Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:144–153
4:144Page 101
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينًا ١٤٤
O you who have believed, do not take the disbelievers as allies instead of the believers. Do you wish to give Allāh against yourselves a clear case?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [١٤٤]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ هَذا نَهْيٌ عَنْ مُوالاةِ الكَفَرَةِ، يَعْنِي مُصاحَبَتَهم ومُصادَقَتَهم ومُناصَحَتَهُمْ، وإسْرارَ المَوَدَّةِ إلَيْهِمْ، وإفْشاءَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ الباطِنَةِ إلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] [آلِ عِمْرانَ: ٢٨]أيْ: يُحَذِّرُكم عُقُوبَتَهُ في ارْتِكابِكم نَهْيَهُ، ولِهَذا قالَ هَهُنا: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أيْ: حُجَّةً عَلَيْكم في عِقابِكم بِمُوالاتِكم إيّاهُمْ، وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ لِلْكافِرِينَ.
قالَ الحاكِمُ: وهي المُوالاةُ في الدِّينِ والنُّصْرَةُ فِيهِ، لا المُخالَفَةُ والإحْسانُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ صُوحانَ أنَّهُ قالَ لِابْنِ أخٍ لَهُ: خالِصِ المُؤْمِنَ وخالِقِ الكافِرَ والفاجِرَ، فَإنَّ الفاجِرَ يَرْضى مِنكَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ، وأنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْكَ أنْ تُخالِصَ المُؤْمِنَ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإرادَةِ دُونَ مُتَعَلِّقِها بِأنْ يُقالَ: (أتَجْعَلُونَ.... إلَخْ) لِلْمُبالَغَةِ في إنْكارِ ذَلِكَ، وتَهْوِيلِ أمْرِهِ بِبَيانِ أنَّهُ مِمّا لا يَصْدُرُ عَلى العاقِلِ إرادَتَهُ، فَضْلًا عَنْ صُدُورِ نَفْسِهِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٨] [البَقَرَةِ: ١٠٨].
(p-١٦٢٢)لَطِيفَةٌ:
رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ سُلْطانٍ في القُرْآنِ حُجَّةٌ، وكَذا قالَ غَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ التّابِعِينَ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: هو مِنَ (السَّلِيطِ) وهو دُهْنُ الزَّيْتِ لِإضاءَتِهِ، أيْ: فَإنَّ الحُجَّةَ مِن شَأْنِها أنْ تَكُونَ نَيِّرَةً، وفي "البَصائِرِ" إنَّما سَمّى الحُجَّةَ سُلْطانًا لِما يَلْحَقُ مِنَ الهُجُومِ عَلى القُلُوبِ، لَكِنَّ أكْثَرَ تَسَلُّطِهِ عَلى أهْلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ.
4:145Page 101
إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا ١٤٥
Indeed, the hypocrites will be in the lowest depths of the Fire - and never will you find for them a helper -
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ [١٤٥]
﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ﴾ قُرِئَ بِسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِها: ﴿الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ أيِ: الطَّبَقِ الَّذِي في قَعْرِ جَهَنَّمَ، والدَّرَكُ كالدَّرَجِ إلّا أنَّهُ يُقالُ بِاعْتِبارِ الهُبُوطِ، والدَّرَجُ بِاعْتِبارِ الصُّعُودِ، وإنَّما عُوقِبُوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم أخْبَثُ الكَفَرَةِ، إذْ ضَمُّوا إلى الكُفْرِ اسْتِهْزاءً بِالإسْلامِ وخِداعًا لِلْمُسْلِمِينَ.
قالَ الرّازِيُّ: وبِسَبَبِ أنَّهم لَمّا كانُوا يُظْهِرُونَ الإسْلامَ يُمْكِنُهُمُ الِاطِّلاعُ عَلى أسْرارِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ يُخْبِرُونَ الكُفّارَ بِذَلِكَ، فَكانَتْ تَتَضاعَفُ المِحْنَةُ مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ - فَلِهَذِهِ الأسْبابِ عُوقِبُوا بِذَلِكَ.
ونُقِلَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ: ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] [غافِرٍ: ٤٦] وعَنِ المُنافِقِينَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ، فَأيُّهُما أشَدُّ عَذابًا؟
فَأجابَ: بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ أشَدَّ العَذابِ إنَّما يَكُونُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وقَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ الفَرِيقانِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
رَوى التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوانَ - عَلى مِنبَرِ البَصْرَةِ - إنَّ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ الصَّخْرَةَ العَظِيمَةَ لَتُلْقى مِن شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَتَهْوِي فِيها سَبْعِينَ عامًا وما تُفْضِي (p-١٦٢٣)إلى قَرارِها» .
وكانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: أكْثِرُوا ذِكْرَ النّارِ، فَإنَّ حَرَّها شَدِيدٌ، وإنَّ قَعْرَها بَعِيدٌ، وإنَّ مَقامِعَها حَدِيدٌ.
ورَوى التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ويْلٌ وادٍ في جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ» .
﴿ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ أيْ: يُنْقِذُهم مِمّا هم فِيهِ، ويُخْرِجُهم مِن ألِيمِ العَذابِ.
4:146Page 101
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١٤٦
Except for those who repent, correct themselves, hold fast to Allāh, and are sincere in their religion for Allāh, for those will be with the believers. And Allāh is going to give the believers a great reward.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [١٤٦]
﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ أيْ: عَنِ النِّفاقِ ﴿وأصْلَحُوا﴾ أيْ: أعْمالَهم ﴿واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: وثِقُوا بِهِ بِتَرْكِ مُوالاةِ الكُفّارِ ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ فَلَمْ يَبْقَ لَهم فِيهِ تَرَدُّدٌ، ولَمْ يُرِيدُوا بِطاعَتِهِمْ إلّا وجْهَهُ سُبْحانَهُ، لا رِياءَ النّاسِ كَما كانُوا قَبْلُ.
﴿فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ المَنزِلَةِ وعُلُوِّ الطَّبَقَةِ، أيْ: لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ بِهَذِهِ الأُمُورِ لا يَكُونُونَ في دَرْكٍ مِنَ النّارِ فَضْلًا عَنِ الأسْفَلِ، بَلْ مَعَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى الإيمانِ بِلا نِفاقٍ، أيْ: مَعَهم في دَرَجاتِ الجِنانِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ثَوابًا وافِرًا في الجَنَّةِ، فَيُشارِكُونَهم فِيهِ ويُساهِمُونَهُمْ، وحُذِفَتِ (الياءُ) في الخَطِّ هُنا اتِّباعًا لِللَّفْظِ؛ لِسُكُونِها وسُكُونِ اللّامِ بَعْدَها، ومِثْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦] [القَمَرِ: ٦] و﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] [العَلَقِ: ١٨]، و﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾ [ق: ٤١] [ق: ٤١] (p-١٦٢٤)ونَحْوُها، فَإنَّ الحَذْفَ في الجَمِيعِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَجاءَ الرَّسْمُ تابِعًا لِللَّفْظِ، والقُرّاءُ يَقِفُونَ عَلَيْهِ دُونَ ياءٍ اتِّباعًا لِلْخَطِّ الكَرِيمِ، إلّا يَعْقُوبَ والكِسائِيَّ وحَمْزَةَ فَإنَّهم يَقِفُونَ بِالياءِ نَظَرًا إلى الأصْلِ، كَذا في "الفَتْحِ".
* *
تَنْبِيهٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: مَنِ المُنافِقُ؟ قُلْتُ: هو في الشَّرِيعَةِ مَن أظْهَرَ الإيمانَ وأبْطَنَ الكُفْرَ، وأمّا تَسْمِيَتُهُ مَنِ ارْتَكَبَ ما يَفْسُقُ بِهِ بِـ(المُنافِقِ) فَلِلتَّغْلِيظِ، كَقَوْلِهِ: مَن تَرَكَ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ جَهارًا.
ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ، وإنْ صامَ وإنْ صَلّى وزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ: مَن إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ» .
وقِيلَ لِحُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَنِ المُنافِقُ؟ فَقالَ: الَّذِي يَصِفُ الإسْلامَ ولا يَعْمَلُ بِهِ.
وقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: نَدْخُلُ عَلى السُّلْطانِ ونَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ فَإذا خَرَجْنا تَكَلَّمْنا بِخِلافِهِ، فَقالَ: كُنّا نَعُدُّهُ مِنَ النِّفاقِ. انْتَهى كَلامُهُ.
أقُولُ: قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ (فَلِلتَّغْلِيظِ) يُوجَدُ مِثْلُهُ لِثُلَّةٍ مِن شُرّاحِ الحَدِيثِ وغَيْرِهِمْ، وقَدْ بَحَثَ فِيهِ بَعْضُ مُحَقِّقِي مَشايِخِنا بِقَوْلِهِ: هَذا الجَوابُ لا يَرْتَضِيهِ مَن عَرَفَ قَدْرَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ (p-١٦٢٥)عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وكَأنَّهم غَفَلُوا عَمّا يَسْتَلْزِمُهُ هَذا الجَوابُ مِمّا لا يَرْتَضِيهِ أدْنى عالِمٍ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ، وهو الإخْبارُ بِخِلافِ الواقِعِ لِأجْلِ الزَّجْرِ. انْتَهى.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: عَلَيْكَ أنْ تُقِرَّ الأحادِيثَ كَما ورَدَتْ؛ لِتَنْجُو مِن مَعَرَّةِ الخَطَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
4:147Page 101
مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا ١٤٧
What would Allāh do with [i.e., gain from] your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allāh Appreciative1 and Knowing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ [١٤٧]
﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: هو اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ مَدارَ تَعْذِيبِهِمْ وُجُودًا وعَدَمًا إنَّما هو كُفْرُهُمْ، لا شَيْءٌ آخَرُ، فَيَكُونُ مُقَرِّرًا لِما قَبْلَهُ مِن إثابَتِهِمْ عِنْدَ تَوْبَتِهِمْ.
و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلنَّفْيِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَعْذِيبِكُمْ؟ أيَتَشَفّى بِهِ مِنَ الغَيْظِ؟ أمْ يُدْرِكُ بِهِ الثَّأْرَ؟ أمْ يَسْتَجْلِبُ بِهِ نَفْعًا؟ أمْ يَسْتَدْفِعُ بِهِ ضَرَرًا؟ كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ، وهو الغَنِيُّ المُتَعالِي عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ، وإنَّما هو أمْرٌ يَقْتَضِيهِ كُفْرُكُمْ، فَإذا زالَ ذَلِكَ بِالإيمانِ والشُّكْرِ انْتَفى التَّعْذِيبُ لا مَحالَةَ.
وتَقْدِيمُ (الشُّكْرِ) عَلى (الإيمانِ) لِما أنَّهُ طَرِيقٌ مُوَصِّلٌ إلَيْهِ، فَإنَّ النّاظِرَ يُدْرِكُ أوَّلًا ما عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُبْهَمًا، ثُمَّ يَتَرَقّى إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ فَيُؤْمِنُ بِهِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
﴿وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا﴾ الشُّكْرُ مِنهُ تَعالى المُجازاةُ والثَّناءُ الجَمِيلُ، كَما في "القامُوسِ" ويَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ القَيِّمِ حَيْثُ يَقُولُ في "الكافِيَةِ الشّافِيَةِ":
؎وهُوَ الشَّكُورُ فَلَنْ يُضَيِّعَ سَعْيَهم لَكِنْ يُضاعِفُهُ بِلا حِسْبانِ
؎ما لِلْعِبادِ عَلَيْهِ حَقٌّ واجِبٌ ∗∗∗ هو أوْجَبَ الأجْرَ العَظِيمَ الشّانِ
؎كَلّا ولا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضائِعٌ ∗∗∗ إنْ كانَ بِالإخْلاصِ والإحْسانِ
؎إنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ والحَمْدُ لِلرَّحْمَنِ
4:148Page 102
۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ١٤٨
Allāh does not like the public mention of evil except by one who has been wronged. And ever is Allāh Hearing and Knowing.
(p-١٦٢٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [١٤٨]
﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ: لا يُحِبُّ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالقَبِيحِ مِنَ القَوْلِ ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ إلّا جَهْرَ المَظْلُومِ بِأنْ يَدْعُوَ عَلى ظالِمِهِ، أوْ يَتَظَلَّمَ مِنهُ ويَذْكُرَهُ بِما فِيهِ مِنَ السُّوءِ، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَسْخُوطٍ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، حَتّى إنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ أنْواعَ الظُّلْمِ كَثِيرَةٌ.
فَما نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ هُنا مِن ذِكْرِ نَوْعٍ مِنهُ فَلَيْسَ المُرادُ حَصْرَ مَعْنى الآيَةِ فِيهِ، بَلِ القَصْدُ تَنْبِيهُ المُسْتَمِعِ عَلى النَّوْعِ.
فَمِن ذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ يَقُولُ: لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَدْعُوَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ إلّا أنْ يَكُونَ مَظْلُومًا؛ فَإنَّهُ قَدْ أرْخَصَ لَهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ وإنْ صَبَرَ فَهو خَيْرٌ لَهُ.
ومِن ذَلِكَ ما رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ إسْحاقَ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هي في رَجُلٍ أضافَ رَجُلًا فَأساءَ قِراهُ، فَتَحَوَّلَ عَنْهُ، فَجَعَلَ يُثْنِي عَلَيْهِ بِما أوْلاهُ، فَرَخَّصَ لَهُ أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ بِما أوْلاهُ.
وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ: وهو الرَّجُلُ يَنْزِلُ بِالرَّجُلِ فَلا يُحْسِنُ ضِيافَتَهُ فَيَخْرُجُ فَيَقُولُ: أساءَ ضِيافَتِي ولَمْ يُحْسِنْ.
وفِي رِوايَةٍ: هو الضَّيْفُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ، فَإنَّهُ يَجْهَرُ لِصاحِبِهِ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ رَوى الجَماعَةُ (سِوى النَّسائِيِّ والتِّرْمِذِيِّ ) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّكَ تَبْعَثُنا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلا يَقْرُونَنا فَما تَرى؟ فَقالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأمَرُوا لَكم بِما يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فاقْبَلُوا، فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنهم حَقَّ الضَّيْفِ (p-١٦٢٧)الَّذِي يَنْبَغِي لَهم» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنِ المِقْدامِ بْنِ أبِي كَرِيمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أيُّما مُسْلِمٍ ضافَ قَوْمًا فَأصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا، فَإنَّ حَقًّا عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ نَصْرُهُ حَتّى يَأْخُذَ بِقِرى لَيْلَتِهِ مِن زَرْعِهِ ومالِهِ» .
ورَوى هو وأبُو داوُدَ عَنْهُ أيْضًا سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْلَةُ الضَّيْفِ واجِبَةٌ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَإنْ أصْبَحَ بِفِنائِهِ مَحْرُومًا كانَ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَإنْ شاءَ اقْتَضاهُ وإنْ شاءَ تَرَكَهُ» .
ومِن هَذا القَبِيلِ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنَّ لِي جارًا يُؤْذِينِي، فَقالَ لَهُ: أخْرِجْ مَتاعَكَ فَضَعْهُ عَلى الطَّرِيقِ فَأخَذَ الرَّجُلُ مَتاعُهُ فَطَرَحَهُ عَلى الطَّرِيقِ، فَكُلُّ مَن مَرَّ بِهِ قالَ: ما لَكَ؟ قالَ: جارِي يُؤْذِينِي، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، اللَّهُمَّ أخْزِهِ. قالَ: فَقالَ الرَّجُلُ: ارْجِعْ إلى مَنزِلِكَ، واللَّهِ لا أُوذِيكَ أبَدًا». ورَواهُ أبُو داوُدَ في كِتابِ الأدَبِ.
وقالَ عَبْدُ الكَرِيمِ بْنُ مالِكٍ الجَزْرِيُّ - في هَذِهِ الآيَةِ -: هو الرَّجُلُ يَشْتُمُكَ فَتَشْتُمُهُ، ولَكِنْ إنِ افْتَرى عَلَيْكَ فَلا تَفْتَرْ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] [الشُّورى: ٤١].
وقالَ قُطْرُبٌ: مَعْنى الآيَةِ: إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى أنْ يَجْهَرَ بِسُوءٍ مِنَ القَوْلِ، مِن كُفْرٍ أوْ نَحْوِهِ، فَهو مُباحٌ لَهُ.
وسُئِلَ المُرْتَضى عَنْها فَقالَ: لا يُحِبُّ اللَّهُ ذَلِكَ ولا يُجِيزُهُ لِفاعِلِهِ إلّا مَن ظُلِمَ، وذَلِكَ مِثْلَ ما كانَ مِن مَرَدَةِ قُرَيْشٍ وفِعْلِهِمْ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ العِقابِ والضَّرْبِ لِيَشْتُمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَتَبَرَّءُوا مِنهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عَمّارٌ، فَخَلَّوْهُ وصَلَبُوا صاحِبَهُ، فَأُطْلِقَ لِمَن فَعَلَ بِهِ هَكَذا أنْ يَتَكَلَّمَ بِما لَيْسَ في قَلْبِهِ، وفي عَمّارٍ (p-١٦٢٨)وصاحِبِهِ نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ في سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] [النَّحْلِ: ١٠٦] فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً لِما في قَلْبِ عَمّارٍ مِن شِحْنَةٍ بِالإيمانِ. انْتَهى.
وكُلُّ هَذا مِمّا تَشْمَلُهُ الآيَةُ بِعُمُومِها، وما نَقَلَهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ وغَيْرُهُ، عَنِ الفَرّاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ أنْ: " إلّا " بِمَعْنى (لا) يَعْنِي: ولا مَن ظُلِمَ - فَهَذا مِن تَحْرِيفِ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ؛ فَإنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أنْ يَتَكَلَّمَ بِالكَلامِ الَّذِي هو مِنَ السُّوءِ في جانِبٍ مِن ظُلْمِهِ، ويُؤَيِّدُهُ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ، عَنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ»» وأمّا مَن لَمْ يُظْلَمْ فَجَهْرُهُ بِالسُّوءِ داخِلٌ في الغِيبَةِ المَحْظُورَةِ.
فَوائِدُ:
قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: أفادَتِ الآيَةُ جَوازَ الجَهْرِ بِالدُّعاءِ عَلى الظّالِمِ والجَهْرِ بِمُساوِيهِ، ودَلَّتْ عَلى أنَّ مَن جَهَرَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ مُكْرَهًا لَمْ يَكْفُرْ؛ لِأنَّهُ مَظْلُومٌ، وإذا ثَبَتَ بُطْلانُ حُكْمِ لَفْظِ (الكُفْرِ) مَعَ الظُّلْمِ - فَكَذا يَلْزَمُ في سائِرِ الأحْكامِ مِنَ البَيْعِ والعَتاقِ والطَّلاقِ والإقْرارِ، ثُمَّ قالَ: والمَحَبَّةُ هَهُنا بِمَعْنى الإباحَةِ، لا أنَّ ذَلِكَ يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى.
أقُولُ: هَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ.
ثُمَّ قالَ: وتَسْمِيَتُهُ سُوءًا؛ لِكَوْنِهِ يَسُوءُ المَقُولَ فِيهِ، وإلّا فَلَيْسَ بِقَبِيحٍ في هَذِهِ الحالِ.
ثُمَّ قالَ: وقَوْلُ مَن قالَ (إلّا) هُنا بِمَعْنى (الواوِ) أيْ: ومَن ظُلِمَ، مِثْلُ:
؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
فَخِلافُ الظّاهِرِ. انْتَهى.
وقَدْ نُقِلَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ حِكَمٌ ونَوادِرُ بَدِيعَةٌ، قالَ الشَّعْبِيُّ: يُعْجِبُنِي الرَّجُلُ إذا سِيمَ (p-١٦٢٩)هَوْنًا دَعَتْهُ الأنَفَةُ إلى المُكافَأةِ، وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، فَبَلَغَ كَلامُهُ الحَجّاجَ فَقالَ: لِلَّهِ دَرُّهُ! أيُّ رَجُلٍ بَيْنَ جَنْبَيْهِ! وتَمَثَّلَ:
؎ولا خَيْرَ في عِرْضِ امْرِئٍ لا يَصُونُهُ ∗∗∗ ولا خَيْرَ في حِلْمِ امْرِئٍ ذُلَّ جانِبُهُ
وقالَ أعْرابِيٌّ لِابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أتَخافُ عَلَيَّ جَناحًا إنْ ظَلَمَنِي رَجُلٌ فَظَلَمْتُهُ؟ فَقالَ لَهُ: العَفْوُ أقْرَبُ لِلتَّقْوى، فَقالَ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]
وقالَ المُتَنَبِّي:
؎مِنَ الحِلْمِ أنْ تَسْتَعْمِلَ الجَهْلَ دُونَهُ ∗∗∗ إذا اتَّسَعَتْ في الحِلْمِ طُرْقُ المَظالِمِ
لَطِيفَةٌ:
الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ إمّا مُتَّصِلٌ أوْ مُنْقَطِعٌ، فَعَلى الأوَّلِ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: هَذا مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ، أيْ: إلّا جَهَرَ مَن ظُلِمَ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ.
والثّانِي: قَوْلُ الزَّجّاجِ: المَصْدَرُ هَهُنا بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: لا يُحِبُّ اللَّهُ المُجاهِرَ بِالسُّوءِ إلّا مَن ظُلِمَ، وعَلى أنَّهُ مُنْقَطِعٌ فالمَعْنى: لَكِنَّ المَظْلُومَ لَهُ أنْ يَجْهَرَ بِظُلامَتِهِ.
(p-١٦٣٠)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ فِيهِ وعْدٌ لِلْمَظْلُومِ بِأنَّهُ تَعالى يَسْمَعُ شَكْواهُ ودُعاءَهُ ويَعْلَمُ ظُلْمَ ظالِمِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] [إبْراهِيمَ: ٤٢] ووَعِيدٌ لَهُ أيْضًا بِأنْ يَتَعَدّى في الجَهْرِ المَأْذُونِ فِيهِ، بَلْ لِيَقُلِ الحَقَّ ولا يَقْذِفْ بَرِيئًا بِسُوءٍ فَإنَّهُ يَصِيرُ عاصِيًا لِلَّهِ بِذَلِكَ.
ثُمَّ حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى العَفْوِ بَعْدَما جَوَّزَ الجَهْرَ بِالسُّوءِ وجَعَلَهُ مَحْبُوبًا حَثًّا عَلى الأحَبِّ إلَيْهِ والأفْضَلِ عِنْدَهُ، وإلّا دَخَلَ في الكَرَمِ والتَّخَشُّعِ والعُبُودِيَّةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
4:149Page 102
إِن تُبۡدُواْ خَيۡرًا أَوۡ تُخۡفُوهُ أَوۡ تَعۡفُواْ عَن سُوٓءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّٗا قَدِيرًا ١٤٩
If [instead] you show [some] good or conceal it or pardon an offense - indeed, Allāh is ever Pardoning and Competent.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [١٤٩]
﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ أيْ: طاعَةً وبِرًّا ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ أيْ: تَعْمَلُوهُ سِرًّا ﴿أوْ تَعْفُوا﴾ أيْ: تَتَجاوَزُوا ﴿عَنْ سُوءٍ﴾ أيْ: ظُلْمٍ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أيْ: يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، فَعَلَيْكم أنْ تَقْتَدُوا بِسُنَّةِ اللَّهِ بِالعَفْوِ مَعَ القُدْرَةِ، فَثَمَرَةُ هَذِهِ الآيَةِ الحَثُّ عَلى العَفْوِ، وأنْ لا يَجْهَرَ أحَدٌ لِأحَدٍ بِسُوءٍ، وإنْ كانَ عَلى وجْهِ الِانْتِصارِ؛ حَمْلًا عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ، وإنَّما كانَ المَقْصُودُ العَفْوَ؛ لِأنَّ ما قَبْلَها في ذِكْرِ السُّوءِ والجَهْرِ بِهِ، فَمُقْتَضى السِّياقِ: لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ إلّا مَن ظُلِمَ، فَإنْ عَفا المَظْلُومُ عَنْهُ ولَمْ يَدْعُ عَلى ظالِمِهِ ويَتَظَلَّمْ مِنهُ - فَإنَّ اللَّهَ عَفُوٌّ قَدِيرٌ، وإنَّما ذَكَرَ قَبْلَهُ إبْداءَ الخَيْرِ وإخْفاءَهُ تَوْطِئَةً لِلْعَفْوِ عَنِ السُّوءِ؛ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِن مَدْحِ حالَيِ الخَيْرِ: السِّرِّ والعَلانِيَةِ أنَّ السُّوءَ لَيْسَ كَذَلِكَ جَهْرًا وإخْفاءً، فَيَنْبَغِي العَفْوُ عَنْهُ وتَرْكُهُ، وإنَّما عُطِفَ (العَفْوُ) بِـ(أوْ) مَعَ دُخُولِهِ في الخَيْرِ بِقِسْمَيْهِ لِلِاعْتِدادِ بِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى مَنزِلَتِهِ، وكَوْنِهِ مِنَ الخَيْرِ بِمَكانٍ مُرْتَفِعٍ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ حِينَئِذٍ هو المَقْصُودُ وأنَّهُ مِن قَبِيلِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨] [البَقَرَةِ: ٩٨] لِأنَّ مِثْلَهُ يُعْطَفُ بِالواوِ لا بِـ(أوْ) ولِذا حُمِلَ الخَيْرُ (p-١٦٣١)عَلى الطّاعَةِ والبِرِّ مِمّا هو عِبادَةٌ وقُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ؛ لِتَغايُرِ العَفْوِ، فالمُرادُ بِالتَّوْطِئَةِ ذِكْرُ ما هو مُناسِبٌ وقُدِّمَ عَلَيْهِ، كَذا في "العِنايَةِ".
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ورَدَ في الأثَرِ: «أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: سُبْحانَكَ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، ويَقُولُ بَعْضُهُمْ: سُبْحانَكَ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ» .
وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بَعَفْوٍ إلّا عِزًّا، وما تَواضَعَ أحَدٌ لِلَّهِ إلّا رَفَعَهُ الِلَّهُ» .
وقالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ مَعاقِدَ الخَيْرِ عَلى كَثْرَتِها مَحْصُورَةٌ في أمْرَيْنِ: صِدْقٌ مَعَ الحَقِّ وخُلُقٌ مَعَ الخَلْقِ، والَّذِي يَتَعَلَّقُ مَعَ الخَلْقِ مَحْصُورٌ في قِسْمَيْنِ: إيصالُ نَفْعٍ إلَيْهِمْ، ودَفْعُ ضَرَرٍ عَنْهُمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ﴾ إشارَةٌ إلى إيصالِ النَّفْعِ إلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿أوْ تَعْفُوا﴾ إشارَةٌ إلى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ، فَدَخَلَ في هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ جَمِيعُ أنْواعِ الخَيْرِ وأعْمالِ البِرِّ.
ثُمَّ نَزَلَ في اليَهُودِ إلى أواخِرِ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعالى:
4:150Page 102
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠
Indeed, those who disbelieve in Allāh and His messengers and wish to discriminate between Allāh and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾ [١٥٠]
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي كَعْبًا وأصْحابَهُ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: في الإيمانِ ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ مِنَ الرُّسُلِ ﴿ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ مِنهُمْ، كَما قالُوا: نُؤْمِنُ بِمُوسى والتَّوْراةِ، ونَكْفُرُ بِما وراءَ ذَلِكَ، وما ذاكَ إلّا كُفْرٌ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ، وتَفْرِيقٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ في الإيمانِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَهم بِالإيمانِ بِكُلِّ نَبِيٍّ يَأْتِي مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ، ونَصْرِهِ، ومَن كَفَرَ بِواحِدٍ مِنهم فَقَدْ كَفَرَ بِالكُلِّ وبِاللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ؛ لِأنَّهم لَمّا تَساوَوْا في المُعْجِزاتِ والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، والقِيامِ بِالخَيْراتِ في أنْفُسِهِمْ - كانَ الكُفْرُ بِواحِدٍ مِنهم كُفْرًا بِالكُلِّ، بَلْ وبِاللَّهِ (p-١٦٣٢)إذْ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ أنَّهُ صَدَّقَ الكاذِبَ بِخَلْقِ المُعْجِزاتِ، كَذا في "التَّبْصِيرِ".
﴿ويُرِيدُونَ﴾ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ: ﴿أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَيْنَ الإيمانِ بِبَعْضٍ والكُفْرِ بِبَعْضٍ ﴿سَبِيلا﴾ دِينًا يَسْلُكُونَهُ، مَعَ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَهم قَطْعًا.
4:151Page 102
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١
Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [١٥١]
﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ أيِ: الَّذِينَ كَفَرُوا كُفْرًا ثابِتًا لا رَيْبَ فِيهِ، فَلا عِبْرَةَ بِمَنِ ادَّعَوُا الإيمانَ بِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ شَرْعِيًّا؛ إذْ لَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ لِكَوْنِهِ رَسُولَ اللَّهِ لَآمَنُوا بِنَظِيرِهِ، وبِمَن هو أوْضَحُ دَلِيلًا وأقْوى بُرْهانًا مِنهُ.
﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ يُهانُونَ بِهِ، وهو عَذابُ جَهَنَّمَ، أيْ: كَما اسْتَهانُوا بِمَن كَفَرُوا بِهِ إمّا لِعَدَمِ نَظَرِهِمْ فِيما جاءَهم بِهِ مِنَ اللَّهِ وإعْراضِهِمْ عَنْهُ، وإقْبالِهِمْ عَلى جَمْعِ حُطامِ الدُّنْيا، وإمّا بِكُفْرِهِمْ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ، كَما كانَ يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِن أحْبارِهِمْ في عَهْدِهِ ﷺ حَيْثُ حَسَدُوهُ عَلى ما أتاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ العَظِيمَةِ، وخالَفُوهُ وكَذَّبُوهُ وعادُوهُ وقاتَلُوهُ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الذُّلَّ الدُّنْيَوِيَّ المَوْصُولَ بِالذُّلِّ الأُخْرَوِيِّ، وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
4:152Page 102
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٥٢
But they who believe in Allāh and His messengers and do not discriminate between any of them - to those He is going to give their rewards. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [١٥٢]
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ كُلِّهِمْ ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي بِهِمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّهم يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ، ولا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم - بِأنْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضِهِمْ ويَكْفُرُوا بِآخَرِينَ - كَما فَعَلَهُ الكَفَرَةُ.
﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ﴾ أيْ: يُعْطِيهِمْ ﴿أُجُورَهُمْ﴾ (p-١٦٣٣)ثَوابَ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ في الآخِرَةِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ أيْ: لِما فَرَطَ مِنهم ﴿رَحِيمًا﴾ مُبالِغًا في الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، بِتَضْعِيفِ حَسَناتِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما جُبِلَ عَلَيْهِ اليَهُودُ مِنَ اللَّجاجِ والعِنادِ والبُعْدِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ بِقَوْلِهِ.
4:153Page 102
يَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ فَقَدۡ سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ١٥٣
The People of the Scripture ask you to bring down to them a book from the heaven. But they had asked of Moses [even] greater than that and said, "Show us Allāh outright," so the thunderbolt struck them for their wrongdoing. Then they took the calf [for worship] after clear evidences had come to them, and We pardoned that. And We gave Moses a clear authority.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [١٥٣]
﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَعْبٌ وأصْحابُهُ ﴿أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ عَلى مُوسى جُمْلَةً في الألْواحِ، مَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ لَهم إلى طَلَبِ ذَلِكَ بَعْدَما وُضِّحَتِ البَراهِينُ عَلى نُبُوَّتِكَ، لا سِيَّما بِإعْجازِ ما نَزَلَ عَلَيْكَ مِنَ الفُرْقانِ، إلّا أنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى سُؤالِهِمْ هو التَّعَنُّتُ والكُفْرُ، كَما قالَ قَبْلَهم كُفّارُ قُرَيْشٍ نَظِيرَ ذَلِكَ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] [الإسْراءِ: ٩٠] الآياتِ.
ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: مِمّا سَألُوكَ ﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أيْ: رُؤْيَةً ظاهِرَةً ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ أيِ: النّارُ النّازِلَةُ مِنَ السَّماءِ ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ: جَراءَتِهِمْ عَلى اللَّهِ وعُتُوِّهِمْ وعِنادِهِمْ؛ إذْ لا يَرَوْنَ آيَةً إلّا يَطْلُبُونَ أكْبَرَ مِنها، حَتّى يَرَوْا آيَةً مُلْجِئَةً إلى الإيمانِ، بِحَيْثُ لا يُفِيدُ الإيمانُ مَعَها، فَلا يَكادُونَ يُؤْمِنُونَ إيمانًا يُفِيدُهم أصْلًا، ولا يُبْعِدُ مِنهُمُ الكُفْرَ - بَعْدَ رُؤْيَةِ الآياتِ، فَإنَّهم رَأوْا آياتِ مُوسى.
﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ أيْ: إلَهًا وعَبَدُوهُ (p-١٦٣٤)﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ: الدَّلائِلُ القاطِعَةُ عَلى نَفْيِ الشِّرْكِ، ثُمَّ تابُوا عَنْهُ.
﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾ أيْ: تَرَكْناهم ولَمْ نَسْتَأْصِلْهم ﴿وآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أيْ حُجَّةً بَيِّنَةً وتَسَلُّطًا ظاهِرًا عَلى إهْلاكِ مَن خالَفَهُ، وفي ذَلِكَ بِشارَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِنَصْرِهِ، وإنْ بالَغُوا في العِنادِ والإلْحادِ، ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهم مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآياتِ لَمْ يَنْقادُوا لِأوامِرِ مُوسى، كَما قالَ تَعالى:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences