Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:115–124, continued
والصَّوابُ طَرِيقَةُ السَّلَفِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإجْماعَ إذا خالَفَهُ نَصٌّ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَعَ الإجْماعِ نَصٌّ مَعْرُوفٌ بِهِ أنَّ ذاكَ مَنسُوخٌ، فَأمّا أنْ يَكُونَ النَّصُّ المُحْكَمُ قَدْ ضَيَّعَتْهُ الأُمَّةُ وحَفِظَتِ النَّصَّ المَنسُوخَ - فَهَذا لا يُوجَدُ قَطُّ، وهو نِسْبَةُ الأُمَّةِ إلى حِفْظِ ما نُهِيَتْ عَنِ اتِّباعِهِ وإضاعَةِ ما أُمِرَتْ بِاتِّباعِهِ، وهي مَعْصُومَةٌ عَنْ ذَلِكَ.
ومَعْرِفَةُ الإجْماعِ قَدْ تَتَعَذَّرُ كَثِيرًا أوْ غالِبًا، فَمَنِ الَّذِي يُحِيطُ بِأقْوالِ المُجْتَهِدِينَ؟ بِخِلافِ النُّصُوصِ، فَإنَّ مَعْرِفَتَها مُمْكِنَةٌ مُتَيَسِّرَةٌ، وهم إنَّما كانُوا يَقْضُونَ بِالكِتابِ أوَّلًا؛ لِأنَّ السُّنَّةَ لا تَنْسَخُ الكِتابَ، فَلا يَكُونُ في القُرْآنِ شَيْءٌ مَنسُوخٌ بِالسُّنَّةِ، بَلْ إنَّ كانَ فِيهِ مَنسُوخٌ كانَ في القُرْآنِ ناسِخُهُ، فَلا يُقَدَّمُ غَيْرُ القُرْآنِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إذا لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ طَلَبَهُ في السُّنَّةِ، ولا يَكُونُ في السُّنَّةِ شَيْءٌ مَنسُوخٌ إلّا والسُّنَّةُ نَسَخَتْهُ، لا يَنْسَخُ السُّنَّةَ إجْماعٌ ولا غَيْرُهُ، ولا تُعارَضُ السُّنَّةُ بِإجْماعٍ وأكْثَرِ ألْفاظِ الآثارِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فالطّالِبُ قَدْ لا يَجِدُ مَطْلُوبَهُ في السُّنَّةِ مَعَ أنَّهُ فِيها، وكَذَلِكَ (p-١٥٦٣)فِي القُرْآنِ، فَيَجُوزُ لَهُ إذا لَمْ يَجِدْهُ في القُرْآنِ أنْ يَطْلُبَهُ في السُّنَّةِ، وإذا كانَ في السُّنَّةِ لَمْ يَكُنْ ما في السُّنَّةِ مُعارِضًا لِما في القُرْآنِ، وكَذَلِكَ الإجْماعُ الصَّحِيحُ لا يُعارِضُ كِتابًا ولا سُنَّةً. انْتَهى كَلامُهُ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ.
4:116Page 97
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١١٦
Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly gone far astray.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [١١٦]
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ مُطَوَّلًا، قالُوا: تَكْرِيرُها إمّا تَأْكِيدًا وتَشْدِيدًا أوْ لِتَكْمِيلِ قِصَّةَ طُعْمَةَ، وقَدْ مَرَّ مَوْتُهُ كافِرًا.
أوْ: إنَّ لَها سَبَبًا آخَرَ في النُّزُولِ، عَلى ما رَواهُ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ شَيْخٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: إنِّي شَيْخٌ مُنْهَمِكٌ في الذُّنُوبِ، إلّا أنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا مُنْذُ عَرَفْتُهُ وآمَنتُ بِهِ، ولَمْ أتَّخِذْ مِن دُونِهِ ولِيًّا، ولَمْ أُوقِعِ المَعاصِيَ جَراءَةً، وما تَوَهَّمْتُ طَرْفَةَ عَيْنٍ أنِّي أُعْجِزُ اللَّهَ هَرَبًا، وإنِّي لَنادِمٌ تائِبٌ، فَما تَرى حالِي عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؟ فَنَزَلَتْ».
واسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمُ الوَجْهَ الأخِيرَ قالَ: لِأنَّ التَّأْكِيدَ - مَعَ بُعْدِ عَهْدِهِ - لا يَقْتَضِي تَخَصُّصَ هَذا المَوْضِعِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُخَصِّصٍ.
وأغْرَبَ المَهايِمِيُّ حَيْثُ جَعَلَها مُشِيرَةً إلى شِقَّيِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، حَيْثُ قالَ: ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ وعِيدَ مُشاقَّةِ الرَّسُولِ جازِمٌ دُونَ مُخالَفَةِ الإجْماعِ؛ لِأنَّ مُشاقَّةَ الرَّسُولِ دَلِيلُ تَكْذِيبِهِ، وهو مُسْتَلْزِمٌ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ، إذْ خَلْقُ المُعْجِزاتِ لا يَكُونُ إلّا لِكامِلِ القُدْرَةِ، ولا يَكُونُ إلّا لِإلَهٍ، فَإذا نَفاها عَنِ اللَّهِ فَقَدْ أثْبَتَ لَهُ شَرِيكًا، وأنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ. ومُخالَفَةُ الإجْماعِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَغْفُورَةً؛ لِأنَّهُ يَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ، إذْ لا تَنْتَهِي إلى الشِّرْكِ. وكُلُّ هَذِهِ المُناسَباتِ دالَّةٌ - دُونَ ذَلِكَ قَطْعًا - عَلى دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، عَلى أنَّ ما سِوى الشِّرْكِ مَغْفُورٌ قَطْعًا، سَواءٌ حَصَلَتِ التَّوْبَةُ أوْ لَمْ تَحْصُلْ.
(p-١٥٦٤)وقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أحَبُّ إلَيَّ مِن هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ، فَإنَّ الشِّرْكَ أعْظَمُ أنْواعِ الضَّلالَةِ وأبْعَدُها عَنِ الصَّوابِ والِاسْتِقامَةِ، وإنَّما ذُكِرَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فَقَدِ افْتَرى﴾ [النساء: ٤٨] لِأنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقِصَّةِ أهْلِ الكِتابِ، ومَنشَأُ شِرْكِهِمْ كانَ نَوْعَ افْتِراءٍ، وهو دَعْوى التَّبَنِّي عَلى اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] قالَهُ القاضِي.
وفِي (السَّمِينِ): خُتِمَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدِ افْتَرى﴾ [النساء: ٤٨] وهَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ لِأنَّ الأُولى في شَأْنِ أهْلِ الكِتابِ وهم عِنْدَهم عِلْمٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وأنَّ شَرِيعَتَهُ ناسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كابَرُوا في ذَلِكَ وافْتَرَوْا عَلى اللَّهِ، وهَذِهِ في شَأْنِ قَوْمٍ مُشْرِكِينَ لَيْسَ لَهم كِتابٌ ولا عِنْدَهم عِلْمٌ، فَناسَبَ وصْفَهم بِالضَّلالِ، وأيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ هُنا ذِكْرُ الهُدى وهو ضِدُّ الضَّلالِ. انْتَهى.
4:117Page 97
إِن يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثٗا وَإِن يَدۡعُونَ إِلَّا شَيۡطَٰنٗا مَّرِيدٗا ١١٧
They call upon instead of Him none but female [deities], and they [actually] call upon none but a rebellious Satan,
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [١١٧]
﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ ما يَعْبُدُ مُشْرِكُو مَكَّةَ ونَحْوُهم مِن دُونِ اللَّهِ ﴿إلا إناثًا﴾ قالَ الرّازِيُّ: (يَدْعُونَ) بِمَعْنى (يَعْبُدُونَ) لِأنَّ مَن عَبَدَ شَيْئًا فَإنَّهُ يَدْعُوهُ عِنْدَ احْتِياجِهِ إلَيْهِ. انْتَهى.
وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأصْحابُ السُّنَنِ وغَيْرُهُمْ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ (p-١٥٦٥)أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الدُّعاءَ هو العِبادَةُ» ورَواهُ أبُو يَعْلى عَنِ البَراءِ، ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ بِلَفْظِ: «الدُّعاءَ مُخُّ العِبادَةِ» .
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا إناثًا﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: يَعْنِي أوْثانًا، وعَلَيْهِ فَمَرْجِعُ التَّسْمِيَةِ بِالإناثِ كَوْنُ أسْماءِ غالِبِها مُؤَنَّثَةً، كَمَناةَ والعُزّى واللّاتِ ونَحْوِها؛ ولِأنَّهم كانُوا يُلْبِسُونَها أنْواعَ الحُلِيِّ ويُزَيِّنُونَها عَلى هَيْئاتِ النِّسْوانِ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٍ، وأبِي مالِكٍ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ نَحْوُ ما لِعائِشَةَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ عَنى المَلائِكَةَ؛ لِأنَّ بَعْضَهم كانَ يَعْبُدُ المَلائِكَةَ، ويَقُولُونَ عَنْها: بَناتُ اللَّهِ.
رَوى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ: قالَ المُشْرِكُونَ لِلْمَلائِكَةِ: بَناتُ اللَّهِ، وإنَّما نَعْبُدُهم لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى. قالَ: فاتَّخَذُوهُنَّ أرْبابًا وصَوَّرُوهُنَّ جِوارِيَ فَحَكَوْا وقَلَّدُوا وقالُوا: هَؤُلاءِ يُشْبِهْنَ بَناتِ اللَّهِ الَّذِي نَعْبُدُهُ، يَعْنُونُ المَلائِكَةَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا التَّفْسِيرُ شَبِيهٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] [النَّجْمِ: ٢٧] الآياتِ، وقالَ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] [الزُّخْرُفِ: ١٩].... الآيَةَ، وقالَ: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] [الصّافّاتِ: ١٣٧] انْتَهى.
وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢٧]
(p-١٥٦٦)الوَجْهُ الثّالِثُ: ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في الآيَةِ قالَ: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ.
الرّابِعُ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ والضَّحّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: إناثًا يَعْنِي مَوْتى، قالَ الحَسَنُ: الإناثُ كُلُّ شَيْءٍ مَيِّتٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ، إمّا خَشَبَةٌ يابِسَةٌ وإمّا حَجَرٌ يابِسٌ. رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ.
وفِي "القامُوسِ وشَرْحِهِ": الإناثُ جَمْعُ الأُنْثى، وهو خِلافُ الذَّكَرِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، والمَواتُ الَّذِي هو خِلافُ الحَيَوانِ، كالشَّجَرِ والحَجَرِ والخَشَبِ، عَنِ اللِّحْيانِي. وعَنِ الفَرّاءِ: تَقُولُ العَرَبُ: اللّاتُ والعُزّى وأشْباهُهُما مِنَ الآلِهَةِ المُؤَنَّثَةِ. انْتَهى.
وقالَ الإمامُ أبُو البَقاءَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا إناثًا﴾ هو جَمْعُ أُنْثى عَلى (فِعالٍ) ويُرادُ بِهِ كُلُّ ما لا رُوحٌ فِيهِ مِن صَخْرَةٍ وشَمْسٍ ونَحْوِهِما.
ويُقْرَأُ (أُنْثى) عَلى الإفْرادِ، ودَلَّ الواحِدُ عَلى الجَمْعِ.
ويُقْرَأُ (أُنُثًا) مِثْلَ رُسُلٍ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً مُفْرَدَةً مِثْلَ: "امْرَأةٌ جُنُبٌ" ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ أنِيثٍ كَقَلِيبٍ وقُلُبٍ، وقَدْ قالُوا: "حَدِيدٌ أنِيثٌ" مِن هَذا المَعْنى.
ويُقْرَأُ (أُثُنًا) والواحِدُ وثَنٌ وهو الصَّنَمُ وأصْلُهُ وثَنٌ، في الجَمْعِ كَما في الواحِدِ، إلّا أنَّ الواوَ قُلِبَتْ هَمْزَةً لَمّا انْضَمَّتْ ضَمًّا لازِمًا وهو مِثْلُ: (أسَدٍ وأُسُدٍ) ويُقْرَأُ بِالواوِ عَلى الأصْلِ جَمْعًا، ويُقْرَأُ بِسُكُونِ الثّاءِ مَعَ الهَمْزَةِ والواوِ. انْتَهى.
قالَ البَيْضاوِيُّ: ولَعَلَّهُ تَعالى ذَكَرَها بِهَذا الِاسْمِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم يَعْبُدُونَ ما يُسَمُّونَهُ إناثًا؛ لِأنَّهُ يَنْفَعِلُ ولا يَفْعَلُ، ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ فاعِلًا غَيْرَ مُنْفَعِلٍ؛ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى تَناهِي جَهْلِهِمْ وفَرْطِ حَماقَتِهِمْ.
﴿وإنْ يَدْعُونَ﴾ أيْ: ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴿إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ وهو إبْلِيسُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - لِطاعَتِهِمْ لَهُ في عِبادَتِها، وإذا أطاعُوهُ فِيما سَوَّلَ لَهم فَقَدْ عَبَدُوهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠] [يس: ٦٠] وقالَ تَعالى: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١] [سَبَأٍ: ٤١] والمَرِيدُ المُتَمَرِّدُ العاتِي الطّاغِي.
4:118Page 97
لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ١١٨
Whom Allāh has cursed. For he had said, "I will surely take from among Your servants a specific portion.
(p-١٥٦٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [١١٨]
﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ (شَيْطانًا) أيْ: أبْعَدَهُ اللَّهُ عَنْ رَحْمَتِهِ، فَأرادَ إبْعادَ مَن أُبْعِدَ بِسَبَبِهِ ﴿وقالَ﴾ حِينَ أُبْعِدَ: ﴿لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أبْعَدْتَنِي بِسَبَبِهِمْ، أيْ: لَأجْعَلَنَّ لِي مِنهم ﴿نَصِيبًا﴾ أيْ: حَظًّا ﴿مَفْرُوضًا﴾ أيْ: مَقْطُوعًا ومُقَدَّرًا مِن عِبادَتِهِمْ بِأنْ يَعْبُدُوا غَيْرَكَ، أوْ يُراءُوا فِيها، أوْ يُعْجَبُوا بِها، أوْ يُتْلِفُوها في المَظالِمِ، أوْ يُحْبِطُوها بِالكُفْرِ بَعْدَها.
قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ﴾ إلَخْ .. عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ: أيْ: شَيْطانًا مَرِيدًا جامِعًا بَيْنَ لَعْنَةِ اللَّهِ وهَذا القَوْلِ الشَّنِيعِ الصّادِرِ عَنْهُ عِنْدَ اللَّعْنِ.
ولَقَدْ بَرْهَنَ عَلى أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ غايَةُ الضَّلالِ بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ بِأنَّ ما يَعْبُدُونَها يَنْفَعِلُ ولا يَفْعَلُ فِعْلًا اخْتِيارِيًّا، وذَلِكَ يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ غايَةَ المُنافاةِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ ذَلِكَ عِبادَةٌ لِلشَّيْطانِ وهو أفْظَعُ الضَّلالِ مِن وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ لا يَكادُ يَعْلَقُ بِشَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ والهُدى، فَتَكُونُ طاعَتُهُ ضَلالًا بَعِيدًا عَنِ الحَقِّ.
والثّانِي: أنَّهُ مَلْعُونٌ لِضَلالِهِ، فَلا تَسْتَتْبِعُ مُطاوَعَتُهُ سِوى اللَّعْنِ والضَّلالِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ في غايَةِ السَّعْيِ في إهْلاكِهِمْ وإضْلالِهِمْ، فَمُوالاةُ مَن هَذا شَأْنُهُ غايَةُ الضَّلالِ، فَضْلًا عَنْ عِبادَتِهِ.
4:119Page 97
وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا ١١٩
And I will mislead them, and I will arouse in them [sinful] desires, and I will command them so they will slit the ears of cattle, and I will command them so they will change the creation of Allāh." And whoever takes Satan as an ally instead of Allāh has certainly sustained a clear loss.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهم ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ [١١٩]
﴿ولأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أيْ: عَنِ الهُدى ﴿ولأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أيِ: الأمانِيَّ الباطِلَةَ مِن طُولِ الأعْمارِ وبُلُوغِ الآمالِ، قالَ الرّازِيُّ: إنَّ الشَّيْطانَ لَمّا ادَّعى أنَّهُ يُضِلُّ الخَلْقَ قالَ: ﴿ولأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ (p-١٥٦٨)وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا حِيلَةَ لَهُ في الإضْلالِ أقْوى مِنَ الأمانِيِّ في قُلُوبِ الخَلْقِ، وطَلَبِ ما يُورِثُ شَيْئَيْنِ: الحِرْصَ والأمَلَ، والحِرْصُ والأمَلُ يَسْتَلْزِمُ أكْثَرَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، وهُما كالأمْرَيْنِ اللّازِمَيْنِ لِجَوْهَرِ الإنْسانِ، قالَ ﷺ: «يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ ويَشِبُّ مَعَهُ اثْنَتانِ: الحِرْصُ والأمَلُ» .
والحِرْصُ يَسْتَلْزِمُ رُكُوبَ أهْوالِ الدُّنْيا وأهْوالِ الدِّينِ، فَإنَّهُ إذا اشْتَدَّ حِرْصُهُ عَلى الشَّيْءِ فَقَدْ لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ إلّا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وإيذاءِ الخَلْقِ، وإذا طالَ أمَلُهُ نَسِيَ الآخِرَةَ وصارَ غَرِيقًا في الدُّنْيا، فَلا يَكادُ يَقْدَمُ عَلى التَّوْبَةِ ولا يَكادُ يُؤَثِّرُ فِيهِ الوَعْظُ فَيَصِيرُ قَلْبُهُ كالحِجارَةِ أوْ أشَدَّ قَسْوَةً.
﴿ولآمُرَنَّهُمْ﴾ أيْ: عَلى خِلافِ أمْرِكَ إضْلالًا لَهم ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ أيْ: فَلَيُقَطِّعُنَّها ويَشُقُّنَّها سِمَةً وعَلامَةً لِلْبَحائِرِ والسَّوائِبِ لِيُحَرِّمُوها بَعْدَما أحْلَلْتَها.
قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: التَّبْتِيكُ: هَهُنا هو قَطْعُ آذانِ البَحِيرَةِ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَشُقُّونَ آذانَ النّاقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا ثُمَّ تُسَيَّبُ، وحَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ الِانْتِفاعَ بِها، فَأعْفَوْا ظَهْرَها مِنَ الرُّكُوبِ والحَمْلِ والذَّبْحِ، ولا يَرُدُّونَها عَنْ ماءٍ ولا مَرْعًى، وإذا لَقِيَها المُعْيى المُنْقَطِعُ بِهِ لَمْ يَرْكَبْها، وسَوَّلَ لَهم إبْلِيسُ أنَّ هَذا قُرْبَةٌ وهي البَحِيرَةُ.
قالَ ابْنُ سِيدَهْ: بَحَرَ النّاقَةَ والشّاةَ يَبْحَرُها: شَقَّ أُذُنَها بِنِصْفَيْنِ، وقَلَّ بِنِصْفَيْنِ طُولًا.
﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ أيْ: دِينَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وكَثِيرِينَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] [الرُّومِ: ٣٠] عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ ذَلِكَ أمْرًا، أيْ: لا تُبَدِّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ، (p-١٥٦٩)ودَعُوا النّاسَ عَلى فِطْرَتِهِمْ.
كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ، كَما تُولَدُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ، هَلْ تَجِدُونَ بِها مِن جَدْعاءَ؟»
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِياضِ بْنِ حِمارٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: «إنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ فَجاءَتْهُمُ الشَّياطِينُ فاجْتالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم» .
(p-١٥٧٠)ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ الخُزاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ، وكانَ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ وبَحَرَ البَحِيرَةَ» .
ورَوى الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خِنْدَفَ، أبُو خُزاعَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ عَنى بِالآيَةِ خَصْيَ الدَّوابِّ، وقالَ أنَسٌ: مِنهُ الخَصا.
وقَدْ رَوى ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الإخْصاءِ.
ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا عَنْهُ بِلَفْظِ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ خِصاءِ الخَيْلِ والبَهائِمِ».
ورَوى الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «نَهى النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُخْصى أحَدٌ مِن ولَدِ آدَمَ».
ورَوى (p-١٥٧١)البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَبْرِ الرُّوحِ وخِصاءِ البَهائِمِ».
وقالَ الحَسَنُ: عَنى بِالآيَةِ الوَشْمَ (بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ) أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الوَشْمِ».
وفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «لَعَنَ اللَّهُ الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ والنّامِصاتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ قالَ: ألا ألْعَنُ مَن لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو في كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]»
قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": فَيُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ الخِصاءِ والوَشْمِ وما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ الوَصْلِ في الشَّعْرِ، والتَّفَلُّجِ: وهو تَفْرِيقُ الأسْنانِ، والتَّنْمِيصِ: وهو نَتْفُ الشَّعْرِ في الوَجْهِ. انْتَهى.
(p-١٥٧٢)قالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: ويُلْحَقُ بِالوَشْرِ ما يُفْعَلُ في الخَدِّ مِنَ الشُّرَطِ لِلزِّينَةِ.
وحَكى الزَّجّاجُ عَنْ بَعْضِهِمْ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأنْعامَ لِيَرْكَبُوها ويَأْكُلُوها، فَحَرَّمُوها عَلى أنْفُسِهِمْ كالبَحائِرِ والسَّوائِبِ والوَصائِلِ، وخَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّرَةً لِلنّاسِ يَنْتَفِعُونَ بِها، فَعَبَدَها المُشْرِكُونَ فَغَيَّرُوا خَلْقَ اللَّهِ، ولا يَخْفى أنَّ عُمُومَ الآيَةِ يَصْدُقُ عَلى جَمِيعِ المَعانِي؛ إذْ كُلُّها مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ، فَلا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلَيْها.
قالَ البَيْضاوِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ أيْ: عَنْ وجْهِهِ وصُورَتِهِ، أوْ صِفَتِهِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما قِيلَ مِن فَقْءِ عَيْنِ الحامِي، وخِصاءِ العَبِيدِ، والوَشْمِ والوَشْرِ، واللِّواطِ، والسَّحْقِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وعِبادَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وتَغْيِيرِ فِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي هي الإسْلامُ، واسْتِعْمالِ الجَوارِحِ والقُوى فِيما لا يَعُودُ عَلى النَّفْسِ كَمالًا، ولا يُوجِبُ لَها مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى زُلْفى. انْتَهى.
وهَذِهِ الجُمَلُ المَحْكِيَّةُ عَنِ اللَّعِينِ مِمّا نَطَقَ بِهِ لِسانُهُ مَقالًا أوْ حالًا، وما فِيها مِنَ (اللّاماتِ) كُلُّها لِلْقَسَمِ، والمَأْمُورُ بِهِ في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ؛ ثِقَةً بِدَلالَةِ النَّظْمِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ حَذَّرَ تَعالى عَنْ مُتابَعَتِهِ فَقالَ: ﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِإيثارِ ما يَدْعُو إلَيْهِ، مُجاوِزًا وِلايَةَ اللَّهِ بِتَرْكِ ما يَدْعُو إلَيْهِ ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ أيْ: بَيِّنًا لِمَصِيرِهِ إلى النّارِ المُؤَبَّدَةِ عَلَيْهِ.
4:120Page 97
يَعِدُهُمۡ وَيُمَنِّيهِمۡۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ١٢٠
He [i.e., Satan] promises them and arouses desire in them. But Satan does not promise them except delusion.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ [١٢٠]
﴿يَعِدُهُمْ﴾ بِأنَّهُمُ الفائِزُونَ ﴿ويُمَنِّيهِمْ﴾ أيْ: ما لا يَنالُونَهُ ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ باطِلًا وضَلالًا، وإيهامَ نَفْعٍ مِمّا لَيْسَ فِيهِ إلّا الضَّرَرُ.
4:121Page 97
أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنۡهَا مَحِيصٗا ١٢١
The refuge of those will be Hell, and they will not find from it an escape.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ [١٢١]
﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: أوْلِياءُ الشَّيْطانِ ﴿مَأْواهُمْ﴾ مَصِيرُهم ومَآلُهم يَوْمَ القِيامَةِ (p-١٥٧٣)﴿جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ مَعْدَلًا ومَفَرًّا.
4:122Page 98
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا ١٢٢
But the ones who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. [It is] the promise of Allāh, [which is] truth, and who is more truthful than Allāh in statement.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ السُّعَداءِ والأتْقِياءِ ومَآلَهم مِنَ الكَرامَةِ فَقالَ سُبْحانَهُ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ [١٢٢]
﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَّقَتْ قُلُوبُهم ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: عَمِلَتْ جَوارِحُهم بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الخَيْراتِ ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾ أيْ: مِن تَحْتِ غُرَفِها ومَساكِنِها ﴿الأنْهارُ﴾ أنْهارُ الخَمْرِ والماءِ واللَّبَنِ والعَسَلِ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ مُقِيمِينَ في الجَنَّةِ، لا يَمُوتُونَ ولا يُخْرَجُونَ مِنها ﴿أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ صِدْقًا واقِعًا لا مَحالَةَ، وكَيْفَ لا يَكُونُ وعْدُ اللَّهِ حَقًّا ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ وعْدًا وخْيَرًا، وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى النَّفْيِ، أيْ: لا أحَدَ أصْدَقُ مِنهُ قِيلًا، لا إلَهَ إلّا هو لا رَبَّ سِواهُ.
وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في خُطْبَتِهِ: «إنَّ أصْدَقَ الحَدِيثِ كَلامُ اللَّهِ، وخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُها، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وكُلَّ ضَلالَةٍ في النّارِ» .
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ مُعارَضَةُ المَواعِيدِ الشَّيْطانِيَّةِ الكاذِبَةِ لِقُرَنائِهِ بِوَعْدِ اللَّهِ الصّادِقِ لِأوْلِيائِهِ، والمُبالِغَةُ في تَوْكِيدِهِ؛ تَرْغِيبًا لِلْعِبادِ في تَحْصِيلِهِ، و(القِيلُ) مَصْدَرٌ، كالقالِ والقَوْلِ.
4:123Page 98
لَّيۡسَ بِأَمَانِيِّكُمۡ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِۗ مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٢٣
It [i.e., Paradise] is not [obtained] by your wishful thinking nor by that of the People of the Scripture. Whoever does a wrong will be recompensed for it, and he will not find besides Allāh a protector or a helper.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [١٢٣]
﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى شَهَواتِكم وأمانِيِّكم أيُّها المُشْرِكُونَ أنْ تَنْفَعَكُمُ الأصْنامُ ﴿ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ ولا عَلى شَهَواتِ اليَهُودِ والنَّصارى حَيْثُ قالُوا: (p-١٥٧٤)﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] [المائِدَةِ: ١٨] ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] [البَقَرَةِ: ٨٠] .
﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ وهَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ:
4:124Page 98
وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا ١٢٤
And whoever does righteous deeds, whether male or female, while being a believer - those will enter Paradise and will not be wronged, [even as much as] the speck on a date seed.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [١٢٤]
﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، و(مِنَ) الأُولى زائِدَةٌ عِنْدَ الأخْفَشِ، وصِفَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، أيْ: شَيْئًا مِنَ الصّالِحاتِ ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ أيْ: لا يُنْقَصُ مِن حَسَناتِهِمْ قَدْرُ نَقِيرٍ، وهو النُّقْرَةُ الَّتِي عَلى ظَهْرِ النَّواةِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ في نَفْيِ الظُّلْمِ، ووَعْدٌ بِتَوْفِيَةِ جَزاءِ أعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ، والرّاجِعُ فِي: " ولا يُظْلِمُونَ " لِعُمّالِ السُّوءِ وعُمّالِ الصّالِحاتِ جَمِيعًا، وجازَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ عِنْدَ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ دَلِيلًا عَلى ذِكْرِهِ عِنْدَ الآخَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ بَعْدَ ذِكْرِ تَمَنِّي أهْلِ الكِتابِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] [البَقَرَةِ: ٨١] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٨٢] عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]
* *
(p-١٥٧٥)تَنْبِيهٌ:
ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ [النساء: ١٢٣] لِلْمُشْرِكِينَ وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ [النساء: ١٢٣] أيْ: مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ - هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الآيَةِ ونَظْمُها الكَرِيمُ كَما بَيَّنّا.
ورَواهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والحَسَنِ، قالَ الأوَّلانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: (السُّوءُ) هَهُنا هو الشِّرْكُ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ [النساء: ١٢٣] هو الكافِرُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾ [سبإ: ١٧]
ولَمّا كانَ لِعُمُومِ هَذا الخِطابِ رَوْعَةٌ، وأيُّ رَوْعَةٍ، أشْفَقَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ لِأجْلِهِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ شَقَّ ذَلِكَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ قالَ: أُخْبِرْتُ «أنَّ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الفَلاحُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فَكُلُّ سُوءٍ عَمِلْنا جُزِينا بِهِ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يا أبا بَكْرٍ، ألَسْتَ تَمْرَضُ ؟ ألَسْتَ تَنْصَبُ؟ ألَسْتَ تَحْزَنُ؟ ألَسْتَ تُصِيبُكَ اللَّأْواءُ قالَ: بَلى، قالَ: هو مِمّا تُجْزَوْنَ بِهِ»
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَدِّدُوا وقارِبُوا، فَإنَّ في كُلِّ ما يُصابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفّارَةٌ، حَتّى الشَّوْكَةِ يُشاكُها، والنَّكْبَةِ يُنْكَبُها» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، (p-١٥٧٦)وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ.
وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ: إنَّهُما سَمِعا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ما يُصِيبُ المُسْلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ ولا سَقَمٍ ولا حَزَنٍ، حَتّى الهَمِّ يُهِمُّهُ - إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْ سَيِّئاتِهِ» أخْرَجاهُ.
ورَوى ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) قالَ: نَعَمْ، ومَن يَعْمَلْ حَسَنَةً يُجْزَ بِها عَشْرًا، فَهَلَكَ مَن غَلَبَ واحِدَتُهُ عَشَراتِهِ» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences