Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:158, continued
فانْظُرْ - أيُّها العاقِلُ - كَيْفَ اعْتَرَفَ هُنا أنَّهُ يَسُوعُ لَمّا عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَلّى حِراسَتَهُ مِنهُمْ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ أنْ يَنالُوهُ بِسُوءٍ، وكَيْفَ لَمْ يَعْتَرِفْ بِأنَّهُ المَسِيحُ لَمّا سَألَهُ رَئِيسُ الكَهَنَةِ عَنْ نَفْسِهِ، فَعَدَمُ اعْتِرافِهِ هُناكَ واعْتِرافُهُ هُنا دَلِيلٌ واضِحٌ أيْضًا عَلى أنَّ ما قالَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في القُرْآنِ العَظِيمِ هو الحَقُّ.
ثُمَّ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى عَدَمِ قَتْلِهِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الأناجِيلُ مِنِ اخْتِلافِ المَبانِي والمَعانِي والمَقاصِدِ والِاضْطِرابِ في حِكايَةِ هَذِهِ الواقِعَةِ والتَّناقُضِ في ألْفاظِها، كَدَعْواهُمُ الأُلُوهِيَّةَ مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – (عِنْدَ صَلْبِهِ بِزَعْمِهِمْ): إلَهِي! إلَهِي! لِمَ تَرَكْتَنِي، وقَوْلِهِ كَما في الفَصْلِ السّادِسِ والعِشْرِينَ مِن إنْجِيلِ مَتّى: يا أبَتاهُ إنَّ كانَ لا يُمْكِنُكَ أنْ تَفُوتَنِي هَذِهِ الكَأْسُ - أيِ: المَوْتُ - ولا بُدَّ لِي أنْ أشْرَبَها فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ، وقامَ يُصَلِّي، وقَوْلِهِ لِرَئِيسِ الكَهَنَةِ: إنَّكم مِنَ الآنَ لا تَرَوْنَ ابْنَ الإنْسانِ حَتّى تَرَوْنَهُ جالِسًا عَنْ يَمِينِ القُوَّةِ وآتِيًا في سَحابِ السَّماءِ، يُرِيدُ بِالقُوَّةِ البارِئَ تَعالى شَأْنُهُ.
وفِي الفَصْلِ السّابِعِ مِن إنْجِيلِ يُوحَنّا: إنَّ الفُرَيْسِيِّينَ ورُؤَساءَ الكَهَنَةِ أرْسَلُوا شُرَطًا لِيَقْبِضُوا عَلى المَسِيحِ (يَعْنِي لِيَقْتُلُوهُ كَما قالَ مُفَسِّرُوهُمْ) قالَ: أنا ماكِثٌ أيْضًا مَعَكم زَمانًا، ثُمَّ (p-١٦٦٤)أنْطَلِقُ إلى مَن أرْسَلَنِي وتَطْلُبُونِي فَلا تَجِدُونِي، وحَيْثُما أكُنْ فَلا تَسْتَطِيعُونَ إلَيَّ سَبِيلًا، قالَ اليَهُودُ في ذَواتِهِمْ: فَإلى أيْنَ؟ هَذا عَتِيدٌ أنْ يَنْطَلِقَ حَتّى لا نَجِدَهُ نَحْنُ؟ قالَ مُفَسِّرُوهم أيْ: يَصْعَدُ إلى السَّماءِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لَوْ أرَدْنا ذِكْرَهُ والتَّنْقِيرَ عَنْهُ لَطالَ البَحْثُ.
ثُمَّ نَقَلَ خَيْرُ الدِّينِ نَحْوًا مِمّا أسْلَفْناهُ عَنْ أناجِيلِهِمْ، وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: فَأجِلْ في تَناقُضِها قِداحَ فِكْرِكَ، وفي تَهافُتِها خُيُولَ ذِهْنِكَ؛ لِتَرى في هَذِهِ القِصَّةِ ما يَدُلُّكَ عَلى وُقُوعِ الشَّبَهِ ونَجاةِ المَسِيحِ عَقْلًا ونَقْلًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] ولِيَتَبَيَّنَ لَكَ عُبُودِيَّتُهُ ورِسالَتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّ ذَلِكَ ظاهِرٌ مِنَ العِباراتِ، ولْنَزِدْكَ في البَيانِ وُضُوحًا بِما نُنَبِّهُكَ عَلَيْهِ بِكَلِماتٍ يَسِيرَةٍ مَقْدُوحًا ومَشْرُوحًا.
مِنها: قَوْلُهم إنَّهُ صُلِبَ قَبْلَ غُرُوبِ يَوْمِ الجُمُعَةِ ودُفِنَ مَساءَها، ولَمّا جاءَتِ النِّسْوَةُ عَشِيَّةَ السَّبْتِ المُسْفِرِ صَباحُهُ عَنِ الأحَدِ وجَدْنَهُ فارِغًا، وقَدْ قامَ مِنهُ المَدْفُونُ، مَعَ أنَّ النَّصارى يَزْعُمُونَ - كَما في أناجِيلِهِمْ - أنَّهُ يَبْقى في قَبْرِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، كَما بَقِيَ يُونانُ - أيْ: يُونُسُ - في بَطْنِ الحُوتِ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيها، فَما هَذا إلّا دَلِيلٌ عَلى الِاخْتِلافِ والتَّهافُتِ في الأمْرِ.
ومِنها: سُؤالُهُ اليَهُودَ مَرَّتَيْنِ مَن تَطْلُبُونَ؟ وهم يَقُولُونَ: يَسُوعُ النّاصِرِيُّ، فَلَمْ يَعْرِفُوهُ وهو يَقُولُ لَهُمْ: أنا.
ومِنها: أنَّ يَهُوذا ارْتَشى لِيَدُلَّهم عَلَيْهِ، وجَعَلَ العَلامَةَ عَلى تَعْيِينِهِ لَهم تَقْبِيلَ يَدِهِ، فَلَوْ كانَ مَعْلُومًا لَهم لَعَرَفُوهُ بِلا دَلالَةٍ وبِلا سُؤالٍ، مَعَ أنَّهُ كانَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ وفي غالِبِ الأيّامِ في هَيْكَلِهِمْ.
ومِنها: أنَّهُ لَمّا أقْسَمَ عَلَيْهِ رَئِيسُ الكَهَنَةِ أنَّهُ هو المَسِيحُ لَمْ يَقُلْ لَهُ: أنا المَسِيحُ، بَلْ قالَ لَهُ: أنْتَ قُلْتَ.
(p-١٦٦٥)ومِنها: إنْكارُ بُطْرُسَ لَهُ وهو مِن أعْظَمِ رُسُلِهِ، وإنْكارُهُ كُفْرٌ.
ومِنها: أنَّهُ لَمّا سَألَهُ الوالِي: أنْتَ هُوَ؟ لَمْ يَرُدَّ لَهُ جَوابًا، فَلَوْ كانَ هو لاعْتَرَفَ وأقَرَّ.
ومِنها: أنَّهُ لَمّا كانَ أخْذُهُ لَيْلًا، وقَدْ شُوِّهَتْ صُورَتُهُ وتَغَيَّرَتْ مَحاسِنُهُ بِالضَّرْبِ والنَّكالِ، فَهي حالَةٌ تُوجِبُ اللَّبْسَ بَيْنَ الشَّيْءِ وخِلافِهِ، فَكَيْفَ بَيْنَ الشَّيْءِ وشَبَهِهِ؟ فَمِن أيْنَ يَحْصُلُ القَطْعُ بِأنَّهُ هُوَ؟ لا سِيَّما والنَّصارى قَدْ حَكَمُوا أنَّ المَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ أُعْطِيَ قُوَّةَ التَّحَوُّلِ مِن صُورَةٍ إلى صُورَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المَسِيحَ ذَهَبَ في الجَماعَةِ الَّذِينَ أطْلَقَهُمُ الأعْوانُ، وكانَ المُتَكَلِّمُ مَعَهم تِلْمِيذٌ أرادَ أنْ يَبِيعَ نَفْسَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ وِقايَةً لِلْمَسِيحِ، فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الشَّبَهَ، وأتْباعُ الأنْبِياءِ يَفْدُونَ أنْفُسَهم لِأنْبِيائِهِمْ، وهَذا فَدى نَفْسَهُ لِإلَهِهِ بِزَعْمِ النَّصارى.
ومِنها: أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ الأعْوانَ ارْتَشَوْا عَلى إطْلاقِهِ كَما ارْتَشى يَهُوذا عَلى الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، وأخَذُوا غَيْرَهُ مِمَّنْ يُرِيدُ أنْ يَفْدِيَ نَفْسَهُ لِلْمَسِيحِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ عَدَمُ اعْتِرافِهِ بِأنَّهُ المَسِيحُ.
ومِنها: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي تَقَدَّمَ آنِفًا: أنا ماكِثٌ مَعَكم زَمانًا، ثُمَّ أنْطَلِقُ إلى مَن أرْسَلَنِي، فَتَطْلُبُونِي فَلا تَجِدُونِي، وحَيْثُما أكُنْ فَلا تَسْتَطِيعُونَ إلَيَّ سَبِيلًا، فَهَذا صَرِيحٌ في أنَّهم سَيَطْلُبُونَهُ ولا يَجِدُونَهُ ولا يَنالُونَ مِنهُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ سَيَصْعَدُ إلى السَّماءِ، ومِثْلُهُ في الفَصْلِ الثّانِي عَشَرَ مِن "إنْجِيلِ يُوحَنّا" ما لَفْظُهُ: قالَ لَهُ الجُمُوعُ: نَحْنُ سَمِعْنا مِنَ النّامُوسِ أنَّ المَسِيحَ يَمْكُثُ إلى الأبَدِ، فَكَيْفَ تَقُولُ أنْتَ أنَّ ابْنَ البَشَرِ سَوْفَ يَرْتَفِعُ مَن هو هَذا ابْنُ البَشَرِ؟
قالَ لَهم يَسُوعُ: إنَّ النُّورَ مَعَكم زَمانًا آخَرَ يَسِيرًا، امْشُوا ما دامَ لَكُمُ النُّورُ؛ لِئَلّا يُدْرِكَكُمُ الظَّلامُ، ومَن يَمْشِ في الظَّلامِ فَلا يَدْرِ أيْنَ يَذْهَبُ، آمِنُوا بِالنُّورِ ما دامَ لَكُمُ النُّورُ، قالَ يَسُوعُ هَذا، وذَهَبَ مُتَوارِيًا عَنْهُمُ. انْتَهى.
فَفِي هَذا الكَلامِ أدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ مُؤَيِّدَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النِّساءِ: ١٥٨].
مِنها: أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِعِيسى: إنَّ المَسِيحَ المَذْكُورَ في العَهْدِ القَدِيمِ يَمْكُثُ إلى الأبَدِ.
(p-١٦٦٦)أيْ: فَإنْ كُنْتَ أنْتَ المَسِيحَ فَأنْتَ لا تَمُوتُ في هَذا الزَّمانِ، بَلْ تَبْقى إلى قِيامِ السّاعَةِ، ولَمْ يُكَذِّبْهم في نَقْلِهِمْ ذَلِكَ، والمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: إنَّهُ رُفِعَ حَيًّا إلى السَّماءِ وهو الآنَ حَيٌّ فِيها، وسَيَنْزِلُ آخِرَ الزَّمانِ عِنْدَ قُرْبِ السّاعَةِ، ويَقْتُلُ الدَّجّالَ ويَحْكُمُ بِالشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ويُتَوَفّى ويُدْفَنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَهو حَيٌّ إلى الأبَدِ، يَعْنِي إلى قُرْبِ قِيامِ السّاعَةِ، ونُزُولُهُ ومَوْتُهُ مِن أماراتِ السّاعَةِ الكُبْرى، وفي هَذا القَوْلِ دَلالاتٌ ظاهِراتٌ أيْضًا عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ قالَ: ابْنُ البَشَرِ، يَعْنِي لا تَظُنُّوا أنِّي أدَّعِي الأُلُوهِيَّةَ وإنْ أحْيَيْتُ المَوْتى؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُعْجِزَةٌ خَلَقَها اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِهِ لِلْإيمانِ بِنُبُوَّتِهِ.
ثانِيها: لَوْ كانَ إلَهًا لَما تَوارى مِنهم خائِفًا مِن قَتْلِهِمْ لَهُ؛ لِأنَّ الإلَهَ هو خالِقٌ لَهم ولِعَمَلِهِمْ، وعالِمٌ بِزَمَنِ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَفِرُّ وهو يَعْلَمُ وقْتَ مَوْتِهِ؟ وهو خالِقُ المَوْتِ والحَياةِ؟!
ثُمَّ إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْقى شَبَهَهُ عَلى شَيْطانٍ أوْ مارِدٍ مِن مَرَدَةِ الجِنِّ لِيُخَلِّصَ نَبِيَّهُ ورَسُولَهُ مِن أيْدِي أعْدائِهِ، ويَرْفَعُهُ إلَيْهِ مَحْفُوظًا مُكْرَمًا، كَما أجْرى عَلى يَدَيْهِ إحْياءَ المَوْتى، وخَلَقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ، وأبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، لا سِيَّما وهو بِزَعْمِهِمْ إلَهُ العالَمِ وخالِقُ الإنْسِ والجِنِّ وبَنِي آدَمَ، فَأيُّ ضَرُورَةٍ تَدْعُو لِإثْباتِ أنْواعِ الإهانَةِ والعَذابِ - عَلى ما زَعَمُوا - لِرَبِّ الأرْبابِ، مَعَ وُجُودِ التَّناقُضِ فِيما نَقَلَتْهُ أناجِيلُهم في هَذا الفَصْلِ والبابِ.
؎عَجَبًا لِلْمَسِيحِ بَيْنَ النَّصارى وإلى أيِّ والِدٍ نَسَبُوهُ
؎أسْلَمُوهُ إلى اليَهُودِ وقالُوا ∗∗∗ إنَّهم بَعْدَ ضَرْبِهِ صَلَبُوهُ
؎فَإذا كانَ ما يَقُولُونَ حَقًّا ∗∗∗ وصَحِيحًا فَأيْنَ كانَ أبُوهُ؟
؎حِينَ خَلّى ابْنَهُ رَهِينَ الأعادِي ∗∗∗ أتَراهم أرْضَوْهُ أمْ أغْضَبُوهُ؟
؎فَلَئِنْ كانَ راضِيًا بِأذاهم ∗∗∗ فاحْمَدُوهم لِأنَّهم عَذَّبُوهُ
؎ولَئِنْ كانَ ساخِطًا فاتْرُكُوهُ ∗∗∗ واعْبُدُوهم لِأنَّهم غَلَبُوهُ
وفِي كِتابِ "الفاصِلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ" ما نَصُّهُ: وفي الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهُ شَهِيدًا عَلى صَلْبِهِ مِن (p-١٦٦٧)كَلامِ عامُوصَ النَّبِيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ عَلى لِسانِهِ: ثَلاثَةُ ذُنُوبٍ أقْبَلُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، والرّابِعَةُ لا أقْبَلُها، بَيْعُهُمُ الرَّجُلَ الصّالِحَ - حُجَّةٌ عَلَيْكم لا لَكُمْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: بَيْعُهم إيّايَ، ولا قالَ: بَيْعُهم إلَهًا مُتَساوِيًا مَعِيَ.
ويَجْرِي تَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ:
إمّا أنْ يَكُونَ عَنى بِالمَبِيعِ عِيسى كَما تَزْعُمُونَ فَقُولُوا حِينَئِذٍ إنَّهُ (الرَّجُلُ الصّالِحُ) كَما قالَ عامُوصُ، ولَيْسَ بِالإلَهِ المَعْبُودِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ بِالمَبِيعِ غَيْرَهُ وهو الَّذِي شُبِّهَ لِلْيَهُودِ فابْتاعُوهُ وصَلَبُوهُ، ويَلْزَمُكم وقْتَئِذٍ إنْكارُ صَلُوبِيَّةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَيْفَ لا ونُصُوصُ الإنْجِيلِ والكُتُبِ النَّصْرانِيَّةِ مُتَضافِرَةٌ دالَّةٌ عَلى عَدَمِ الصَّلْبِ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووُقُوعِ الشَّبَهِ عَلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: يُوجَدُ في الإنْجِيلِ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَعِدَ إلى جَبَلِ الجَلِيلِ ومَعَهُ بُطْرُسُ ويَعْقُوبُ ويُوحَنّا، فَبَيْنَما هو يُصَلِّي إذْ تَغَيَّرَ مَنظَرُ وجْهِهِ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، وابْيَضَّتْ ثِيابُهُ فَصارَتْ تَلْمَعُ كالبَرْقِ، وإذا بِمُوسى بْنُ عِمْرانَ وإيلِيا قَدْ ظَهَرا لَهُ، وجاءَتْ سَحابَةٌ فَأظَلَّتْهُمْ، فَوَقَعَ النَّوْمُ عَلى الَّذِينَ مَعَهُ، فَأيُّ مانِعٍ يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ في اليَوْمِ الَّذِي طَلَبَتْهُ فِيهِ اليَهُودُ، وإنَّما قَدِ اخْتَلَفْتُمْ في نَقْلِها كَما اخْتَلَفْتُمْ وتَناقَضْتُمْ في غَيْرِ ذَلِكَ، وغَيَّرْتُمُ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ.
وظُهُورُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وتَظْلِيلُ السَّحابَةِ، ووُقُوعُ النَّوْمِ عَلى التَّلامِيذِ - يَكُونُ حِينَئِذٍ دَلِيلًا ظاهِرًا عَلى الرَّفْعِ إلى السَّماءِ وعَدَمِ الصَّلْبِ، وإلّا فَلا مَعْنى لِظُهُورِ هَذِهِ الآياتِ.
وثانِيها: ما في الإنْجِيلِ أيْضًا أنَّ المَصْلُوبَ قَدِ اسْتَسْقى اليَهُودَ فَأعْطَوْهُ خَلًّا مُضافًا بِمُرٍّ، فَذاقَهُ ولَمْ يَشْرَبْهُ، فَنادى: إلَهِي إلَهِي لِمَ خَذَلْتَنِي؟ والأناجِيلُ كُلُّها مُصَرِّحَةٌ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَطْوِي أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً، ويَقُولُ لِلتَّلامِيذِ: إنِّي لِي طَعامًا لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ، ومَن يَصْبِرُ عَلى العَطَشِ والجُوعِ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً كَيْفَ يُظْهِرُ الحاجَةَ والمَذَلَّةَ لِأعْدائِهِ بِسَبَبِ عَطَشِ يَوْمٍ واحِدٍ؟! هَذا لا يَفْعَلُهُ أدْنى النّاسِ فَكَيْفَ بِخَواصِّ الأنْبِياءِ؟! أوْ كَيْفَ بِالرَّبِّ عَلى ما تَدَّعُونَهُ؟! فَيَكُونُ حِينَئِذٍ المُدَّعِي لِلْعَطَشِ غَيْرَهُ، وهو الَّذِي شُبِّهَ لَكم.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: إلَهِي إلَهِي لِمَ خَذَلْتَنِي وتَرَكَتْنِي؟ هو كَلامٌ يَقْتَضِي عَدَمَ الرِّضا بِالقَضاءِ، وعَدَمَ (p-١٦٦٨)التَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ المَصْلُوبُ غَيْرَهُ، لا سِيَّما وأنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ المَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما نَزَلَ لِيُؤْثِرَ العالَمَ عَلى نَفْسِهِ، ويُخَلِّصَهُ مِنَ الشَّيْطانِ ورِجْسِهِ، فَكَيْفَ تَرْوُونَ عَنْهُ ما يُؤَدِّي إلى خِلافِ ذَلِكَ، مَعَ رِوايَتِكم في تَوْراتِكم أنَّ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ومُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لَمّا حَضَرَهُمُ المَوْتُ كانُوا مُسْتَبْشِرِينَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، فَرِحِينَ بِانْقِلابِهِمْ إلى سَعْيِهِمْ، لَمْ يَجْزَعُوا مِنَ المَوْتِ ولَمْ يَسْتَقِيلُوا مِنهُ، ولَمْ يَهابُوا مَذاقَهُ، مَعَ أنَّهم عَبِيدُهُ، والمَسِيحُ بِزَعْمِكم ولَدٌ ورَبٌّ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أثْبَتَ مِنهُمْ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ دَلَّ عَلى أنَّ المَصْلُوبَ غَيْرُهُ، وهو الَّذِي شُبِّهَ لَكم.
* *
فَصْلٌ
فِيما رُوِيَ عَنْ سَلَفِنا الكِرامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
قالَ الإمامُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - في (تَفْسِيرِهِ) هُنا ما نَصُّهُ: وكانَ مِن خَبَرِ اليَهُودِ - عَلَيْهِمْ لَعائِنُ اللَّهِ وسَخَطُهُ وغَضَبُهُ وعِقابُهُ - أنَّهُ لَمّا بَعَثَ اللَّهُ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ بِالبَيِّناتِ والهُدى حَسَدُوهُ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النُّبُوَّةِ والمُعْجِزاتِ الباهِراتِ، الَّتِي كانَ يُبْرِئُ بِها الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ، ويُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ طائِرًا ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طائِرًا يُشاهَدُ طَيَرانُهُ بِإذْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي أكْرَمَهُ اللَّهُ بِها، وأجْراها عَلى يَدَيْهِ، ومَعَ هَذا كَذَّبُوهُ، وخالَفُوهُ، وسَعَوْا في أذاهُ بِكُلِّ ما أمْكَنَهُمْ، حَتّى جَعَلَ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يُساكِنُهم في بَلْدَةٍ بَلْ يُكْثِرُ السِّياحَةَ هو وأُمُّهُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ثُمَّ لَمْ يُقْنِعْهم ذَلِكَ حَتّى سَعَوْا إلى مَلِكِ دِمَشْقَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وكانَ رَجُلًا مُشْرِكًا مِن عَبَدَةِ الكَواكِبِ، وكانَ يُقالُ لِأهْلِ مِلَّتِهِ اليُونانُ، وأنْهَوْا إلَيْهِ أنَّ في بَيْتِ المَقْدِسِ رَجُلًا يَفْتِنُ النّاسَ ويُضِلُّهم ويُفْسِدُ عَلى المَلِكِ رَعاياهُ، فَغَضِبَ المَلِكُ مِن هَذا، وكَتَبَ إلى نائِبِهِ بِالقُدْسِ أنْ يَحْتاطَ عَلى هَذا المَذْكُورِ، وأنْ يَصْلُبَهُ ويَضَعَ الشَّوْكَ عَلى رَأْسِهِ، ويَكُفَّ أذاهُ عَنِ النّاسِ، فَلَمّا وصَلَ الكِتابُ (p-١٦٦٩)امْتَثَلَ والِي بَيْتِ المَقْدِسِ ذَلِكَ، وذَهَبَ هو وطائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ إلى المَنزِلِ الَّذِي فِيهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو في جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ اثْنَيْ عَشَرَ أوْ ثَلاثَةَ عَشَرَ، وقَيْلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ نَفَرًا.
وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ العَصْرِ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَحَصَرُوهُ هُنالِكَ، فَلَمّا أحَسَّ بِهِمْ، وأنَّهُ لا مَحالَةَ مِن دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ، أوْ خُرُوجِهِ إلَيْهِمْ - قالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ؟ فانْتُدِبَ لِذَلِكَ شابٌّ مِنهُمْ، فَكَأنَّهُ اسْتَصْغَرَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأعادَها ثانِيَةً وثالِثَةً، وكُلُّ ذَلِكَ لا يُنْتَدَبُ إلّا ذَلِكَ الشّابُّ، فَقالَ: أنْتَ هُوَ، وألْقى اللَّهَ عَلَيْهِ شَبَهَ عِيسى حَتّى كَأنَّهُ هُوَ، وفُتِحَتْ رَوْزَنَةٌ مِن سَقْفِ البَيْتِ، وأخَذَتْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سِنَةٌ مِنَ النَّوْمِ فَرُفِعَ إلى السَّماءِ، وهو كَذَلِكَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] الآيَةَ.
فَلَمّا رُفِعَ خَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ، فَلَمّا رَأى أُولَئِكَ النَّفَرُ ذَلِكَ الشّابَّ ظَنُّوا أنَّهُ عِيسى فَأخَذُوهُ في اللَّيْلِ وصَلَبُوهُ ووَضَعُوا الشَّوْكَ عَلى رَأْسِهِ، وأظْهَرَ اليَهُودُ أنَّهم سَعَوْا في صَلْبِهِ وتَبَجَّحُوا بِذَلِكَ، وسَلَّمَ لَهم طَوائِفُ مِنَ النَّصارى ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وقِلَّةِ عَقْلِهِمْ، ما عَدا مَن كانَ في البَيْتِ مَعَ المَسِيحِ فَإنَّهم شاهَدُوا رَفْعَهُ.
وأمّا الباقُونَ فَإنَّهم ظَنُّوا كَما ظَنَّ اليَهُودُ أنَّ المَصْلُوبَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، حَتّى ذَكَرُوا أنَّ مَرْيَمَ جَلَسَتْ تَحْتَ ذَلِكَ المَصْلُوبِ وبَكَتْ، ويُقالُ: إنَّهُ خاطَبَها، واللَّهُ أعْلَمُ.
وهَذا كُلُّهُ مِنِ امْتِحانِ اللَّهِ عِبادَهُ لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ البالِغَةِ، وقَدْ أوْضَحَ اللَّهُ الأمْرَ وجَلّاهُ وبَيَّنَهُ وأظْهَرَهُ في القُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ الكَرِيمِ، المُؤَيَّدِ بِالمُعْجِزاتِ والبَيِّناتِ، والدَّلائِلِ الواضِحاتِ، فَقالَ تَعالى وهو أصْدَقُ القائِلِينَ، ورَبُّ العالَمِينَ المُطَّلِعُ عَلى السَّرائِرِ والضَّمائِرِ، الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ، العالِمُ بِما كانَ وما يَكُونُ، وما لَمْ يَكُنْ لَوْ كانَ كَيْفَ يَكُونُ: ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] أيْ: رَأوْا شَبَهَهُ فَظَنُّوا أنَّهُ إيّاهُ ولِهَذا قالَ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] (p-١٦٧٠)يَعْنِي بِذَلِكَ مَنِ ادَّعى أنَّهُ قَتَلَهُ مِنَ اليَهُودِ ومَن سَلَّمَهُ إلَيْهِمْ مِن جُهّالِ النَّصارى، كُلُّهم في شَكٍّ مِن ذَلِكَ وحَيْرَةٍ وضَلالٍ وسُعُرٍ ولِهَذا قالَ: ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] أيْ: وما قَتَلُوهُ مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ هو بَلْ شاكِّينَ مُتَوَهِّمِينَ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ أيْ: مَنِيعَ الجَنابِ لا يُرامُ جَنابُهُ، ولا يُضامُ مَن لاذَ بِبابِهِ ﴿حَكِيمًا﴾ أيْ: في جَمِيعِ ما يُقَدِّرُهُ ويَقْضِيهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَخْلُقُها، ولَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ، والحُجَّةُ الدّامِغَةُ، والسُّلْطانُ العَظِيمُ، والأمْرُ القَدِيمُ.
قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ سِنانٍ، حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنِ المِنهالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَرْفَعَ عِيسى إلى السَّماءِ خَرَجَ عَلى أصْحابِهِ، وفي البَيْتِ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الحَوارِيِّينَ، يَعْنِي فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مِن عَيْنٍ في البَيْتِ ورَأْسُهُ يَقْطُرُ ماءً، فَقالَ: إنَّ مِنكم مَن يَكْفُرُ بِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً بَعْدَ أنْ آمَنَ بِي، قالَ: ثُمَّ قالَ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ مَكانِي ويَكُونُ مَعِيَ في دَرَجَتِي؟ فَقامَ شابٌّ مِن أحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقالَ لَهُ: اجْلِسْ. ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِمْ فَقامَ ذَلِكَ الشّابُّ، فَقالَ: اجْلِسْ. ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِمْ فَقامَ الشّابُّ فَقالَ: أنا، فَقالَ: هو أنْتَ ذاكَ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى، ورُفِعَ عِيسى مِن رَوْزَنَةٍ في البَيْتِ إلى السَّماءِ.
قالَ: وجاءَ الطَّلَبُ مِنَ اليَهُودِ فَأخَذُوا الشَّبَهَ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ صَلَبُوهُ، فَكَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً بَعْدَ أنْ آمَنَ بِهِ، وافْتَرَقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ:
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ اللَّهُ فِينا ما شاءَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ وهَؤُلاءِ اليَعْقُوبِيَّةُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ فِينا ابْنُ اللَّهِ ما شاءَ ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وهَؤُلاءِ النَّسْطُورِيَّةُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ فِينا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وهَؤُلاءِ المُسْلِمُونَ. فَتَظاهَرَتِ الكافِرَتانِ عَلى المُسْلِمَةِ فَقَتَلُوها، فَلَمْ يَزَلِ الإسْلامُ طامِسًا حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ».
وهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ النَّسائِيُّ، عَنْ أبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أبِي مُعاوِيَةَ، نَحْوَهُ.
وكَذا ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُ قالَ لَهُمْ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ مَكانِي وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ؟
(p-١٦٧١)وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنا يَعْقُوبُ القُمِّيُّ، عَنْ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: أتى عِيسى ومَعَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنَ الحَوارِيِّينَ في بَيْتٍ، فَأحاطُوا بِهِمْ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ صَوَّرَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كُلَّهم عَلى صُورَةِ عِيسى، فَقالُوا لَهُمْ: سَحَرْتُمُونا، لَتَبْرُزُنَّ لَنا عِيسى أوْ لَنَقْتُلَنَّكم جَمِيعًا، فَقالَ عِيسى لِأصْحابِهِ: مَن يَشْرِي نَفْسَهُ مِنكُمُ اليَوْمَ بِالجَنَّةِ؟ فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: أنا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، وقالَ: أنا عِيسى، وقَدْ صَوَّرَهُ اللَّهُ عَلى صُورَةِ عِيسى، فَأخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، فَمِن ثَمَّ شُبِّهَ لَهم فَظَنُّوا أنَّهم قَدْ قَتَلُوا عِيسى، وظَنَّتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ أنَّهُ عِيسى، ورَفَعَ اللَّهُ عِيسى مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا سِياقٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
ثَمَّ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقَدْ رُوِيَ عَنْ وهْبٍ نَحْوُ هَذا القَوْلِ، وهو ما حَدَّثَنِي المُثَنّى، حَدَّثَنا إسْحاقُ، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ، عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ أنَّهُ سَمِعَ وهْبًا يَقُولُ: إنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ لَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُ خارِجٌ مِنَ الدُّنْيا جَزِعَ مِنَ المَوْتِ، وشَقَّ عَلَيْهِ، فَدَعا الحَوارِيِّينَ فَصَنَعَ لَهم طَعامًا فَقالَ: احْضُرُونِي اللَّيْلَةَ فَإنَّ لِي إلَيْكم حاجَةً، فَلَمّا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ عَشّاهم وقامَ يَخْدُمُهُمْ، فَلَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعامِ أخَذَ يَغْسِلُ أيْدِيَهُمْ، ويُوَضِّئُهم بِيَدِهِ، ويَمْسَحُ أيْدِيَهم بِثِيابِهِ فَتَعاظَمُوا ذَلِكَ وتَكارَهُوهُ.
فَقالَ: ألا مَن رَدَّ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ شَيْئًا مِمّا أصْنَعُ فَلَيْسَ مِنِّي، ولا أنا مِنهُ، فَأقَرُّوهُ حَتّى إذا فَرَغَ مِن ذَلِكَ قالَ: أمّا ما صَنَعْتُ بِكُمُ اللَّيْلَةَ مِمّا خَدَمْتُكم عَلى الطَّعامِ وغَسَلْتُ أيْدِيَكم بِيَدِي، فَلْيَكُنْ لَكم بِي أُسْوَةٌ، فَإنَّكم تَرَوْنَ أنِّي خَيْرُكم فَلا يَتَعاظَمُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ولْيَبْذُلْ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْسَهُ كَما بَذَلْتُ نَفْسِي لَكُمْ، وأمّا حاجَتِي اللَّيْلَةَ الَّتِي اسْتَعَنْتُكم عَلَيْها فَتَدْعُونَ اللَّهَ لِي، وتَجْتَهِدُونَ في الدُّعاءِ أنْ يُؤَخِّرَ أجَلِي، فَلَمّا نَصَبُوا أنْفُسَهم لِلدُّعاءِ، وأرادُوا أنْ يَجْتَهِدُوا، أخَذَهُمُ النَّوْمُ حَتّى لَمْ يَسْتَطِيعُوا دُعاءً، فَجَعَلَ يُوقِظُهم ويَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ! أما تَصْبِرُونَ لِي لَيْلَةً واحِدَةً تُعِينُونِي فِيها؟! فَقالُوا: واللَّهِ ما نَدْرِي ما لَنا، لَقَدْ كُنّا نَسْمُرُ فَنُكْثِرُ السَّمَرَ، (p-١٦٧٢)وما نُطِيقُ اللَّيْلَةَ سَمَرًا، وما نُرِيدُ دُعاءً إلّا حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَقالَ: يُذْهَبُ بِالرّاعِي وتَتَفَرَّقُ الغَنَمُ، وجَعَلَ يَأْتِي بِكَلامٍ نَحْوِ هَذا يَنْعى نَفْسَهُ.
ثُمَّ قالَ: الحَقَّ، لَيَكْفُرَنَّ بِي أحَدُكم قَبْلَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، ولَيَبِيعَنِّي أحَدُكم بِدَراهِمَ يَسِيرَةٍ ولَيَأْكُلَنَّ ثَمَنِي، فَخَرَجُوا فَتَفَرَّقُوا، وكانَتِ اليَهُودُ تَطْلُبُهُ، وأخَذُوا شَمْعُونَ أحَدَ الحَوارِيِّينَ وقالُوا: هَذا مِن أصْحابِهِ فَجَحَدَ وقالَ: ما أنا بِصاحِبِهِ، فَتَرَكُوهُ، ثُمَّ أخَذَهُ آخَرُونَ فَجَحَدَ كَذَلِكَ، ثُمَّ سَمِعَ صَوْتَ دِيكٍ فَبَكى وأحْزَنَهُ.
فَلَمّا أصْبَحَ أتى أحَدُ الحَوارِيِّينَ إلى اليَهُودِ، فَقالَ: ما تَجْعَلُونَ لِي إنْ دَلَلْتُكم عَلى المَسِيحِ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا، فَأخَذَها ودَلَّهم عَلَيْهِ، وكانَ شُبِّهَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأخَذُوهُ فاسْتَوْثَقُوا مِنهُ، ورَبَطُوهُ بِالحَبْلِ، وجَعَلُوا يَقُودُونَهُ ويَقُولُونَ لَهُ: أنْتَ كُنْتَ تُحْيِي المَوْتى وتَنْتَهِرُ الشَّيْطانَ، وتُبْرِئُ المَجْنُونَ، أفَلا تُنْجِي نَفْسَكَ مِن هَذا الحَبْلِ؟ ويَبْصُقُونَ عَلَيْهِ ويُلْقُونَ عَلَيْهِ الشَّوْكَ، حَتّى أتَوْا بِهِ الخَشَبَةَ الَّتِي أرادُوا أنْ يَصْلُبُوهُ عَلَيْها، فَرَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وصَلَبُوا ما شُبِّهَ لَهم فَمَكَثَ سَبْعًا.
ثُمَّ إنَّ أُمَّهُ والمَرْأةَ الَّتِي كانَ يُداوِيها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأبْرَأها اللَّهُ مِنَ الجُنُونِ - جاءَتا تَبْكِيانِ حَيْثُ المَصْلُوبُ، فَجاءَهُما عِيسى فَقالَ: عَلامَ تَبْكِيانِ؟ فَقالَتا عَلَيْكَ، فَقالَ: إنِّي قَدْ رَفَعَنِي اللَّهُ إلَيْهِ، ولَمْ يُصِبْنِي إلّا خَيْرًا، وإنَّ هَذا شَيْءٌ شُبِّهَ لَهُمْ، فَأْمُرا الحَوارِيِّينَ أنْ يَلْقَوْنِي إلى مَكانِ كَذا وكَذا، فَلَقَوْهُ إلى ذَلِكَ المَكانِ أحَدَ عَشَرَ، وفَقَدَ الَّذِي كانَ باعَهُ ودَلَّ عَلَيْهِ اليَهُودَ، فَسَألَ عَنْهُ أصْحابَهُ فَقالَوا: إنَّهُ نَدِمَ عَلى ما صَنَعَ، فاخْتَنَقَ وقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقالَ: لَوْ تابَ لَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ سَألَهم عَنْ غُلامٍ يَتَّبِعُهم يُقالُ لَهُ يُحَنّى، فَقالَ: هو مَعَكم فانْطَلِقُوا فَإنَّهُ َيُصْبِحُ كُلُّ إنْسانٍ يُحَدِّثُ بِلُغَةِ قَوْمٍ، فَلْيُنْذِرْهم ولْيَدْعُهم.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: سِياقٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: صَلَبُوا رَجُلًا شُبِّهَ بِعِيسى، ورَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عِيسى إلى السَّماءِ حَيًّا.
* *
(p-١٦٧٣)فَصْلٌ
فِي رَدِّ زَعْمِ النَّصارى أنَّ إلْقاءَ الشَّبَهِ يُفْضِي إلى السَّفْسَطَةِ
قالَ خَيْرُ الدِّينِ في "الجَوابِ الفَسِيحِ" قالَ النَّصارى: القَوْلُ بِإلْقاءِ الشَّبَهِ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْلٌ يُفْضِي إلى السَّفْسَطَةِ، والدُّخُولِ في الجَهالاتِ، وما لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ؛ لِأنّا إذا جَوَّزْنا ذَلِكَ فَيَنْبَغِي إذا رَأى الإنْسانُ ولَدَهُ أوْ زَوْجَتَهُ لَمْ يَثِقْ بِأنَّهُ ولَدُهُ أوْ زَوْجَتُهُ، وكَذَلِكَ سائِرُ المَعارِفِ، لا يَثِقُ الإنْسانُ بِأحَدٍ مِنهم ولا يَسْكُنُ إلَيْهِ، ونَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الإنْسانَ يَقْطَعُ بِأنَّ ولَدَهُ هو ولَدُهُ، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن مَعارِفِهِ هُوَ، مِن غَيْرِ شَكٍّ ولا رِيبَةٍ، بَلِ القَوْلُ بِالشَّبَهِ يَمْنَعُ مِنَ الوُثُوقِ بِمَدِينَةِ الإنْسانِ ووَطَنِهِ إذا دَخَلَهُ، ولَعَلَّهُ مَكانٌ آخَرُ أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَّبَهُ، بَلْ إذا غَمَّضَ الإنْسانُ عَيْنَيْهِ عَنْ صَدِيقِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ لَحْظَةً، ثُمَّ فَتَحَها، يَنْبَغِي أنْ لا يَقْطَعَ بِأنَّهُ صَدِيقُهُ؛ لِجَوازِ إلْقاءِ الشَّبَهِ عَلى غَيْرِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ خِلافُ الضَّرُورَةِ، فالقَوْلُ بِإلْقاءِ الشَّبَهِ عَلى غَيْرِ عِيسى خِلافُ الضَّرُورَةِ، كالقَوْلِ بِأنَّ الواحِدَ نِصْفُ العَشَرَةِ مَثَلًا، فَلا يُسْمَعُ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا تَهْوِيلٌ لَيْسَ عَلَيْهِ تَعْوِيلٌ، بَلِ البَراهِينُ القاطِعَةُ، والأدِلَّةُ السّاطِعَةُ قائِمَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الإنْسانَ وجُمْلَةَ أجْزاءِ العالَمِ، وإنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ، فَما مِن شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في العالَمِ إلّا هو قادِرٌ عَلى خَلْقِ مِثْلِهِ؛ لِتَعَذُّرِ خَلْقِهِ في نَفْسِهِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ الإنْسانِ مُسْتَحِيلًا، بَلْ جُمْلَةُ العالَمِ، وهو مُحالٌ بِالضَّرُورَةِ.
وإذا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ مِثْلٍ لِكُلِّ شَيْءٍ في العالَمِ، فَجَمِيعُ صِفاتِ جَسَدِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَها أمْثالٌ في حَيِّزِ الإمْكانِ في العَدَمِ، يُمْكِنُ خَلْقُها في مَحَلٍّ آخَرَ غَيْرِ جَسَدِ المَسِيحِ، فَيَحْصُلُ الشَّبَهُ قَطْعًا، فالقَوْلُ بِالشَّبَهِ قَوْلٌ بِأمْرٍ مُمْكِنٍ، لا بِما هو خِلافُ الضَّرُورَةِ، ويُؤْنِسُ ذَلِكَ أنَّ التَّوْراةَ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ جَمِيعَ ما لِلْحَيَّةِ في عَصا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو أعْظَمُ مِنَ الشُّبَهِ، فَإنَّ جَعْلَ حَيَوانٍ يُشْبِهُ حَيَوانًا، وإنْسانٍ يُشْبِهُ إنْسانًا - أقْرَبُ مِن (p-١٦٧٤)جَعْلِ نَباتٍ يُشْبِهُ حَيَوانًا، وقَلْبُ العَصا مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ اليَهُودُ والنَّصارى، كَما أجْمَعُوا عَلى قَلْبِ النّارِ بَرْدًا وسَلامًا، وعَلى قَلْبِ لَوْنِ يَدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَلى انْقِلابِ الماءِ خَمْرًا وزَيْتًا لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وإذا جَوَّزُوا مِثْلَ هَذا فَيَجُوزُ إلْقاءُ الشَّبَهِ مِن غَيْرِ اسْتِحالَةٍ.
عَلى أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ خُولِفَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى الأغْلَبِيَّةَ في خَلْقِهِ مِن ماءٍ واحِدٍ، ونَفْخِ جِبْرِيلَ في جَيْبِ مَرْيَمَ، فَجَعْلُ شَبَهِهِ عَلى غَيْرِهِ لَيْسَ بِأبْعَدَ مِنَ العادَةِ مِن خَلْقِهِ، عَلى أنَّ إحْياءَهُ لِلْمَوْتى، وإبْراءَهُ لِلْأبْرَصِ والأكْمَهِ أعْظَمُ مِن إلْقاءِ شَبَهِهِ عَلى غَيْرِهِ، عَلى أنَّ عُرُوجَهُ إلى السَّماءِ بِناسُوتِهِ وخَرْقَ السَّماءِ والتِئامَها لَيْسَ بِأهْوَنَ مِن ذَلِكَ، عَلى أنَّ رَدَّ الشَّمْسِ لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ، ومَشْيَ عِيسى وحَوارِيِّهِ عَلى الماءِ، وسائِرَ مُعْجِزاتِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ - لَيْسَ بِأهْوَنَ مِمّا هُنالِكَ، وإذا صَحَّ عِنْدَ النَّصارى انْقِلابُ الخُبْزِ إلى جَسَدِ المَسِيحِ، والخَمْرِ إلى دَمِهِ في العَشاءِ السِّرِّيِّ - لِمَ لا يُمْكِنُ أنْ يُوقِعَ شَبَهَهُ عَلى أحَدِهِمْ؟! كَما لا يَخْفى.
وثانِيها: أنَّ الإنْجِيلَ ناطِقٌ بِأنَّ المَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَشَأ بَيْنَ ظَهَرانَيِ اليَهُودِ، وحَضَرَ مِرارًا عَدِيدَةً في مَواسِمِهِمْ وأعْيادِهِمْ وهَياكِلِهِمْ، يَعِظُهم ويُعَلِّمُهم ويُناظِرُهُمْ، ويَتَعَجَّبُونَ مِن بَراعَتِهِ وكَثْرَةِ تَحْصِيلِهِ، حَتّى إنَّهم (كَما في الإنْجِيلِ) يَقُولُونَ: ألَيْسَ هَذا ابْنَ يُوسُفَ؟ ألَيْسَتْ أُمُّهُ مَرْيَمَ ؟ ألَيْسَ إخْوَتُهُ عِنْدَنا؟ فَمِن أيْنَ لَهُ هَذِهِ الحِكْمَةُ؟ وإذًا، كانَ في غايَةِ الشُّهْرَةِ والمَعْرِفَةِ عِنْدَهم.
وقَدْ نَصَّ الإنْجِيلُ عَلى أنَّهم عِنْدَ إرادَةِ الصَّلْبِ لَمْ يُحَقِّقُوهُ، حَتّى دَفَعُوا لِتِلْمِيذِهِ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا لِيَدُلَّهم عَلَيْهِ، فَما حاجَتُهم حِينَئِذٍ أنْ يَكْتَرُوا رَجُلًا مِن تَلامِيذِهِ لِيُعَرِّفَهم شَخْصَهُ؟ لَوْلا وُقُوعُ الشَّبَهِ الَّذِي نَقُولُ بِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences