Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:164
4:164Page 104
وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ١٦٤
And [We sent] messengers about whom We have related [their stories] to you before and messengers about whom We have not related to you. And Allāh spoke to Moses with [direct] speech.
(p-١٧٢٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ورُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [١٦٤]
﴿ورُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: في السُّوَرِ المَكِّيَّةِ.
﴿ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ أيْ: لَمْ نُسَمِّهِمْ لَكَ في القُرْآنِ، وقَدْ أحْصى بَعْضُ المُدَقِّقِينَ أنْبِياءَ اليَهُودِ والنَّصارى ورُسُلَهم فَوَجَدَ عَدَدَهم لا يَتَجاوَزُ الخَمْسِينَ.
رُوِيَ في عِدَّتِهِمْ أحادِيثُ تُكُلِّمَ في أسانِيدِها، مِنها:
حَدِيثُ أبِي ذَرٍّ: «إنَّ الأنْبِياءَ مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، والرُّسُلَ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ، وخالَفَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ فَذَكَرَهُ في "مَوْضُوعاتِهِ" واتَّهَمَ بِهِ إبْراهِيمَ بْنَ هاشِمٍ، وقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ واحِدٍ.
﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ يَعْنِي خاطَبَهُ مُخاطَبَةً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ؛ لِأنَّ تَأْكِيدَ (كَلَّمَ) بِالمَصْدَرِ يَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِ الكَلامِ، وأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ بِلا شَكٍّ، لِأنَّ أفْعالَ المَجازِ لا تُؤَكَّدُ بِالمَصادِرِ، فَلا يُقالُ: أرادَ الحائِطُ يَسْقُطُ إرادَةً، وهَذا رَدٌّ عَلى مَن يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ كَلامًا في مَحَلٍّ، فَسَمِعَ مُوسى ذَلِكَ الكَلامَ.
قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ ما يُوصَلُ إلى الإنْسانِ كَلامًا، بِأيِّ طَرِيقٍ وصَلَ، لَكِنْ لا تُحَقِّقُهُ بِالمَصْدَرِ، وإذا حُقِّقَ بِالمَصْدَرِ لَمْ يَكُنْ إلّا حَقِيقَةَ الكَلامِ، فَدَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: (تَكْلِيمًا) عَلى أنَّ مُوسى قَدْ سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ حَقِيقَةً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ.
قالَ بَعْضُهُمْ: كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالتَّكْلِيمِ وشَرَّفَهُ بِهِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قادِحًا في نُبُوَّةِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ - فَكَذَلِكَ إنْزالُ التَّوْراةِ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً لَمْ يَكُنْ قادِحًا في نُبُوَّةِ مَن أنْزَلَ عَلَيْهِ كِتابَهُ مُنَجَّمًا مِنَ الأنْبِياءِ، كَذا في "اللُّبابِ".
* *
تَنْبِيهٌ:
يَحْسُنُ في هَذا المَقامِ إيرادُ عَقِيدَةِ السَّلَفِ الكِرامِ في مَسْألَةِ الكَلامِ؛ فَإنَّها مِن أعْظَمِ مَسائِلِ الدِّينِ، وقَدْ تَحَيَّرَتْ فِيها آراءُ أهْلِ الأهْواءِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ، واضْطَرَبَتْ فِيها الأقْوالُ، وكَثُرَتْ بِسَبَبِها الأهْوالُ، وأثارَتْ فِتَنًا، وجَلَبَتْ مِحَنًا، وكَمْ سَجَنَتْ إمامًا، وبَكَّتْ (p-١٧٢٤)أقْوامًا، وتَشَعَّبَتْ فِيها المَذاهِبُ، واخْتَلَفَتْ فِيها المَشارِبُ، ولَمْ يَثْبُتْ إلّا قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، المُقْتَفِينَ لِأثَرِ الرَّسُولِ ﷺ وصَحابَتِهِ الكِرامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
فَنَقُولُ: قالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ - عَلَيْهِ رَحْمَةُ الرَّحِيمِ السَّلامِ - في كِتابِهِ إلى جَماعَةِ العارِفِ عَدِيِّ بْنِ مُسافِرٍ ما نَصُّهُ:
فَصْلٌ
ومِن ذَلِكَ الِاقْتِصادُ في السُّنَّةِ واتِّباعُها كَما جاءَتْ بِلا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، مِثْلُ الكَلامِ في القُرْآنِ وسائِرِ الصِّفاتِ، فَإنَّ مَذْهَبَ سَلَفِ الأُمَّةِ وأهْلِ السُّنَّةِ أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنهُ بَدا وإلَيْهِ يَعُودُ، هَكَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.
رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ - وكانَ مِنَ التّابِعِينَ الأعْيانِ - قالَ: ما زِلْتُ أسْمَعُ النّاسَ يَقُولُونَ ذَلِكَ: القُرْآنُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هو هَذا القُرْآنُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ المُسْلِمُونَ ويَكْتُبُونَهُ في مَصاحِفِهِمْ، وهو كَلامُ اللَّهِ لا كَلامُ غَيْرِهِ - وإنْ تَلاهُ العِبادُ وبَلَّغُوهُ بِحَرَكاتِهِمْ وأصْواتِهِمْ - فَإنَّ الكَلامَ لِمَن قالَهُ مُبْتَدِئًا، لا لِمَن قالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] [التَّوْبَةِ: ٦] وهَذا القُرْآنُ في المَصاحِفِ كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] [البُرُوجِ: ٢١ - ٢٢] وقالَ تَعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] [البَيِّنَةِ: ٢ - ٣] وقالَ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٨] [الواقِعَةِ: ٧٧ - ٧٨].
والقُرْآنُ: كَلامُ اللَّهِ بِحُرُوفِهِ ونَظْمِهِ ومَعانِيهِ. كُلُّ ذَلِكَ يَدْخُلُ في القُرْآنِ وفي كَلامِ اللَّهِ، وإعْرابُ الحُرُوفِ هو مِن تَمامِ الحُرُوفِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: (p-١٧٢٥)«مَن قَرَأ القُرْآنَ فَأعْرَبَهُ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ» .
وقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: حِفْظُ إعْرابِ القُرْآنِ أحَبُّ إلَيْنا مِن حِفْظِ بَعْضِ حُرُوفِهِ.
ثُمَّ قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: والتَّصْدِيقُ بِما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ ويُنادِي آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِصَوْتٍ،» إلى أمْثالِ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ كانَ عَلَيْها سَلَفُ الأُمَّةِ وأئِمَّةُ السُّنَّةِ.
وقالَ أئِمَّةُ السُّنَّةِ: القُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ حَيْثُ تُلِيَ، وحَيْثُ كُتِبَ، فَلا يُقالُ لِتِلاوَةِ العَبْدِ بِالقُرْآنِ: إنَّها مَخْلُوقَةٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ القُرْآنُ المُنَزَّلُ، ولا يُقالُ: غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ أفْعالُ العِبادِ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ قَطُّ مِن أئِمَّةِ السَّلَفِ: إنَّ أصْواتَ العِبادِ بِالقُرْآنِ قَدِيمَةٌ، بَلْ أنْكَرُوا عَلى عَلى مَن قالَ: ( لَفْظُ العَبْدِ بِالقُرْآنِ مَخْلُوقٌ).
وأمّا مَن قالَ: إنَّ المِدادَ قَدِيمٌ - فَهَذا مِن أجْهَلِ النّاسِ وأبْعَدِهِمْ عَنِ السُّنَّةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] [الكَهْفِ: ١٠٩] فَأخْبَرَ أنَّ المِدادَ يَكْتُبُ بِهِ كَلِماتِهِ.
وكَذَلِكَ مَن قالَ: (لَيْسَ القُرْآنُ في المُصْحَفِ، وإنَّما في المُصْحَفِ مِدادٌ ووَرَقٌ وحِكايَةٌ وعِبارَةٌ) فَهو مُبْتَدِعٌ ضالٌّ، بَلِ القُرْآنُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ هو ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ، والكَلامُ في المُصْحَفِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَعْرِفُهُ النّاسُ لَهُ خاصَّةٌ يَمْتازُ بِها عَنْ سائِرِ الأشْياءِ.
وكَذَلِكَ مَن زادَ عَلى السُّنَّةِ فَقالَ: إنَّ ألْفاظَ العِبادِ وأصْواتَهم قَدِيمَةٌ - مُبْتَدِعٌ ضالٌّ، كَمَن قالَ: إنَّ اللَّهَ لا يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ ولا صَوْتٍ - فَإنَّهُ أيْضًا مُبْتَدِعٌ مُنْكِرٌ لِلسُّنَّةِ، وكَذَلِكَ مَن زادَ وقالَ: إنَّ المِدادَ قَدِيمٌ - فَهو ضالٌّ، كَمَن قالَ: لَيْسَ في المَصاحِفِ كَلامُ اللَّهِ.
وأمّا مَن زادَ عَلى ذَلِكَ مِنَ الجُهّالِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الوَرَقَ والجِلْدَ والوَتَدَ وقِطْعَةً مِنَ الحائِطِ كَلامُ اللَّهِ - فَهو بِمَنزِلَةِ مَن يَقُولُ: ما تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالقُرْآنِ ولا هو كَلامُهُ، هَذا الغُلُوُّ مِن جانِبِ الإثْباتِ يُقابِلُ التَّكْذِيبَ مِن جانِبِ النَّفْيِ، وكِلاهُما خارِجٌ عَنِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ.
وكَذَلِكَ إفْرادُ الكَلامِ في النُّقْطَةِ والشَّكْلَةِ بِدْعَةٌ، نَفْيًا وإثْباتًا، وإنَّما حَدَثَتْ (p-١٧٢٦)هَذِهِ البِدْعَةُ مِن مِائَةِ سَنَةٍ أوْ أكْثَرَ بِقَلِيلٍ.
فَإنَّ مَن قالَ: إنَّ المِدادَ الَّذِي تُنْقَطُ بِهِ الحُرُوفُ وتُشْكَلُ بِهِ قَدِيمٌ - فَهو ضالٌّ جاهِلٌ.
ومَن قالَ: إنَّ إعْرابَ حُرُوفِ القُرْآنِ لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ - فَهو ضالٌّ مُبْتَدِعٌ.
بَلِ الواجِبُ أنْ يُقالَ: هَذا القُرْآنُ العَرَبِيُّ هو كَلامُ اللَّهِ، وقَدْ دَخَلَ في ذَلِكَ حُرُوفُهُ بِإعْرابِها، كَما دَخَلَتْ مَعانِيهِ، ويُقالُ: وما بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ جَمِيعُهُ كَلامُ اللَّهِ، فَإنْ كانَ المُصْحَفُ مَنقُوطًا مَشْكُولًا أُطْلِقَ عَلى ما بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ جَمِيعِهِ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، فَإنْ كانَ غَيْرَ مَنقُوطٍ ولا مَشْكُولٍ - كالمَصاحِفِ القَدِيمَةِ الَّتِي كَتَبَها الصَّحابَةُ - كانَ أيْضًا ما بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ هو كَلامُ اللَّهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ تُلْقى الفِتْنَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ بِأمْرٍ مُحْدَثٍ ونِزاعٍ لَفْظِيٍّ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُحْدَثَ في الدِّينِ ما لَيْسَ مِنهُ.
وسُئِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ رَجُلَيْنِ تَباحَثا فَقالَ أحَدُهُما: القُرْآنُ حَرْفٌ وصَوْتٌ، وقالَ الآخَرُ: لَيْسَ هو بِحَرْفٍ ولا صَوْتٍ، وقالَ أحَدُهُما: النُّقَطُ الَّتِي في المُصْحَفِ والشَّكْلُ مِنَ القُرْآنِ، وقالَ الآخَرُ: لَيْسَ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ، فَما الصَّوابُ في ذَلِكَ؟
فَأجابَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، هَذِهِ المَسْألَةُ يَتَنازَعُ فِيها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، ويَخْلِطُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ، فالَّذِي قالَ: إنَّ القُرْآنَ حَرْفٌ وصَوْتٌ، إنْ أرادَ بِذَلِكَ أنَّ هَذا القُرْآنَ الَّذِي يُقْرَأُ لِلْمُسْلِمِينَ هو كَلامُ اللَّهِ، الَّذِي نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ، وأنَّ جِبْرَئِيلَ سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، والنَّبِيَّ ﷺ سَمِعَهُ مِن جِبْرَئِيلَ، والمُسْلِمُونَ سَمِعُوهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] [النَّحْلِ: ١٠٢] وقالَ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤] [الأنْعامِ: ١١٤] - فَقَدْ أصابَ في ذَلِكَ.
(p-١٧٢٧)فَإنَّ هَذا مَذْهَبَ سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها، والدَّلائِلُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ.
ومَن قالَ: إنَّ القُرْآنَ العَرَبِيَّ لَمْ يَتَكَلَّمِ اللَّهُ بِهِ، وإنَّما هو كَلامُ جِبْرَئِيلَ أوْ غَيْرِهِ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ المَعْنى القائِمِ بِذاتِ اللَّهِ، كَما يَقُولُ ذَلِكَ ابْنُ كُلّابٍ والأشْعَرِيُّ ومَن وافَقَهُما - فَهو قَوْلٌ باطِلٌ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ.
فَإنَّ هَؤُلاءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ مَعْنًى واحِدٌ قائِمٌ بِالذّاتِ، وإنَّ مَعْنى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ واحِدٌ، وإنَّهُ لا يَتَعَدَّدُ ولا يَتَبَعَّضُ، وإنَّهُ إنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالعَرَبِيَّةِ كانَ قُرْآنًا، وبِالعِبْرانِيَّةِ كانَ تَوْراةً، وبِالسُّرْيانِيَّةِ كانَ إنْجِيلًا، فَيَجْعَلُونَ مَعْنى آيَةِ الكُرْسِيِّ وآيَةِ الدَّيْنِ، و: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] [الإخْلاصِ: ١] و: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] [المَسَدِ: ١] والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وغَيْرَهُما - مَعْنًى واحِدًا، وهَذا قَوْلٌ فاسِدٌ بِالعَقْلِ والشَّرْعِ، وهو قَوْلٌ أحْدَثَهُ ابْنُ كُلّابٍ، لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ.
وإنْ أرادَ قائِلٌ بِالحَرْفِ والصَّوْتِ أنَّ الأصْواتَ المَسْمُوعَةَ مِنَ القُرّاءِ، والمِدادَ الَّذِي في المَصاحِفِ قَدِيمٌ أزَلِيٌّ - أخْطَأ وابْتَدَعَ، وقالَ ما يُخالِفُ العَقْلَ والشَّرْعَ؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأصْواتِكم» فَبَيَّنَ أنَّ الصَّوْتَ صَوْتُ القارِئِ، والكَلامَ كَلامُ البارِي، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] [التَّوْبَةِ: ٦].
فالقُرْآنُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ المُسْلِمُونَ (p-١٧٢٨)كَلامُ اللَّهِ لا كَلامُ غَيْرِهِ، كَما ذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ.
وفِي السُّنَنِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى النّاسِ في المَوْقِفِ فَقالَ: ألا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إلى قَوْمِهِ؟ فَإنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي» .
قالُوا لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لَمّا قَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] هَذا كَلامُكَ أمْ كَلامُ صاحِبِكَ؟ فَقالَ: لَيْسَ بِكَلامِي ولا كَلامِ صاحِبِي، ولَكِنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى.
والنّاسُ إذا بَلَّغُوا كَلامَ النَّبِيِّ ﷺ كَقَوْلِهِ: «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ» - يَعْلَمُونَ أنَّ الحَدِيثَ الَّذِي يُسْمِعُونَهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ تَكَلَّمَ بِهِ بِصَوْتِهِ وبِحُرُوفِهِ ومَعانِيهِ، والمُحَدِّثُ بَلَّغَهُ عَنْهُ بِصَوْتِ نَفْسِهِ لا بِصَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فالقُرْآنُ أوْلى أنْ يَكُونَ كَلامَ اللَّهِ، إذا بَلَّغَتْهُ الرُّسُلُ عَنْهُ، وقَرَأهُ النّاسُ بِأصْواتِهِمْ، واللَّهُ تَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ بِحُرُوفِهِ ومَعانِيهِ بِصَوْتِ نَفْسِهِ، ونادى مُوسى بِصَوْتِ نَفْسِهِ، كَما ثَبَتَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ السَّلَفِ، وصَوْتُ العَبْدِ لَيْسَ هو صَوْتَ الرَّبِّ، ولا مِثْلَ صَوْتِهِ، فَإنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لا في ذاتِهِ، ولا في صِفاتِهِ، ولا في أفْعالِهِ.
وقَدْ نَصَّ أئِمَّةُ الإسْلامِ - أحْمَدُ ومَن قَبْلَهُ مِنَ الأئِمَّةِ - عَلى ما نَطَقَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ مِن أنَّ اللَّهَ يُنادِي بِصَوْتٍ، وإنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ تَكَلَّمَ بِحُرُوفٍ وصَوْتٍ، لَيْسَ مِنهُ شَيْءٌ كَلامًا لِغَيْرِهِ، لا جِبْرَئِيلَ ولا غَيْرِهِ، وأنَّ العِبادَ يَقُولُونَهُ بِأصْواتِ أنْفُسِهِمْ وأفْعالِهِمْ، فالصَّوْتُ المَسْمُوعُ مِنَ العَبْدِ صَوْتُ القارِئِ، والكَلامُ كَلامُ البارِي.
وكَثِيرٌ مِنَ الخائِضِينَ في هَذِهِ المَسْألَةِ لا يُمَيِّزُ (p-١٧٢٩)بَيْنَ صَوْتِ العَبْدِ وصَوْتِ الرَّبِّ، بَلْ يَجْعَلُ هَذا هو هَذا، فَيَنْفِيهِما جَمِيعًا، ويُثْبِتُهُما جَمِيعًا، فَإذا نَفى الحَرْفَ والصَّوْتَ نَفى أنْ يَكُونَ القُرْآنُ العَرَبِيُّ كَلامَ اللَّهِ، وأنْ يَكُونَ مُنادِيًا لِعِبادِهِ بِصَوْتِهِ، وأنْ يَكُونَ القُرْآنُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ المُسْلِمُونَ كَلامَ اللَّهِ، كَما نَفى أنْ يَكُونَ صَوْتُ العَبْدِ صِفَةً لِلَّهِ، ثُمَّ جَعَلَ كَلامَ اللَّهِ المُتَنَوِّعَ شَيْئًا واحِدًا، لا فَرْقَ بَيْنَ القَدِيمِ والحادِثِ، وهَذا مُصِيبٌ في هَذا الفَرْقِ دُونَ ذاكَ الثّانِي، الَّذِي فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الإلْحادِ والتَّعْطِيلِ؛ حَيْثُ جَعَلَ كَلامَ اللَّهِ المُتَنَوِّعَ شَيْئًا واحِدًا لا حَقِيقَةَ لَهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، وإذا أثْبَتَ جَعَلَ صَوْتَ الرَّبِّ هو صَوْتَ العَبْدِ، أوْ سَكَتَ عَنِ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُما، مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ الحُرُوفَ مُتَعاقِبَةٌ في الوُجُودِ، مُقْتَرِنَةٌ في الذّاتِ، قَدِيمَةٌ أزَلِيَّةُ الأعْيانِ، فَجَعَلَ عَيْنَ صِفَةِ الرَّبِّ تَحُلُّ في العَبْدِ، ويَتَّحِدُ بِصِفَتِهِ، فَقالَ في نَوْعٍ مِنَ الحُلُولِ والِاتِّحادِ يُفْضِي إلى نَوْعٍ مِنَ التَّعْطِيلِ.
وقَدْ عُلِمَ أنَّ نَفْيَ الفَرْقِ والمُبايَنَةِ بَيْنَ الخالِقِ وصِفاتِهِ والمَخْلُوقِ وصِفاتِهِ - خَطَأٌ وضَلالٌ، لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها، بَلْ هم مُتَّفِقُونَ عَلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ صَوْتِ الرَّبِّ وصَوْتِ العَبْدِ، ومُتَّفِقُونَ أنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ حُرُوفِهِ ومَعانِيهِ، وأنَّهُ يُنادِي عِبادَهُ بِصَوْتِهِ، ومُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ الأصْواتَ المَسْمُوعَةَ مِنَ القُرّاءِ أصْواتُ العِبادِ، وعَلى أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ مِن أصْواتِ العِبادِ، ولا مِدادِ المَصاحِفِ قَدِيمًا، بَلِ القُرْآنُ مَكْتُوبٌ في مَصاحِفِ المُسْلِمِينَ، مَقْرُوءٌ بِألْسِنَتِهِمْ، مَحْفُوظٌ بِقُلُوبِهِمْ، وهو كَلامُ اللَّهِ، والصَّحابَةُ كَتَبُوا المَصاحِفَ لَمّا كَتَبُوها بِغَيْرِ شَكْلٍ ولا نَقْطٍ؛ لِأنَّهم كانُوا عَرَبًا لا يَلْحَنُونَ، ثُمَّ لَمّا حَدَثَ اللَّحْنُ نَقَطَ النّاسُ المَصاحِفَ وشَكَلُوها.
فَإنْ كُتِبَتْ بِلا شَكْلٍ ولا نَقْطٍ جازَ، وإنْ كُتِبَتْ بِنَقْطٍ وشَكْلٍ جازَ، ولَمْ يُكْرَهْ في أظْهَرِ قَوْلَيِ العُلَماءِ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ. وحُكْمُ النَّقْطِ والشَّكْلِ حُكْمُ الحُرُوفِ، فَإنَّ الشَّكْلَ يَبَيِّنُ إعْرابَ القُرْآنِ، كَما يُبَيِّنُ النَّقْطُ الحُرُوفَ، والمِدادُ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ الحُرُوفُ ويُكْتَبُ بِهِ الشَّكْلُ والنُّقَطُ مَخْلُوقٌ، وكَلامُ اللَّهِ العَرَبِيُّ الَّذِي أنْزَلَهُ وكُتِبَ في المَصاحِفِ بِالشَّكْلِ والنُّقَطِ وبِغَيْرِ شَكْلٍ ونَقْطٍ - لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، وحُكْمُ الإعْرابِ حُكْمُ الحُرُوفِ، لَكِنَّ الإعْرابَ لا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، بَلْ هو تابِعٌ لِلْحُرُوفِ المَنقُوطَةِ، والشَّكْلَ والنَّقْطَ لا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، بَلْ هو تابِعٌ لِلْحُرُوفِ (p-١٧٣٠)المَرْسُومَةِ، فَلِهَذا لا يُحْتاجُ لِتَجْرِيدِهِما وإفْرادِهِما بِالكَلامِ، بَلِ القُرْآنُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ المُسْلِمُونَ هو كَلامُ اللَّهِ: مَعانِيهِ وحُرُوفُهُ وإعْرابُهُ.
واللَّهُ تَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ العَرَبِيِّ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ والنّاسُ يَقْرَؤُونَهُ بِأفْعالِهِمْ وأصْواتِهِمْ، والمَكْتُوبُ في مَصاحِفِ المُسْلِمِينَ هو كَلامُ اللَّهِ، وهو القُرْآنُ العَرَبِيُّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى نَبِيِّهِ، سَواءٌ كُتِبَ بِشَكْلٍ ونَقْطٍ أوْ بِغَيْرِ شَكْلٍ ونَقْطٍ، والمِدادُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ القُرْآنُ لَيْسَ بِقَدِيمٍ بَلْ هو مَخْلُوقٌ، والقُرْآنُ الَّذِي كُتِبَ في المُصْحَفِ بِالمِدادِ هو كَلامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ، غَيْرُ مَخْلُوقٍ، والمَصاحِفُ يَجِبُ احْتِرامُها بِاتِّفاقِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ كَلامَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ فِيها، واحْتِرامُ النَّقْطِ والشَّكْلِ - إذا كُتِبَ المُصْحَفُ مُشْكَلًا مَنقُوطًا - كاحْتِرامِ الحُرُوفِ بِاتِّفاقِ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ، كَما أنَّ حُرْمَةَ إعْرابِ القُرْآنِ كَحُرْمَةِ حُرُوفِهِ المَنقُوطَةِ بِاتِّفاقِ المُسْلِمِينَ.
ولِهَذا قالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ: حِفْظُ إعْرابِ القُرْآنِ أحَبُّ إلَيْنا مِن حِفْظِ بَعْضِ حُرُوفِهِ، واللَّهُ تَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ بِحُرُوفِهِ ومَعانِيهِ، فَجَمِيعُهُ كَلامُ اللَّهِ.
فَلا يُقالُ: بَعْضُهُ كَلامُ اللَّهِ وبَعْضُهُ لَيْسَ بِكَلامِ اللَّهِ، وهو سُبْحانَهُ نادى مُوسى بِصَوْتٍ سَمِعَهُ مُوسى، فَإنَّهُ قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ نادى مُوسى في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [النازعات: ١٥] ﴿إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٦] [النّازِعاتِ: ١٥ - ١٦] والنِّداءُ لا يَكُونُ إلّا صَوْتًا بِاتِّفاقِ أهْلِ اللُّغَةِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] ﴿ورُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النِّساءِ: ١٦٣ - ١٦٤] فَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ إيحائِهِ إلى النَّبِيِّينَ وبَيْنَ تَكْلِيمِهِ لِمُوسى، فَمَن قالَ: إنَّ مُوسى لَمْ يَسْمَعْ صَوْتًا بَلْ أُلْهِمَ مَعْناهُ - لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مُوسى وغَيْرِهِ، وقَدْ قالَ تَعالى: (p-١٧٣١)﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] [البَقَرَةِ: ٢٥٣] وقالَ تَعالى: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١] [الشُّورى: ٥١] فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الإيحاءِ والتَّكَلُّمِ مِن وراءِ حِجابٍ، كَما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى، فَمَن سَوّى بَيْنَ هَذا وهَذا كانَ ضالًّا.
وقَدْ قالَ الإمامُ أحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وغَيْرُهُ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذا شاءَ، وهو يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ، يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ [طه: ١١] [طه: ١١] فَناداهُ حِينَ أتاها ولَمْ يُنادِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وقالَ تَعالى: ﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] [الأعْرافِ: ٢٢] فَهو سُبْحانَهُ ناداهُما حِينَ ذاقا الشَّجَرَةَ، ولَمْ يُنادِهِما قَبْلَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] [الأعْرافِ: ١١] بَعْدَ أنْ خَلَقَ آدَمَ وصَوَّرَهُ، ولَمْ يَأْمُرْهم قَبْلَ ذَلِكَ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] فَأخْبَرَ أنَّهُ قالَ لَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] (p-١٧٣٢)بَعْدَ أنْ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ.
ومِثْلُ هَذا الخَبَرِ في القُرْآنِ كَثِيرٌ، يُخْبِرُ أنَّهُ تَكَلَّمَ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، ونادى في وقْتٍ مُعَيَّنٍ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ لَمّا خَرَجَ إلى الصَّفا قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] [البَقَرَةِ: ١٥٨] قالَ: نَبْدَأُ بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» فَأخْبَرَ أنَّ اللَّهَ بَدَأ بِالصَّفا قَبْلَ المَرْوَةِ.
والسَّلَفُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنهُ بَدَأ وإلَيْهِ يَعُودُ، فَظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ مُرادَهم أنَّهُ قَدِيمُ العَيْنِ.
ثُمَّ قالَتْ طائِفَةٌ: هو مَعْنًى واحِدٌ، وهو الأمْرُ بِكُلِّ مَأْمُورٍ والنَّهْيُ عَنْ كُلِّ مَنهِيٍّ، والخَبَرُ بِكُلِّ مُخْبَرٍ، إنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالعَرَبِيَّةِ كانَ قُرْآنًا، وإنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالعِبْرانِيَّةِ كانَ تَوْراةً، وإنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ كانَ إنْجِيلًا، وهَذا القَوْلُ مُخالِفٌ لِلشَّرْعِ والعَقْلِ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: هو حُرُوفٌ وأصْواتٌ قَدِيمَةُ الأعْيانِ، لازِمَةٌ لِذاتِ اللَّهِ، لَمْ تَزَلْ لازِمَةً لِذاتِهِ، وأنَّ الباءَ والسِّينَ والمِيمَ مَوْجُودَةٌ مُقْتَرِنَةٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ مَعًا، أزَلًا وأبَدًا، لَمْ تَزَلْ ولا تَزالُ، لَمْ يَسْبِقْ مِنها شَيْءٌ شَيْئًا، وهَذا أيْضًا مُخالِفٌ لِلشَّرْعِ والعَقْلِ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ اللَّهَ لا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وإنَّهُ في الأزَلِ كانَ مُتَكَلِّمًا بِالنِّداءِ الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى، وإنَّما تَجَدَّدَ اسْتِماعُ مُوسى، لا أنَّهُ ناداهُ حِينَ أتى الوادِيَ المُقَدَّسَ، بَلْ ناداهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِما لا يَتَناهى، ولَكِنْ تِلْكَ السّاعَةَ سَمِعَ النِّداءَ، وهَؤُلاءِ وافَقُوا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ في أصْلِ قَوْلِهِمْ، فَإنَّ أصْلَ قَوْلِهِمْ: إنَّ الرَّبَّ لا تَقُومُ بِهِ الأُمُورُ الِاخْتِيارِيَّةُ، فَلا يَقُومُ بِهِ كَلامٌ ولا فِعْلٌ بِاخْتِيارِهِ ومَشِيئَتِهِ، وقالُوا: هَذِهِ حَوادِثُ، والرَّبُّ لا تَقُومُ بِهِ الحَوادِثُ، فَخالَفُوا صَحِيحَ المَنقُولِ وصَرِيحَ المَعْقُولِ.
(p-١٧٣٣)واعْتَقَدُوا أنَّهم بِهَذا يَرُدُّونَ عَلى الفَلاسِفَةِ ويُثْبِتُونَ حُدُوثَ العالَمِ، وأخْطَأُوا في ذَلِكَ، فَلا لِلْإسْلامِ نَصَرُوا ولا لِلْفَلاسِفَةِ كَسَرُوا، وادَّعَوْا أنَّ الرَّبَّ لَمْ يَكُنْ قادِرًا في الأزَلِ عَلى كَلامٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ، ولا فِعْلٍ يَفْعَلُهُ، وأنَّهُ صارَ قادِرًا بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ قادِرًا، بِغَيْرِ أمْرٍ حَدَثَ، أوْ يُغَيِّرُونَ العِبارَةَ فَيَقُولُونَ: لَمْ يَزَلْ قادِرًا، لَكِنْ يَقُولُونَ: إنَّ المَقْدُورَ كانَ مُمْتَنِعًا، وإنَّ الفِعْلَ صارَ مُمْكِنًا لَهُ، بَعْدَ أنْ صارَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ، مِن غَيْرِ تَجَدُّدِ شَيْءٍ، وقَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأنْ يَقُولُوا: كانَ قادِرًا في الأزَلِ عَلى ما يُمْكِنُ، فِيما لا يَزالُ عَلى ما لا يُمْكِنُ في الأزَلِ، فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ؛ حَيْثُ يُثْبِتُونَهُ قادِرًا في حالِ كَوْنِ المَقْدُورِ عَلَيْهِ مُمْتَنِعًا عِنْدَهُمْ، ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ نَوْعِ الكَلامِ والفِعْلِ، وبَيْنَ عَيْنَيْهِ كَما لَمْ يُفَرِّقِ الفَلاسِفَةُ بَيْنَ هَذا وهَذا، بَلِ الفَلاسِفَةُ ادَّعَوْا أنَّ مَفْعُولَهُ المُعَيَّنَ قَدِيمٌ بِقِدَمِهِ، فَضَلُّوا في ذَلِكَ وخالَفُوا صَرِيحَ المَعْقُولِ وصَحِيحَ المَنقُولِ.
فَإنَّ الأدِلَّةَ لا تَدُلُّ عَلى قِدَمِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنَ العالَمِ، بَلْ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما سِوى اللَّهِ مَخْلُوقٌ حادِثٌ، بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، إذْ هو فاعِلٌ بِقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الدَّلائِلُ القَطْعِيَّةُ، والفاعِلُ بِمَشِيئَتِهِ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِن مَفْعُولِهِ لازِمًا، بِصَرِيحِ العَقْلِ واتِّفاقِ عامَّةِ العُقَلاءِ، بَلْ وكُلُّ فاعِلٍ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِن مَفْعُولِهِ لازِمًا لِذاتِهِ، ولا يُتَصَوَّرُ مُقارَنَةُ مَفْعُولِهِ المُعَيَّنِ لَهُ، ولَوْ قُدِّرَ أنَّهُ فاعِلٌ بِغَيْرِ إرادَةٍ، فَكَيْفَ بِالفاعِلِ بِالإرادَةِ؟! وما يُذْكَرُ بِأنَّ المَعْلُولَ يُقارِنُ عِلَّتَهُ إنَّما يَصِحُّ فِيما كانَ مِنَ العِلَلِ يَجْرِي مَجْرى الشُّرُوطِ، فَإنَّ الشَّرْطَ لا يَجِبُ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى المَشْرُوطِ، بَلْ قَدْ يُقارِنُهُ، كَما تُقارِنُ الحَياةُ العِلْمَ، وأمّا ما كانَ فاعِلًا - سَواءٌ سَمِّيَ عِلَّةً أوْ لَمْ يُسَمَّ - فَلا بُدَّ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى الفِعْلِ المُعَيَّنِ. والفِعْلُ المُعَيَّنُ لا يَجُوزُ أنْ يُقارِنَهُ شَيْءٌ مِن مَفْعُولاتِهِ، ولا يَعْرِفُ العُقَلاءُ فاعِلًا قَطُّ يَلْتَزِمُهُ مَفْعُولٌ مُعَيَّنٌ. وقَوْلُ القائِلِ (حَرَّكْتُ يَدِي فَتَحَرَّكَ الخاتَمُ) هو مِن بابِ الشُّرُوطِ لا مِن بابِ الفاعِلِينَ.
ولِأنَّهُ لَوْ كانَ العالَمُ قَدِيمًا لَكانَ فاعِلُهُ مُوجِبًا بِذاتِهِ في الأزَلِ، ولَمْ يَتَأخَّرْ عَنْهُ مُوجِبُهُ ومُقْتَضاهُ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا مِنَ الحَوادِثِ، وهَذا خِلافُ المُشاهَدَةِ، وإنْ كانَ هو سُبْحانَهُ لَمْ يَزَلْ قادِرًا عَلى الكَلامِ والفِعْلِ، بَلْ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا (p-١٧٣٤)إذا شاءَ، فاعِلًا لِما يَشاءُ، ولَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ، مَنعُوتًا بِنُعُوتِ الجَلالِ والإكْرامِ، والعالَمُ فِيهِ مِنَ الإحْكامِ والإتْقانِ ما دَلَّ عَلى عِلْمِ الرَّبِّ، وفِيهِ مِنَ الِاخْتِصاصِ ما دَلَّ عَلى مَشِيئَتِهِ، وفِيهِ مِنَ الإحْسانِ ما دَلَّ عَلى رَحْمَتِهِ، وفِيهِ مِنَ العَواقِبِ الحَمِيدَةِ ما دَلَّ عَلى حِكْمَتِهِ، وفِيهِ مِنَ الحَوادِثِ ما دَلَّ عَلى قُدْرَةِ الرَّبِّ تَعالى، مَعَ أنَّ الرَّبَّ مُسْتَحِقٌّ لِصِفاتِ الكَمالِ لِذاتِهِ - فَإنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِكُلِّ كَمالٍ مُمْكِنٍ لِلْوُجُودِ، لا نَقْصَ فِيهِ، مُنَزَّهٍ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وهو سُبْحانَهُ لَيْسَ لَهُ كُفُؤٌ في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِ، فَهو مَوْصُوفٌ بِصِفاتِ الكَمالِ عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ، مُنَزَّهٌ فِيها عَنِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ، ومُنَزَّهٌ عَنِ النَّقائِصِ مُطْلَقًا، فَإنَّ وصْفَهُ بِها مِن أعْظَمِ الأباطِيلِ، وكَمالَهُ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ، لا يَسْتَفِيدُهُ مَن غَيْرِهِ، بَلْ هو المُنْعِمُ عَلى خَلْقِهِ بِالخَلْقِ والإنْشاءِ، وما جَعَلَهُ فِيهِمْ مِن صِفاتِ الأحْياءِ، وخالِقُ صِفاتِ الكَمالِ أحَقُّ بِها مَن لا كُفُؤَ لَهُ فِيها.
وأصْلُ اضْطِرابِ النّاسِ في مَسْألَةِ كَلامِ اللَّهِ أنَّ الجَهْمِيَّةَ والمُعْتَزِلَةَ لَمّا ناظَرَتِ الفَلاسِفَةَ في مَسْألَةِ حُدُوثِ العالَمِ - اعْتَقَدُوا أنَّ ما يَقُومُ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ المُتَعاقِبَةِ لا يَكُونُ إلّا حادِثًا؛ بِناءً عَلى أنَّ ما لا يَتَناهى لا يُمْكِنُ وُجُودُهُ، والتَزَمُوا أنَّ الرَّبَّ كانَ في الأزَلِ غَيْرَ قادِرٍ عَلى الفِعْلِ والكَلامِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ مُمْتَنَعًا عَلَيْهِ، وكانَ مُعَطَّلًا عَنْ ذَلِكَ، وقَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَ قادِرًا في الأزَلِ عَلى الفِعْلِ فِيما لا يَزالُ، مَعَ امْتِناعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ في الأزَلِ، فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ؛ حَيْثُ يَصِفُونَهُ بِالقُدْرَةِ في حالِ امْتِناعِ المَقْدُورِ لِذاتِهِ. إذْ كانَ الفِعْلُ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ لَهُ أوَّلًا، والأزَلُ لا أوَّلَ لَهُ، والجَمْعُ بَيْنَ إثْباتِ الأوَّلِيَّةِ ونَفْيِها جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، ولَمْ يَهْتَدُوا إلى الفَرْقِ بَيْنَ ما يَسْتَلْزِمُ الأوَلِيَّةَ والحُدُوثَ وهو الفِعْلُ المُعَيَّنُ والمَفْعُولُ المُعَيَّنُ، وبَيْنَ ما لا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وهو نَوْعُ الفِعْلِ والكَلامِ، بَلْ هَذا يَكُونُ دائِمًا، وإنْ كانَ كُلٌّ مِن آحادِهِ حادِثًا كَما يَكُونُ دائِمًا في المُسْتَقْبَلِ، وإنْ كانَ كُلٌّ مِن آحادِهِ فانِيًا بِخِلافِ خالِقٍ يَلْزَمُهُ مَخْلُوقُهُ المُعَيَّنُ دائِمًا، فَإنَّ هَذا هو الباطِلُ في صَرِيحِ العَقْلِ وصَحِيحِ النَّقْلِ، ولِهَذا اتَّفَقَتْ فِطَرُ العُقَلاءِ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، لَمْ يُنازِعْ فِيهِ إلّا شِرْذِمَةٌ مِنَ المُتَفَلْسِفَةِ، كابْنِ سِينا (p-١٧٣٥)وأمْثالِهِ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ المُمْكِنَ المَفْعُولَ قَدْ يَكُونُ قَدِيمًا واجِبَ الوُجُودِ بِغَيْرِهِ، فَخالَفُوا في ذَلِكَ جَماهِيرَ العُقَلاءِ، مَعَ مُخالَفَتِهِمْ لِسَلَفِهِمْ، أرِسْطُو وأتْباعِهِ، فَإنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ، وإنْ قالُوا بِقِدَمِ الأفْلاكِ، وأرِسْطُو أوَّلُ مَن قالَ بِقَدَمِها مِنَ الفَلاسِفَةِ المَشّائِينَ؛ بِناءً عَلى إثْباتِ عِلَّةِ غايَةٍ لِحَرَكَةِ الفَلَكِ، بِتَحَرُّكِ الفَلَكِ لِلنِّسْبَةِ بِها، لَمْ يُثْبِتُوا لَهُ فاعِلًا مُبْتَدِعًا، ولَمْ يُثْبِتُوا مُمْكِنًا قَدِيمًا واجِبًا بِغَيْرِهِ.
وهم - وإنْ كانُوا أجْهَلَ بِاللَّهِ وأكْفَرَ مِن مُتَأخَّرِيهِمْ - فَهم يُسَلِّمُونَ لِجُمْهُورِ العُقَلاءِ أنَّ ما كانَ مُمْكِنًا بِذاتِهِ فَلا يَكُونُ إلّا مُحْدَثًا مَسْبُوقًا بِالعَدَمِ، فاحْتاجُوا أنْ يَقُولُوا: كَلامُهُ مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences