Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:53–55
33:53Page 425
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِيتُمۡ فَٱدۡخُلُواْ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُسۡتَـٔۡنِسِينَ لِحَدِيثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ يُؤۡذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسۡتَحۡيِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا يَسۡتَحۡيِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا ٥٣
O you who have believed, do not enter the houses of the Prophet except when you are permitted for a meal, without awaiting its readiness. But when you are invited, then enter; and when you have eaten, disperse without seeking to remain for conversation. Indeed, that [behavior] was troubling the Prophet, and he is shy of [dismissing] you. But Allāh is not shy of the truth. And when you ask [his wives] for something, ask them from behind a partition. That is purer for your hearts and their hearts. And it is not [conceivable or lawful] for you to harm the Messenger of Allāh or to marry his wives after him, ever. Indeed, that would be in the sight of Allāh an enormity.
(p-٤٨٩١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ هَذا خِطابٌ لِبَعْضِ الصَّحْبِ، وحَظَرَ عَلَيْهِمْ أنْ يَدْخُلُوا مَنازِلَهُ ﷺ بِغَيْرِ إذْنٍ، كَما كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَصْنَعُونَ في بُيُوتِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ وابْتِداءِ الإسْلامِ. و: "إلى" مُتَعَلِّقٌ بِـ: "يُؤْذَنَ" بِتَضْمِينِ مَعْنى الدُّعاءِ، لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَدْخُلُوا عَلى الطَّعامِ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ، وإنْ تَحَقَّقَ إذْنٌ؛ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ أيْ: غَيْرَ مُنْتَظَرِينَ وقْتَهُ، وإدْراكَهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: لا تَرْقُبُوا الطَّعامَ إذا طُبِخَ، حَتّى إذا قارَبَ الِاسْتِواءَ تَعَرَّضْتُمْ لِلدُّخُولِ فَإنَّ هَذا مِمّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ ويَذُمُّهُ. وهَذا دَلِيلٌ عَلى تَحْرِيمِ التَّطَفُّلِ؛ وهو الَّذِي تُسَمِّيهِ العَرَبُ الضَّيْفَنَ، وقَدْ صَنَّفَ الخَطِيبُ البَغْدادِيُّ في ذَلِكَ كِتابًا في ذَمِّ الطُّفَيْلِيِّينَ، وذَكَرَ مِن أخْبارِهِمْ أشْياءَ يَطُولُ إيرادُها. انْتَهى.
وأقُولُ: قَدْ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ نَهْيًا لَهم أنْ يَدْخُلُوا -مَعَ كَوْنِهِمْ مَأْذُونًا لَهم ومَدْعُوِّينَ- قَبْلَ المِيعادِ المَضْرُوبِ لَهم حُضُورُهم فِيهِ، عَجَلَةً وانْتِظارًا لِنُضْجِ الطَّعامِ. (p-٤٨٩٢)فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُؤْذِي قَلْبَ صاحِبِ الدَّعْوَةِ، لِشَغْلِ هَذِهِ الحِصَّةِ مَعَهم بِلا فائِدَةٍ، إلّا ضِيقَ صَدْرِ الدّاعِي وأهْلِهِ، وشَغْلَ وقْتِهِ وتَوْلِيدَ حَدِيثٍ، وتَكَلُّفًا لِكَلامٍ لا ضَرُورَةَ لَهُ، وإطاقَةَ زَمَنِ الحِجابِ عَلى نِسائِهِ، وما ذَلِكَ إلّا مِن شُؤْمِ التَّعْجِيلِ قَبْلَ الوَقْتِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا﴾ أيْ: إذا دُعِيتُمْ إلى الدُّخُولِ، في وقْتِهِ، فادْخُلُوا فِيهِ لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ. فَـ: "لَكِنِ" اسْتِدْراكٌ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ، مَعَ الإذْنِ المُطْلَقِ الَّذِي هو الدَّعْوَةُ بِتَعْلِيمِ أدَبٍ آخَرَ، وإفادَةِ شَرْطٍ مُهِمٍّ، وهو الإشارَةُ إلى أنَّ لِلدَّعْوَةِ حِينًا ووَقْتًا يَجِبُ أنْ يُراعى زَمَنُهُ، وهَذا المَنهِيُّ عَنْهُ لَمْ يَزَلْ يَرْتَكِبُهُ ثُقَلاءُ القَرَوِيِّينَ، ومَن شاكَلَهم مِن غُلَظاءِ المَدَنِيِّينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَأدَّبُوا بِآدابِ الكِتابِ الكَرِيمِ والسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ؛ وهو أنَّهم إذا دُعُوا لِتَناوُلِ طَعامٍ يَتَعَجَّلُونَ المَجِيءَ قَبْلَ وقْتِهِ بِساعاتٍ، مِمّا يَغُمُّ نَفْسَ الدّاعِي وأهْلِهِ، ويُذْهِبُ لَهم جانِبًا مِن عَزِيزِ وقْتِهِمْ عَبَثًا إلّا في سَماعِ حَدِيثِهِمُ البارِدِ، وخِدْمَتِهِمُ المُسْتَكْرَهَةِ كَما قَدَّمْنا، فَعَلى ما ذَكَرْناهُ يَكُونُ في الآيَةِ فائِدَةٌ جَمِيلَةٌ، وحُكْمٌ مُهِمٌّ، وهو حَظْرُ المَجِيءِ قَبْلَ الوَقْتِ المُقَدَّرِ، وحِينَئِذٍ فَكَلِمَةُ: (غَيْرَ)، حالٌ ثانِيَةٌ مِنَ الفاعِلِ مُقَيِّدَةٌ لِلدُّخُولِ المَأْذُونِ فِيهِ، وهو أنْ يَكُونَ وقْتَ الدَّعْوَةِ، لا قَبْلَهُ. والتَّقْدِيرُ: (إلّا مَأْذُونِينَ في حالِ كَوْنِكم غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ). ولِذا قِيلَ: إنَّها آيَةُ الثُّقَلاءِ. إذا عَلِمْتَ هَذا، فالأجْدَرُ اسْتِنْباطُ حَظْرِ التَّطَفُّلِ مِن صَدْرِ الآيَةِ، وهُوَ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ومِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا﴾ لا مِن قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنًى خاصٍّ، وهو ما ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
فائِدَةٌ:
(الإنْيُ): مَصْدَرٌ. يُقالُ أنى الشَّيْءَ يَأْنى أنْيًا بِالفَتْحِ. و(أنى): مَفْتُوحًا مَقْصُورًا.
و(إنى): بِالكَسْرِ مَقْصُورًا، أيْ: حانَ وأدْرَكَ. قالَ عَمْرُو بْنُ حَسّانَ:
؎تَمَخَّضَتِ المَنُونُ لَهُ بِيَوْمٍ أنى ولِكُلِّ حامِلَةٍ تِمامُ
ثُمَّ أشارَ سُبْحانَهُ إلى أدَبٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا﴾ أيْ: تَفَرَّقُوا ولا (p-٤٨٩٣)تَمْكُثُوا: ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أيْ: لِحَدِيثِ بَعْضِكم بَعْضًا، أوْ لِحَدِيثِ أهْلِ البَيْتِ بِالتَّسَمُّعِ لَهُ عُطِفَ عَلى (ناظِرِينَ)، أوْ مُقَدَّرٌ بِفِعْلٍ؛ أيْ: لا تَمْكُثُوا مُسْتَأْنِسِينَ: ﴿إنَّ ذَلِكُمْ﴾ أيِ: المَنهِيَّ عَنْهُ في الآيَةِ: ﴿كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ أيْ: لِتَضْيِيقِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ وعَلى أهْلِهِ وإشْغالِهِ بِما لا يَعْنِيهِ: ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الإشارَةِ إلَيْكم بِالِانْتِشارِ: ﴿واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ يَعْنِي أنَّ انْتِشارَكم حَقٌّ. فَيَنْبَغِي أنْ لا يُتْرَكَ حَياءً، كَما لا يَتْرُكُهُ اللَّهُ تَرْكَ الحَيِيِّ، فَأمَرَكم بِهِ. ووُضِعَ الحَقُّ مَوْضِعَ الِانْتِشارِ، لِتَعْظِيمِ جانِبِهِ. وقُرِئَ: "لا يَسْتَحِي" بِحَذْفِ الياءِ الأُولى وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الحاءِ: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ﴾ الضَّمِيرُ لِنِساءِ النَّبِيِّ، المَدْلُولِ عَلَيْهِنَّ بِذِكْرِ بُيُوتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿مَتاعًا﴾ أيْ: شَيْئًا يَتَمَتَّعُ بِهِ: ﴿فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ: سِتْرٍ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ، وعَدَمِ الِاسْتِئْناسِ لِلْحَدِيثِ عِنْدَ الدُّخُولِ، وسُؤالِ المَتاعِ مِن وراءِ حِجابٍ: ﴿أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ أيْ: مِنَ الخَواطِرِ الشَّيْطانِيَّةِ، في المَيْلِ إلَيْهِنَّ وإلَيْكُمْ؛ يَعْنِي ويَجِبُ التَّطَهُّرُ عَنْهُ، لِما فِيهِ مِن إيذاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ولِذا قالَ: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ أيْ: أنْ تَفْعَلُوا فِعْلًا يَتَأذّى بِهِ في حَياتِهِ: ﴿ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ وفاتِهِ لا إلى انْقِضاءِ العِدَّةِ بَلْ: ﴿أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ أيْ: أمْرًا عَظِيمًا وخَطْبًا هائِلًا، لا يُقادَرُ قَدْرُهُ؛ لِما فِيهِ مِن هَتْكِ حُرْمَةِ حَبِيبِهِ ﷺ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وفِيهِ مِن تَعْظِيمِهِ تَعالى لِشَأْنِ رَسُولِهِ ﷺ، وإيجابِ حُرْمَتِهِ حَيًّا ومَيِّتًا، ما لا يَخْفى؛ ولِذَلِكَ بالَغَ تَعالى في الوَعِيدِ حَيْثُ قالَ:
33:54Page 425
إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٥٤
Whether you reveal a thing or conceal it, indeed Allāh is ever, of all things, Knowing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٤] ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ .
﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ أيْ: مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ، كَنِكاحِهِنَّ عَلى ألْسِنَتِكُمْ، عَلى ما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الجُفاةِ: ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ أيْ: في نُفُوسِكُمْ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ أيْ: فَيُجازِيكم (p-٤٨٩٤)بِما صَدَرَ عَنْكم مِنَ المَعاصِي البادِيَةِ والخافِيَةِ لا مَحالَةَ، وفي هَذا التَّعْمِيمِ مَعَ البُرْهانِ عَلى المَقْصُودِ، مَزِيدُ تَهْوِيلٍ وتَشْدِيدٍ ومُبالَغَةٍ في الوَعِيدِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أجْمَعَ العُلَماءُ قاطِبَةً عَلى أنَّ مَن تُوُفِّيَ عَنْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أزْواجِهِ، أنَّهُ يَحْرُمُ عَلى غَيْرِهِ تَزَوُّجُها مِن بَعْدِهِ؛ لِأنَّهُنَّ أزْواجُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأُمَّهاتُ المُؤْمِنِينَ، واخْتَلَفُوا فِيمَن دَخَلَ بِها ثُمَّ طَلَّقَها في حَياتِهِ؛ هَلْ يَحِلُّ لِغَيْرِهِ أنْ يَتَزَوَّجَها؟ عَلى قَوْلَيْنِ. مَأْخَذُهُما هَلْ دَخَلَتْ هَذِهِ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أمْ لا؟ فَأمّا مَن تَزَوَّجَها ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها، فَما نَعْلَمُ في حِلِّها لِغَيْرِهِ، والحالَةُ هَذِهِ نِزاعًا، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
تَنْبِيهٌ:
فِي (الإكْلِيلِ): هَذِهِ آيَةُ الحِجابِ الَّتِي أمَرَ بِها أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، بَعْدَ أنْ كانَ النِّساءُ لا يَحْتَجِبْنَ، وفِيها جَوازُ سَماعِ كَلامِهِنَّ ومُخاطَبَتِهِنَّ، وفِيها تَحْرِيمُ أذى النَّبِيِّ ﷺ بِسائِرِ وُجُوهِ الأذى. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ آيَةُ الحِجابِ؛ وفِيها أحْكامٌ، وآدابٌ شَرْعِيَّةٌ، وهي مِمّا وافَقَ تَنْزِيلُها قَوْلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَما رَوى البُخارِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ««يا رَسُولَ اللَّهِ! يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ. فَلَوْ أمَرْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجابِ!» فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجابِ».
وكانَ يَقُولُ لَوْ أطاعَ فِيكُنَّ، ما رَأتْكُنَّ عَيْنٌ. وكانَ وقْتُ نُزُولِها في صَبِيحَةِ عُرْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، الَّتِي تَوَلّى اللَّهُ تَزْوِيجَها بِنَفْسِهِ تَعالى، وكانَ ذَلِكَ في ذِي القِعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ الخامِسَةِ، في قَوْلِ قَتادَةَ والواقِدِيِّ وغَيْرِهِما. وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى، وخَلِيفَةُ بْنُ خَيّاطٍ، أنَّ ذَلِكَ كانَ في سَنَةِ ثَلاثٍ. فاللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٤٨٩٥)ورَوى البُخارِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، دَعا القَوْمَ فَطَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَإذا هو يَتَهَيَّأُ لِلْقِيامِ فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قامَ، فَلَمّا قامَ، قامَ مَن قامَ، وقَعَدَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَدْخُلَ فَإذا القَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إنَّهم قامُوا فانْطَلَقُوا، فَجِئْتُ فَأخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أنَّهم قَدِ انْطَلَقُوا. فَجاءَ حَتّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أدْخُلَ، فَألْقى الحِجابَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيَةَ».
ورَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا والنَّسائِيُّ.
وعَنْ أنَسٍ أيْضًا قالَ: «بُنِيَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، بِخُبْزٍ ولَحْمٍ، فَأُرْسِلْتُ عَلى الطَّعامِ داعِيًا، فَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ ويَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ ويَخْرُجُونَ فَدَعَوْتُ حَتّى ما أجِدُ أحَدًا أدْعُو. فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما أجِدُ أحَدًا أدْعُوهُ. قالَ: «ارْفَعُوا طَعامَكم» . وبَقِيَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ في البَيْتِ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فانْطَلَقَ إلى حُجْرَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقالَ: «السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ» . قالَتْ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ. كَيْفَ وجَدْتَ أهْلَكَ؟ يا رَسُولَ اللَّهِ! بارَكَ اللَّهُ لَكَ.
فَتَقَرّى حُجَرَ نِسائِهِ كُلِّهِنَّ. يَقُولُ لَهُنَّ كَما يَقُولُ لِعائِشَةَ، ويَقُلْنَ لَهُ كَما قالَتْ عائِشَةُ. ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ فَإذا ثَلاثَةُ رَهْطٍ في البَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ -وكانَ النَّبِيُّ ﷺ شَدِيدَ الحَياءِ- فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نَحْوَ حُجْرَةِ عائِشَةَ. فَما أدْرِي آخْبَرَتْهُ أوْ أُخْبِرَ، أنَّ القَوْمَ خَرَجُوا. فَرَجَعَ، حَتّى إذا وضَعَ رِجْلَهُ في أُسْكُفَّةِ البابِ داخِلَةً، والأُخْرى خارِجَةٌ، أرْخى السِّتْرَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، وأُنْزِلَتْ آيَةُ الحِجابِ». انْفَرَدَ بِهِ البُخارِيُّ، وأخْرَجَ نَحْوَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ؛ كَما بَسَطَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. (p-٤٨٩٦)قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ): قالَ عِياضٌ: فُرِضَ الحِجابِ مِمّا اخْتَصَصْنَ بِهِ، فَهو فُرِضَ عَلَيْهِنَّ بِلا خِلافٍ، في الوَجْهِ والكَفَّيْنِ، فَلا يَجُوزُ لَهُنَّ كَشْفُ ذَلِكَ في شَهادَةٍ ولا غَيْرِها، ولا إظْهارُ شُخُوصِهِنَّ وإنْ كُنَّ مُسْتَتِراتٍ، إلّا ما دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ مِن بِرازٍ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِما في (المُوَطَّأِ) أنَّ حَفْصَةَ لَمّا تُوُفِّيَ عُمَرُ سَتَرَها النِّساءُ عَنْ أنْ يُرى شَخْصُها، وأنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ جُعِلَتْ لَها القُبَّةُ فَوْقَ نَعْشِها يُسْتَرُ شَخْصُها. انْتَهى.
ولَيْسَ فِيما ذَكَرَهُ دَلِيلٌ عَلى ما ادَّعاهُ مِن فَرْضِ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ، وقَدْ كُنَّ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَحْجُجْنَ ويَطُفْنَ، وكانَ الصَّحابَةُ ومَن بَعْدَهم يَسْمَعُونَ مِنهُنَّ الحَدِيثَ، وهُنَّ مُسْتَتِراتُ الأبْدانِ لا الأشْخاصُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَجِّ قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ لِعَطاءٍ، لَمّا ذَكَرَ لَهُ طَوافَ عائِشَةَ: أقَبْلَ الحِجابِ أوْ بَعْدَهُ؟ قالَ قَدْ أدْرَكْتُ ذَلِكَ بَعْدَ الحِجابِ. انْتَهى.
ومِمّا يُؤَيِّدُهُ ما رَواهُ البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. قالَتْ: «خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَ ما ضُرِبَ الحِجابُ لِحاجَتِها، وكانَتِ امْرَأةً جَسِيمَةً، لا تَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُها. فَرَآها عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ. فَقالَ: يا سَوْدَةُ ! أما واللَّهِ! ما تَخْفَيْنَ عَلَيْنا. فانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ. قالَتْ: فانْكَفَأتْ راجِعَةً، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَيْتِي، وإنَّهُ لَيَتَعَشّى وفي يَدِهِ عَرَقٌ، فَدَخَلَتْ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حاجَتِي، فَقالَ لِي عُمَرُ كَذا وكَذا. قالَتْ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ عَنْهُ، وإنَّ العَرَقَ في يَدِهِ ما وضَعَهُ، فَقالَ: إنَّهُ قَدْ أذِنَ لَكُنَّ أنْ تَخْرُجْنَ لِحاجَتِكُنَّ».
قالَ الكِرْمانِيُّ: فَإنْ قُلْتَ وقَعَ هُنا أنَّهُ كانَ بَعْدَ ما ضُرِبَ الحِجابُ وفي الوُضُوءِ -أيْ: مِنَ البُخارِيِّ - أنَّهُ كانَ قَبْلَ الحِجابِ. فالجَوابُ لَعَلَّهُ وقَعَ مَرَّتَيْنِ.
(p-٤٨٩٧)قالَ ابْنُ حَجَرٍ: قُلْتُ بَلِ المُرادُ بِالحِجابِ الأوَّلِ غَيْرُ الحِجابِ الثّانِي.
والحاصِلُ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقَعَ في قَلْبِهِ نَفْرَةٌ مِنِ اطِّلاعِ الأجانِبِ عَلى الحَرِيمِ النَّبَوِيِّ، حَتّى صَرَّحَ بِقَوْلِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: احْجُبْ نِساءَكَ، وأكَّدَ ذَلِكَ إلى أنْ نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ، ثُمَّ قَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ لا يُبْدِينَ أشْخاصَهُنَّ أصْلًا، ولَوْ كُنَّ مُسْتَتِراتٍ، فَبالَغَ في ذَلِكَ فَمُنِعَ مِنهُ، وأُذِنَ لَهُنَّ في الخُرُوجِ لِحاجَتِهِنَّ، دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ، ورَفْعًا لِلْحَرَجِ، انْتَهى بِحُرُوفِهِ. وإنَّما نَقَلْنا الجَمْعَ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ، مَعَ أنَّ الأمَسَّ بِهِ شَرْحُ الصَّحِيحِ، لِما اتَّفَقَ مِن نَقْلِ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إحْدى الرِّوايَتَيْنِ ونَقْلِ آخَرِينَ الثّانِيَةَ، مِمّا يُوقِعُ الواقِفَ في شُبْهَةِ الِاخْتِلافِ، فَآثَرْنا تَوْسِيعَ الكَلامِ لِتَدْقِيقِ المَقامِ. زادَنا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عِلْمًا، إنَّهُ هو العَلِيمُ العَلّامُ.
ثُمَّ يُبَيِّنُ تَعالى مَن لا يَجِبُ الِاحْتِجابُ مِنهم مِنَ الأقارِبِ، بِقَوْلِهِ:
33:55Page 426
لَّا جُنَاحَ عَلَيۡهِنَّ فِيٓ ءَابَآئِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآئِهِنَّ وَلَآ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ أَخَوَٰتِهِنَّ وَلَا نِسَآئِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّۗ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٥٥
There is no blame upon them [i.e., women] concerning their fathers or their sons or their brothers or their brothers' sons or their sisters' sons or their women or those their right hands possess [i.e., slaves].1 And fear Allāh. Indeed Allāh is ever, over all things, Witness.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥٥] ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ واتَّقِينَ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ .
﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ﴾ أيْ: لا حَرَجَ ولا إثْمَ عَلَيْهِنَّ، في أنْ لا يَحْتَجِبْنَ مِن هَؤُلاءِ المُسَمِّينَ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وعُنِيَ بِـ: (إخْوانُهُنَّ وأبْناءُ إخْوانِهِنَّ)؛ وإخْوَتُهُنَّ، وأبْناءُ إخْوَتِهِنَّ، وخَرَجَ مَعَهم جَمْعُ ذَلِكَ، مَخْرَجَ جَمْعِ فَتى إذا جُمِعَ: (فِتْيانٌ)، فَكَذَلِكَ جَمْعُ أخٍ إذا جُمِعَ: (إخْوانُ)، وأمّا إذا جُمِعَ إخْوَةٌ فَذَلِكَ نَظِيرُ جَمْعِ فَتى إذا جُمِعَ (فِتْيَةٌ).
(p-٤٨٩٨)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ- قِيلَ: إنَّما لَمْ يُذْكَرِ العَمُّ والخالُ، لِأنَّهُما بِمَنزِلَةِ الوالِدَيْنِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ العَمُّ أيْضًا أبًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] أوْ لِأنَّهُ اكْتَفى عَنْ ذِكْرِهِما بِذِكْرِ أبْناءِ الإخْوَةِ، وأبْناءِ الأخَواتِ، فَإنَّ مَناطَ عَدَمِ لُزُومِ الِاحْتِجابِ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، عَيْنُ ما بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ العَمِّ والخالِ مِنَ العُمُومَةِ والخُؤُولَةِ؛ لِما أنَّهُنَّ عَمّاتٌ لِأبْناءِ الإخْوَةِ، وخالاتٌ لِأبْناءِ الأخَواتِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ كَرِهَ تَرْكَ الِاحْتِجابِ مِنهُما؛ مَخافَةَ أنْ يَصِفاهُنَّ لِأبْنائِهِما.
وهُوَ رَأْيُ عِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ، كَما أخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ لَهُما: ما شَأْنُ العَمِّ والخالِ لَمْ يُذْكَرا؟ قالا: لِأنَّهُما يَنْعَتانِها لِأبْنائِهِما. وكَرِها أنْ تَضَعَ خِمارَها عِنْدَ خالِها وعَمِّها.
قالَ الشِّهابُ: لَكِنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِ، إنَّ هَذِهِ العِلَّةَ، وهو احْتِمالُ أنْ يَصِفا لِأبْنائِهِما وهُما يَجُوزُ لَهُما التَّزَوُّجُ بِها، جارٍ في النِّساءِ كُلِّهِنَّ، مِمَّنْ لَمْ يَكُنَّ أُمَّهاتٍ مَحارِمَ. فَيَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلى الأوَّلِ. انْتَهى.
والتَّحْقِيقُ في رَدِّهِ ما رَواهُ البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتِ: «اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أفْلَحُ أخُو أبِي القُعَيْسِ، بَعْدَ ما أُنْزِلَ الحِجابُ، فَقُلْتُ: لا آذَنُ لَهُ حَتّى أسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ. فَإنَّ أخاهُ أبا القُعَيْسِ لَيْسَ هو أرْضَعَنِي، ولَكِنْ أرْضَعَتْنِي امْرَأةُ أبِي القُعَيْسِ. فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ، فَقُلْتُ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أفْلَحَ أخا أبِي القُعَيْسِ (p-٤٨٩٩)اسْتَأْذَنَ. فَأبَيْتُ أنْ آذَنَ حَتّى أسْتَأْذِنَكَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وما مَنَعَكِ أنْ تَأْذَنِي؟ عَمُّكِ» . قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هو أرْضَعَنِي، لَكِنْ أرْضَعَتْنِي امْرَأةُ أبِي القُعَيْسِ، فَقالَ: «ائْذَنِي لَهُ فَإنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ»» .
قالَ عُرْوَةُ: فَلِذَلِكَ كانَتْ عائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضاعَةِ ما تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ. انْتَهى. فَبِقَوْلِهِ ﷺ: ««ائْذَنِي لَهُ فَإنَّهُ عَمُّكِ»» مَعَ قَوْلِهِ في الحَدِيثِ الآخَرِ ««العَمُّ صِنْوُ الأبِ»» يَرُدُّ عَلى عِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ.
الثّانِي- قِيلَ: أُرِيدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا نِسائِهِنَّ﴾ المُسْلِماتِ، حَتّى لا يَجُوزَ لِلْكِتابِيّاتِ الدُّخُولُ عَلى أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وقِيلَ هو عامٌّ في المُسْلِماتِ والكِتابِيّاتِ. وإنَّما قالَ: ﴿ولا نِسائِهِنَّ﴾ لِأنَّهُنَّ مِن أجْناسِهِنَّ.
الثّالِثُ- اسْتَدَلَّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ عَبْدَ المَرْأةِ مَحْرَمٌ لَها. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ كالأجانِبِ. والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالإماءِ دُونَ العَبِيدِ، وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ في سُورَةِ النُّورِ.
الرّابِعُ- قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ الحَسَنُ والحُسَيْنُ بِعَدَمِ ذِكْرِ أبْناءِ العُمُومَةِ فِيها، عَلى تَحْرِيمِ نَظَرِهِما إلَيْهِنَّ، فَكانا لا يَدْخُلانِ عَلَيْهِنَّ: ﴿واتَّقِينَ اللَّهَ﴾ أيْ: أنْ تَتَعَدَّيْنَ ما حَدَّ لَكُنَّ، فَتُبْدِينَ مِن زِينَتِكُنَّ ما لَيْسَ لَكُنَّ، أوْ تَتْرُكْنَ الحِجابَ فَيَراكُنَّ أحَدٌ غَيْرُ هَؤُلاءِ. وقالَ الرّازِيُّ: أيْ: واتَّقِينَهُ عِنْدَ المَمالِيكِ. قالَ: فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّكَشُّفَ لَهم مَشْرُوطٌ بِشَرْطِ السَّلامَةِ والعِلْمِ بِعَدَمِ المَحْذُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا" أيْ: فَهو (p-٤٩٠٠)شاهِدٌ عَلى ما تَفْعَلْنَهُ مِنِ احْتِجابِكُنَّ وتَرْكِكُنَّ الحِجابَ لِمَن أُبِيحَ لَكُنَّ تَرْكُهُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أُمُورِكُنَّ، فاحْذَرْنَ أنْ تَلْقَيْنَهُ، وهو شاهِدٌ عَلَيْكُنَّ بِمَعْصِيَتِهِ، وخِلافِ أمْرِهِ، ونَهْيِهِ، فَتَهْلَكْنَ. قالَ الرّازِيُّ: هَذا التَّذْلِيلُ في غايَةِ الحُسْنِ في هَذا المَوْضِعِ، لِأنَّ ما سَبَقَ إشارَةٌ إلى جَوازِ الخَلْوَةِ بِهِمْ والتَّكَشُّفِ لَهُمْ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ شاهِدٌ عِنْدَ اخْتِلاءِ بَعْضِكم بِبَعْضٍ، فَخَلْوَتُكم مِثْلُ مِلَّتِكم بِشَهادَةِ اللَّهِ تَعالى فاتَّقُوا. انْتَهى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences