Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:128–136
4:128Page 99
وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ١٢٨
And if a woman fears from her husband contempt or evasion, there is no sin upon them if they make terms of settlement between them - and settlement is best. And present in [human] souls is stinginess.1 But if you do good and fear Allāh - then indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
(p-١٥٩٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [١٢٨]
﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ أيْ: زَوْجِها ﴿نُشُوزًا﴾ أيْ: تَجافِيًا عَنْها وتَرَفُّعًا عَنْ صُحْبَتِها، بِتَرْكِ مُضاجَعَتِها والتَّقْصِيرِ في نَفَقَتِها ﴿أوْ إعْراضًا﴾ أيْ: تَطْلِيقًا، أوْ أنْ يُقِلَّ مُحادَثَتَها ومُجالَسَتَها؛ كَراهَةً لَها أوْ لِطُمُوحِ عَيْنِهِ إلى أجْمَلَ مِنها.
﴿فَلا جُناحَ﴾ أيْ: لا إثْمَ ﴿عَلَيْهِما﴾ حِينَئِذٍ ﴿أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾ بِحَطِّ شَيْءٍ مِنَ المَهْرِ أوِ النَّفَقَةِ، أوْ هِبَةِ شَيْءٍ مِن مالِها أوْ قَسْمِها؛ طَلَبًا لِبَقاءِ الصُّحْبَةِ إنْ رَضِيَتْ بِذَلِكَ، وإلّا فَعَلى الزَّوْجِ أنْ يُوَفِّيَها حَقَّها أوْ يُفارِقَها.
قالَ في "الإكْلِيلِ": الآيَةُ أصْلٌ في هِبَةِ الزَّوْجَةِ حَقَّها مِنَ القَسْمِ وغَيْرِهِ، اسْتَدَلَّ بِهِ مَن أجازَ لَها بَيْعَ ذَلِكَ.
﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أيْ: مِنَ الفُرْقَةِ والنُّشُوزِ والإعْراضِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: بَلِ الطَّلاقُ بَغِيضٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ» .
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: وفي هَذِهِ الآيَةِ حَثٌّ عَلى الصَّبْرِ عَلى نَفْسِ الصُّحْبَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أيْ: مِنَ الفُرْقَةِ وسُوءِ العِشْرَةِ، أوْ خَيْرٌ مِنَ الخُصُومَةِ، أوْ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، كَما أنَّ الخُصُومَةَ شَرٌّ مِنَ الشُّرُورِ، وقَدْ كانَ مِن كَرَمِ (p-١٥٩٤)أخْلاقِهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يُكْرِمُ صَواحِبَ خَدِيجَةَ بَعْدَ مَوْتِها، وعَنْهُ ﷺ: «إنَّهُ مِن أبَرِّ البِرِّ أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أهْلَ وُدِّ أبِيهِ» وهَذا فِيهِ صَبْرٌ، وفي الصَّبْرِ ما لا يُحْصَرُ مِنَ (p-١٥٩٥)المَحاسِنِ والفَضائِلِ، والصُّلْحُ فِيهِ مِن أنْواعِ التَّرْغِيبِ.
رُوِيَ عَنْهُ ﷺ: «مَن أصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ اسْتَوْجَبَ ثَوابَ شَهِيدٍ»، وعَنْ أنَسٍ: «مَن أصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ أعْطاهُ اللَّهُ بِكُلِّ كَلِمَةٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ» . انْتَهى.
وفِي "الإكْلِيلِ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ عامٌّ في كُلِّ صُلْحٍ، أصْلٌ فِيهِ.
وفِي الحَدِيثِ: «الصُّلْحُ جائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إلّا صُلْحًا أحَلَّ حَرامًا أوْ حَرَّمَ حَلالًا» واسْتَدَلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ مَن أجازَ الصُّلْحَ عَلى الإنْكارِ والمَجْهُولِ.
﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ بَيانٌ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ، أيْ: جُعِلَتْ حاضِرَةً لَهُ مَطْبُوعَةً عَلَيْهِ، لا تَنْفَكُّ عَنْهُ أبَدًا، فَلا تَكادُ المَرْأةُ تَسْمَحُ بِالنُّشُوزِ والإعْراضِ وحُقُوقِها مِنَ الرَّجُلِ، ولا الرَّجُلُ في إمْساكِها مَعَ القِيامِ بِحُقُوقِها عَلى ما يَنْبَغِي، إذا كَرِهَها أوْ أحَبَّ غَيْرَها، والجُمْلَةُ الأُولى لِلتَّرْغِيبِ في المُصالَحَةِ، والثّانِيَةُ لِتَمْهِيدِ العُذْرِ في المُشاحَّةِ، ولِلْحَثِّ عَلى الصُّلْحِ، فَإنَّ شُحَّ نَفْسِ الرَّجُلِ وعَدَمَ مَيْلِها عَنْ حالَتِها الجِبِلِّيَّةِ بِغَيْرِ اسْتِمالَةٍ مِمّا يَحْمِلُ المَرْأةَ عَلى بَذْلِ بَعْضِ حُقُوقِها إلَيْهِ لِاسْتِمالَتِهِ، وكَذا شُحُّ نَفْسِها بِحُقُوقِها مِمّا يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلى أنْ يَقْتَنِعَ مِن قِبَلِها بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، ولا يُكَلِّفَها بَذْلَ الكَثِيرِ، فَيَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ الصُّلْحِ.
﴿وإنْ تُحْسِنُوا﴾ في العِشْرَةِ ﴿وتَتَّقُوا﴾ النُّشُوزَ والإعْراضَ ونَقْصَ الحَقِّ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِن تَحَمُّلِ المَشاقِّ في ذَلِكَ ﴿خَبِيرًا﴾ فَيُجازِيكم ويُثِيبُكم.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي خِطابِ الأزْواجِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، والتَّعْبِيرِ عَنْ رِعايَةِ حُقُوقِهِنَّ بِالإحْسانِ، ولَفْظِ (التَّقْوى) المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِ النُّشُوزِ والإعْراضِ مِمّا يُتَوَقّى مِنهُ، وتَرْتِيبِ الوَعْدِ الكَرِيمِ عَلَيْهِ - مِن لُطْفِ الِاسْتِمالَةِ والتَّرْغِيبِ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ما لا يَخْفى.
وما قَدَّمْنا في تَفْسِيرِ الآيَةِ هو زُبْدَةُ ما نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ، صَحابَةً وتابِعِينَ في مَعْناها.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا.
وفِي البُخارِيِّ عَنْ عائِشَةَ في هَذِهِ الآيَةِ (p-١٥٩٦)قالَتِ: «الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأةُ المُسِنَّةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنها، يُرِيدُ أنْ يُفارِقَها، فَتَقُولُ: أجْعَلُكَ مِن شَأْنِي في حِلٍّ» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ خالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَسَألَهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ﴾ الآيَةَ، قالَ عَلِيٌّ: يَكُونُ الرَّجُلُ عِنْدَهُ المَرْأةُ، فَتَنْبُو عَيْنُهُ عَنْها مِن دَمامَتِها أوْ كِبَرِها، أوْ سُوءِ خُلُقِها، أوْ قَذَذِها، فَتَكْرَهُ فِراقَهُ، فَإنْ وضَعَتْ لَهُ مِن مَهْرِها شَيْئًا حَلَّ لَهُ، وإنْ جَعَلَتْ لَهُ مِن أيّامِها فَلا حَرَجَ.
وكَذا رَواهُ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ - أيْضًا - عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هَذِهِ المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ قَدْ خَلا مِن سِنِّها، فَيَتَزَوَّجُ المَرْأةَ الشّابَّةَ يَلْتَمِسُ ولَدَها، فَما اصْطَلَحا عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ.
ورَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ عُرْوَةَ قالَ: أُنْزِلَ في سَوْدَةَ وأشْباهِها: ﴿وإنِ امْرَأةٌ﴾ الآيَةَ، وذَلِكَ «أنَّ سَوْدَةَ كانَتِ امْرَأةً قَدْ أسَنَّتْ، فَفَرَقَتْ أنْ يُفارِقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وضَنَّتْ بِمَكانِها مِنهُ، وعَرَفَتْ مِن حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عائِشَةَ ومَنزِلَتِها مِنهُ، فَوَهَبَتْ يَوْمَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعائِشَةَ فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ».
ورَوى نَحْوَهُ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ والتِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورَوى الحاكِمُ، عَنْ عُرْوَةَ، «عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ لَهُ: يا ابْنَ أُخْتِي! كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُفَضِّلُ بَعْضَنا عَلى بَعْضٍ في القَسْمِ مِن مُكْثِهِ عِنْدَنا، وكانَ قَلَّ يَوْمٌ إلّا وهو يَطُوفُ عَلَيْنا، فَيَدْنُو مَن كُلِّ امْرَأةٍ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتّى يَبْلُغَ إلى مَن هو يَوْمُها (p-١٥٩٧)فَيَبِيتُ عِنْدَها، ولَقَدْ قالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ - حِينَ أسَنَّتْ وفَرَقَتْ أنْ يُفارِقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -: يا رَسُولَ اللَّهِ! يَوْمِي هَذا لِعائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنها، قالَتْ: نَقُولُ في ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى وفي أشْباهِها أُراهُ قالَ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ الآيَةَ».
وكَذَلِكَ رَواهُ أبُو داوُدَ، وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ««لَمّا كَبِرَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لَها بِيَوْمِ سَوْدَةَ»».
ولا يَخْفى أنَّ قَبُولَهُ ﷺ ذَلِكَ مِن سَوْدَةَ إنَّما هو لِتَتَأسّى بِهِ أُمَّتُهُ في مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ وجَوازِهِ، فَهو أفْضَلُ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وقَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ القِصَّةِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ عَزَمَ عَلى طَلاقِ سَوْدَةَ - باطِلٌ وسُوءُ فَهْمٍ مِنَ القِصَّةِ، إذْ لَمْ يُرْوَ عَزْمُهُ ﷺ عَلى ذَلِكَ، لا في الصِّحاحِ ولا في السُّنَنِ ولا في المَسانِيدِ، غايَةُ ما رُوِيَ في السُّنَنِ أنَّ سَوْدَةَ خَشِيَتِ الفِراقِ لِكِبَرِها وتَوَهَّمَتْهُ، وجَلِيٌّ أنَّ لِلنِّساءِ في بابِ الغَيْرَةِ أوْهامًا مُنَوَّعَةً، فَتَقَدَّمَتِ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِقَبُولِ لَيْلَتِها لِعائِشَةَ، فَقَبِلَ مِنها.
وما رَواهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ بَعْضِ المَعاجِمِ مِن كَوْنِهِ ﷺ بَعَثَ إلَيْها بِطَلاقِها، ثُمَّ ناشَدَتْهُ فَراجَعَها - فَهو (زِيادَةٌ عَنْ إرْسالِهِ وغَرابَتِهِ كَما قالَهُ) فِيهِ نَكارَةٌ لا تَخْفى.
لَطِيفَةٌ:
حَكى الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا أنَّ عِمْرانَ بْنَ حِطّانَ الخارِجِيَّ كانَ مِن أدَمِّ بَنِي آدَمَ، وامْرَأتُهُ مِن أجْمَلِهِمْ، فَأجالَتْ في وجْهِهِ نَظَرَها يَوْمًا، ثُمَّ تابَعَتِ الحَمْدُ لِلَّهِ، فَقالَ: ما لَكِ؟ قالَتْ: حَمَدْتُ اللَّهَ عَلى أنِّي وإيّاكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، قالَ: كَيْفَ؟ قالَتْ: لِأنَّكَ رُزِقْتَ مِثْلِي فَشَكَرْتَ، ورُزِقْتُ مِثْلَكَ فَصَبَرْتُ، وقَدْ وعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ عِبادَهُ الشّاكِرِينَ والصّابِرِينَ. انْتَهى.
(p-١٥٩٨)قُلْتُ: عِمْرانُ المَذْكُورُ مِمَّنْ خَرَّجَ لَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، ولَمّا ماتَ سُئِلَتْ زَوْجَتُهُ عَنْ تَرْجَمَتِهِ؟ فَقالَتْ: أوْجِزُ أمْ أُطْنِبُ؟ فَقِيلَ: أوْجِزِي، فَقالَتْ: ما قَدَّمْتُ لَهُ طَعامًا بِالنَّهارِ، وما مَهَّدْتُ لَهُ فِراشًا بِاللَّيْلِ، تَعْنِي أنَّهُ كانَ صَوّامًا قَوّامًا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
4:129Page 99
وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٢٩
And you will never be able to be equal [in feeling] between wives, even if you should strive [to do so]. So do not incline completely [toward one] and leave another hanging.1 And if you amend [your affairs] and fear Allāh - then indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [١٢٩]
﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ أيْ: تُساوُوا بَيْنَهُنَّ في جَمِيعِ الوُجُوهِ، بِحَيْثُ لا يَقَعُ مَيْلٌ ما إلى جانِبِ إحْداهُنَّ، في شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ، فَإنَّهُ - وإنْ وقَعَ القَسْمُ الصُّورِيُّ لَيْلَةً ولَيْلَةً - فَلا بُدَّ مِنَ التَّفاوُتِ في المَحَبَّةِ والشَّهْوَةِ والجِماعِ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.
﴿ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أيْ: عَلى إقامَةِ العَدْلِ، وبالَغْتُمْ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَيْلَ يَقَعُ بِلا اخْتِيارٍ في القَلْبِ.
عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ! هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ» يَعْنِي القَلْبَ، رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ.
﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ أيْ: إذا مِلْتُمْ إلى واحِدَةٍ مِنهُنَّ فَلا تُبالِغُوا في المَيْلِ إلَيْها، وقالَ المَهايِمِيُّ: (p-١٥٩٩)فَلا تَمِيلُوا، أيْ: عَنِ امْرَأةٍ كُلَّ المَيْلِ فَتَتْرُكُوا المُسْتَطاعَ مِنَ القِسْطِ.
﴿فَتَذَرُوها﴾ أيِ: الَّتِي مِلْتُمْ عَنْها ﴿كالمُعَلَّقَةِ﴾ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، لا تَكُونُ في إحْدى الجِهَتَيْنِ، لا ذاتَ زَوْجٍ ولا مُطَلَّقَةً.
ورَوى أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ فَمالَ إلى إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِدْقَيْهِ ساقِطٌ» .
كَذا رَأيْتُهُ في (ابْنِ كَثِيرٍ) شِدْقَيْهِ، بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ دالٍ.
ورِوايَةُ أصْحابِ السُّنَنِ المَنقُولَةُ: وشِقُّهُ (بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ قافٍ) ساقِطٌ، وفي رِوايَةٍ: مائِلٌ.
﴿وإنْ تُصْلِحُوا﴾ أيْ: نُفُوسَكم بِالتَّسْوِيَةِ والقِسْمَةِ والعَدْلِ فِيما تَمْلِكُونَ ﴿وتَتَّقُوا﴾ الحَيْفَ والجَوْرَ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَيَغْفِرُ لَكم ما سَلَفَ مِن مَيْلِكم.
4:130Page 99
وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمٗا ١٣٠
But if they separate [by divorce], Allāh will enrich each [of them] from His abundance. And ever is Allāh Encompassing and Wise.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ [١٣٠]
﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾ أيِ: الزَّوْجُ والمَرْأةُ بِالطَّلاقِ، بِأنْ لَمْ يَتَّفِقِ الصُّلْحُ بَيْنَهُما، فاخْتارُوا الفُرْقَةَ (p-١٦٠٠)﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلا﴾ أيْ: مِنهُما، أيْ: يَجْعَلُهُ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الآخَرِ ﴿مِن سَعَتِهِ﴾ أيْ: غِناهُ وجُودِهِ وقُدْرَتِهِ، وفِيهِ زَجْرٌ لَهُما عَنِ المُفارَقَةِ رَغْمًا لِصاحِبِهِ، وتَسْلِيَةٌ لَهُما بَعْدَ الطَّلاقِ.
﴿وكانَ اللَّهُ واسِعًا﴾ أيْ: واسْعَ الفَضْلِ ﴿حَكِيمًا﴾ في جَمِيعِ أفْعالِهِ وأقْدارِهِ وشَرْعِهِ.
4:131Page 99
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدٗا ١٣١
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And We have instructed those who were given the Scripture before you and yourselves to fear Allāh. But if you disbelieve - then to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh Free of need and Praiseworthy.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [١٣١]
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى كَمالِ سَعَتِهِ وعِظَمِ قُدْرَتِهِ أيْ: كَيْفَ لا يَكُونُ واسِعًا ولَهُ ما فِيهِما مِنَ الخَلائِقِ والأرْزاقِ وغَيْرِهِما؟ فَلَهُ أنْ يُعْطِيَ ما شاءَ مِنهُما لِمَن شاءَ مِن عَبِيدِهِ، وعَلى هَذا فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، أوْ أتى بِها تَمْهِيدًا لِما بَعْدَها مِنَ العَمَلِ بِوَصِيَّتِهِ؛ إعْلامًا بِأنَّهُ مالِكُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والحاكِمُ فِيهِما، ولِهَذا قالَ: ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ - والكِتابُ اسْمُ جِنْسٍ يَتَناوَلُ الكُتُبَ السَّماوِيَّةَ - ﴿وإيّاكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى (الَّذِينَ).
﴿أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: وصَّيْنا كُلًّا مِنكم ومِنهم بِالتَّقْوى، وهي عِبادَتُهُ وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، والمَعْنى: أنَّ وصِيَّتَهُ قَدِيمَةٌ ما زالَ يُوصِي اللَّهُ بِها عِبادَهُ، ولَسْتُمْ بِها مَخْصُوصِينَ؛ لِأنَّهم بِالتَّقْوى يُسْعَدُونَ عِنْدَهُ.
﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾ أيْ: بِاللَّهِ ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: فَهو مالِكُ المُلْكِ كُلِّهِ، لا يَضُرُّهُ كُفْرُكُمْ؛ لِغِناهُ المُطْلَقِ، فَما الوَصِيَّةُ إلّا لِفَلاحِكُمْ؛ رَحْمَةً بِكُمْ، كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] [إبْراهِيمَ: ٨] وقالَ تَعالى: (p-١٦٠١)﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ [التغابن: ٦] [التَّغابُنِ: ٦].
﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ عَنْ عِبادِهِ ﴿حَمِيدًا﴾ أيْ: مَحْمُودًا في ذاتِهِ، حَمِدُوهُ أوْ لَمْ يَحْمَدُوهُ.
4:132Page 99
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ١٣٢
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [١٣٢]
﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ذَكَرَهُ ثالِثًا، إمّا لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ تَعالى غَنِيًّا حَمِيدًا؛ فَإنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ تَدُلُّ بِحاجَتِها عَلى غِناهُ، وبِما أفاضَ عَلَيْها مِنَ الوُجُودِ وأنْواعِ الخَصائِصِ والكِمالاتِ عَلى كَوْنِهِ حَمِيدًا، وإمّا تَمْهِيدًا لِلاحِقِهِ "مَنِ" الشَّرْطِيَّةِ، وهو بَيانُ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ، أيْ: لَهُ سُبْحانَهُ ما فِيهِما مِنَ الخَلائِقِ خَلْقًا ومِلْكًا، فَهو قادِرٌ عَلى الإفْناءِ والإيجادِ، فَإنْ عَصَيْتُمُوهُ - أيُّها النّاسُ - فَهو قادِرٌ عَلى إعْدامِكم وإفْنائِكم بِالكُلِّيَّةِ، وعَلى أنْ يُوجِدَ قَوْمًا آخَرِينَ يَشْتَغِلُونَ بِعِبادَتِهِ وتَعْظِيمِهِ، فَذَكَرَ هَذِهِ الكَلِماتِ في هَذا المَقامِ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ لِتَقْرِيرِ ثَلاثَةِ أُمُورٍ في سِياقِها، كَما بَيَّنا.
قالَ الرّازِيُّ: إذا كانَ الدَّلِيلُ الواحِدُ دَلِيلًا عَلى مَدْلُولاتٍ كَثِيرَةٍ، فَإنَّهُ يَحْسُنُ ذِكْرُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أحَدِ تِلْكَ المَدْلُولاتِ، ثُمَّ يُذْكَرُ مَرَّةً أُخْرى لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى الثّانِي، ثُمَّ ثالِثًا لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى المَدْلُولِ الثّالِثِ، وهَذِهِ الإعادَةُ أحْسَنُ وأوْلى مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ مَرَّةً واحِدَةً؛ لِأنَّ عِنْدَ إعادَةِ ذِكْرِ الدَّلِيلِ يَخْطُرُ في الذِّهْنِ ما يُوجِبُ العِلْمَ بِالمَدْلُولِ، فَكانَ العِلْمُ الحاصِلُ بِذَلِكَ المَدْلُولِ أقْوى وأجْلى، فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّكْرِيرَ في غايَةِ الحُسْنِ والكَمالِ.
وأيْضًا فَإذا أعَدْتَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وفَرَّعْتَ عَلَيْهِ في كُلِّ مَرَّةٍ إثْباتَ صِفَةٍ أُخْرى مِن صِفاتِ جَلالِ اللَّهِ - تَنَبَّهَ الذِّهْنُ حِينَئِذٍ لِكَوْنِ تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ دالًّا عَلى أسْرارٍ شَرِيفَةٍ ومَطالِبَ جَلِيلَةٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَجْتَهِدُ الإنْسانُ في التَّفَكُّرِ فِيها والِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِها وصِفاتِها عَلى صِفاتِ الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
ولَمّا كانَ (p-١٦٠٢)الغَرَضُ الكُلِّيُّ مِن هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ صَرْفُ العُقُولِ والأفْهامِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ اللَّهِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وكانَ هَذا التَّكْرِيرُ مِمّا يُفِيدُ حُصُولَ هَذا المَطْلُوبِ ويُؤَكِّدُهُ - لا جَرَمَ كانَ في غايَةِ الحُسْنِ والكَمالِ. انْتَهى.
﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ أيْ: رَبًّا حافِظًا تَوَكَّلَ بِالقِيامِ بِجَمِيعِ ما خَلَقَ.
4:133Page 99
إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأۡتِ بِـَٔاخَرِينَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرٗا ١٣٣
If He wills, He can do away with you, O people, and bring others [in your place]. And ever is Allāh competent to do that.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [١٣٣]
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ: يُفْنِكم ويَسْتَأْصِلْكم بِالمَرَّةِ ﴿أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ أيْ: ويُوجِدْ دُفْعَةً مَكانَكم قَوْمًا آخَرِينَ مِنَ البَشَرِ، أوْ خَلْقًا آخَرِينَ مَكانَ الإنْسِ، يَعْنِي أنَّ إبْقاءَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العِصْيانِ إنَّما هو لِكَمالِ غِناهُ عَنْ طاعَتِكُمْ، ولِعَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ بِالبالِغَةِ بِإفْنائِكُمْ، لا لِعَجْزِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ﴾ أيْ: إهْلاكِكم بِالمَرَّةِ وتَخْلِيقِ غَيْرِكم ﴿قَدِيرًا﴾ بَلِيغَ القُدْرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] [مُحَمَّدٍ: ٣٨] وقالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] [إبْراهِيمَ: ١٩] فَفِيهِ (p-١٦٠٣)تَقْرِيرٌ لِغِناهُ وقُدْرَتِهِ، وتَهْدِيدٌ لِمَن كَفَرَ بِهِ، قالَ بَعْضَ السَّلَفِ: ما أهْوَنَ العِبادَ عَلى اللَّهِ إذا أضاعُوا أمْرَهُ!
4:134Page 99
مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ١٣٤
Whoever desires the reward of this world - then with Allāh is the reward of this world and the Hereafter. And ever is Allāh Hearing and Seeing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [١٣٤]
﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ كالمُجاهِدِ يُجاهِدُ لِلْغَنِيمَةِ ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ: فَما لَهُ يَطْلُبُ أخَسَّهُما، فَلْيَطْلُبْهُما، أوِ الأشْرَفَ مِنهُما، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] [البَقَرَةِ: ٢٠٠ - ٢٠٢] وقالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَـزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] [الشُّورى: ٢٠] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] [الإسْراءِ: ١٨] الآيَةَ.
قالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِالآيَةِ مُشْرِكُو العَرَبِ، فَإنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعالى خالِقِهِمْ، ولا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ، وكانُوا يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى لِيُعْطِيَهم مِن خَيْرِ الدُّنْيا ويَصْرِفَ عَنْهم شَرَّها.
﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، ويُجازِي كُلًّا بِحَسَبِ قَصْدِهِ.
4:135Page 100
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ١٣٥
O you who have believed, be persistently standing firm in justice, witnesses for Allāh, even if it be against yourselves or parents and relatives. Whether one is rich or poor, Allāh is more worthy of both.1 So follow not [personal] inclination, lest you not be just. And if you distort [your testimony] or refuse [to give it], then indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
(p-١٦٠٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [١٣٥]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ أيْ: مُقْتَضى إيمانِكُمُ المُبالَغَةُ والِاجْتِهادُ في القِيامِ بِالعَدْلِ والِاسْتِقامَةِ؛ إذْ بِهِ انْتِظامُ أمْرِ الدّارَيْنِ المُوجِبِ لِثَوابِهِما، ومِن أشَدِّهِ القِيامُ بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها، فَكُونُوا: ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ أيْ: مُقِيمِينَ لِلشَّهادَةِ بِالحَقِّ، مُؤَدِّينَ لَها لِوَجْهِهِ تَعالى ﴿ولَوْ﴾ كانَتِ الشَّهادَةُ ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ فاشْهَدُوا عَلَيْها بِأنْ تُقِرُّوا بِالحَقِّ عَلَيْها ولا تَكْتُمُوهُ ﴿أوِ﴾ عَلى ﴿الوالِدَيْنِ﴾ أيِ: الأُصُولِ ﴿والأقْرَبِينَ﴾ أيِ: الأوْلادِ والإخْوَةِ وغَيْرِهِمْ، فَلا تُراعِهِمْ فِيها بَلِ اشْهَدْ بِالحَقِّ وإنْ عادَ ضَرَرُها عَلَيْهِمْ، فَإنَّ الحَقَّ حاكِمٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ.
﴿إنْ يَكُنْ﴾ أيْ: مَن تَشْهَدُونَ عَلَيْهِ ﴿غَنِيًّا﴾ يُبْتَغى في العادَةِ رِضاهُ ويُتَّقى سُخْطُهُ ﴿أوْ فَقِيرًا﴾ يُتَرَحَّمُ عَلَيْهِ غالِبًا، أوْ يُخافُ مِنَ الشَّهادَةِ عَلَيْهِ أنْ يُلْجَأ الأمْرُ إلى أنْ يُعْطى ما يَكْفِيهِ ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ أيْ: مِنَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ، وأعْلَمُ بِما فِيهِ صَلاحُهُما، فَلَوْلا أنَّ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما مَصْلَحَةٌ لَهُما لَما شَرَعَها؛ لِأنَّهُ أنْظَرُ لِعِبادِهِ مِن كُلِّ ناظِرٍ.
﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ أيْ: إرادَةَ العُدُولِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ الَّذِي هو مُصْلِحُ أُمُورِكُمْ، وأُمُورِ المَشْهُودِ عَلَيْهِمْ، لَوْ نَظَرْتُمْ ونَظَرُوا إلَيْهِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: لا يَحْمِلَنَّكُمُ الهَوى والعَصَبِيَّةُ وبُغْضُ النّاسِ إلَيْكم عَلى تَرْكِ العَدْلِ في شُؤُونِكُمْ، بَلِ الزَمُوا العَدْلَ عَلى أيِّ حالٍ كانَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] [المائِدَةِ: ٨].
ومِن هَذا قَوْلُ (p-١٦٠٥)«عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ لَمّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُصُ عَلى أهْلِ خَيْبَرَ ثِمارَهم وزُرُوعَهُمْ، فَأرادُوا أنْ يُرْشُوهُ لِيَرْفُقَ بِهِمْ، فَقالَ: واللَّهِ! لَقَدْ جِئْتُكم مِن عِنْدِ أحَبِّ الخَلْقِ إلَيَّ، ولَأنْتُمْ أبْغَضُ إلَيَّ مِن أعْدادِكم مِنَ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، وما يَحْمِلُنِي حُبِّي إيّاهُ وبُغْضِي لَكم عَلى أنْ لا أعْدِلَ فِيكُمْ، فَقالُوا: بِهَذا قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ».
﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ أيْ: تُحَرِّفُوا ألْسِنَتَكم عَنِ الشَّهادَةِ عَلى وجْهِها ﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ أيْ: عَنْها بِكَتْمِها ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ. قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] [البَقَرَةِ: ٢٨٣].
* *
تَنْبِيهٌ:
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: لِهَذِهِ الآيَةِ ثَمَراتٌ هي أحْكامٌ:
الأوَّلُ: وُجُوبُ العَدْلِ (p-١٦٠٦)عَلى القُضاةِ والوُلاةِ، وأنْ لا يَعْدِلَ عَنِ القِسْطِ لِأمْرٍ تَمِيلُ إلَيْهِ النُّفُوسُ وشَهَواتُ القُلُوبِ مِن غِنًى أوْ فَقْرٍ أوْ قَرابَةٍ، بَلْ يَسْتَوِي عِنْدَهُ الدَّنِيءُ والشَّرِيفُ والقَرِيبُ والبَعِيدُ.
ويُرْوى أنَّ عُمَرَ أقامَ حَدًّا عَلى ولَدٍ لَهُ، فَذاكَرَهُ في حَقِّ القَرابَةِ، فَقالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَهِدْتَ عِنْدَ اللَّهِ أنَّ أباكَ كانَ يُقِيمُ عَلَيْكَ الحُدُودَ.
الحُكْمُ الثّانِي: أنَّهُ يَجِبُ الإقْرارُ عَلى مَن عَلَيْهِ الحَقُّ ولا يَكْتُمُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ والمُرادُ بِالشَّهادَةِ عَلى النَّفْسِ الإقْرارُ، وهَذا ظاهِرٌ.
وقِيلَ المَعْنى: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا ومَضَرَّةً عَلى أنْفُسِكم وآبائِكم بِأنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ عَلى سُلْطانٍ ظالِمٍ.
وهَذِهِ المَسْألَةُ فِيها خِلافٌ بَيْنِ الفُقَهاءِ إذا خَشِيَ مَضَرَّةً دُونَ القَتْلِ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الشَّهادَةُ أمْ لا ؟ فَقِيلَ: يَجِبُ لِأنَّهُ لا يَحْفَظُ مالَهُ بِتَلَفِ مالِ غَيْرِهِ.
وعَنِ الشّافِعِيَّةِ والمُتَكَلِّمِينَ - وصُحِّحَ لِلْمَذْهَبِ - أنَّهُ لا يَجِبُ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ أمْرٌ بِمَعْرُوفِ، وشَرْطُهُ أنْ لا يُؤَدِّيَ إلى مُنْكَرٍ، ولَكِنْ إنَّما يَسْقُطُ عَنْهُ أداءُ الشَّهادَةِ بِحُصُولِ الظَّنِّ لِمَضَرَّتِهِ، لا بِمُجَرَّدِ الخَشْيَةِ.
وقَدْ قالَ المُؤَيَّدُ بِاللَّهِ في "الإفادَةِ": عَلى الشّاهِدِ أنْ يَشْهَدَ وإنْ خَشِيَ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَخْشاهُ مَظْنُونٌ، ولَعَلَّهُ غَيْرُ كائِنٍ، يُؤَوَّلُ عَلى أنَّ مُرادَهُ مُجَوَّزٌ لا أنَّهُ قَدْ ظَنَّ حُصُولَ المَضَرَّةِ، وهَذا يَجُوزُ لَهُ الشَّهادَةُ مَعَ الخَشْيَةِ عَلى نَفْسِهِ.
قالَ في "شَرْحِ الإبانَةِ": يَجُوزُ إذا كانَ قَتْلُهُ إعْزازًا لِلدِّينِ، كالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أمّا لَوْ كَتَمَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلا إشْكالَ في عِصْيانِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ذَلِكَ مِنَ الكَبائِرِ.
الحُكْمُ الثّالِثُ: يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ أيْ: تَشْهَدُونَ لِوَجْهِ اللَّهِ كَما أمَرَكُمْ، وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ أخْذَ الأُجْرَةِ عَلى تَأْدِيَةِ الشَّهادَةِ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُقِمْها لِلَّهِ، وقَدِ اسْتَثْنى أهْلُ الفِقْهِ صُوَرًا جَوَّزُوا أخْذَ الأُجْرَةِ عَلى تَأْدِيَةِ الشَّهادَةِ، مِنها: إذا طُلِبَ إلى مَوْضِعٍ؛ لِأنَّ الخُرُوجَ غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْهِ، ومِنها: إذا كانَ غَيْرُهُ يَشْهَدُ ويَحْصُلُ بِهِ الحَقُّ، فَإنَّ شَهادَتَهُ غَيْرُ لازِمَةٍ. انْتَهى.
4:136Page 100
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٣٦
O you who have believed, believe1 in Allāh and His Messenger and the Book that He sent down upon His Messenger and the Scripture which He sent down before. And whoever disbelieves in Allāh, His angels, His books, His messengers, and the Last Day has certainly gone far astray.
(p-١٦٠٧)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْـزَلَ مِن قَبْلُ ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [١٣٦]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ أيِ: اثْبُتُوا عَلى إيمانِكم ﴿بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ مُحَمَّدٍ ﷺ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْـزَلَ مِن قَبْلُ﴾ عَلى الرُّسُلِ، بِمَعْنى الكُتُبِ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ أيْ: خَرَجَ عَنِ الهُدى وبَعُدَ عَنِ القَصْدِ كُلَّ البُعْدِ، أمّا الكُفْرُ بِاللَّهِ فَظاهِرٌ، وأمّا بِالمَلائِكَةِ؛ فَلِأنَّهُمُ المُقَرَّبُونَ إلَيْهِ، وأمّا بِالكُتُبِ؛ فَلِأنَّها الهادِيَةُ إلَيْهِ، وأمّا بِالرُّسُلِ؛ فَلِأنَّهُمُ الدّاعُونَ، وأمّا بِاليَوْمِ الآخِرِ؛ فَلِأنَّ فِيهِ نَفْعَ إقامَتِهِ وضَرَرَ تَرْكِهِ، فَإذا أنْكَرَ لَزِمَ إنْكارُ النَّفْعِ الحَقِيقِيِّ والضَّرَرِ الحَقِيقِيِّ فَهو الضَّلالُ البَعِيدُ، ثُمَّ الكُفْرُ بِالمَلائِكَةِ كُفْرٌ بِمَظاهِرِ باطِنِهِ، وبِالكُتُبِ كُفْرٌ بِمَظاهِرِ صِفَةِ كَلامِهِ، وبِالرُّسُلِ كُفْرٌ بِأتَمِّ مَظاهِرِهِ، وبِاليَوْمِ الآخِرِ كُفْرٌ بِدَوامِ رُبُوبِيَّتِهِ وعَدْلِهِ.
ثُمَّ الكُفْرُ بِالمَلائِكَةِ يَدْعُو إلى الإيمانِ بِالشَّياطِينِ، وبِكُتُبِ اللَّهِ إلى الإيمانِ بِكُتُبِ الكَفَرَةِ، وبِالرُّسُلِ إلى تَقْلِيدِ الآباءِ، وبِاليَوْمِ الآخِرِ إلى الِاجْتِراءِ عَلى القَبائِحِ، وكُلُّ ذَلِكَ ضَلالٌ بَعِيدٌ، أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
ولَمّا أمَرَ تَعالى بِالإيمانِ ورَغَّبَ فِيهِ بَيَّنَ فَسادَ طَرِيقَةِ مَن يَكْفُرُ بَعْدَ الإيمانِ، فَقالَ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences