Al-QasimiAn‑Nisa · 4:158–162

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:158–162, continued

وثالِثُها: أنَّهُ - كَما تَقَدَّمَ في الأناجِيلِ - أُخِذَ في حِنْدِسٍ مِنَ اللَّيْلِ المُظْلِمِ في حالَةٍ شُوِّهَتْ صُورَتُهُ، وغُيِّرَتْ مَحاسِنُهُ وهَيْئَتُهُ بِالضَّرْبِ والسَّحْبِ وأنْواعِ النَّكالِ المُوجِبَةِ لِتَغَيُّرِ الحالِ، ومِثْلُ ذَلِكَ يُوجِبُ اللَّبْسَ بَيْنَ الشَّيْءِ وخِلافِهِ، فَكَيْفَ بَيْنَ الشَّيْءِ وشَبَهِهِ؟! حَتّى إنَّ رَئِيسَ الكَهَنَةِ عِنْدَ إحْضارِهِ أقْسَمَ عَلَيْهِ هَلْ هو يَسُوعُ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ، ولَوْ كانَ هو لَأجابَهُ، فَمِن أيْنَ لِلنَّصارى واليَهُودِ القَطْعُ بِأنَّ المَصْلُوبَ هو عَيْنُ عِيسى (p-١٦٧٥)عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَ شَبَهِهِ؟ بَلْ إنَّما يَحْصُلُ الظَّنُّ والتَّخْمِينُ كَما قالَ تَعالى في كِتابِهِ المُبِينِ: ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾

رابِعُها: قَدْ تَقَدَّمَ في الأناجِيلِ أنَّهُ لَمّا جاءَ اليَهُودُ إلى مَحَلِّهِ خَرَجَ إلَيْهِمْ وقالَ: مَن تُرِيدُونَ؟ قالُوا: يَسُوعُ، وقَدْ خَفِيَ شَخْصُهُ عَلَيْهِمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ وهم يُنْكِرُونَ صُورَتَهُ، وهَذا دَلِيلُ الشَّبَهِ، ورَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا سِيَّما وقَدْ نَقَلَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ عَنْ بَعْضِ النَّصارى القَوْلَ بِأنَّ المَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ أُعْطِيَ قُوَّةَ التَّحَوُّلِ مِن صُورَةٍ إلى صُورَةٍ.

خامِسُها: قَوْلُ مَتّى في (الفَصْلِ الخامِسِ والعِشْرِينَ) مِن (إنْجِيلِهِ) ما لَفْظُهُ: حِينَئِذٍ قالَ لَهم يَسُوعُ: كُلُّكم تَشُكُّونَ فِيَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؛ لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ أنِّي أضْرِبُ الرّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرافُ الرَّعِيَّةِ، ولَكِنْ بَعْدَ قِيامِي أسْبِقُكم إلى الجَلِيلِ، فَأجابَ بُطْرُسُ وقالَ لَهُ: وإنْ شَكَّ فِيكَ الجَمِيعُ فَأنا لا أشُكُّ أبَدًا، قالَ لَهُ يَسُوعُ: الحَقُّ أقُولُ لَكَ، إنَّكَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ قَبْلَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلاثَ مَرّاتٍ. انْتَهى.

فَقَدْ شَهِدَ عَلَيْهِمْ بِالشَّكِّ، بَلْ خَيْرُهم بُطْرُسُ الَّذِي هو خَلِيفَةٌ عَلَيْهِمْ شَكَّ، فَقَدِ انْخَرَمَتِ الثِّقَةُ بِأقْوالِهِمْ، وصَحَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]

سادِسُها: إنَّ في (الفَصْلِ السّابِعِ والعِشْرِينَ) مِن (إنْجِيلِ مَتّى) ما لَفْظُهُ: حِينَئِذٍ لَمّا رَأى يَهُوذا الَّذِي أسْلَمَهُ أنَّهُ قَدْ دِينَ نَدِمَ ورَدَّ الثَّلاثِينَ مِنَ الفِضَّةِ إلى رُؤَساءِ الكَهَنَةِ والشُّيُوخِ قائِلًا: قَدْ أخْطَأْتُ إذْ سَلَّمْتُ دَمًا بَرِيئًا، فَقالُوا: ما عِلْمُنا، أنْتَ أبْصَرُ، فَطَرَحَ الفِضَّةَ في الهَيْكَلِ وانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضى وخَنَقَ نَفْسَهُ. انْتَهى.

فَهَذِهِ الأناجِيلُ لَيْسَتْ قاطِعَةً في صَلْبِهِ، بَلْ فِيها اخْتِلافاتٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَهُوذا كَذِبَ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: (هُوَ هَذا) ويَدُلُّ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ ويُقَرِّبُهُ ظُهُورُ نَدَمِهِ بَعْدَ هَذا، ولا سِيَّما (p-١٦٧٦)وهُوَ مِن جُمْلَةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ المَسِيحُ بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، والسَّعِيدُ لا يَتِمُّ مِنهُ مِثْلُ هَذا الفَسادِ العَظِيمِ، فَيَلْزَمُ إمّا أنَّ يَهُوذا ما دَلَّ عَلَيْهِ، أوْ كَوْنَ المَسِيحِ ما شَهِدَ لَهم بِالسَّعادَةِ الدّائِمَةِ، أوْ أنَّ أناجِيلَهم مُحَرَّفَةٌ مُبَدَّلَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنَّ أحَدَ أتْباعِ المَسِيحِ باعَ نَفْسَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ وِقايَةً لِلْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وادَّعى أنَّهُ هُوَ، ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في أتْباعِ الأنْبِياءِ، حَيْثُ يُرِيدُونَ أنْ يَفْدُوا أنْفُسَهم بَدَلَ أنْبِيائِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ الأعْوانَ أخَذُوا عَلَيْهِ رِشْوَةً وأطْلَقُوهُ، وأخَذُوا بَدَلَهُ، كَما أنَّ يَهُوذا - مَعَ أنَّهُ صَدِيقُهُ ورَسُولُهُ - أخَذَ رِشْوَةً ودَلَّهم عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ شَيْطانًا عَلى صُورَتِهِ وصَلَبُوهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المَلَكَ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ لِيُقَوِّيَهُ - كَما تَقَدَّمَ في إنْجِيلِ لُوقا بِزَعْمِهِمْ - صارَ فِداءً لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ هَذا الَّذِي نَزَلَ إنَّما نَزَلَ لِرَفْعِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ نازِلًا لِتَقْوِيَتِهِ لَقَوّاهُ، فَلَمّا لَمْ نَرَ أنَّهُ قَوّاهُ فَيَقْتَضِي أنَّهُ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، أوْ فَدى نَفْسَهُ لَهُ.

وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: ومِنَ الأدِلَّةِ عَلى رَفْعِهِ وصَلْبِ شَبَهِهِ ما في الفَصْلِ التّاسِعِ مِن "إنْجِيلِ لُوقا" ما لَفْظُهُ: إنَّ المَسِيحَ صَعِدَ إلى جَبَلٍ لِيُصَلِّيَ، وأخَذَ بُطْرُسَ ويُوحَنّا ويَعْقُوبَ مَعَهُ، وفِيما هو يُصَلِّي صارَتْ هَيْئَتُهُ ووَجْهُهُ مُتَغَيِّرَةً، ولِباسُهُ مُضِيئًا لامِعًا.... إلَخْ.

فَهَذا فِيهِ دَلالَةٌ عَلى رَفْعِهِ وحُصُولِ الشَّبَهِ الَّذِي نَقُولُ بِهِ، إذْ لا مَعْنى لِظُهُورِ مُوسى وإيلِياءَ، ووُقُوعِ النَّوْمِ عَلى أصْحابِهِ، وتَغَيُّرِ وجْهِهِ وإضاءَةِ لِباسِهِ إلّا رَفْعُهُ ....

ورُؤْيَتُهم لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّما هو مِن تَطَوُّرِ رُوحِهِ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ لَهُ قُوَّةُ التَّطَوُّرِ، وهَذا مِن أحْكامِ الرُّوحِ والنَّفْسِ.

ولَئِنْ قُلْنا: إنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى الرَّفْعِ بِالوَجْهِ التّامِّ، غَيْرَ أنّا نَتَنَزَّلُ ونَقُولُ: ما دامَ في هَذِهِ المَرَّةِ تَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ ووَجْهُهُ ولِباسُهُ، واجْتَمَعَ بِالأنْبِياءِ وسَمِعَ مِنَ الغَمامَةِ هَذا الصَّوْتَ، فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً لِرَفْعِهِ ومِقْياسًا ومَبْدَأً لِتَقْوِيَتِهِ وإيناسًا، واليَهُودُ لَمْ يَتَحَقَّقُوا مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهُ هو المَسِيحُ، بَلِ اعْتَمَدُوا عَلى قَوْلِ يَهُوذا كَما تَقَدَّمَ لَكَ، ويَهُوذا قَوْلُهُ قَوْلٌ فَرْدٌ، وغَيْرُ صالِحٍ لِلِاحْتِجاجِ؛ لِلِاحْتِمالاتِ والأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها لَكَ، فَلَمْ يَبْقَ في قَوْلِ الفِرْقَتَيْنِ حُجَّةٌ (p-١٦٧٧)أنَّ المَصْلُوبَ هو المَسِيحُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا شَبَهُهُ، وأناجِيلُهم حالُها مَعْلُومٌ لَدَيْكَ، وبَيانُ اشْتِباهِهِمُ المَحْكِيِّ لَكَ في القُرْآنِ لا يَخْفى عَلَيْكَ. انْتَهى.

وهُنا سُؤالٌ يُورِدُهُ بَعْضُ النَّصارى وهُوَ: أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا كانَ لَمْ يُصْلَبْ حَقِيقَةً، وإنَّما صُلِبَ رَجُلٌ أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ، ورُفِعَ هو إلى السَّماءِ، فَلِمَ لَمْ يُخْبِرِ الحَوارِيِّينَ بِذَلِكَ قَبْلَ رَفْعِهِ أوْ بَعْدَهُ؟

والجَوابُ: أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأنَّ أُناسًا سَيَفْتَرُونَ عَلَيْهِ ويَقُولُونَ بِأُلُوهِيَّتِهِ، فَأُبْهِمَ الأمْرُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدُلَّ عَلى كَوْنِهِ عَبْدًا مِن عَبِيدِ اللَّهِ، لا يَقْدِرُ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ ولا دَفْعِ ضُرٍّ، بِخِلافٍ ما لَوْ أخْبَرَ بِأنَّهُ لا يُصْلَبْ، أوْ لَمْ يُصْلَبْ، وأنَّ المَصْلُوبَ شَبَهُهُ، فَإنَّهُ رُبَّما كانَ ذَلِكَ مُقَوِّيًا لِشُبْهَةِ أُولَئِكَ الجَماعَةِ، ولِعَدَمِ كَوْنِ هَذِهِ المَسْألَةِ مِنَ المَسائِلِ الِاعْتِقادِيَّةِ في الأصْلِ، إذْ لَوِ اعْتَقَدَ أحَدٌ قَبْلَ إرْسالِ نَبِيِّنا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِصَلْبِ عِيسى لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ، لَكِنْ لَمّا ورَدَ نَبِيُّنا الَّذِي لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى أبانَ خَطَأ النَّصارى في الوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: اعْتِقادُ أنَّ عِيسى إلَهٌ.

والآخَرُ: اعْتِقادُ أنَّهُ قَدْ قُتِلَ وصُلِبَ.

وأبانَ أنَّهُ عَبْدٌ مِن عَبِيدِ اللَّهِ تَعالى، تَوَلّاهُ بِالرِّسالَةِ، واصْطَفاهُ، وحَفِظَهُ مِن أيْدِي أعْدائِهِ وحَماهُ، كَذا في "مُنْيَةِ الأذْكِياءِ في قَصَصِ الأنْبِياءِ".

[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

4:159Page 103

وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩

And there is none from the People of the Scripture but that he will surely believe in him [i.e., Jesus] before his death.1 And on the Day of Resurrection he will be against them a witness.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ فَضائِحَ اليَهُودِ وقَبائِحَ أفْعالِهِمْ، وشَرَحَ أنَّهم قَصَدُوا قَتْلَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَيَّنَ أنَّهُ ما حَصَلَ لَهم ذَلِكَ المَقْصُودُ، وأنَّهُ حَصَلَ لِعِيسى أعْظَمُ المَناصِبِ وأجَلُّ المَراتِبِ - بَيَّنَ تَعالى تَحْقِيقَ ما أثْبَتَهُ في الآيَةِ السّابِقَةِ مِنَ القَطْعِ بِكَذِبِهِمْ، مُثْبِتًا أنَّهم في مُبالَغَتِهِمْ في عَداوَتِهِ سَيَكُونُونَ مِن أتْباعِهِ المُصَدِّقِينَ بِجَمِيعِ أمْرِهِ، الَّذِي مِنهُ التَّصْدِيقُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مُؤَكِّدًا لَهُ أشَدَّ تَأْكِيدٍ لِما عِنْدَهم مِنَ الإنْكارِ لَهُ بِقَوْلِهِ:

(p-١٧١١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [١٥٩]

﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أيْ: ما أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يُدْرِكُ نُزُولَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آخِرِ الزَّمانِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، أيْ: مَوْتِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيْ: لا يَمُوتُ حَتّى يَنْزِلَ في آخِرِ الزَّمانِ يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِ دِينَ الإسْلامِ، حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ جَمِيعُ أهْلِ المِلَلِ. إشارَةٌ إلى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنْ كانَ قَدْ أيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْبِياءَ كانُوا يُجَدِّدُونَ دِينَهُ زَمانًا طَوِيلًا - فالنَّبِيُّ الَّذِي يَنْسَخُ شَرِيعَةَ مُوسى - وهو عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ - هو الَّذِي يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِ هَذا النَّبِيَّ العَرَبِيَّ في تَجْدِيدِ شَرِيعَتِهِ، وتَمْهِيدِ أمْرِهِ، والذَّوْدِ عَنْ دِينِهِ، ويَكُونُ مِن أُمَّتِهِ بَعْدَ أنْ كانَ صاحِبَ شَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وأتْباعِ مُسْتَكْثَرَةٍ. أمْرٌ قَضاهُ اللَّهُ تَعالى في الأزَلِ، فاقْصُرُوا أيُّها اليَهُودُ.

فَمَعْنى الآيَةِ إذَنْ - واللَّهُ أعْلَمُ -: إنَّهُ ما مِن أحَدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ المُخْتَلِفِينَ في عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى شَكٍّ إلّا وهو يُوقِنُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ مَوْتِهِ، بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّماءِ أنَّهُ ما قُتِلَ وما صُلِبَ، ويُؤْمِنُ بِهِ عِنْدَ زَوالِ الشُّبْهَةِ، أفادَهُ البِقاعِيُّ.

رَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشَكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، ويَضَعَ الجِزْيَةَ، ويَفِيضَ المالُ حَتّى لا يَقْبَلَهُ أحَدٌ، حَتّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الواحِدَةُ خَيْرًا لَهُ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾»

(p-١٧١٢)وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أيْضًا، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وزادَ بَعْدَ قَوْلِهِ (قَبْلَ مَوْتِهِ): مَوْتَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ثُمَّ يُعِيدُها أبُو هُرَيْرَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ.

ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا مَرْفُوعًا ولَفْظُهُ: «يَنْزِلُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ ويَمْحُو الصَّلِيبَ، وتُجْمَعُ لَهُ الصَّلاةُ، ويُعْطى المالَ حَتّى لا يُقْبَلَ، ويَضَعُ الخَراجَ، ويَنْزِلُ الرَّوْحاءَ فَيَحُجُّ مِنها أوْ يَعْتَمِرُ أوْ يَجْمَعُهُما».

قالَ: وتَلا أبُو هُرَيْرَةَ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ فَزَعَمَ حَنْظَلَةُ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قالَ: يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِ عِيسى، فَلا أدْرِي هَذا كُلُّهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ أوْ شَيْءٌ قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

ورَواهُ أحْمَدُ أيْضًا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وفِيهِ: «ويُهْلِكُ اللَّهُ في زَمانِهِ المِلَلَ كُلَّها (p-١٧١٣)غَيْرَ الإسْلامِ، ويَمْكُثُ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفّى، ويُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ» .

وفِي حَدِيثِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «فَيَنْزِلُ عِنْدَ المَنارَةِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ» .

وقَدْ ذَكَرَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا الأحادِيثَ المُتَواتِرَةَ في نُزُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وعُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِ، وأبِي أُمامَةَ، والنَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، ومُجَمِّعِ بْنِ جارِيَةَ، وأبِي سَرِيحَةَ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وفِيها دِلالَةٌ عَلى صِفَةِ نُزُولِهِ ومَكانِهِ مِن أنَّهُ بِالشّامِ، بَلْ بِدِمَشْقَ عِنْدَ المَنارَةِ الشَّرْقِيَّةِ، وأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ إقامَةِ صَلاةِ الصُّبْحِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ بُنِيَتْ في هَذِهِ الأعْصارِ - في سَنَةِ إحْدى وأرْبَعِينَ وسَبْعِمِائَةٍ - مَنارَةٌ لِلْجامِعِ الأُمَوِيِّ، بَيْضاءُ مِن حِجارَةٍ مَنحُوتَةٍ، عِوَضًا عَنِ المَنارَةِ الَّتِي هُدِمَتْ بِسَبَبِ الحَرِيقِ المَنسُوبِ إلى صَنِيعِ النَّصارى - عَلَيْهِمْ لَعائِنُ اللَّهِ المُتَتابِعَةُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ - وكانَ أكْثَرُ عِمارَتِها مِن أمْوالِهِمْ، وقَوِيَتِ الظُّنُونُ أنَّها هي الَّتِي يَنْزِلُ عَلَيْها المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وهَذا إخْبارٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ – بِذَلِكَ. انْتَهى.

قُلْتُ: وقَدِ اشْتَهَرَتْ هَذِهِ المَنارَةُ بِمِئْذَنَةِ عِيسى.

وذَكَرَ الحافِظُ أبُو القاسِمِ بْنُ عَساكِرَ في "تارِيخِهِ" عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ نُزُولِهِ يُدْفَنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في حُجْرَتِهِ، فاللَّهُ أعْلَمُ.

والتَّأْوِيلُ المَذْكُورُ في الآيَةِ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والعَوْفِيِّ، كِلاهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

(p-١٧١٤)ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدِهِ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي اليَهُودَ خاصَّةً، وبِهِ إلى الحَسَنِ: يَعْنِي النَّجاشِيَّ وأصْحابَهُ.

وبِهِ إلَيْهِ قالَ: إنَّ اللَّهَ رَفَعَ إلَيْهِ عِيسى، وهو باعِثُهُ - قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ - مَقامًا يُؤْمِنُ بِهِ البَرُّ والفاجِرُ.

وكَذا قالَ قَتادَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وغَيْرُ واحِدٍ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ هو الحَقُّ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، والضَّحّاكِ، وجُوَيْبِرٍ أنَّ المَعْنى: وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِعِيسى قَبْلَ مَوْتِ ذَلِكَ الكِتابِيِّ عِنْدَ الغَرْغَرَةِ، حِينَ لا يَنْفَعُهُ الإيمانُ، ذَهابًا إلى أنَّهُ إذا عايَنَ عَلِمَ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن نَزَلَ بِهِ المَوْتُ لَمْ تَخْرُجْ نَفْسُهُ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ في دِينِهِ.

قالَ عِكْرِمَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَمُوتُ اليَهُودِيُّ حَتّى يَشْهَدَ أنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، ولَوْ عُجِلَ بِالسِّلاحِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ الإخْبارِ بِإيمانِهِمْ بِعِيسى قَبْلَ مَوْتِهِمْ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ الوَعِيدُ، ولِيَكُونَ عِلْمُهم بِأنَّهم لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ بِهِ عَنْ قَرِيبٍ عِنْدَ المُعايَنَةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم - بَعْثًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى مُعاجَلَةِ الإيمانِ بِهِ في أوانِ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولِيَكُونَ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ لَهُمُ. انْتَهى.

قالَ الأصْبَهانِيُّ: ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (إلّا لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ) بِضَمِّ النُّونِ وإلْحاقِ مِيمِ الجَمْعِ.

والأسانِيدُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ في هَذا التَّأْوِيلِ كُلُّها صَحِيحَةٌ، كَما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.

وثَمَّةَ وجْهٍ آخَرَ: وهو أنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ- والثّانِيَ: لِلْكِتابِيِّ. رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لا يَمُوتُ النَّصْرانِيُّ ولا اليَهُودِيُّ حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ (p-١٧١٥)وتَلا الآيَةَ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأوْلى هَذِهِ الأقْوالِ بِالصِّحَّةِ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو أنَّهُ لا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ - بَعْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا آمَنَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، أيْ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا شَكَّ أنَّ هَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هو الصَّحِيحُ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِن سِياقِ الآيِ في تَقْرِيرِ بُطْلانِ ما ادَّعَتْهُ اليَهُودُ مِن قَتْلِ عِيسى وصَلْبِهِ، وتَسْلِيمِ مَن سَلَّمَ لَهم مِنَ النَّصارى الجَهَلَةِ ذَلِكَ. فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنَّما شُبِّهَ لَهم فَقَتَلُوا الشَّبَهَ، وهم لا يَتَبَيَّنُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ رَفَعَهُ إلَيْهِ، وإنَّهُ باقٍ حَيٌّ، وإنَّهُ سَيَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأحادِيثُ المُتَواتِرَةُ، فَيَقْتُلُ مَسِيحَ الضَّلالَةِ، ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَضَعُ الجِزْيَةَ (يَعْنِي لا يَقْبَلُها مِن أحَدٍ مِن أهْلِ الأدْيانِ، بَلْ لا يَقْبَلُ إلّا الإسْلامَ أوِ السَّيْفَ).

فَأخْبَرَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أنَّهُ يُؤْمِنُ بِهِ جَمِيعُ أهْلِ الكِتابِ حِينَئِذٍ، ولا يَتَخَلَّفُ عَنِ التَّصْدِيقِ بِهِ واحِدٌ مِنهم.

ثُمَّ قالَ: فَأمّا مَن فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ المَعْنى: أنَّ كُلَّ كِتابِيٍّ لا يَمُوتُ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى أوْ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَهَذا هو الواقِعُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ عِنْدَ احْتِضارِهِ يَنْجَلِي لَهُ ما كانَ جاهِلًا بِهِ فَيُؤْمِنُ بِهِ، ولَكِنْ لا يَكُونُ ذَلِكَ إيمانًا نافِعًا لَهُ، إذا كانَ قَدْ شاهَدَ المَلَكَ، كَما قالَ تَعالى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: ١٨] [النِّساءِ: ١٨]، وقالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤] الآيَةَ.

﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ﴾ أيْ: عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] أيْ: عَلى أهْلِ الكِتابِ: ﴿شَهِيدًا﴾ أيْ: بِأعْمالِهِمُ الَّتِي شاهَدَها مِنهم قَبْلَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ، (p-١٧١٦)وبَعْدَ نُزُولِهِ إلى الأرْضِ.

قالَ قَتادَةُ: يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمُ الرِّسالَةَ مِنَ اللَّهِ، وأقَرَّ بِعُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] [المائِدَةِ: ١١٦].

4:160Page 103

فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا ١٦٠

For wrongdoing on the part of the Jews, We made unlawful for them [certain] good foods which had been lawful to them, and for their averting from the way of Allāh many [people],

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [١٦٠]

﴿فَبِظُلْمٍ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمٍ عَظِيمٍ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، وهو جامِعٌ لِتَفْصِيلِ نَقْضِ المِيثاقِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِمّا اسْتَحَلُّوهُ بَعْدَ أنْ حَرَّمَتْهُ التَّوْراةُ.

﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ أيْ: تَلَبَّسُوا بِاليَهُودِيَّةِ، وفِيهِ تَعْظِيمُ ظُلْمِهِمْ أيْضًا؛ إذْ صَدَرَ عَنْهم بَعْدَما ادَّعَوْا أنَّهم مِن أهْلِ التَّوْراةِ والرُّجُوعِ إلى الحَقِّ.

﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا التَّحْرِيمُ قَدْ يَكُونُ قَدَرِيًّا، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى قَيَّضَهم لِأنْ تَأوَّلُوا في كِتابِهِمْ، وحَرَّفُوا وبَدَّلُوا أشْياءَ كانَتْ حَلالًا لَهُمْ، فَحَرَّمُوها عَلى أنْفُسِهِمْ تَضْيِيقًا وتَنَطُّعًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا، بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ أشْياءَ كانَتْ حَلالًا لَهم قَبْلَ ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَـزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ﴾ [آل عمران: ٩٣] [آلِ عِمْرانَ: ٩٣]. أيْ: ما عَدا ما كانَ حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ مِن لُحُومِ الإبِلِ وألْبانِها، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ أشْياءَ كَثِيرَةً في التَّوْراةِ، كَما قالَ في سُورَةِ الأنْعامِ: (p-١٧١٧)﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] [الأنْعامِ: ١٤٦] أيْ: إنَّما حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِطُغْيانِهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ رَسُولَهم واخْتِلافِهِمْ عَلَيْهِ.

ولَمّا ذَكَرَ ظُلْمَهم ذَكَرَ مَجامِعَ مِن جُزْئِيّاتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا أوْضَحَ مِنهُ ولا أسْهَلَ ولا أعْظَمَ ﴿كَثِيرًا﴾ أيْ: ناسًا كَثِيرًا، أوْ صَدًّا كَثِيرًا، فَهم صَدُّوا النّاسَ وصَدُّوا أنْفُسَهم عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ، وهَذِهِ سَجِيَّةٌ لَهم مُتَّصِفُونَ بِها مِن قَدِيمِ الدَّهْرِ وحَدِيثِهِ، ولِهَذا كانُوا أعْداءَ الرُّسُلِ، وقَتَلُوا خَلْقًا مِنَ الأنْبِياءِ، وكَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ، صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ.

4:161Page 103

وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦١

And [for] their taking of usury while they had been forbidden from it, and their consuming of the people's wealth unjustly. And We have prepared for the disbelievers among them a painful punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [١٦١]

﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: في التَّوْراةِ ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ بِالرِّشْوَةِ وسائِرِ الوُجُوهِ المُحَرَّمَةِ.

﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ اليَهُودِ المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، لا لِمَن تابَ وآمَنَ مِن بَيْنِهِمْ ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ وجِيعًا يَخْلُصُ إلى قُلُوبِهِمْ.

4:162Page 103

لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا ١٦٢

But those firm in knowledge among them and the believers believe in what has been revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you. And the establishers of prayer [especially] and the givers of zakāh and the believers in Allāh and the Last Day - those We will give a great reward.

(p-١٧١٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [١٦٢]

﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾ أيِ: الثّابِتُونَ في العِلْمِ المُسْتَبْصِرُونَ فِيهِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ.

قالَ الرّازِيُّ: الرّاسِخُونَ في العِلْمِ: الثّابِتُونَ فِيهِ، وهم في الحَقِيقَةِ المُسْتَدِلُّونَ؛ لِأنَّ المُقَلِّدَ يَكُونُ بِحَيْثُ إذا شُكِّكَ يَشُكُّ، وأمّا المُسْتَدِلُّ فَإنَّهُ لا يَتَشَكَّكُ البَتَّةَ، فالرّاسِخُونَ هُمُ المُسْتَدِلُّونَ ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأُمِّيِّينَ اللّاحِقِينَ بِهِمْ في الرُّسُوخِ بِصُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ مِنَ القُرْآنِ ﴿وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ؛ لِاطِّلاعِهِمْ عَلى كِمالاتِ المُنَزَّلِ عَلَيْكَ، وأنَّهُ صَدَّقَ ما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ، فَلا بُدَّ مِنَ الإيمانِ بِهِ أيْضًا ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَكَذا هو في مَصاحِفِ الأئِمَّةِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ارْتِفاعُ (الرّاسِخُونَ) عَلى الِابْتِداءِ، و﴿يُؤْمِنُونَ﴾ خَبَرُهُ و﴿والمُقِيمِينَ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ؛ لِبَيانِ فَضْلِ الصَّلاةِ، وهو بابٌ واسِعٌ قَدْ كَسَرَهُ سِيبَوَيْهِ عَلى أمْثِلَةٍ وشَواهِدَ. ولا يُلْتَفَتُ إلى ما زَعَمُوا مِن وُقُوعِهِ لَحْنًا في خَطِّ المُصْحَفِ. ورُبَّما التَفَّتْ إلَيْهِ مَن لَمْ يَنْظُرْ في الكِتابِ، ولَمْ يَعْرِفْ مَذاهِبَ العَرَبِ، وما لَهم في النَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ مِنَ الِافْتِنانِ، وغَبِيَ عَلَيْهِ أنَّ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ مَثَلُهُمُ في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ كانُوا أبْعَدَ هِمَّةً في الغَيْرَةِ عَلى الإسْلامِ، وذَبِّ المَطاعِنِ عَنْهُ، مِن أنْ يَتْرُكُوا في كِتابِ اللَّهِ ثُلْمَةً لِيَسُدَّها مَن بَعْدَهُمْ، وخَرْقًا يَرْفُوهُ مَن يَلْحَقُ بِهِمْ.

(p-١٧١٩)وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى: ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ أيْ: يُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ وبِالمُقِيمِينَ الصَّلاةِ وهُمُ الأنْبِياءُ.

وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ (والمُقِيمُونَ) بِالواوِ، وهي قِراءَةُ مالِكِ بْنِ دِينارٍ، والجَحْدَرِيِّ، وعِيسى الثَّقَفِيِّ.

وجُوِّزَ عَطْفُ (المُقِيمِينَ) عَلى الضَّمِيرِ في (مِنهُمْ) وعَطْفُهُ عَلى الضَّمِيرِ في و(إلَيْكَ) والكِتابُ أُنْزِلَ لِلنَّبِيِّ ولِأتْباعِهِ، قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] [يُونُسَ: ٥٧] كَذا في حَواشِي الشُّذُورِ.

وقَدْ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: (كانُوا أبْعَدَ هِمَّةً) إلى رَدِّ ما نُقِلَ أنَّ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا فُرِغَ مِنَ المُصْحَفِ أُتِيَ بِهِ إلَيْهِ، فَقالَ: قَدْ أحْسَنْتُمْ وأجْمَلْتُمْ، أرى شَيْئًا مِن لَحْنٍ سَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها، ولَوْ كانَ المُمْلِي مَن هُذَيْلٍ والكاتِبُ مِن قُرَيْشٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ هَذا.

قالَ الحافِظُ السَّخاوِيُّ: هَذا الأثَرُ ضَعِيفٌ، والإسْنادُ فِيهِ اضْطِرابٌ وانْقِطاعٌ؛ لِأنَّ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جُعِلَ لِلنّاسِ إمامًا يَقْتَدُونَ بِهِ، فَكَيْفَ يَرى فِيهِ لَحْنًا ويَتْرُكُهُ لِتُقِيمَهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها؟! وقَدْ كَتَبَ مَصاحِفَ سَبْعَةً ولَيْسَ فِيها اخْتِلافٌ قَطُّ، إلّا فِيما هو مِن وُجُوهِ القِراءاتِ، وإذا لَمْ يُقِمْهُ هو ومَن باشَرَ الجَمْعَ، كَيْفَ يُقِيمُهُ غَيْرُهُمْ؟!

(p-١٧٢٠)وتَأوَّلَ قَوْمٌ اللَّحْنَ في كَلامِهِ (عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ عَنْهُ) بِأنَّ المُرادَ الرَّمْزُ والإيماءُ كَما في قَوْلِهِ:

؎مَنطِقٌ رائِعٌ وتَلُحْنَ أحْيا نًا وخَيْرُ الكَلامِ ما كانَ لَحْنًا

(p-١٧٢١)أيِ: المُرادُ بِهِ الرَّمْزُ، بِحَذْفِ بَعْضِ الحُرُوفِ خَطًّا، كَألِفِ (الصّابِرِينَ) مِمّا يَعْرِفُهُ القُرّاءُ إذا رَأوْهُ، وكَذا زِيادَةُ بَعْضِ الحُرُوفِ، كَذا في "عِنايَةِ الرّاضِي".

﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ رَفْعُهُ بِالعَطْفِ عَلى: ﴿الرّاسِخُونَ﴾ أوْ عَلى الضَّمِيرِ فِي: " يُؤْمِنُونَ " أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ﴾ والوُجُوهُ المَذْكُورَةُ تَجْرِي في " المُقِيمِينَ " عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ. ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ يَعْنِي: والمُصَدِّقُونَ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وبِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ وبِالثَّوابِ والعِقابِ، وإنَّما قُدِّمَ الإيمانُ بِالأنْبِياءِ والكُتُبِ وما يُصَدِّقُهُ مِنِ اتِّباعِ الشَّرائِعِ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ في هَذا المَقامِ، لِأنَّهُ لِبَيانِ حالِ أهْلِ الكِتابِ وإرْشادِهِمْ، وهم كانُوا يُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ذَلِكَ ويَتْرُكُونَ بَعْضَهُ، فَبَيَّنَ لَهم ما يَلْزَمُهم ويَجِبُ عَلَيْهِمْ.

﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ؛ لِجَمْعِهِمْ بَيْنَ الإيمانِ الصَّحِيحِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

لَطِيفَةٌ:

فِي الآيَةِ وُجُوهٌ مِنَ الإعْرابِ، أحْسَنُها ما اعْتَمَدَهُ أبُو السُّعُودِ، مِن أنَّ جُمْلَةَ: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ﴾ إلَخْ ... خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ: ﴿الرّاسِخُونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وأنَّ جُمْلَةَ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْـزِلَ﴾ إلَخْ ... حالٌ مِنَ " المُؤْمِنُونَ " مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ إيمانِهِمْ، أوِ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ.

قالَ: وهَذا أنْسَبُ بِتَجاوُبِ طَرَفَيِ الِاسْتِدْراكِ؛ حَيْثُ أُوعِدَ الأوَّلُونَ بِالعَذابِ الألِيمِ، ووُعِدَ الآخِرُونَ بِالأجْرِ العَظِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [النساء: ١٦١] لَكِنِ المُؤْمِنُونَ مِنهم سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا.

وأمّا ما جَنَحَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن جَعْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْـزِلَ﴾ إلَخْ .. خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، فَفي كَمالِ السَّدادِ، خَلا أنَّهُ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِتَقابُلِ الطَّرَفَيْنِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском