Al-QasimiAn‑Nur · 24:45–60

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:45–60

24:45–46Page 356

وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖۖ فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ رِجۡلَيۡنِ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰٓ أَرۡبَعٖۚ يَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٥

Allāh has created every [living] creature from water. And of them are those that move on their bellies, and of them are those that walk on two legs, and of them are those that walk on four. Allāh creates what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.

لَّقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖۚ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٦

We have certainly sent down distinct verses. And Allāh guides whom He wills to a straight path.

(p-٤٥٤١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٥ - ٤٦] ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦] .

﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ كُلَّ حَيَوانٍ يَدِبُّ عَلى الأرْضِ مِن ماءٍ، وهو جُزْءُ مادَّتِهِ. أوْ ماءٌ مَخْصُوصٌ هو النُّطْفَةُ، فَيَكُونُ تَنْزِيلًا لِلْغالِبِ مَنزِلَةَ الكُلِّ لِأنَّ مِنَ الحَيَواناتِ ما لا يَتَوَلَّدُ مِن نُطْفَةٍ. وقِيلَ: ﴿مِن ماءٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(دابَّةٍ ) ولَيْسَتْ صِلَةً (لِخَلَقَ ): ﴿فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ كالحَيّاتِ. وتَسْمِيَةُ حَرَكَتِها مَشْيًا، مَعَ كَوْنِها زَحْفًا، بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ: ﴿ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: مِمّا ذَكَرَ وغَيْرَهُ، عَلى مَن يَشاءُ مِنَ الصُّوَرِ والأعْضاءِ والهَيْئاتِ والحَرَكاتِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦] وهو صِراطُ تِلْكَ الآياتِ، صِراطُ الحَقِّ والهُدى والنُّورِ. وهُمُ المُؤْمِنُونَ الصّادِقُونَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ، وإذا دُعُوا إلى حُكْمِها اسْتَكانُوا.

ثُمَّ أشارَ إلى ما كانَ يَقَعُ مِنَ المُنافِقِينَ مِن أثَرِ النِّفاقِ، تَحْذِيرًا مِن صَنِيعِهِمْ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

24:47–50Page 356

وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧

But they [i.e., the hypocrites] say, "We have believed in Allāh and in the Messenger, and we obey"; then a party of them turns away after that. And those are not believers.

وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ٤٨

And when they are called to [the words of] Allāh and His Messenger to judge between them, at once a party of them turns aside [in refusal].

وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ ٤٩

But if the right is theirs, they come to him in prompt obedience.

أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٥٠

Is there disease in their hearts? Or have they doubted? Or do they fear that Allāh will be unjust to them, or His Messenger? Rather, it is they who are the wrongdoers [i.e., the unjust].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٧ - ٥٠] ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] (p-٤٥٤٢)﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠] .

﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: دَعْوى الإيمانِ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: في قُلُوبِهِمْ. ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ﴾ [النور: ٤٨] أيْ: كِتابِهِ: ﴿ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٤٨] أيْ: سُنَّتِهِ وحُكْمِهِ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] أيْ: عَنِ المَجِيءِ إلَيْهِ: ﴿وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [النور: ٤٩] أيِ: الحُكُومَةُ لَهم، لا عَلَيْهِمْ: ﴿يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٩] أيْ: مُسْرِعِينَ طائِعِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمْ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ [النور: ٥٠] أيْ في الحُكْمِ فَيَظْلِمُوا فِيهِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِإعْراضِهِمُ المَذْكُورِ. وبَيانٌ لِمَنشَئِهِ بَعْدَ اسْتِقْصاءِ عِدَّةٍ مِنَ القَبائِحِ المُحَقَّقَةِ فِيهِمْ، والمُتَوَقَّعَةِ مِنهم. وتَرَدِّي المَنشَئِيَّةِ بَيْنَها. فَمَدارُ الِاسْتِفْهامِ لَيْسَ نَفْسَ ما ولِيَتْهُ الهَمْزَةُ وأمْ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، بَلْ هو مَنشَئِيَّتُها لَهُ. كَأنَّهُ قِيلَ: أذَلِكَ، أيْ: إعْراضُهُمُ المَذْكُورُ، لِأنَّهم مَرْضى القُلُوبِ لِكُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ، أمْ لِأنَّهُمُ ارْتابُوا في أمْرِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ ظُهُورِ حَقِّيَّتِها ؟ أمْ لِأنَّهم يَخافُونَ الحَيْفَ مِمَّنْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ إشارَةً إلى اسْتِجْماعِهِمْ تِلْكَ الأوْصافَ الذَّمِيمَةَ، الَّتِي كَلُّ واحِدٍ مِنها كُفْرٌ ونِفاقٌ.

ثُمَّ بَيَّنَ اتِّصافَهم مَعَ ذَلِكَ بِالوَصْفِ الأسْوَأِ وهو الظُّلْمُ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [النور: ٥٠] أيِ: الَّذِينَ رَسَخَ فِيهِمْ خُلُقُ الظُّلْمِ لِأنْفُسِهِمْ ولِغَيْرِهِمْ. فالإضْرابُ انْتِقالِيٌّ.

والمَعْنى: دَعْ هَذا كُلَّهُ، فَإنَّهم هُمُ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ، الجامِعُونَ لِتِلْكَ الأوْصافِ.

24:51–52Page 356

إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥١

The only statement of the [true] believers when they are called to Allāh and His Messenger to judge between them is that they say, "We hear and we obey." And those are the successful.

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٥٢

And whoever obeys Allāh and His Messenger and fears Allāh and is conscious of Him - it is those who are the attainers.

(p-٤٥٤٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥١ - ٥٢] ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢] .

﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]

قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ "): فِيها وُجُوبُ الحُضُورِ عَلى مَن دُعِيَ لِحُكْمِ الشَّرْعِ، وتَحْرِيمُ الِامْتِناعِ، واسْتِحْبابُ أنْ يَقُولَ: سَمِعْنا وأطَعْنا. انْتَهى.

ثُمَّ أُشِيرَ إلى حِكايَةِ شَيْءٍ مِن أحْوالِ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ المُمْتَنِعِينَ عَنْ قَبُولِ حُكْمِهِ، وذَلِكَ إقْسامُهُمُ الكاذِبُ، لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى إيمانِهِمُ الباطِنِ، بِقَوْلِهِ تَعالى:

24:53Page 356

۞ وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٥٣

And they swear by Allāh their strongest oaths that if you ordered them, they would go forth [in Allāh's cause]. Say, "Do not swear. [Such] obedience is known.1 Indeed, Allāh is [fully] Aware of that which you do."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٣] ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ .

﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾ أيْ: بِالخُرُوجِ مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ وأهْلِيهِمْ: ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ أيْ: مُجاهِدِينَ. و(جَهْدَ ) مَنصُوبٌ عَلى الحالِيَّةِ. أوْ هو مَصْدَرٌ (لِأقْسَمُوا ) مِن مَعْناهُ. وهو مُسْتَعارٌ مِن (جَهَدَ نَفْسَهُ ) إذا بَلَغَ وُسْعَها. أيْ: أكَّدُوا الأيْمانَ وشَدَّدُوها: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أيْ: لا تُقْسِمُوا عَلى ذَلِكَ وتُشَدِّدُوا لِتُرْضُونا. فَإنَّ الأمْرَ المَطْلُوبَ مِنكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ، لا تُنْكِرُها النَّفْسُ. إذْ لا حَرَجَ فِيها. فَأطِيعُوا بِالمَعْرُوفِ مِن غَيْرِ حَلِفٍ، كَما يُطِيعُ المُؤْمِنُونَ. وقِيلَ: مَعْناهُ طاعَتُكم طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ. أيْ: أنَّها قَوْلٌ بِلا عَمَلٍ. (p-٤٥٤٤)إذْ عُرِفَ كَذِبُكم في أيْمانِكم. كَما قالَ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٦] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] الآيَةَ، فَهم مِن سَجِيَّتِهِمُ الكَذِبُ حَتّى فِيما يَخْتارُونَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الحشر: ١١] ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، الَّتِي مِنها الأيْمانُ الكاذِبَةُ، وما تُضْمِرُونَهُ مِنَ النِّفاقِ ومُخادَعَةِ المُؤْمِنِينَ، الَّتِي لا تَخْفى عَلى مَن يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى.

24:54Page 357

قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٥٤

Say, "Obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon him is only that [duty] with which he has been charged, and upon you is that with which you have been charged. And if you obey him, you will be [rightly] guided. And there is not upon the Messenger except the [responsibility for] clear notification."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٤] ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ .

﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: تَوَلَّوْا عَنِ الإطاعَةِ: ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ﴾ أيْ: كَلَّفَهُ مِن أداءِ الرِّسالَةِ. فَإذا أدّى فَقَدْ خَرَجَ مِن عُهْدَةِ تَكْلِيفِهِ.

﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ أيْ: ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الطّاعَةِ والتَّلَقِّي بِالقَبُولِ والإذْعانِ والقِيامِ بِمُقْتَضاهُ: ﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ أيْ: لِأنَّهُ يَدْعُوكم إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. فَإنْ أطَعْتُمُوهُ فَقَدْ أحْرَزْتُمْ نَصِيبَكم مِنَ الخُرُوجِ عَنِ الضَّلالَةِ إلى الهُدى. وإنْ لَمْ تَفْعَلُوا وتَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ عَرَّضْتُمْ نُفُوسَكم لِسُخْطِ اللَّهِ وعَذابِهِ: ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيِ: التَّبْلِيغُ البَيِّنُ بِنَفْسِهِ، أوِ المُوَضِّحُ لِما أُمِرْتُمْ بِهِ.

(p-٤٥٤٥)ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ تَعالى: { تَهْتَدُوا } إشارَةً إلى وعْدٍ كَرِيمٍ ومُسْتَقْبَلٍ فَخِيمٍ، اسْتَأْنَفَ التَّصْرِيحَ بِهِ تَقْرِيرًا لَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

24:55Page 357

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥

Allāh has promised those who have believed among you and done righteous deeds that He will surely grant them succession [to authority] upon the earth just as He granted it to those before them and that He will surely establish for them [therein] their religion which He has preferred for them and that He will surely substitute for them, after their fear, security, [for] they worship Me, not associating anything with Me. But whoever disbelieves1 after that - then those are the defiantly disobedient.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٥] ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ .

﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ أيْ: يُورِثُهُمُ الأرْضَ ويَجْعَلُهم فِيها خُلَفاءَ مُتَصَرِّفِينَ فِيها تَصَرُّفَ المُلُوكِ في مَمالِكِهِمْ. أوْ خُلَفاءَ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا عَلى حالِهِمْ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ: ﴿كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ المُؤْمِنَةِ بِرُسُلِها. الَّتِي أهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّها، وأوْرَثَها أرْضَها ودِيارَها. كَما فَعَلَ بِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ أوْرَثَهم فِلَسْطِينَ، بَعْدَ إهْلاكِ الجَبابِرَةِ: ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ أيْ: فَلَيَجْعَلَنَّ دِينَهم ثابِتًا مُقَرَّرًا، مَرْفُوعَ اللِّواءِ، ظاهِرًا عَلى غَيْرِهِ، قاهِرًا لِمَن ناوَأهُ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي إضافَةِ الدِّينِ إلَيْهِمْ. وهو دِينُ الإسْلامِ، ثُمَّ وصْفِهِ بِارْتِضائِهِ لَهم، تَأْلِيفٌ لِقُلُوبِهِمْ ومَزِيدُ تَرْغِيبٍ فِيهِ، وفَضْلُ تَثْبِيتٍ عَلَيْهِ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا الوَعْدِ الكَرِيمِ المُوجِبِ لِتَحْصِيلِ ما تَضَمَّنَهُ مِنَ السَّعادَتَيْنِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيِ: الكامِلُونَ في فِسْقِهِمْ. حَيْثُ كَفَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ. وجَسَرُوا عَلى غَمْطِها.

(p-٤٥٤٦)تَنْبِيهٌ:

فِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ لِلْإخْبارِ بِالغَيْبِ عَلى ما هو عَلَيْهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ - ما لا يَخْفى. فَقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ، وأظْهَرَهم عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، وافْتَتَحُوا بَعْدُ بِلادَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ. ومَزَّقُوا مُلْكَ الأكاسِرَةِ، ومَلَكُوا خَزائِنَهم واسْتَوْلَوْا عَلى الدُّنْيا، وصارُوا إلى حالٍ يَخافُهم كُلُّ مَن عَداهم.

24:56–57Page 357

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٥٦

And establish prayer and give zakāh and obey the Messenger - that you may receive mercy.

لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٥٧

Never think that the disbelievers are causing failure [to Allāh] upon the earth. Their refuge will be the Fire - and how wretched the destination.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٦ - ٥٧] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [النور: ٥٧] .

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أطِيعُوا اللَّهَ وما اعْتَرَضَ بَيْنَهُما كانَ تَأْكِيدًا، أوْ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ السَّوْقُ. أيْ: فَآمِنُوا واعْمَلُوا صالِحًا وأقِيمُوا. أوْ فَلا تَكْفُرُوا وأقِيمُوا. إلَخْ. ثُمَّ كَرَّرَ طاعَةَ الرَّسُولِ، تَأْكِيدًا لِوُجُوبِها، بِقَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٧] أيْ: مُعْجِزِينَ لِلَّهِ تَعالى، بَلْ مُدْرَكُونَ: ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [النور: ٥٧]

ثُمَّ أُشِيرَ إلى تَتِمَّةِ الأحْكامِ السّابِقَةِ، إثْرَ تَمْهِيدِ ما يَجِبُ امْتِثالُهُ مِنَ الأحْكامِ، ومِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، بِقَوْلِهِ:

24:58Page 357

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٨

O you who have believed, let those whom your right hands possess and those who have not [yet] reached puberty among you ask permission of you [before entering] at three times: before the dawn prayer and when you put aside your clothing [for rest] at noon and after the night prayer. [These are] three times of privacy1 for you. There is no blame upon you nor upon them beyond these [periods], for they continually circulate among you - some of you, among others. Thus does Allāh make clear to you the verses [i.e., His ordinances]; and Allāh is Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ (p-٤٥٤٧)تَضَعُونَ ثِيابَكم مِن الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثَ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ: مِنَ العَبِيدِ والجَوارِي: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ أيْ: هي ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكم. إشارَةً إلى عِلَّةِ وُجُوبِ الِاسْتِئْذانِ بِأنَّهُنَّ أوْقاتٌ يَخْتَلُّ فِيها التَّسَتُّرُ عادَةً، ويَكُونُ النَّوْمُ فِيها مَعَ الأهْلِ غالِبًا. فالهُجُومُ عَلى أهْلِ البَيْتِ في هَذِهِ الأحْوالِ، مِمّا تَأْباهُ النُّفُوسُ وتَكْرَهُهُ أشَدَّ الإباءِ والكَراهَةِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ في تَرْكِ نَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ بِلا إذْنٍ. ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ مِنَ الدُّخُولِ بِدُونِهِ، بَعْدَ هَذِهِ الأوْقاتِ، وإنِ احْتَمَلَ فِيها الإخْلالُ بِالتَّسَتُّرِ لِنُدْرَتِهِ. وذَلِكَ لِأنَّهم طَوّافُونَ عَلَيْكم، فَيَعْسُرُ عَلَيْهِمُ الِاسْتِئْذانُ في كُلِّ مَرَّةٍ: ﴿بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: بَعْضُكم طائِفٌ عَلى بَعْضٍ طَوافًا كَثِيرًا. أوْ بَعْضُكم يَطُوفُ عَلى بَعْضٍ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ بِكم وبِهِمْ حاجَةٌ إلى المُخالَطَةِ والمُداخَلَةِ، يَطُوفُونَ عَلَيْكم لِلْخِدْمَةِ وتَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ لِلِاسْتِخْدامِ. فَلَوْ جَزَمَ الأمْرَ بِالِاسْتِئْذانِ في كُلِّ وقْتٍ لَأدّى إلى الحَرَجِ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يُشَرِّعُ ما فِيهِ الحِكْمَةُ وصَلاحُ الحالِ وانْتِظامُ الشَّأْنِ.

تَنْبِيهٌ:

فِي الآيَةِ إقْرارُ ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن أنَّ النُّوَّمَ وقْتُهُ بَعْدَ العَشاءِ وقَبْلَ الفَجْرِ ووَقْتَ الظَّهِيرَةِ. وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ في الخَلْوَةِ جائِزٌ. كَذا في (الإكْلِيلِ ") . (p-٤٥٤٨)وقالَ الرّازِيُّ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الواجِبَ اعْتِبارُ العِلَلِ في الأحْكامِ إذا أمْكَنَ لِأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ عَلى العِلَّةِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ والثّانِي بِالتَّنْبِيهِ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، وبَيْنَ ما عَداها، بِأنَّهُ لَيْسَ ذاكَ إلّا لِعِلَّةِ التَّكَشُّفِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، وإنَّهُ لا يُؤْمَنُ وُقُوعُ التَّكَشُّفِ فِيها ولَيْسَ كَذَلِكَ ما عَدا هَذِهِ الأوْقاتِ.

24:59Page 358

وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٩

And when the children among you reach puberty, let them ask permission [at all times] as those before them have done. Thus does Allāh make clear to you His verses; and Allāh is Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٩] ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ﴾ أيِ: الَّذِينَ رُخِّصَ لَهم في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ في غَيْرِ الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ: ﴿مِنكُمُ﴾ أيْ: مِنَ الأحْرارِ، دُونَ المَمالِيكِ، فَإنَّهم باقُونَ عَلى الرُّخْصَةِ: ﴿الحُلُمَ﴾ أيْ: حَدَّ البُلُوغِ بِالِاحْتِلامِ، وبِالسِّنِّ الَّذِي هو مَظِنَّةُ الِاحْتِلامِ: ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ أيْ: في سائِرِ الأوْقاتِ أيْضًا: ﴿كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ بَلَغُوا الحُلُمَ مِن قَبْلِهم، وهُمُ الرِّجالُ أوِ الَّذِينَ ذُكِرُوا مِن قَبْلِهم في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧]

والمَعْنى أنَّ الأطْفالَ مَأْذُونٌ لَهم في الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ، إلّا في العَوْراتِ الثَّلاثَةِ. فَإذا اعْتادَ الأطْفالُ ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجُوا عَنْ حَدِّ الطُّفُولَةِ، بِأنْ يَحْتَلِمُوا أوْ يَبْلُغُوا السِّنَّ الَّتِي يُحْكَمُ فِيها عَلَيْهِمْ بِالبُلُوغِ، وجَبَ أنْ يُفْطَمُوا عَنْ تِلْكَ العادَةِ، ويُحْمَلُوا عَلى أنْ يَسْتَأْذِنُوا في جَمِيعِ الأوْقاتِ، كَما يَسْتَأْذِنُ الرِّجالُ الكِبارُ الَّذِينَ لَمْ يَعْتادُوا الدُّخُولَ عَلَيْكم إلّا بِإذْنٍ.

وهَذا مِمّا النّاسُ مِنهُ في غَفْلَةٍ. وهو عِنْدَهم كالشَّرِيعَةِ المَنسُوخَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: آيَةٌ لا يُؤْمِنُ بِها أكْثَرُ النّاسِ: آيَةُ الإذْنِ. وإنِّي لَآمِرٌ جارَتِي أنْ تَسْتَأْذِنَ عَلَيَّ.

(p-٤٥٤٩)وسَألَهُ عَطاءٌ: أسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي ؟ قالَ: نَعَمْ، وإنْ كانَتْ في حِجْرِكَ تُمَوِّنُها. وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

وعَنْهُ: ثَلاثُ آياتٍ جَحَدَهُنَّ النّاسُ: الإذْنُ كُلُّهُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] فَقالَ ناسٌ: أعْظَمُكم بَيْتًا. وقَوْلُهُ: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨] كَذا في (الكَشّافِ ") .

تَنْبِيهٌ:

قالَ في (الإكْلِيلِ "): في الآيَةِ أنَّ التَّكْلِيفَ إنَّما يَكُونُ بِالبُلُوغِ. وأنَّ البُلُوغَ يَكُونُ بِالِاحْتِلامِ. وأنَّ الأوْلادَ البالِغِينَ لا يَدْخُلُونَ عَلى والِدَيْهِمْ إلّا بِالِاسْتِئْذانِ، كالأجانِبِ. انْتَهى.

وقالَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ في " إبْرازِ الحِكَمِ في شَرْحِ حَدِيثِ رَفْعِ القَلَمِ ": أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الِاحْتِلامَ يَحْصُلُ بِهِ البُلُوغُ في حَقِّ الرَّجُلِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ وقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ: ««وعَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَحْتَلِمَ»» . وهي رِوايَةُ ابْنِ أبِي السَّرْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: والآيَةُ أصْرَحُ. فَإنَّها ناطِقَةٌ بِالأمْرِ بَعْدَ الحُلُمِ. ووَرَدَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، رَفَعَهُ: ««لا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلامٍ، ولا صُماتَ يَوْمٍ إلى اللَّيْلِ»» رَواهُ أبُو داوُدَ. والمُرادُ بِالِاحْتِلامِ خُرُوجُ المَنِيِّ. سَواءٌ كانَ في اليَقَظَةِ أمْ في المَنامِ، بِحُلُمٍ أوْ غَيْرِ حُلُمٍ. ولَمّا كانَ في الغالِبِ لا يَحْصُلُ إلّا في النَّوْمِ بِحُلُمٍ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ الحُلُمُ والِاحْتِلامُ، ولَوْ وُجِدَ الِاحْتِلامُ مِن غَيْرِ خُرُوجِ مَنِيٍّ، فَلا حُلُمَ لَهُ.

ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: ««حَتّى يَحْتَلِمَ»» دَلِيلُ البُلُوغِ بِذَلِكَ. وهو إجْماعٌ. وهو (p-٤٥٥٠)حَقِيقَةٌ في خُرُوجِ المَنِيِّ بِالِاحْتِلامِ، ومَجازٌ في خُرُوجِهِ بِغَيْرِ احْتِلامٍ يَقَظَةً أوْ مَنامًا. أوْ مَنقُولٌ فِيما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، ويَخْرُجُ مِنهُ الِاحْتِلامُ بِغَيْرِ خُرُوجِ مَنِيٍّ، إنْ أطْلَقْناهُ عَلَيْهِ مَنقُولًا عَنْهُ. ولِكَوْنِهِ فَرْدًا مِن أفْرادِ الِاحْتِلامِ. انْتَهى.

وفِي (القامُوسِ "): الحُلُمُ (بِالضَّمِّ ) والِاحْتِلامُ: الجِماعُ في النَّوْمِ. والِاسْمُ الحُلُمُ كَعُنُقٍ. انْتَهى.

وقالَ الرّاغِبُ: سُمِّيَ البُلُوغُ حُلُمًا، لِكَوْنِ صاحِبِهِ جَدِيرًا بِالحِلْمِ: أيِ: الأناةِ والعَقْلِ.

24:60Page 358

وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا فَلَيۡسَ عَلَيۡهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعۡنَ ثِيَابَهُنَّ غَيۡرَ مُتَبَرِّجَٰتِۭ بِزِينَةٖۖ وَأَن يَسۡتَعۡفِفۡنَ خَيۡرٞ لَّهُنَّۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٦٠

And women of post-menstrual age who have no desire for marriage - there is no blame upon them for putting aside their outer garments [but] not displaying adornment. But to modestly refrain [from that] is better for them. And Allāh is Hearing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٠] ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ﴾ أيِ: اللّاتِي قَعَدْنَ عَنِ الحَيْضِ والوَلَدِ، لِكِبَرِهِنَّ: ﴿اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ أيْ: لا يَطْمَعْنَ فِيهِ، لِرَغْبَةِ الأنْفُسِ عَنْهُنَّ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾ أيِ: الظّاهِرَةَ مِمّا لا يَكْشِفُ العَوْرَةَ، لَدى الأجانِبِ. أيْ: يَتْرُكْنَ التَّحَفُّظَ في التَّسَتُّرِ بِها. فَلا يُلْقِينَ عَلَيْهِنَّ جَلابِيبَهُنَّ ولا يَحْتَجِبْنَ: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أيْ: مُظْهِراتٍ لِزِينَةٍ خَفِيَّةٍ. يَعْنِي الحُلِيُّ في مَواضِعِهِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] أوِ المَعْنى غَيْرَ قاصِداتٍ بِالوَضْعِ، التَّبَرُّجَ. ولَكِنَّ التَّخَفُّفَ إذا احْتَجَبْنَ إلَيْهِ: ﴿وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ أيْ: مِن وضْعِ تِلْكَ الثِّيابِ: ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ لِأنَّهُ أبْلَغُ في الحَياءِ وأبْعَدُ مِنَ التُّهْمَةِ والمَظِنَّةِ. ولِذا يَلْزَمُهُنَّ، عِنْدَ المَظِنَّةِ، ألّا يَضَعْنَ ذَلِكَ. كَما يَلْزَمُ مِثْلُهُ في الشّابَّةِ: ﴿واللَّهُ (p-٤٥٥١)سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَيَسْمَعُ مَقالَهُنَّ مَعَ الأجانِبِ، ويَعْلَمُ مَقاصِدَهُنَّ مِنَ الِاخْتِلاطِ ووَضْعِ الثِّيابِ. وفِيهِ مِنَ التَّرْهِيبِ ما لا يَخْفى. وقَوْلُهُ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском