مَعَ الوَهْمِ، وتَأْخُذُ بِالعَقْلِ تارَةً ذاتَ الشِّمالِ وأُخْرى ذاتَ اليَمِينِ. وسَواءٌ أرْجَعْتَ الضَّمِيرَ في (أنَّهُ الحَقُّ ) إلى ما جاءَتْ بِهِ الآياتُ المُحْكَماتُ مِنَ الهُدى الإلَهِيِّ أوْ إلى القُرْآنِ، وهو أجَلُّها، فالمَعْنى مِنَ الصِّحَّةِ عَلى ما يَراهُ أهْلُ التَّمْكِينِ. هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا. وهُمُ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. ولَمْ يَجْعَلْ لِلْوَهْمِ عَلَيْها سُلْطانًا، فَيَحِيدُ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ النَّهْجِ القَوِيمِ. وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وهم ضُعَفاءُ العُقُولِ ومَرْضى القُلُوبِ، أوْ أهْلُ العِنادِ وزُعَماءُ الباطِلِ وقُساةُ الطِّباعِ، الَّذِينَ لا تَلِينُ أفْئِدَتُهم ولا تَبَشُّ لِلْحَقِّ قُلُوبُهم فَأُولَئِكَ لا يَزالُونَ في رَيْبٍ في الحَقِّ أوِ الكِتابِ. لا تَسْتَقِرُّ عُقُولُهم عَلَيْهِ، ولا يَرْجِعُونَ في مُتَصَرِّفاتِ شُؤُونِهِمْ إلَيْهِ. حَتّى تَأْتِيَ ساعَةُ هَلاكِهِمْ بَغْتَةً، فَيُلاقُوا حِسابَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ. أوْ إنِ امْتَدَّ بِهِمُ الزَّمَنُ، ومادَّهُمُ الأجَلُ، فَسَيُصِيبُهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ. يَوْمَ حَرْبٍ يُسامُونَ فِيهِ سُوءَ العَذابِ، القَتْلَ أوِ الأسْرَ. ويُقْذَفُونَ إلى مَطارِحِ الذُّلِّ وقَراراتِ الشَّرِّ. فَلا يَنْتِجُ لَهم مِن ذَلِكَ اليَوْمِ خَيْرٌ ولا بَرَكَةٌ، بَلْ يُسْلَبُونَ ما كانَ لَدَيْهِمْ ويُساقُونَ إلى مَصارِعِ الهَلَكَةِ. وهَذا هو العُقْمُ في أتَمِّ مَعانِيهِ وأشْأمِ دَرَجاتِهِ. ما أقْرَبَ هَذِهِ الآياتِ في مَغازِيها، إلى قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ [آل عمران: ٧] وقَدْ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٠] ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٢] إلَخْ الآياتِ. (p-٤٣٦٨)وكَأنَّ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ مِنَ القُرْآنِ شَرْحٌ لِلْأُخْرى. فالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ هُمُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةُ قُلُوبُهم. والرّاسِخُونَ في العِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ. فَيَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا، فَتُخْبِتُ لَهُ قُلُوبُهم، وإنَّ اللَّهَ لَهادِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وأُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ يُفْتَتَنُونَ بِالتَّأْوِيلِ، ويَشْتَغِلُونَ بِقالَ وقِيلَ بِما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ويَصْرِفُهم عَنْ مَرامِي البَيانِ، ويَمِيلُ بِهِمْ عَنْ مَحَجَّةِ الفُرْقانِ. وما يَتَّكِئُونَ عَلَيْهِ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ، لَنْ يُغْنِيَ عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. فَسَتُوافِيهِمْ آجالُهم، وتَسْتَقْبِلُهم أعْمالُهم. فَإنْ لَمْ يُوافِهِمُ الأجَلُ عَلى فِراشِهِمْ. فَسَيُغْلَبُونَ في هِراشِهِمْ. وهَذِهِ سُنَّةُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ مَعَ أُمَمِهِمْ، وسَبِيلُ الحَقِّ مَعَ الباطِلِ مِن يَوْمِ أنْ رَفَعَ اللَّهُ الإنْسانَ إلى مَنزِلَةٍ يُمَيِّزُ فِيها بَيْنَ سَعادَتِهِ وشَقائِهِ، وبَيْنَ ما يَحْفَظُهُ وما يَذْهَبُ بِبَقائِهِ. وكَما لا مَدْخَلَ لِقِصَّةِ الغَرانِيقِ في آياتِ آلِ عِمْرانَ، لا مَدْخَلَ لَها في آياتِ سُورَةِ الحَجِّ، هَذا هو الوَجْهُ الأوَّلُ في تَفْسِيرِ الآياتِ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾ [الحج: ٥٢] إلى آخِرِها، عَلى تَقْدِيرِ أنَّ (تَمَنّى ) بِمَعْنى: (قَرَأ ) وأنَّ (الأُمْنِيَّةَ ) بِمَعْنى: (القِراءَةِ ) واللَّهُ أعْلَمُ.

الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الآياتِ: أنَّ التَّمَنِّيَ عَلى مَعْناهُ المَعْرُوفِ. وكَذَلِكَ الأُمْنِيَّةُ. وهي أُفْعُولَةٌ بِمَعْنى المُنْيَةِ. وجَمْعُها: أمانِيُّ كَما هو مَشْهُورٌ. قالَ أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: التَّمَنِّي حَدِيثُ النَّفْسِ بِما يَكُونُ وبِما لا يَكُونُ. قالَ: والتَّمَنِّي سُؤالُ الرَّبِّ. وفي الحَدِيثِ: ««إذا تَمَنّى أحَدُكم فَلْيَتَكَثَّرْ فَإنَّما يَسْألُ رَبَّهُ»» وفي رِوايَةٍ: (فَلْيُكْثِرْ ) . قالَ ابْنُ الأثِيرِ: (التَّمَنِّي ) تَشَهِّي حُصُولِ الأمْرِ المَرْغُوبِ فِيهِ، وحَدِيثُ النَّفْسِ بِما يَكُونُ وبِما لا يَكُونُ. وقالَ أبُو بَكْرٍ: تَمَنَّيْتُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرْتُهُ وأحْبَبْتُ أنْ يَصِيرَ إلَيَّ. وكُلُّ ما قِيلَ في مَعْنى التَّمَنِّي عَلى هَذا الوَجْهِ، فَهو يَرْجِعُ إلى ما ذَكَرْناهُ ويَتْبَعُهُ مَعْنى الأُمْنِيَّةِ. ما أرْسَلَ اللَّهُ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ لِيَدْعُوَ قَوْمًا إلى هَدْيٍ جَدِيدٍ، أوْ شَرْعٍ سابِقٍ شَرَعَهُ لَهم، ويَحْمِلُهم عَلى التَّصْدِيقِ بِكِتابٍ جاءَ بِهِ نَفْسُهُ إنْ كانَ رَسُولًا؛ أوْ جاءَ بِهِ غَيْرُهُ إنْ كانَ نَبِيًّا بُعِثَ لِيَحْمِلَ النّاسَ عَلى اتِّباعِ مَن سَبَقَهُ، إلّا ولَهُ أُمْنِيَّةٌ في قَوْمِهِ. وهي أنْ يَتَّبِعُوهُ (p-٤٣٦٩)ويَنْحازُوا إلى ما يَدْعُوهم إلَيْهِ، ويَسْتَشْفُوا مِن دائِهِمْ بِدَوائِهِ، ويَعْصُوا أهْواءَهم بِإجابَةِ نِدائِهِ. وما مِن رَسُولٍ أرْسَلَ إلّا وقَدْ كانَ أحْرَصَ عَلى إيمانِ أُمَّتِهِ. وتَصْدِيقِهِمْ بِرِسالَتِهِ، مِنهُ عَلى طَعامِهِ الَّذِي يَطْعَمُ، وشَرابِهِ الَّذِي يَشْرَبُ، وسَكَنِهِ الَّذِي يَسْكُنُ إلَيْهِ. ويَغْدُو عَنْهُ ويَرُوحُ عَلَيْنا. وقَدْ كانَ نَبِيُّنا ﷺ مِن ذَلِكَ في المَقامِ الأعْلى، والمَكانِ الأسْمى. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] وقالَ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] وقالَ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] وفي الآياتِ ما يَطُولُ سَرْدُهُ، مِمّا يَدُلُّ عَلى أمانِيهِ ﷺ المُتَعَلِّقَةِ بِهِدايَةِ قَوْمِهِ، وإخْراجِهِمْ مِن ظُلُماتِ ما كانُوا فِيهِ، إلى نُورِ ما جاءَ بِهِ. وما مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى هَذِهِ الأُمْنِيَّةَ السّامِيَةَ، ألْقى الشَّيْطانُ في سَبِيلِهِ العَثَراتِ، وأقامَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَقْصِدِهِ العَقَباتِ. ووَسْوَسَ في صُدُورِ النّاسِ. وسَلَبَهُمُ الِانْتِفاعَ بِما وُهِبُوا مِن قُوَّةِ العَقْلِ والإحْساسِ، فَثارُوا في وجْهِهِ، وصَدُّوهُ عَنْ قَصْدِهِ، وعاجَزُوهُ حَتّى لَقَدْ يُعْجِزُونَهُ، وجادَلُوهُ بِالسِّلاحِ والقَوْلِ حَتّى لَقَدْ يَقْهَرُونَهُ. فَإذا ظَهَرُوا عَلَيْهِ، والدَّعْوَةُ في بِدايَتِها، وسَهُلَ عَلَيْهِمْ إيذاؤُهُ وهو قَلِيلُ الأتْباعِ ضَعِيفُ الأنْصارِ، ظَنُّوا الحَقَّ مِن جانِبِهِمْ، وكانَ فِيما ألْقَوْهُ مِنَ العَوائِقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما عَمَدَ إلَيْهِ، فِتْنَةً لَهم.

غَلَبَتْ سُنَّةُ اللَّهِ في أنْ يَكُونَ الرُّسُلُ مِن أواسِطِ قَوْمِهِمْ، أوْ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ فِيهِمْ، لِيَكُونَ العامِلُ في الإذْعانِ بِالحَقِّ مَحْضَ الدَّلِيلِ وقُوَّةَ البُرْهانِ. ولِيَكُونَ الِاخْتِيارُ المُطْلَقُ هو الحامِلُ لِمَن يُدْعى إلَيْهِ عَلى قَبُولِهِ. ولِكَيْلا يُشارِكَ الحَقُّ الباطِلَ في وسائِلِهِ، أوْ يُشارِكَهُ في نَصْبِ شِراكِهِ وحَبائِلِهِ. أنْصارُ الباطِلِ في كُلِّ زَمانٍ، هم أهْلُ الأنَفَةِ والقُوَّةِ والجاهِ والِاعْتِزازِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ والعَشِيرَةِ والأعْوانِ والغُرُورِ بِالزَّخارِفِ. والزَّهْوِ بِكَثْرَةِ المَعَـــــارِفِ. (p-٤٣٧٠)وتِلْكَ الخِصالُ إنَّما تَجْتَمِعُ كُلُّها أوْ بَعْضُها في الرُّؤَساءِ وذَوِي المَكانَةِ مِنَ النّاسِ فَتُذْهِلُهم عَنْ أنْفُسِهِمْ، وتَصْرِفُ نَظَرَهم عَنْ سَبِيلِ رُشْدِهِمْ. فَإذا دَعا إلى الحَقِّ داعٍ، عَرَفَتْهُ القُلُوبُ النَّقِيَّةُ مِن أوَضارِ هَذِهِ الفَواتِنِ، وفَزِعَتْ إلَيْهِ النُّفُوسُ الصّافِيَةُ والعُقُولُ المُسْتَعِدَّةُ لِقَبُولِهِ، بِخُلُوصِها مِن هَذِهِ الشَّواغِلِ. وقَلَّما تُوجَدُ إلّا عِنْدَ الضُّعَفاءِ وأهْلِ المَسْكَنَةِ فَإذا التَفَّ هَؤُلاءِ حَوْلَ الدّاعِي وظافَرُوهُ عَلى دَعْوَتِهِ، قامَ أُولَئِكَ المَغْرُورُونَ يَقُولُونَ: ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧] فَإذا اسْتَدْرَجَهُمُ اللَّهُ عَلى سُنَّتِهِ، وجَعَلَ الجِدالَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ سِجالًا، افْتَتَنَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مِن أشْياعِهِمْ، وافْتَتَنُوا هم بِما أصابُوا مِنَ الظَّفَرِ في دِفاعِهِمْ. ولَكِنَّ اللَّهَ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ. فَيَمْحَقُ ما ألْقاهُ الشَّيْطانُ مِن هَذِهِ الشُّبُهاتِ، ويَرْفَعُ هَذِهِ المَوانِعَ وتِلْكَ العَقَباتِ، ويَهُبُّ السُّلْطانُ لِآياتِهِ فَيُحْكِمُها ويُثَبِّتُ دَعائِمَها، ويُنْشِئُ مِن ضَعْفِ أنْصارِها قُوَّةً، ويَخْلُفُ لَهم مِن ذِلَّتِهِمْ عَزَّةً، وتَكُونُ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا وكَلِمَةُ الشَّيْطانِ هي السُّفْلى: ﴿فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] وفي حِكايَةِ هَذِهِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي أقامَ عَلَيْها الأنْبِياءَ والمُرْسَلِينَ، تَسْلِيَةٌ لِنَبِيِّنا ﷺ عَمّا كانَ يُلاقِي مِن قَوْمِهِ، ووَعَدَ لَهُ بِأنَّهُ سَيُكْمِلُ لَهُ دِينَهُ، ويُتِمُّ عَلَيْهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ نِعْمَتَهُ، مَعَ اسْتِلْفاتِهِمْ إلى سِيرَةِ مَن سَبَقَهم: { ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] }، ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]

هَذا هو التَّأْوِيلُ الثّانِي في مَعْنى الآيَةِ. يَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ مِنَ الآياتِ، ويُرْشِدُ إلى سِياقِ (p-٤٣٧١)القَصَصِ السّابِقِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الحج: ٤٢] إلَخْ. وأنْتَ تَرى أنَّ قِصَّةَ الغَرانِيقِ لا تَتَّفِقُ مَعَ هَذا المَعْنى الصَّحِيحِ.

وهُناكَ تَأْوِيلٌ ثالِثٌ ذَكَرَهُ صاحِبُ الإبْرِيزِ وإنِّي أنْقُلُهُ بِحُرُوفِهِ وما هو بِالبَعِيدِ عَنْ هَذا بِكَثِيرٍ قالَ: (بَعْدَ ذِكْرِ أمانِيِّ الأنْبِياءِ في أُمَمِهِمْ، وطَمَعِهِمْ في إيمانِهِمْ، وشَأْنُ نَبِيِّنا ﷺ في ذَلِكَ، عَلى نَحْوٍ يَقْرُبُ مِمّا ذَكَرْناهُ في الوَجْهِ الثّانِي ):

ثُمَّ إنَّ الأُمَّةَ تَخْتَلِفُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فَأمّا مَن كَفَرَ فَقَدْ ألْقى إلَيْهِ الشَّيْطانُ الوَساوِسَ القادِحَةَ لَهُ في الرِّسالَةِ، المُوجِبَةَ لِكُفْرِهِ. وكَذا المُؤْمِنُ أيْضًا لا يَخْلُو أيْضًا مِن وساوِسَ، لِأنَّها لازِمَةٌ لِلْإيمانِ بِالغَيْبِ في الغالِبِ، وإنَّ كانَتْ تَخْتَلِفُ في النّاسِ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ، وبِحَسَبِ المُتَعَلِّقاتِ إذا تَقَرَّرَ هَذا فَمَعْنى (تَمَنّى ): أنَّهُ يَتَمَنّى لَهُمُ الإيمانَ ويُحِبُّ لَهُمُ الخَيْرَ والرُّشْدَ والصَّلاحَ والنَّجاحَ، فَهَذِهِ أُمْنِيَّةُ كُلِّ رَسُولٍ ونَبِيٍّ. وإلْقاءُ الشَّيْطانِ فِيها، يَكُونُ بِما يُلْقِيهِ في قُلُوبِ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ مِنَ الوَساوِسِ المُوجِبَةِ لِكُفْرِ بَعْضِهِمْ، ويَرْحَمُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ فَيَنْسَخُ ذَلِكَ مِن قُلُوبِهِمْ، ويُحْكِمُ فِيها الآياتِ الدّالَّةَ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والرِّسالَةِ، ويُبْقِي ذَلِكَ عَزَّ وجَلَّ في قُلُوبِ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ لِيَفْتَتِنُوا بِهِ. فَخَرَجَ مِن هَذا أنَّ الوَساوِسَ تُلْقى أوَّلًا في قُلُوبِ الفَرِيقَيْنِ مَعًا، غَيْرَ أنَّها لا تَدُومُ عَلى المُؤْمِنِينَ وتَدُومُ عَلى الكافِرِينَ. انْتَهى.

وأنْتَ إذا نَظَرْتَ بَيْنَ هَذا التَّفْسِيرِ وبَيْنَ ما سَبَقَهُ، تَتَبَيَّنُ الأحَقَّ بِالتَّرْجِيحِ. ولَوْ صَحَّ ما قالَهُ نَقَلَةُ قِصَّةِ الغَرانِيقِ لارْتَفَعَتِ الثِّقَةُ بِالوَحْيِ وانْتَقَضَ الِاعْتِمادُ عَلَيْهِ، كَما قالَهُ القاضِي البَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ. ولَكانَ الكَلامُ في النّاسِخِ كالكَلامِ في المَنسُوخِ. يَجُوزُ أنْ يُلْقِيَ فِيهِ الشَّيْطانُ ما يَشاءُ، ولانَهْدَمَ أعْظَمُ رُكْنٍ لِلشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ وهو العِصْمَةُ. وما يُقالُ في المَخْرَجِ عَنْ ذَلِكَ، يَنْفِرُ مِنهُ الذَّوْقُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِ العَقْلُ عَلى أنَّ وصْفَ العَرَبِ لِآلِهَتِهِمْ بِأنَّها الغَرانِيقُ العُلى لَمْ يَرِدْ لا في نَظْمِهِمْ ولا في خُطَبِهِمْ. ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ أنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ كانَ جارِيًا عَلى ألْسِنَتِهِمْ. إلّا ما جاءَ في مُعْجَمِ ياقُوَتٍ غَيْرَ مُسْنَدٍ (p-٤٣٧٢)ولا مَعْرُوفٍ بِطْرِيقٍ صَحِيحٍ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القِصَّةَ مِنَ اخْتِراعِ الزَّنادِقَةِ، كَما قالَ ابْنُ إسْحاقَ. ورُبَّما كانَتْ مَنشَأً ما أوْرَدَهُ ياقُوَتٌ. ولا يَخْفى أنَّ الغُرْنُوقَ والغِرْنِيقَ لَمْ يُعْرَفْ في اللُّغَةِ إلّا اسْمًا لِطائِرٍ مائِيٍّ أسْوَدَ أوْ أبْيَضَ. أوْ هو اسْمُ الكُرْكِيِّ أوْ طائِرٌ يُشْبِهُهُ والغِرْنِيقُ (بِالضَّمِّ وكَزُنْبُورٍ وقِنْدِيلٍ وسَمَوْألٍ وفِرْدَوْسٍ وقِرْطاسٍ وعُلابِطَ ) مَعْناهُ: الشّابُّ الأبْيَضُ الجَمِيلُ. وتُسَمّى الخَصْلَةُ مِنَ الشَّعَرِ المُفَتَّلَةِ: (الغُرْنُوقُ )، كَما يُسَمّى بِهِ ضَرْبٌ مِنَ الشَّجَرِ. ويُطْلَقُ الغُرْنُوقُ والغَرانِيقُ عَلى ما يَكُونُ في أصْلِ العَوْسَجِ اللَّيِّنِ النَّباتِ. ويُقالُ: (لُمَّةٌ غُرانِقَةٌ ) و(غُرانِقِيَّةٌ ): أيْ: ناعِمَةٌ تُفَيِّئُها الرِّيحُ. أوِ الغُرْنُوقُ النّاعِمُ المُسْتَتِرُ مِنَ النَّباتِ إلَخْ. ولا شَيْءَ في هَذِهِ المَعانِي يُلائِمُ الآلِهَةَ والأصْنامَ، حَتّى يُطْلَقَ عَلَيْها في فَصِيحِ القَوْلِ الَّذِي يُعْرَضُ عَلى مُلُوكِ البَلاغَةِ وأُمَراءِ الكَلامِ. فَلا أظُنُّكَ تَعْتَقِدُ إلّا أنَّها مِن مُفْتَرِياتِ الأعاجِمِ ومُخْتَلَقاتِ المَلَبِّسِينَ، مِمَّنْ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ حُرِّ الكَلامِ، وما اسْتَعْبَدَ مِنهُ لِضُعَفاءِ الأحْلامِ. فَراجَ ذَلِكَ عَلى مَن يُذْهِلُهُ الوَلُوعُ بِالرِّوايَةِ، عَمّا تَقْتَضِيهِ الدِّرايَةُ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ [آل عمران: ٨] انْتَهى كَلامُ الأُسْتاذِ رَحِمَهُ اللَّهُ.

ومِمَّنْ جَزَمَ بِوَضْعِ هَذِهِ القِصَّةِ جَزْمًا باتًّا، الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، حَيْثُ قالَ في كِتابِهِ " المِلَلِ " في الرَّدِّ عَلى مَن لَمْ يُوجِبِ العِصْمَةَ عَلى الأنْبِياءِ ما مِثالُهُ: اسْتَدَلُّوا بِالحَدِيثِ الكاذِبِ الَّذِي لَمْ يَصِحَّ قَطُّ في قِراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] وذَكَرُوا تِلْكَ الزِّيادَةَ المُفْتَراةَ الَّتِي تُشْبِهُ مَن وضَعَها مِن قَوْلِهِمْ: وإنَّها لَهي (الغَرانِيقُ ) العُلى وإنَّ شَفاعَتَها لَتُرْتَجى، ثُمَّ قالَ بَعْدُ: وأمّا الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ الغَرانِيقُ فَكَذِبٌ بَحْتٌ مَوْضُوعٌ. لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ قَطُّ مِن طَرِيقِ النَّقْلِ، ولا مَعْنى لِلِاشْتِغالِ بِهِ، إذْ وضْعُ الكَذِبِ لا يَعْجِزُ عَنْهُ أحَدٌ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] الآيَةَ، فَلا حُجَّةَ لَهم فِيها. لِأنَّ الأمانِيَّ الواقِعَةَ في النَّفْسِ لا مَعْنى لَها. وقَدْ تَمَنّى النَّبِيُّ ﷺ إسْلامَ عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، (p-٤٣٧٣)ولَمْ يُرِدِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَوْنَ ذَلِكَ. فَهَذِهِ الأمانِيُّ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا سِواها، وحاشا لِلَّهِ أنْ يَتَمَنّى نَبِيٌّ مَعْصِيَةً. وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.

وهَذا الَّذِي قُلْنا هو ظاهِرُ الآيَةِ دُونَ مَزِيدِ تَكَلُّفٍ، ولا يَحِلُّ خِلافُ الظّاهِرِ إلّا بِظاهِرٍ آخَرَ وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ. انْتَهى، وقَوْلُهُ تَعالى:

22:55Page 338

وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةً أَوۡ يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَقِيمٍ ٥٥

But those who disbelieve will not cease to be in doubt of it until the Hour comes upon them unexpectedly or there comes to them the punishment of a barren Day.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٥] ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ .

﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ أيْ: في شَكٍّ وجِدالٍ مِنَ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ، لِما طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ أيِ: القِيامَةُ: ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً: ﴿أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ أيْ: يَوْمٌ لا يَوْمٌ بَعْدَهُ. كَأنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَلِدُ ما بَعْدَهُ مِنَ الأيّامِ، فَما لا يَوْمَ بَعْدَهُ يَكُونُ عَقِيمًا. والمُرادُ بِهِ السّاعَةُ أيْضًا. كَأنَّهُ قِيلَ: أوْ يَأْتِيهِمْ عَذابُها، فَوُضِعَ ذَلِكَ مَوْضِعَ ضَمِيرِها لِمَزِيدِ التَّهْوِيلِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. أيْ: لِأنَّهُ بِمَعْنى: شَدِيدٍ لا مِثْلَ لَهُ في شِدَّتِهِ. وتَقَدَّمَ فِيما نَقَلْنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ المَعْنى: لا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في رَيْبٍ مِنَ الحَقِّ أوِ الكِتابِ، لا تَسْتَقِرُّ عُقُولُهم عَلَيْهِ حَتّى تَأْتِيَ ساعَةُ هَلاكِهِمْ بَغْتَةً، فَيُلاقُونَ حِسابَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ. أوْ إنِ امْتَدَّ بِهِمُ الزَّمَنُ، ومادَّهم الأجَلُ، فَسَيُصِيبُهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ. يَوْمَ حَرْبٍ يُسامُونَ فِيهِ سُوءَ عَذابِ القَتْلِ أوِ الأسْرِ. فَلا يَنْتِجُ لَهم مِن ذَلِكَ اليَوْمِ خَيْرٌ ولا بِرْكَةٌ. بَلْ يُسْلَبُونَ ما كانَ لَدَيْهِمْ، ويُساقُونَ إلى مَصارِعِ الهَلَكَةِ، وهَذا هو العُقْمُ في أتَمِّ مَعانِيهِ وأشْأمِ دَرَجاتِهِ. انْتَهى.

22:56Page 339

ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٥٦

[All] sovereignty that Day is for Allāh;1 He will judge between them. So they who believed and did righteous deeds will be in the Gardens of Pleasure.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٦] ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهم فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ .

(p-٤٣٧٤)﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ تَزُولُ مَرْيَتَهم: ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ، بِحَيْثُ لا يَكُونُ لِأحَدٍ تَصَرُّفٌ لا حَقِيقَةً ولا صُورَةً: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بِالمُجازاةِ، ثُمَّ فَسَّرَ الحُكْمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾

22:57–59Page 339

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٥٧

And they who disbelieved and denied Our signs - for those there will be a humiliating punishment.

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوۡ مَاتُواْ لَيَرۡزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٥٨

And those who emigrated for the cause of Allāh and then were killed or died - Allāh will surely provide for them a good provision. And indeed, it is Allāh who is the best of providers.

لَيُدۡخِلَنَّهُم مُّدۡخَلٗا يَرۡضَوۡنَهُۥۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٞ ٥٩

He will surely cause them to enter an entrance with which they will be pleased, and indeed, Allāh is Knowing and Forbearing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٧ - ٥٩] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [الحج: ٥٨] ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩] .

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا﴾ [الحج: ٥٨] أيْ: في الجِهادِ: ﴿أوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج: ٥٨] أيْ: مِنَ الجَنَّةِ ونَعِيمِها: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [الحج: ٥٨] ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩]

قالَ في الإكْلِيلِ: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا﴾ [الحج: ٥٨] فَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ الأنْصارِيُّ الصَّحابِيُّ عَلى أنَّ المَقْتُولَ والمَيِّتَ في سَبِيلِ اللَّهِ سَواءٌ في الفَضْلِ. أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وهو رَأْيٌ قالَهُ جَماعَةٌ. وخالَفَهُ آخَرُونَ فَفَضَّلُوا المَقْتُولَ وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُلَيْمانَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««فَمَن ماتَ مُرابِطًا أجْرى اللَّهُ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ الأمْرِ، وأجْرى عَلَيْهِ الرِّزْقَ، وأمِنَ مِنَ الفَتّانِينَ. واقْرَؤُوا ما شِئْتُمْ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٥٨] إلى: ﴿حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩]»» .

22:60Page 339

۞ ذَٰلِكَۖ وَمَنۡ عَاقَبَ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيۡهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ ٦٠

That [is so]. And whoever responds [to injustice] with the equivalent of that with which he was harmed and then is tyrannized - Allāh will surely aid him. Indeed, Allāh is Pardoning and Forgiving.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٠] ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ .

(p-٤٣٧٥)﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ أيْ: ومَن جازى ظالِمًا بِمِقْدارِ ظُلْمِهِ، ولَمْ يَزِدْ في الِاقْتِصاصِ مِنهُ، ثُمَّ تَعَدّى عَلَيْهِ الظّالِمُ ثانِيًا، لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ المَظْلُومَ. وإنَّما سُمِّيَ الِابْتِداءُ بِالعِقابِ، الَّذِي هو الجَزاءُ، لِلِازْدِواجِ والمُشاكَلَةِ. أوْ لِأنَّهُ سَبَبُ الجَزاءِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ تَعْرِيضٌ بِالحَثِّ عَلى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ. فَإنَّهُ تَعالى مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ، لَمّا كانَ يَعْفُو ويَغْفِرُ، فَغَيْرُهُ أوْلى بِذَلِكَ. وتَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى النَّصْرِ. إذا لا يُوصَفُ بِالعَفْوِ إلّا القادِرُ عَلى ضِدِّهِ. فَظَهَرَ سِرُّ مُطابَقَةِ العَفُوِّ الغَفُورِ لِهَذا المَوْضِعِ.

22:61–62Page 339

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ ٦١

That1 is because Allāh causes the night to enter the day and causes the day to enter the night and because Allāh is Hearing and Seeing.

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٦٢

That is because Allāh is the True Reality, and that which they call upon other than Him is falsehood, and because Allāh is the Most High, the Grand.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦١ - ٦٢] ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] .

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: ذَلِكَ النَّصْرُ بِسَبَبِ أنَّهُ قادِرٌ. ومِن آياتِ قُدْرَتِهِ البالِغَةِ، إيلاجُ أحَدِ المَلَوَيْنِ في الآخَرِ، بِزِيادَتِهِ في أحَدِهِما ما يَنْقُصُ مِن ساعاتِ الآخَرِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢] أيْ: ذَلِكَ الصُّنْعُ الباهِرُ بِأنَّهُ المَعْبُودُ الحَقُّ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ ولا نِدَّ، وأنَّ الَّذِي يَدْعُوهُ المُشْرِكُونَ هو الباطِلُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى صَنْعَةِ شَيْءٍ. بَلْ هو المَصْنُوعُ. أيْ: فَتَتْرُكُونَ عِبادَةَ مَن مِنهُ النَّفْعُ وبِيَدِهِ الضُّرُّ، وتَعْبُدُونَ الباطِلَ الَّذِي لا تَنْفَعُكم عِبادَتُهُ. وأنَّ اللَّهَ هو ذُو العُلُوِّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، والعَظِيمُ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ (p-٤٣٧٦)دُونَ عَظَمَتِهِ، فَلا أعْلى مِنهُ ولا أكْبَرَ. ثُمَّ أشارَ إلى آيَةٍ مِن آياتِ صُنْعِهِ الباهِرِ، تَقْرِيرًا لِأُلُوهِيَّتِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском