Al-QasimiAl‑Furqan · 25:54–67

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:54–67

25:54Page 364

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا ٥٤

And it is He who has created from water [i.e., semen] a human being and made him [a relative by] lineage and marriage. And ever is your Lord competent [concerning creation].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٤] ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ .

﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا﴾ أيْ: كَما أخْرَجَ مِنَ المُقَدِّماتِ نَتائِجَ العُلُومِ: ﴿فَجَعَلَهُ﴾ أيِ: البَشَرُ: ﴿نَسَبًا﴾ أيْ: أصْلًا أوْ فَرْعًا أوْ حاشِيَةً لِقَوْمٍ: ﴿وصِهْرًا﴾ أيْ: لِآخَرِينَ يَتَعَصَّبُ مِن أجْلِ نَسَبِهِ وصِهْرِهِ، فَيَعْتَقِدُ باطِلَهم حَقًّا. كَذَلِكَ أهْلُ الشَّغَبِ يَتَعَصَّبُونَ لِآبائِهِمْ ومَشايِخِهِمْ: ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أيْ: وهو وإنْ صَعُبَ إزالَتُهُ، فَإنَّ رَبَّكَ الَّذِي أمَرَكَ بِالجِهادِ الكَبِيرِ، قَدِيرٌ عَلى إزالَتِهِ. كَما قَدَرَ في النَّسَبِ والصِّهْرِ. فَلا يُبالِي المُؤْمِنُونَ لَهُما. انْتَهى كَلامُ المَهايِمِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.

(p-٤٥٨٥)وهُوَ مَنزَعٌ في بابِ الإشارَةِ غَرِيبٌ، أثَرْناهُ عَنْهُ لِلَطافَتِهِ. وأمّا مَعْنى الآيَةِ في عَظِيمِ اقْتِدارِهِ سُبْحانَهُ، حَيْثُ خَلَقَ البَشَرَ وقَسَّمَهم مِن نُطْفَةٍ واحِدَةٍ قِسْمَيْنِ ذَوِي نَسَبٍ، أيْ: ذُكُورًا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ، فَيُقالُ: فُلانُ بْنُ فُلانٍ وفُلانَةُ بِنْتُ فُلانٍ. وذَواتُ صِهْرٍ أيْ: إناثًا يُصاهَرُ بِهِنَّ، فَظاهِرٌ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩]

25:55Page 364

وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمۡ وَلَا يَضُرُّهُمۡۗ وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرٗا ٥٥

But they worship rather than Allāh that which does not benefit them or harm them, and the disbeliever is ever, against his Lord, an assistant [to Satan].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٥] ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ .

﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ أيْ: مُعِينًا لِلشَّيْطانِ عَلى عِصْيانِ رَبِّهِ. والمُرادُ بِالكافِرِ الجِنْسُ، فَهو إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، لِنَفْيِ كُفْرِهِمْ عَلَيْهِمْ، ولِرِعايَةِ الفَواصِلِ الكَرِيمَةِ.

25:56–57Page 365

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٥٦

And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.

قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٥٧

Say, "I do not ask of you for it any payment - only that whoever wills might take to his Lord a way."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٦ - ٥٧] ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٥٧] .

﴿وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥٧] أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ المَفْهُومِ مِن: ﴿أرْسَلْناكَ﴾ ﴿مِن أجْرٍ إلا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٥٧] أيْ: يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ. أيْ: إلى رَحْمَتِهِ أوْ جَنابِهِ. فاتِّخاذُ السَّبِيلِ، مُرادٌ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ. لِأنَّ مَن سَلَكَ طَرِيقَ شَيْءٍ، قَرُبَ إلَيْهِ، بَلْ وصَلَ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِثالُ: ﴿إلا مَن شاءَ﴾ [الفرقان: ٥٧] والمُرادُ: إلّا فِعْلَ مَن شاءَ. واسْتِثْنائِهِ عَنِ. الأجْرِ (p-٤٥٨٦)قَوْلُ ذِي شَفَقَةٍ عَلَيْكَ، قَدْ سَعى لَكَ في تَحْصِيلِ مالٍ: (ما أطْلُبُ مِنكَ ثَوابًا عَلى ما سَعَيْتَ، إلّا أنْ تَحْفَظَ هَذا المالَ ولا تُضَيِّعَهُ ) . فَلَيْسَ حِفْظُكَ المالَ لِنَفْسِكَ مِن جِنْسِ الثَّوابِ. ولَكِنْ صَوَّرَهُ هو بِصُورَةِ الثَّوابِ وسَمّاهُ بِاسْمِهِ، فَأفادَ فائِدَتَيْنِ: إحْداهُما: قَلْعُ شُبْهَةِ الطَّمَعِ في الثَّوابِ مِن أصْلِهِ. كَأنَّهُ يَقُولُ لَكَ: إنْ كانَ حِفْظُكَ لِمالِكَ ثَوابًا، فَإنِّي أطْلُبُ الثَّوابَ.

والثّانِيَةُ: إظْهارُ الشَّفَقَةِ البالِغَةِ، وأنَّكَ إنْ حَفِظْتَ مالَكَ اعْتَدَّ بِحِفْظِكَ ثَوابًا ورَضِيَ بِهِ، كَما يَرْضى المُثابُ بِالثَّوابِ.

ولَعَمْرِي إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ مَعَ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ بِهَذا الصَّدَدِ وفَوْقَهُ. انْتَهى.

والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلُ ادِّعاءٍ.

25:58Page 365

وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ٥٨

And rely upon the Ever-Living who does not die, and exalt [Allāh] with His praise. And sufficient is He to be, with the sins of His servants, [fully] Aware -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٨] ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ .

﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ أيْ: في دَفْعِ شَرِّهِمْ ومَكْرِهِمْ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ أيْ: عَلِيمًا لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِنها شَيْءٌ، فَيَجْزِيهِمْ عَلَيْها.

25:59Page 365

ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا ٥٩

He who created the heavens and the earth and what is between them in six days and then established Himself above the Throne1 - the Most Merciful, so ask about Him one well informed [i.e., the Prophet (ﷺ)].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٩] ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ .

﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ: مِن أيّامِهِ تَعالى، أوْ أيّامِ الخَلْقِ، قَوْلانِ لِلسَّلَفِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ أيْ: عَلا فَوْقَهُ عُلُوًّا يَلِيقُ بِجَلالِهِ المُقَدَّسِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى المَدْحِ. أيْ: هو الرَّحْمَنُ، وهو في الحَقِيقَةِ وصْفٌ آخَرُ لِلْحَيِّ، كَما قُرِئَ بِالجَرِّ. وقِيلَ: المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ والرَّحْمَنُ خَبَرُهُ. وقِيلَ: الرَّحْمَنُ (p-٤٥٨٧)بَدَلٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في: { اسْتَوى } وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ فِيهِ أوْجُهٌ: مِنها (الباءُ ) في بِهِ صِلَةٌ (اسْألْ ) ومِنها أنَّها صِلَةُ (خَبِيرًا ) و(خَبِيرًا ) مَفْعُولُ (اسْألْ ) أيْ: فَسَلْ عَنْهُ رَجُلًا عارِفًا يُخْبِرُكَ بِرَحْمَتِهِ. أوْ فَسَلْ رَجُلًا خَبِيرًا بِهِ وبِرَحْمَتِهِ. وعَلَيْهِ فَفائِدَةُ سُؤالِهِ هو تَصَدُّقُهُ وتَأْيِيدُهُ.

قالَ الشِّهابُ: ويَصِحُّ تَنازُعُهُما - أيِ: اسْألْ وخَبِيرًا - في الباءِ. وفِيهِ حِينَئِذٍ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ غَرِيبٌ يُسَمّى المُتَجاذِبَ. وهو كَوْنُ لَفْظٍ واحِدٍ بَيْنَ جُمْلَتَيْنِ يَصِحُّ جَعْلُهُ مِنَ الأُولى والثّانِيَةِ. وقَدْ ذَكَرَهُ السَّعْدُ في أواخِرِ (شَرْحِ المِفْتاحِ ") وهَذا مِمّا غَفَلَ عَنْهُ أصْحابُ البَدِيعِيّاتِ. انْتَهى. ومِنها أنَّ الباءَ لِلتَّجْرِيدِ. كَقَوْلِكَ رَأيْتُ بِهِ أسَدًا. أيْ: بِرُؤْيَتِهِ. أيِ: اسْألْ بِسُؤالِهِ خَبِيرًا والمَعْنى: إنْ سَألْتَهُ وجَدْتَهُ خَبِيرًا.

قالَ في (الكَشْفِ "): وهو أوْجُهُ، لِيَكُونَ كالتَّتْمِيمِ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ لِإثْباتِ القُدْرَةِ، مُدْمِجًا فِيهِ العِلْمَ.

25:60Page 365

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩ ٦٠

And when it is said to them, "Prostrate to the Most Merciful," they say, "And what is the Most Merciful? Should we prostrate to that which you order us?" And it increases them in aversion.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٠] ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ .

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ أيْ: مَنِ المُسَمّى بِهِ ؟ لِأنَّهم ما كانُوا يَعْرِفُونَهُ تَعالى بِهَذا الِاسْمِ ولا يُطْلِقُونَهُ عَلَيْهِ. أوِ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّعَجُّبِ والِاسْتِغْرابِ، تَفَنُّنًا في الإباءِ. أيْ: وما هَذِهِ الأسْماءُ والأعْلامُ الَّتِي تَصَدَعْنا بِها، وتَقْرَعُ آذانَنا بِالإذْعانِ لَها ﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهُمْ﴾ أيِ: الأمْرُ بِالسُّجُودِ، المُرادُ بِهِ الإذْعانُ بِالإيمانِ: ﴿نُفُورًا﴾ أيِ: اسْتِكْبارًا عَنِ الإيمانِ.

25:61Page 365

تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجٗا وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا ٦١

Blessed is He who has placed in the sky great stars and placed therein a [burning] lamp and luminous moon.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦١] ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ .

(p-٤٥٨٨)﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ أيْ: نُجُومًا أوْ هي البُرُوجُ الِاثْنا عَشْرَ، الَّتِي تَرى صُوَرَها في الأشْكالِ الحاصِلَةِ مِنَ اجْتِماعِ بَعْضِ الكَواكِبِ عَلى نِسَبٍ خاصَّةٍ، وتَنْتَقِلُ فِيها الشَّمْسُ في ظاهِرِ الرُّؤْيَةِ ﴿وجَعَلَ فِيها سِراجًا﴾ وهي الشَّمْسُ: ﴿وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ أيْ: مُضِيئًا بِاللَّيْلِ.

25:62Page 365

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا ٦٢

And it is He who has made the night and the day in succession for whoever desires to remember or desires gratitude.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٢] ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ .

﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ أيْ: ذَوِي عَقَبَةٍ يَعْقُبُ كُلٌّ مِنهُما الآخَرَ: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ أيْ: يَتَفَكَّرَ فَيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى عِظَمِ قُدْرَتِهِ: ﴿أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ أيْ: يَشْكُرُ عَلى النِّعْمَةِ فِيهِما، مِنَ السُّكُونِ بِاللَّيْلِ والتَّصَرُّفِ بِالنَّهارِ. ويَكُونُ فِيهِما بِما يَقْتَضِيهِ ما خُلِقا لَهُ.

25:63–64Page 365

وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا ٦٣

And the servants of the Most Merciful are those who walk upon the earth easily,1 and when the ignorant address them [harshly], they say [words of] peace,2

وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا ٦٤

And those who spend [part of] the night to their Lord prostrating and standing [in prayer]

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٣ - ٦٤] ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] .

﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ أيْ: هَيِّنِينَ. أوْ مَشْيًا هَيِّنًا. أيْ: بِسَكِينَةٍ وتَواضُعٍ. لا يَضْرِبُونَ بِأقْدامِهِمْ، ولا يُخْفِقُونَ تَبَعًا لَهم أشَرًا وبَطَرًا ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ أيْ: إذا خاطَبَهُمُ السُّفَهاءُ بِالقَوْلِ السَّيِّئِ لَمْ يُقابِلُوهم بِمِثْلِهِ، بَلْ قالُوا كَلامًا فِيهِ سَلامٌ مِنَ الإيذاءِ والإثْمِ. سَواءٌ كانَ بِصِيغَةِ السَّلامِ كَقَوْلِهِمْ: (سَلامٌ عَلَيْكم )، (p-٤٥٨٩)أوْ غَيْرُها مِمّا فِيهِ لُطْفٌ في القَوْلِ أوْ عَفْوٌ أوْ صَفْحٌ. وكَظْمٌ لِلْغَيْظِ. دَفْعًا بِالَّتِي هي أحْسَنُ: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] أيْ: يَكُونُ لَهم في اللَّيْلِ فَضْلُ صَلاةٍ وإنابَةٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] و(البَيْتُوَتَةُ ) لُغَةً: الدُّخُولُ في اللَّيْلِ. يُقالُ: باتَ يَفْعَلُ كَذا يَبِيتُ ويَباتُ، إذا فَعَلَهُ لَيْلًا. وقَدْ تُسْتَعارُ البَيْتُوَتَةُ لِلْكَيْنُونَةِ مُطْلَقًا. إلّا أنَّ الحَقِيقَةَ أوْلى، لِكَثْرَةِ ما ورَدَ في مَعْناها مِمّا تَلَوْنا. ولِذَلِكَ قالَ السَّلَفُ: في الآيَةِ مَدْحُ قِيامِ اللَّيْلِ والثَّناءُ عَلى أهْلِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ [الفرقان: ٦٤] إشارَةٌ إلى الإخْلاصِ في أدائِها وابْتِغاءِ وجْهِهِ الكَرِيمِ. لِما أنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يَسْتَتْبِعُ أثَرَها مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ وفِعْلِ الخَيْرِ وحِفْظِ حُدُودِ اللَّهِ: ﴿وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] جَمْعُ قائِمٍ أوْ مَصْدَرٌ أُجْرِيَ مَجْراهُ.

25:65–66Page 365

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٦٥

And those who say, "Our Lord, avert from us the punishment of Hell. Indeed, its punishment is ever adhering;

إِنَّهَا سَآءَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٦٦

Indeed, it is evil as a settlement and residence."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٥ - ٦٦] ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] .

﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ أيْ: هَلاكًا دائِمًا. والمُرادُ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، فَزَعُهم مِنها، ووَجَلُهُمُ الشَّدِيدُ المُسْتَتْبِعُ لِتَمَسُّكِهِمْ بِالتَّقْوى، واعْتِصامُهم بِالسَّبَبِ الأقْوى. لا مُجَرَّدَ قَلْقَلَةِ اللِّسانِ، بِلا تَأثُّرٍ مِنَ الجِنانِ. فَإنَّهم لَمْ يَبْتَهِلُوا إلى المَوْلى، ويَتَعَوَّذُوا بِهِ مِن سَعِيرِها، إلّا لِعِلْمِهِمْ بِسُوءِ حالِها. ومُقْتَضى العِلْمِ بِالشَّيْءِ إيفاؤُهُ حَقَّهُ والعَمَلُ بِمُوجِبِهِ. ولِذا قالَ تَعالى: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] أيْ: مَوْضِعَ اسْتِقْرارٍ وإقامَةٍ.

25:67Page 365

وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا ٦٧

And [they are] those who, when they spend, do so not excessively or sparingly but are ever, between that, [justly] moderate

(p-٤٥٩٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٧] ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ .

﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ أيْ: لَمْ يُجاوِزُوا الحَدَّ في الإنْفاقِ، ولَمْ يُضَيِّقُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ وما يَعْرُوهم بُخْلًا ولُؤْمًا. بَلْ كانُوا في ذَلِكَ مُتَوَسِّطِينَ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْسَطُها.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالقَصْدِ الَّذِي هو بَيْنَ الغُلُوِّ والتَّقْصِيرِ. وبِمِثْلِهِ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مِن فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ في مَعِيشَتِهِ»» وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما عالَ مَنِ اقْتَصَدَ»» ورَوى البَزّارُ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما أحْسَنَ القَصْدَ في الغِنى، وما أحْسَنَ القَصْدَ في الفَقْرِ، وما أحْسَنَ القَصْدَ في العِبادَةِ»» .

وعَنِ الحَسَنِ: لَيْسَ في النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ سَرَفٌ. وسَمِعَ رَجُلٌ رَجُلًا يَقُولُ: لا خَيْرَ في الإسْرافِ. فَقالَ: لا إسْرافَ في الخَيْرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском