Al-QasimiAl‑Ahzab · 33:41–52

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:41–52

33:41–42Page 423

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا ٤١

O you who have believed, remember Allāh with much remembrance

وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا ٤٢

And exalt Him morning and afternoon.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤١ - ٤٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٢] .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: بِما هو أهْلُهُ مِن صُنُوفِ التَّحْمِيدِ والتَّمْجِيدِ: ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ أيْ: يَعُمُّ الأوْقاتَ والأحْوالَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَفْرِضْ عَلى عِبادِهِ فَرِيضَةً، إلّا جَعَلَ لَها حَدًّا مَعْلُومًا، ثُمَّ عَذَرَ أهْلَها في حالِ العُذْرِ، غَيْرَ الذِّكْرِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ، ولَمْ يَعْذُرْ أحَدًا في تَرْكِهِ إلّا مَغْلُوبًا عَلى عَقْلِهِ، وأمَرَهم بِهِ في الأحْوالِ كُلِّها. فَقالَ تَعالى: "فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ"، وقالَ: "اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا"، أيْ: بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، في البَرِّ والبَحْرِ، وفي السَّفَرِ والحَضَرِ، والغِنى والفَقْرِ، والسَّقَمِ والصِّحَّةِ، والسِّرِّ والعَلانِيَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ: "وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا" أيْ: في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، لِيَسْرِيَ أثَرُ التَّسْبِيحِ فِيهِما بَقِيَّةَ النَّهارِ واللَّيْلِ؛ لِأنَّ ذِكْرَهُ وتَسْبِيحَهُ، يُفِيدانِ تَنْوِيرَ القُلُوبِ وقْتَ خُلُوِّها عَنِ الأشْغالِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّسْبِيحُ مِن جُمْلَةِ الذِّكْرِ، وإنَّما اخْتَصَّهُ مِن بَيْنِ أنْواعِهِ اخْتِصاصُ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ، لِيُبَيِّنَ فَضْلَهُ عَلى سائِرِ الأذْكارِ، لِأنَّ مَعْناهُ تَنْزِيهُ ذاتِهِ، عَمّا لا يَجُوزُ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ، ومِثالُ فَضْلِهِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأذْكارِ، فَضْلُ وصْفِ العَبْدِ بِالنَّزاهَةِ مِن أدْناسِ المَعاصِي، والطُّهْرِ مِن أرْجاسِ المَآثِمِ، عَلى سائِرِ أوْصافِهِ، مِن كَثْرَةِ الصَّلاةِ والصِّيامِ، والتَّوَفُّرِ عَلى الطّاعاتِ كُلِّها. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالذِّكْرِ وإكْثارِهِ، تَكْثِيرَ الطّاعاتِ (p-٤٨٧٩)والإقْبالَ عَلى العِباداتِ؛ فَإنَّ كُلَّ طاعَةٍ وكُلَّ خَيْرٍ، مِن جُمْلَةِ الذِّكْرِ. ثُمَّ خَصَّ مِن ذَلِكَ التَّسْبِيحِ بُكْرَةً وأصِيلًا؛ وهي الصَّلاةُ في جَمِيعِ أوْقاتِها؛ لِفَضْلِ الصَّلاةِ عَلى غَيْرِها، أوْ صَلاةِ الفَجْرِ والعِشاءَيْنِ؛ لِأنَّ أداءَها أشَقُّ ومُراعاتَها أشَدُّ. وقَوْلُهُ تَعالى:

33:43Page 423

هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا ٤٣

It is He who confers blessing upon you,1 and His angels [ask Him to do so] that He may bring you out from darknesses into the light. And ever is He, to the believers, Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٣] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ .

﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرَيْنِ؛ فَإنَّ صَلاتَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، مَعَ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لَها وغِناهُ عَنِ العالَمِينَ، مِمّا يُوجِبُ عَلَيْهِمُ المُداوَلَةَ عَلى ما يَسْتَوْجِبُهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن ذِكْرِهِ تَعالى وتَسْبِيحِهِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا تَهْيِيجٌ إلى الذِّكْرِ؛ أيْ: أنَّهُ سُبْحانَهُ يَذْكُرُكم فاذْكُرُوهُ أنْتُمْ؛ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] انْتَهى.

والصَّلاةُ: الرَّحْمَةُ والعَطْفُ. والمَعْنى: هو الَّذِي يَتَرَحَّمُ عَلَيْكم ويَتَرَأَّفُ، حَيْثُ يَدْعُوكم إلى الخَيْرِ، ويَأْمُرُكم بِإكْثارِ الذِّكْرِ، والتَّوَفُّرِ عَلى الصَّلاةِ والطّاعَةِ: ﴿لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ﴾ أيْ: ظُلْمَةِ الكُفْرِ والمَعاصِي والشُّبُهاتِ ومَساوِئِ العاداتِ: ﴿إلى النُّورِ﴾ أيْ: نُورِ الإيمانِ والسُّنَّةِ والطّاعَةِ، ومَحاسِنِ الأخْلاقِ: ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ أيْ: حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْهم يَتَخَبَّطُونَ في عَمْياءِ الضَّلالَةِ والجَهالَةِ، بَلْ أنارَ لَهُمُ السُّبُلَ وأوْضَحَ لَهُمُ المَعالِمَ. وذَكَرَ المَلائِكَةَ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ وشَأْنِ المُؤْمِنِينَ، وأنَّ لِلْمَلَأِ الأعْلى عِنايَةً وعَطْفًا وتَرَحُّمًا، بِالِاسْتِغْفارِ والدُّعاءِ (p-٤٨٨٠)والثَّناءِ عَلى الجَمِيلِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨] ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ [غافر: ٩] الآيَةَ.

33:44–46Page 424

تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُۥ سَلَٰمٞۚ وَأَعَدَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَرِيمٗا ٤٤

Their greeting the Day they meet Him will be, "Peace." And He has prepared for them a noble reward.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٤٥

O Prophet, indeed We have sent you as a witness and a bringer of good tidings and a warner

وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا ٤٦

And one who invites to Allāh, by His permission, and an illuminating lamp.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٤ - ٤٦] ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] .

﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ أيْ: يَحْيَوْنَ يَوْمَ لِقائِهِ، بِالمَوْتِ أوِ الخُرُوجِ مِنَ القَبْرِ أوْ دُخُولِ الجَنَّةِ بِسَلامٍ؛ تَبْشِيرًا بِالسَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ وآفَةٍ، والإضافَةُ إمّا مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، والمُحْيِي لَهُمْ، إمّا اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] تَعْظِيمًا لَهم وتَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِمْ، كَما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِصُنُوفِ الإكْرامِ، وإمّا المَلائِكَةُ لِآيَةِ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٤] أوْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ لِفاعِلِهِ؛ أيْ: تَحِيَّةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالسَّلامِ، وقَدْ يَسْتَدِلُّ لَهُ بِآيَةِ: ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] ﴿وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ وما حَوَتْهُ، مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أيْ: عَلى مَن بُعِثْتَ (p-٤٨٨١)إلَيْهِمْ بِالبَلاغِ: ﴿ومُبَشِّرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أيْ: بِالثَّوابِ لِمَن آمَنَ: ﴿ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] أيْ: مِنَ النّارِ لِمَن كَفَرَ: ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] إلى دِينِهِ وطاعَتِهِ والإقْرارِ بِوَحْدانِيَّتِهِ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٦] أيْ: بِأمْرِهِ ووَحْيِهِ: ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] أيْ: يُسْتَضاءُ بِهِ في ظُلُماتِ الجَهْلِ والغِوايَةِ، ويُهْتَدى بِأنْوارِهِ إلى مَناهِجِ الرُّشْدِ والهِدايَةِ.

33:47–49Page 424

وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضۡلٗا كَبِيرٗا ٤٧

And give good tidings to the believers that they will have from Allāh great bounty.

وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَدَعۡ أَذَىٰهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٤٨

And do not obey the disbelievers and the hypocrites and disregard their annoyance, and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَاۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا ٤٩

O you who have believed, when you marry believing women and then divorce them before you have touched them [i.e., consummated the marriage], then there is not for you any waiting period to count concerning them. So provide for them and give them a gracious release.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٧ - ٤٩] ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩] .

﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ أيْ: ثَوابًا عَظِيمًا وأجْرًا جَزِيلًا: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٨] أيْ: فِيما يَرْجُفُونَ بِهِ، ويَعِيبُونَ مِن جاهِلِيَّتِهِمْ وعَوائِدِهِمْ، بِإلانَةِ الجانِبِ في التَّبْلِيغِ، والمُسامَحَةِ في الإنْذارِ والتَّمَهُّلِ في الصَّدْعِ بِالحَقِّ: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨] أيْ: إيصالَ الضَّرَرِ إلَيْهِمْ، مُجازاةً لِفِعْلِهِمْ. بَلِ اعْفُ واصْفَحْ. أوْ مَعْناهُ: دَعْ ما يُؤْذُونَكَ بِهِ بِسَبَبِ صَدْعِكَ إيّاهم. فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ عَلى الأوَّلِ، وإلى المَفْعُولِ عَلى الثّانِي: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٨] أيْ: مَوْكُولًا إلَيْهِ، وكَفِيلًا فِيما وعَدَكَ مِنَ النَّصْرِ، ودَحْرِ ذَوِي الكُفْرِ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: تَزَوَّجْتُمُوهُنَّ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: تُجامِعُوهُنَّ: ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: تَسْتَوْفُونَ عَدَدَها مِن إحْصاءِ أقْراءٍ، ولا أشْهُرٍ تُحْصُونَها عَلَيْهِنَّ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: أعْطُوهُنَّ ما يَسْتَمْتِعْنَ بِهِ مِن عِرْضٍ (p-٤٨٨٢)أوْ عَيْنِ مالٍ: ﴿وسَرِّحُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: خَلُّوا سَبِيلَهُنَّ بِإخْراجِهِنَّ مِن مَنازِلِكُمْ؛ إذْ لَيْسَ لَكم عَلَيْهِنَّ عِدَّةٌ: ﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٩] أيْ: مِن غَيْرِ ضِرارٍ ولا مَنعِ حَقٍّ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها أحْكامٌ كَثِيرَةٌ:

مِنها إطْلاقُ النِّكاحِ عَلى العَقْدِ وحْدَهُ. ولَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أصْرَحُ في ذَلِكَ مِنهُ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في النِّكاحِ؛ هَلْ هو حَقِيقَةٌ في العَقْدِ وحْدَهُ، أوْ في الوَطْءِ، أوْ فِيهِما؟ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ، واسْتِعْمالُ القُرْآنِ، إنَّما هو في العَقْدِ والوَطْءِ بَعْدَهُ، إلّا في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَإنَّهُ اسْتُعْمِلَ في العَقْدِ وحْدَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]

وفِيها دَلالَةٌ لِإباحَةِ طَلاقِ المَرْأةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ؛ إذْ لا فَرْقَ في الحُكْمِ بَيْنَ المُؤْمِنَةِ والكِتابِيَّةِ في ذَلِكَ، بِالِاتِّفاقِ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وابْنُ المُسَيِّبِ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وزَيْنُ العابِدِينَ، وجَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ بِهَذِهِ الآيَةِ، عَلى أنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ إلّا إذا تَقَدَّمَهُ نِكاحٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] بِعَقْبِ النِّكاحِ بِالطَّلاقِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ ولا يَقَعُ قَبْلَهُ. وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ، وطائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ، وأيَّدَهُ ما رُوِيَ مَرْفُوعًا ««لا طَلاقَ لِابْنِ آدَمَ فِيما لا يَمْلِكُ»» رَواهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وهو أحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ في هَذا البابِ. وهَكَذا رَوى ابْنُ ماجَهْ عَنْ عَلِيٍّ والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««لا طَلاقَ قَبْلَ النِّكاحِ»» . (p-٤٨٨٣)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] هَذا أمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ، أنَّ المَرْأةَ إذا طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِها، لا عِدَّةَ عَلَيْها. فَتَذْهَبُ فَتَتَزَوَّجُ في فَوْرِها مَن شاءَتْ، ولا يُسْتَثْنى مِن هَذا إلّا المُتَوَفّى زَوْجُها؛ فَإنَّها تَعْتَدُّ مِنهُ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِها، بِالإجْماعِ أيْضًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] المُتْعَةُ هَهُنا أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ نِصْفَ الصَّداقِ المُسَمّى، أوِ المُتْعَةُ الخاصَّةُ إنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمّى لَها. قالَ تَعالى: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنْ كانَ سَمّى لَها صَداقًا، فَلَيْسَ لَها إلّا النِّصْفُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَمّى لَها صَداقًا، فَأمْتَعَها عَلى قَدْرِ عُسْرِهِ ويُسْرِهِ، وهو السَّراحُ الجَمِيلُ. انْتَهى.

وعَلَيْهِ، فالآيَةُ في المُفَوَّضِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَها. وقِيلَ: الآيَةُ عامَّةٌ. وعَلَيْهِ، فَقِيلَ الأمْرُ لِلْوُجُوبِ، وأنَّهُ يَجِبُ مَعَ نِصْفِ المَهْرِ المُتْعَةُ أيْضًا. ومِنهم مَن قالَ لِلِاسْتِحْبابِ، فَيَسْتَحِبُّ أنْ يُمَتِّعَها مَعَ الصَّداقِ بِشَيْءٍ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الرّازِيُّ: وجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها، هو أنَّ اللَّهَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، ذَكَرَ مَكارِمَ الأخْلاقِ، وأدَّبَ نَبِيَّهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ. لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ المُرْسَلَ، فَكُلَّما ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ مَكْرُمَةً، وعَلَّمَهُ أدَبًا، ذَكَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما يُناسِبُهُ. فَكَما بَدَأ اللَّهُ في تَأْدِيبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ ما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ اللَّهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] وثَنّى بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ العامَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] كَذَلِكَ بَدَأ (p-٤٨٨٤)فِي إرْشادِ المُؤْمِنِينَ بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ثُمَّ ثَنّى بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبٍ مِن تَحْتِ أيْدِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] ثُمَّ، كَما ثَلَّثَ في تَأْدِيبِ النَّبِيِّ بِجانِبِ الأُمَّةِ، ثَلَّثَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ بِما يَتَعَلَّقُ بِجانِبِ نَبِيِّهِمْ، فَقالَ بَعْدَ هَذا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] انْتَهى.

33:50Page 424

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحۡلَلۡنَا لَكَ أَزۡوَٰجَكَ ٱلَّٰتِيٓ ءَاتَيۡتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَٰلَٰتِكَ ٱلَّٰتِي هَاجَرۡنَ مَعَكَ وَٱمۡرَأَةٗ مُّؤۡمِنَةً إِن وَهَبَتۡ نَفۡسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنۡ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسۡتَنكِحَهَا خَالِصَةٗ لَّكَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۗ قَدۡ عَلِمۡنَا مَا فَرَضۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ لِكَيۡلَا يَكُونَ عَلَيۡكَ حَرَجٞۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٥٠

O Prophet, indeed We have made lawful to you your wives to whom you have given their due compensation1 and those your right hand possesses from what Allāh has returned to you [of captives] and the daughters of your paternal uncles and the daughters of your paternal aunts and the daughters of your maternal uncles and the daughters of your maternal aunts who emigrated with you and a believing woman if she gives herself to the Prophet [and] if the Prophet wishes to marry her; [this is] only for you, excluding the [other] believers. We certainly know what We have made obligatory upon them concerning their wives and those their right hands possess, [but this is for you] in order that there will be upon you no discomfort [i.e., difficulty]. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٠] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ: مُهُورَهُنَّ فَإنَّها أُجُورُ الأبْضاعِ. وإيتاؤُها، إمّا إعْطاؤُها مُعَجَّلَةً، أوْ تَسْمِيَتُها في العَقْدِ. وكانَ التَّعْجِيلُ دَيْدَنَ السَّلَفِ وسُنَّتَهُمُ، وما لا يُعْرَفُ بَيْنَهم غَيْرُهُ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ لِنِسائِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً ونَشًّا، وهو نِصْفُ أُوقِيَّةٍ فالجَمِيعُ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، إلّا أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ فَإنَّهُ أمْهَرَها عَنْهُ النَّجاشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أرْبَعَمِائَةِ دِينارٍ، وإلّا صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ فَإنَّهُ اصْطَفاها مِن سَبْيِ خَيْبَرَ، ثُمَّ أعْتَقَها وجَعَلَ عِتْقَها صَداقَها، (p-٤٨٨٥)وكَذَلِكَ جُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الحارِثِ المُصْطَلَقِيَّةُ أدّى عَنْها كِتابَتَها إلى ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ وتَزَوَّجَها، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ. انْتَهى.

وتَقْيِيدُ الإحْلالِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإعْطاءِ المُهُورِ، لَيْسَ لِتَوَقُّفِ الحَلِّ عَلَيْهِ، ضَرُورَةً أنَّهُ يَصِحُّ العَقْدُ بِلا تَسْمِيَةٍ. ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ أوِ المُتْعَةُ عَلى تَقْدِيرَيِ الدُّخُولِ وعَدَمِهِ. بَلْ لِإيثارِ الأفْضَلِ والأوْلى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَتَقْيِيدِ إحْلالِ المَمْلُوكَةِ بِكَوْنِها مَسْبِيَّةً، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ فَإنَّ المُشْتَراةَ لا يَتَحَقَّقُ بَدْءُ أمْرِها وما جَرى عَلَيْها.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وأباحَ لَكَ التَّسَرِّي مِمّا أخَذْتَ مِنَ المَغانِمِ، وقَدْ مَلَكَ صَفِيَّةَ وجُوَيْرِيَّةَ فَأعْتَقَهُما وتَزَوَّجَهُما، ومَلَكَ رَيْحانَةَ بِنْتَ شَمْعُونَ النَّضْرِيَّةَ، ومارِيَةَ القِبْطِيَّةَ أُمَّ ابْنِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتا مِنَ السَّرارِي، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ، إلى المَدِينَةِ، والتَّقْيِيدُ لِبَيانِ الأفْضَلِ كَما تَقَدَّمَ، ولَهم في إفْرادِ العَمِّ والخالِ وجَمْعِ العَمَّةِ والخالَةِ، عِدَّةُ أوْجُهٍ. فِيها اللَّطِيفُ والضَّعِيفُ، وعِنْدِي أنَّ الإفْرادَ والجَمْعَ تابِعٌ لِمُقْتَضى السَّبْكِ، والنَّظْمِ ورِقَّةِ التَّعْبِيرِ، ورَشاقَةِ التَّأْدِيَةِ؛ كَما يَدْرِيهِ مَن يَذُوقُ طَعْمَ بَلاغَةِ القَوْلِ، ويَشْرَبُ مِن عَيْنِ فَصاحَتِهِ، فالإفْرادُ فِيهِما هُنا أرَقُّ وأعْذَبُ مِنَ الجَمْعِ، كَما أنَّ في آيَةِ: ﴿بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] أمْتَنُ وأبْلَغُ مِنَ الإفْرادِ، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، ولِكُلِّ مَجالٍ حالٌ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ أيْ: يَتَزَوَّجَها ويَرْغَبَ في قَبُولِ هِبَةِ نَفْسِها بِدُونِ مَهْرٍ، وقَدْ سَمّى مِنَ الواهِباتِ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحارِثِ، وزَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ أُمَّ المَساكِينِ الأنْصارِيَّةَ، وأُمَّ شَرِيكٍ بِنْتَ جابِرٍ، وخَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ.

(p-٤٨٨٦)وفِي البُخارِيِّ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كُنْتُ أغارُ في اللّائِي وهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأقُولُ: أتَهَبُ المَرْأةُ نَفْسَها؟ فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] الآيَةَ -قُلْتُ ما أرى رَبَّكَ إلّا يُسارِعُ في هَواكَ».

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ﷺ امْرَأةٌ وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ؛ أيْ: أنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ وإنْ كانَ مُباحًا لَهُ؛ لِأنَّهُ مَرْدُودٌ إلى إرادَتِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

قالَ ابْنُ القَيِّمِ: وأمّا مَن خَطَبَها ﷺ ولَمْ يَتَزَوَّجْها، ومَن وهَبَتْ نَفْسَها لَهُ ولَمْ يَتَزَوَّجْها، فَنَحْوَ أرْبَعٍ أوْ خَمْسٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: هُنَّ ثَلاثُونَ امْرَأةً. وأهْلُ العِلْمِ بِالسِّيرَةِ وأحْوالِهِ ﷺ، لا يَعْرِفُونَ هَذا بَلْ يُنْكِرُونَهُ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في المَوْضِعَيْنِ بِعُنْوانِ النُّبُوَّةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، لِلتَّكْرِمَةِ والإيذانِ بِأنَّها المَناطُ لِثُبُوتِ الحُكْمِ فَيَخْتَصُّ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسَبَ اخْتِصاصِها بِهِ كَما يَنْطَبِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِصَةً لَكَ﴾ أيْ: خَلَصَ لَكَ إحْلالُها خالِصَةً أيْ: خُلُوصًا، فَهي مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، أوْ صِفَتُهُ أيْ: هِبَةٌ خالِصَةٌ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: فَإنَّهم لا تَحِلُّ لَهُمُ المَوْهُوبَةُ إلّا بِوَلِيٍّ ومَهْرٍ، خَوْفَ أنْ يَسْتَسْرِيَ النِّساءَ ويَنْتَشِرَ الفُحْشُ بِدَعْوى ذَلِكَ. قالَ قَتادَةُ: لَيْسَ لِامْرَأةٍ تَهَبُ نَفْسَها لِرَجُلٍ، بِغَيْرِ ولِيٍّ ولا مَهْرٍ إلّا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى المُؤْمِنِينَ: ﴿فِي أزْواجِهِمْ﴾ أيْ: في حَلِّها مِنَ الوَلِيِّ والشُّهُودِ والمُسَمّى: ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ أيْ: في حَلِّها مِن تَوْسِيعِ الأمْرِ فِيها.

وقالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): فُسِّرَ بِالِاسْتِبْراءِ، ولَيْسَ لَهُ في القُرْآنِ ذِكْرٌ إلّا ها هُنا.

﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ أيْ: ضِيقٌ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ: ﴿خالِصَةً﴾ أوْ بِفِعْلٍ يُفْهَمُ (p-٤٨٨٧)مِمّا قَبْلَهُ؛ أيْ: قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ، وأسْقَطْناهُ عَنْكَ لِرَفْعِ الحَرَجِ عَنْكَ والضِّيقِ، فِيما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ والعِنايَةُ بِكَ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: يَغْفِرُ ما يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، ويَرْحَمُ فِيما يُوَسِّعُ في مَواقِعِ الحَرَجِ.

33:51Page 425

۞ تُرۡجِي مَن تَشَآءُ مِنۡهُنَّ وَتُـٔۡوِيٓ إِلَيۡكَ مَن تَشَآءُۖ وَمَنِ ٱبۡتَغَيۡتَ مِمَّنۡ عَزَلۡتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكَۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن تَقَرَّ أَعۡيُنُهُنَّ وَلَا يَحۡزَنَّ وَيَرۡضَيۡنَ بِمَآ ءَاتَيۡتَهُنَّ كُلُّهُنَّۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمٗا ٥١

You, [O Muḥammad], may put aside whom you will of them1 or take to yourself whom you will. And any that you desire of those [wives] from whom you had [temporarily] separated - there is no blame upon you [in returning her]. That is more suitable that they should be content and not grieve and that they should be satisfied with what you have given them - all of them. And Allāh knows what is in your hearts. And ever is Allāh Knowing and Forbearing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥١] ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ .

﴿تُرْجِي﴾ بِهَمْزٍ وغَيْرِ هَمْزٍ؛ أيْ: تَتْرُكُ وتُؤَخِّرُ: ﴿مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ أيْ: مِن هَؤُلاءِ النِّساءِ اللّاتِي أحْلَلْناهُنَّ لَكَ، فَلا تَتَزَوَّجُ بِهِنَّ: ﴿وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ أيْ: تَضُمُّ مَن تَشاءُ مِنهُنَّ بِالتَّزْوِيجِ: ﴿ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ أيِ: اخْتَرْتَ تَزَوُّجَها بَعْدَ إرْجائِها: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ أيْ: في أنْ تَضُمَّها إلَيْكَ. ومِن رَأْيِ بَعْضِهِمْ أنَّ الضَّمِيرَ فِي: "مِنهُنَّ" يَعُودُ إلى الواهِباتِ. قالَ الشَّعْبِيُّ: كُنَّ نِساءً وهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: فَدَخَلَ بِبَعْضٍ وأرْجَأ بَعْضَهُنَّ، لَمْ يُنْكَحْنَ بَعْدَهُ، مِنهُنَّ أُمُّ شَرِيكٍ، واسْتُؤْنِسَ بِحَدِيثِ عائِشَةَ عِنْدَ أحْمَدَ «أنَّها كانَتْ تُعَيِّرُ النِّساءَ اللّاتِي وهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَقُولُ: ألا تَسْتَحِي المَرْأةُ أنْ تَعْرِضَ نَفْسَها بِغَيْرِ صَداقٍ؟ فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ الآيَةَ قالَتْ: إنِّي أرى رَبَّكَ يُسارِعُ لَكَ في هَواكَ». ورَواهُ البُخارِيُّ أيْضًا كَما تَقَدَّمَ. وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: تُطَلِّقُ وتُخَلِّي سَبِيلَ مَن شِئْتَ مِن نِسائِكَ، وتُمْسِكُ مَن شِئْتَ مِنهُنَّ فَلا تُطَلِّقُ. وعَنْ قَتادَةَ: أنَّها في القَسَمِ، وأنَّ لَهُ أنْ يُقَسِّمَ لِمَن شاءَ، ويَدَعَهُ لِمَن شاءَ، مَعَ هَذا فَلَمْ يَكُنْ ﷺ يَدَعُ القَسَمَ. وقَدِ احْتَجَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى (p-٤٨٨٨)أنَّ القَسَمَ لَمْ يَكُنْ واجِبًا عَلَيْهِ ﷺ. والتَّحْقِيقُ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في ذَلِكَ كُلِّهِ، وأنَّ ما رُوِيَ مِمّا ذُكِرَ، فَمِن بابِ الِاكْتِفاءِ مِنَ العامِّ عَلى بَعْضِ أفْرادِهِ، أوْ مِن رَأْيٍ ذَهَبَ إلَيْهِ قائِلُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن تَفْوِيضِ الأمْرِ إلى مَشِيئَتِكَ، ورَفْعِ الحَرَجِ عَنْكَ فِيهِ: ﴿أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ﴾ أيْ: تَطِيبُ أنْفُسُهُنَّ، إنْ عَلِمْنَ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولا يَحْزَنَّ﴾ لِمُخالَفَةِ الإرْجاءِ: ﴿ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أيْ: لِأنَّهُ حُكْمٌ، كُلُّهُنَّ فِيهِ سَواءٌ، فَإنْ سَوَّيْتَ بَيْنَهُنَّ وجَدْنَ ذَلِكَ تَفْضِيلًا، وإلّا عَلِمْنَ أنَّهُ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، فَتَطْمَئِنَّ بِهِ نُفُوسُهُنَّ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: مِنَ المَيْلِ إلى البَعْضِ مِنهُنَّ دُونَ البَعْضِ بِالمَحَبَّةِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ أيْ: بِذاتِ الصُّدُورِ: ﴿حَلِيمًا﴾ أيْ: ذا حِلْمٍ عَنْ عِبادِهِ فَيَعْفُو ويَغْفِرُ. ورَوى الإمامُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُقَسِّمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ. ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ! هَذا فِعْلِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ» . يَعْنِي القَلْبَ».

33:52Page 425

لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ حُسۡنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ رَّقِيبٗا ٥٢

Not lawful to you, [O Muḥammad], are [any additional] women after [this], nor [is it] for you to exchange them for [other] wives, even if their beauty were to please you, except what your right hand possesses. And ever is Allāh, over all things, an Observer.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٢] ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ .

(p-٤٨٨٩)﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ النِّساءِ اللّاتِي نَصَّ إحْلالَهُنَّ لَكَ في الآيَةِ قَبْلُ. وانْظُرْ إلى تَكْرِيمِهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ لَهُ: وحُرِّمَ عَلَيْكَ ما وراءَ ذَلِكَ. كَما خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بِنَظِيرِهِ، لِتَعْلَمَ كَيْفَ تَتَفاوَتُ النّاسُ بِالخِطابِ تَفاوُتَهم في رَفِيعِ الدَّرَجاتِ.

ولَمْ أرَ أحَدًا نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ، فاحْرِصْ عَلَيْهِ فِيهِ، وفي أمْثالِهِ.

قالَ مُجاهِدٌ في الآيَةِ: أيْ: لا يَحِلُّ لَكَ يَهُودِيَّةٌ ولا نَصْرانِيَّةٌ ولا كافِرَةٌ: ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أيْ: فَلَكَ التَّسَرِّي بِهِنَّ وإنْ كُنَّ كِتابِيّاتٍ أوْ مُشْرِكاتٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُنَّ ما لِلْحَرائِرِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ أيْ: حَيْثُ أحَلَّ ما أحَلَّ، وحَظَرَ ما حَظَرَ لِلنَّبِيِّ ولِلْأُمَّةِ، في بَيانٍ لا خَفاءَ مَعَهُ، وحِكْمَةٍ لا حَيْفَ مَعَها. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ هو حَظْرُ نِكاحِ ما بَعْدَ التِّسْعِ اللّاتِي عِنْدَهُ ﷺ، وأنَّ التِّسْعَ نِصابُهُ كالأرْبَعِ لِغَيْرِهِ، وأنَّ ذَلِكَ جَزاءٌ لِاخْتِيارِهِنَّ إيّاهُ لَمّا خَيَّرَهُنَّ؛ كَما تَقَدَّمَ في الآيَةِ، ثُمَّ قالُوا إنَّهُ تَعالى رَفَعَ الحَرَجَ عَنْهُ في ذَلِكَ، ونَسَخَ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ، وأباحَ لَهُ التَّزَوُّجَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ إتْمامًا لِلْمِنَّةِ عَلَيْهِنَّ. ومِنهم مَن قالَ إنَّها مُحْكَمَةٌ. وكُلُّ ذَلِكَ لا بُرْهانَ مَعَهُ، وتَفْكِيكٌ لِلْمَعْنى، وغَفْلَةٌ عَنْ سِرِّ تَكْرِيمِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِمَقْصُودِ الخِطابِ، وقَدْ وهَمَ في هَذا المَعْنى زِيادٌ -رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ- فَرَدَّهُ أُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إلى صَوابِ المَعْنى؛ وذَلِكَ فِيما رَواهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ وابْنُ جَرِيرٍ أنَّ زِيادًا قالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أرَأيْتَ لَوْ أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ تُوُفِّينَ، أما كانَ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ؟ فَقالَ: وما يَمْنَعُهُ مِن ذَلِكَ؟ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ فَقالَ لَهُ: إنَّما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ ضَرْبًا مِنَ النِّساءِ. فَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] -إلى قَوْلِهِ-: ﴿إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ثُمَّ قِيلَ لَهُ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾

(p-٤٨٩٠)ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أصْنافِ النِّساءِ إلّا ما كانَ مِنَ المُؤْمِناتِ المُهاجِراتِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ الآيَةَ. فَحَرَّمَ كُلَّ ذاتِ دِينٍ غَيْرِ الإسْلامِ».

والمُطَّلِعُ عَلى ما كَتَبُوهُ هُنا، يَأْخُذُهُ العَجَبُ مِنَ البُعْدِ عَنْ مَقْصِدِها. فالحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إلْهامِ الحَقِّ وتَعْلِيمِهِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ في (لِبابِ التَّأْوِيلِ): في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ النَّظَرِ مِنَ الرِّجْلِ الَّتِي يُرِيدُ نِكاحَها مِنَ النِّساءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا خَطَبَ أحَدُكُمُ المَرْأةَ، فَإنِ اسْتَطاعَ أنْ يَنْظُرَ إلى ما يَدْعُوهُ إلى نِكاحِها، فَلْيَفْعَلْ»» . أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ.

ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَجُلًا أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ. فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «انْظُرْ إلَيْها فَإنَّ في أعْيُنِ الأنْصارِ شَيْئًا»» . قالَ الحُمَيْدِيُّ: يَعْنِي هو الصِّغَرُ.

«وعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: خَطَبْتُ امْرَأةً. فَقالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ نَظَرْتَ إلَيْها؟» قُلْتُ: لا. قالَ: «فانْظُرْ إلَيْها فَإنَّهُ أحْرى أنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُما»» . أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском