Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:164, continued
وطائِفَةٌ وافَقَتْهم عَلى امْتِناعِ وُجُودِ ما لا نِهايَةَ لَهُ، لَكِنْ قالُوا: تَقُومُ بِهِ الأُمُورُ الِاخْتِيارِيَّةُ، فَقالُوا: إنَّهُ في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا، بَلْ ولا كانَ الكَلامُ مَقْدُورًا لَهُ، ثُمَّ صارَ مُتَكَلِّمًا بِلا حُدُوثِ حادِثٍ، بِكَلامٍ يَقُومُ بِهِ، وهو قَوْلُ الهاشِمِيَّةِ والكَرّامِيَّةِ وغَيْرِهِمْ.
وطائِفَةٌ قالَتْ: إذا كانَ القُرْآنُ غَيْرَ مَخْلُوقٍ فَلا يَكُونُ إلّا قَدِيمَ العَيْنِ، لازِمًا لِذاتِ الرَّبِّ، فَلا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ، ثُمَّ مِنهم مَن قالَ: هو مَعْنًى واحِدٌ لا يَتَعَدَّدُ ولا يَتَبَعَّضُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ حُرُوفٌ وأصْواتٌ مُقْتَرِنَةٌ لازِمَةٌ لِلَّذّاتِ، وهَؤُلاءِ أيْضًا وافَقُوا الجَهْمِيَّةَ والمُعْتَزِلَةَ في أصْلِ قَوْلِهِمْ أنَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ لا يَقُومُ بِنَفْسِهِ ومَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ لا تَقُومُ بِهِ الأُمُورُ الِاخْتِيارِيَّةُ، وأنَّهُ لَمْ يَسْتَوِ عَلى عَرْشِهِ بَعْدَ أنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، ولَنْ يَأْتِيَ يَوْمَ القِيامَةِ، ولَمْ يُنادِ مُوسى حِينَ ناداهُ، ولا تُغْضِبُهُ المَعاصِي ولا تُرْضِيهِ الطّاعاتُ، ولا تُفْرِحُهُ تَوْبَةُ التّائِبِينَ، وقالُوا في قَوْلِهِ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] [التَّوْبَةِ: ١٠٥] ونَحْوِ ذَلِكَ: أنَّهُ لا يَراها إذا وُجِدَتْ، بَلْ إمّا أنَّهُ لَمْ يَزَلْ رائِيًا لَها، وإمّا أنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ شَيْءٌ مَوْجُودٌ، بَلْ تَعَلَّقَ مَعْدُومٌ.
إلى أمْثالِ هَذِهِ المَقالاتِ الَّتِي خالَفُوا فِيها نُصُوصَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، مَعَ مُخالَفَةِ صَرِيحِ العَقْلِ، والَّذِي ألْجَأهم لِذَلِكَ مُوافَقَتُهم لِلْجَهْمِيَّةِ عَلى أصْلِ قَوْلِهِمْ: في أنَّهُ سُبْحانَهُ (p-١٧٣٦)لا يَقْدِرُ في الأزَلِ عَلى الفِعْلِ والكَلامِ، وخالَفُوا السَّلَفَ والأئِمَّةَ في قَوْلِهِمْ: لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذا شاءَ، ثُمَّ افْتَرَقُوا أحْزابًا أرْبَعَةً كَما تَقَدَّمَ: الخِلْقِيَّةُ، والحُدُوثِيَّةُ، والِاتِّحادِيَّةُ والِاقْتِرانِيَّةُ.
وشَرٌّ مِن هَؤُلاءِ الصّائِبَةُ والفَلاسِفَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ لا بِكَلامٍ قائِمٍ بِذاتِهِ، ولا بِكَلامٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ، لا قَدِيمِ النَّوْعِ ولا قَدِيمِ العَيْنِ، ولا حادِثٍ ولا مَخْلُوقٍ، بَلْ كَلامُهُ عِنْدَهم ما يَفِيضُ عَلى نُفُوسِ الأنْبِياءِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ كَلَّمَ مُوسى مِن سَماءِ عَقْلِهِ.
وقَدْ يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ دُونَ الجُزْئِيّاتِ، فَإنَّهُ إنَّما يَعْلَمُها عَلى وجْهٍ كُلِّيٍّ، ويَقُولُونَ - مَعَ ذَلِكَ -: إنَّهُ يَعْلَمُ نَفْسَهُ ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُهُ، وقَوْلُهُمْ: (يَعْلَمُ نَفْسَهُ ومَفْعُولاتِهِ) حَقٌّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] [المُلْكِ: ١٤] لَكِنَّ قَوْلَهم مَعَ ذَلِكَ: (إنَّهُ لا يَعْلَمُ الأعْيانَ المُعَيَّنَةَ) جَهْلٌ وتَناقُضٌ، فَإنَّ نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ مُعَيَّنَةٌ، والأفْلاكَ مُعَيَّنَةٌ، وكُلَّ مَوْجُودٍ مُعَيَّنٌ، فَإنْ لَمْ يَعْلَمِ المُعَيَّناتِ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنَ المَوْجُوداتِ، إذِ الكُلِّيّاتُ إنَّما تَكُونُ كُلِّيّاتٍ في الأذْهانِ لا في الأعْيانِ، فَمَن لَمْ يَعْلَمْ إلّا الكُلِّيّاتِ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا مِنَ المَوْجُوداتِ، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وهم إنَّما ألْجَأهم إلى هَذا الإلْحادِ فِرارُهم مِن تَجَدُّدِ الأحْوالِ لِلْبارِي تَعالى، إنَّ هَؤُلاءِ يَقُولُونَ: إنَّ الحَوادِثَ تَقُومُ بِالقَدِيمِ، وإنَّ الحَوادِثَ لا أوَّلَ لَها، لَكِنْ نَفَوْا ذَلِكَ عَنِ البارِي؛ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ لا صِفَةَ لَهُ، بَلْ هو وُجُودٌ مُطَلَّقٌ، وقالُوا: إنَّ العِلْمَ نَفْسُ عَيْنِ العالِمِ، والقُدْرَةَ نَفْسُ عَيْنِ القادِرِ، والعِلْمَ والعالِمَ شَيْءٌ واحِدٌ، والمُرِيدَ والإرادَةَ شَيْءٌ واحِدٌ، فَجَعَلُوا هَذِهِ الصِّفَةَ هي الأُخْرى، وجَعَلُوا الصِّفاتِ هي المَوْصُوفَ.
ومِنهم مَن يَقُولُ: بَلِ العِلْمُ كُلُّ المَعْلُومِ، كَما يَقُولُهُ الطُّوسِيُّ صاحِبُ "شَرْحِ الإشاراتِ" فَإنَّهُ أنْكَرَ عَلى ابْنِ سِينا إثْباتَهُ لِعِلْمِهِ بِنَفْسِهِ وما يَصْدُرُ عَنْ نَفْسِهِ، وابْنُ سِينا أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، لَكِنَّهُ تَناقَضَ مَعَ ذَلِكَ؛ حَيْثُ نَفى قِيامَ الصِّفاتِ بِهِ، وجَعَلَ الصِّفَةَ عَيْنَ المَوْصُوفِ، وكُلَّ صِفَةٍ هي الأُخْرى، ولِهَذا كانَ هَؤُلاءِ هم أوْغَلَ في الِاتِّحادِ والإلْحادِ مِمَّنْ يَقُولُ: مَعانِي الكَلامِ شَيْءٌ واحِدٌ.
لَكِنَّهم (p-١٧٣٧)ألْزَمُوا قَوْلَهم لِأُولَئِكَ فَقالُوا: إذا جازَ أنْ تَكُونَ المَعانِي المُتَعَدِّدَةُ شَيْئًا واحِدًا جازَ أنْ يَكُونَ العِلْمُ هو القُدْرَةَ، والقُدْرَةُ عَلى الإرادَةِ، فاعْتَرَفَ حُذّاقُ أُولَئِكَ بِأنَّ هَذا الإلْزامَ لا جَوابَ عَنْهُ، ثُمَّ قالُوا: وإذا جازَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الصِّفَةُ هي الأُخْرى جازَ أنْ تَكُونَ الصِّفَةُ هي المَوْصُوفَ.
فَجاءَ ابْنُ عَرَبِيٍّ وابْنُ سَبْعِينَ والقَوْنَوِيُّ ونَحْوُهم فَقالُوا: إذا جازَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الصِّفَةُ هي الأُخْرى، والصِّفَةُ هي المَوْصُوفُ - جازَ أنْ يَكُونَ المَوْجُودُ الواجِبُ القَدِيمُ الخالِقُ هو المَوْجُودَ المُمْكِنَ المُحْدَثَ المَخْلُوقَ.
فَقالُوا: إنَّ وُجُودَ كُلِّ مَخْلُوقٍ هو عَيْنُ وُجُودِ الخالِقِ، وقالُوا: الوُجُودُ واحِدٌ، ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الواحِدِ بِالنَّوْعِ والواحِدِ بِالعَيْنِ، كَما لَمْ يُفَرِّقْ أُولَئِكَ بَيْنَ الكَلامِ الواحِدِ بِالعَيْنِ والكَلامِ الواحِدِ بِالنَّوْعِ، وكانَ مُنْتَهى أمْرِ أهْلِ الإلْحادِ في الكَلامِ إلى هَذا التَّعْطِيلِ والكُفْرِ والِاتِّحادِ، الَّذِي قالَهُ أهْلُ الوَحْدَةِ والحُلُولِ والِاتِّحادِ في الخالِقِ والمَخْلُوقاتِ، كَما أنَّ الَّذِينَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ نَوْعِ الكَلامِ وعَيْنِهِ، وقالُوا: هو يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ وصَوْتٍ قَدِيمٍ - قالُوا أوَّلًا: إنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ، ولا تَسْبِقُ الباءُ السِّينَ، بَلْ لَمّا نادى مُوسى فَقالَ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] ﴿إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] كانَتِ الهَمْزَةُ والنُّونُ وما بَيْنَهُما مَوْجُودًا في الأزَلِ، يُقارِنُ بَعْضُها بَعْضًا، لَمْ تَزَلْ ولا تَزالُ لازِمَةً لِذاتِ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ فَرِيقٌ مِنهُمْ: إنَّ ذَلِكَ القَدِيمَ هو نَفْسُ الأصْواتِ المَسْمُوعَةِ مِنَ القُرّاءِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ المَسْمُوعُ صَوْتانِ: قَدِيمٌ ومُحْدَثٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: أشْكالُ المِدادِ قَدِيمَةٌ أزَلِيَّةٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: مَحَلُّ المِدادِ قَدِيمٌ أزَلِيٌّ. وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: المِدادُ قَدِيمٌ أزَلِيٌّ.
وأكْثَرُهم يَتَكَلَّمُونَ بِلَفْظِ القَدِيمِ، ولا يَفْهَمُونَ مَعْناهُ، بَلْ مِنهم مَن يَظُنُّ أنَّهُ قَدِيمٌ في عِلْمِهِ، ومِنهم مَن يَظُنُّ أنَّ مَعْناهُ مُتَقَدِّمٌ عَلى غَيْرِهِ، ومِنهم مَن يَظُنُّ أنَّ مَعْنى اللَّفْظِ أنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، ومِنهم مَن لا يُمَيِّزُ بَيْنَ ما يَقُولُ، فَصارَ هَؤُلاءِ حُلُولِيَّةً اتِّحادِيَّةً في الصِّفاتِ. ومِنهم مَن يَقُولُ بِالحُلُولِ والِاتِّحادِ في الذّاتِ والصِّفاتِ، وكانَ مُنْتَهى أمْرِ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ إلى التَّعْطِيلِ.
والصَّوابُ في هَذا البابِ وغَيْرِهِ مَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها: أنَّهُ (p-١٧٣٨)سُبْحانَهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذا شاءَ، وأنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّ كَلِماتِهِ لا نِهايَةَ لَها، وأنَّهُ نادى مُوسى بِصَوْتٍ سَمِعَهُ مُوسى، وإنَّما ناداهُ حِينَ أتى، لَمْ يُنادِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وأنَّ صَوْتَ الرَّبِّ لا يُماثِلُ أصْواتَ العِبادِ، كَما أنَّ عِلْمَهُ لا يُماثِلُ عِلْمَهُمْ، وقُدْرَتَهُ لا تُماثِلُ قُدْرَتَهُمْ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ بائِنٌ عَنْ مَخْلُوقاتِهِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ، لَيْسَ في مَخْلُوقاتِهِ شَيْءٌ مِن ذاتِهِ وصِفاتِهِ القائِمَةِ بِذاتِهِ، ولا في ذاتِهِ شَيْءٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ، وأنَّ أقْوالَ أهْلِ التَّعْطِيلِ والِاتِّحادِ الَّذِينَ عَطَّلُوا الذّاتَ أوِ الصِّفاتِ أوِ الكَلامَ أوِ الأفْعالَ - باطِلَةٌ، وأقْوالَ أهْلِ الحُلُولِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالحُلُولِ في الذّاتِ والصِّفاتِ – باطِلَةٌ.
وهَذِهِ الأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وقَدْ بَسَطْناها في "الواجِبِ الكَبِيرِ" واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
(وقالَ تَقِيُّ الدِّينَ أيْضًا في مَقالَةٍ لَهُ في هَذا البَحْثِ): أوَّلُ مَن أظْهَرَ إنْكارَ التَّكْلِيمِ والمُخالَّةَ الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ في أوائِلِ المِائَةِ الثّانِيَةِ، وأمَرَ عُلَماءُ الإسْلامِ كالحَسَنِ البَصْرِيِّ وغَيْرِهِ بِقَتْلِهِ، فَضَحّى بِهِ خالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيُّ، أمِيرُ العِراقِ بِواسِطَ، فَقالَ: أيُّها النّاسُ ضَحُّوا، تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحاياكُمْ، فَإنِّي مُضَحٍّ بِالجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، إنَّهُ زَعَمَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ولَمْ يُكَلِّمْ مُوسى تَكْلِيمًا، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الجَعْدُ عُلُوًّا كَبِيرًا، ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ.
وأخَذَ ذَلِكَ عَنْهُ الجَهْمُ بْنُ صَفْوانَ، فَأنْكَرَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ نافَقَ المُسْلِمِينَ فَأقَرَّ بِلَفْظِ الكَلامِ، وقالَ: كَلامُهُ يُخْلَقُ في مَحَلٍّ كالهَواءِ ووَرَقِ الشَّجَرِ، ودَخَلَ بَعْضُ أهْلِ الكَلامِ أوِ الجَدَلِ - مِنَ المُنْتَسِبِينَ إلى الإسْلامِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ ونَحْوِهِمْ - في بَعْضِ مَقالَةِ الصّابِئَةِ والمُشْرِكِينَ، مُتابَعَةً لِلْجَعْدِ والجَهْمِ.
وكانَ مَبْدَأُ ذَلِكَ أنَّ الصّابِئَةَ في الخَلْقِ عَلى قَوْلَيْنِ: مِنهم مَن يَقُولُ: إنَّ السَّماواتِ مَخْلُوقَةٌ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، كَما أخْبَرَتْ بِذَلِكَ الرُّسُلُ وكُتُبُ اللَّهِ تَعالى. ومِنهم مَنِ ابْتَدَعَ فَقالَ: بَلْ هي قَدِيمَةٌ أزَلِيَّةٌ، لَمْ تَزَلْ مَوْجُودَةً بِوُجُودِ الأوَّلِ واجِبِ الوُجُودِ بِنَفْسِهِ، ومِنهم مَن قَدْ يُنْكِرُ الصّانِعَ بِالكُلِّيَّةِ، ولَهم مَقالاتٌ كَثِيرَةُ الِاضْطِرابِ في الخَلْقِ والبَعْثِ والمَبْدَأِ والمَعادِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُعْتَصِمِينَ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى (p-١٧٣٩)يَجْمَعُهُمْ، والظُّنُونُ لا تَجْمَعُ النّاسَ في مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي تَعْجِزُ الآراءُ عَنْ دَرْكِ حَقائِقِها إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
وهم إنَّما يُناظِرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِالقِياسِ المَأْخُوذِ مُقَدَّماتِهِ مِنَ الأُمُورِ الطَّبِيعِيَّةِ السُّفْلِيَّةِ، وقُوى الطَّبائِعِ المَوْجُودَةِ في التُّرابِ والماءِ والهَواءِ والحَيَوانِ والمَعْدِنِ والنَّباتِ، ويُرِيدُونَ بِهَذِهِ المُقَدِّماتِ السُّفْلِيَّةِ أنْ يَنالُوا مَعْرِفَةَ اللَّهِ، وعِلْمَ ما فَوْقَ السَّماواتِ، أوَّلَ الأمْرِ وآخِرَهُ، وهَذا غَلَطٌ بَيِّنٌ، اعْتَرَفَ أساطِينُهم بِأنَّ هَذا غَيْرُ مُمْكِنٍ، وأنَّهم لا سَبِيلَ لَهم إلى إدْراكِ اليَقِينِ، وأنَّهم إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ.
فَلَمّا كانَ حالُ هَذِهِ الصّائِبَةِ المُبْتَدِعَةِ الضّالَّةِ ومَن أضَلُّوهُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، وكانَ قَدِ اتَّصَلَ كَلامُهم بِبَعْضِ مَن لَمْ يَهْتَدِ بِهُدى اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ مِن أهْلِ الكَلامِ والجَدَلِ - صارُوا يُرِيدُونَ أنْ يَأْخُذُوا مَآخِذَهُمْ، كَما أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «لَتَأْخُذُنَّ مَأْخَذَ الأُمَمِ قَبْلَكم شِبْرًا بِشِبْرٍ وذِراعًا بِذِراعٍ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! فارِسُ والرُّومُ؟ قالَ: ومَنِ النّاسُ إلّا فارِسُ والرُّومُ؟»
فاحْتَجُّوا عَلى حُدُوثِ العالَمِ بِنَحْوٍ مِن مَسالِكِ هَذِهِ الصّابِئَةِ، وهو الكَلامُ في الأجْسامِ والأعْراضِ، بِأنْ تُثْبَتَ الأعْراضُ، ثُمَّ يُثْبَتَ لُزُومُها لِلْأجْسامِ، ثُمَّ حُدُوثُها، ثُمَّ يُقالُ: ما لا يَسْبِقُ الحَوادِثَ فَهو حادِثٌ، واعْتَمَدَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الجَدَلِ عَلى هَذا في إثْباتِ حُدُوثِ العالَمِ. فَلَمّا رَأوْا أنَّ الأعْراضَ الَّتِي هي الصِّفاتُ تَدُلُّ عِنْدَهم عَلى حُدُوثِ المَوْصُوفِ الحامِلِ لِلْأعْراضِ - التَزَمُوا نَفْيَها عَنِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ثُبُوتَها مُسْتَلْزِمٌ حُدُوثَهُ، وبُطْلانُ دَلِيلِ حُدُوثِ العالَمِ الَّذِي اعْتَقَدُوا أنْ لا دَلِيلَ سِواهُ، بَلْ رُبَّما اعْتَقَدُوا أنَّهُ لا يَصِحُّ إيمانُ أحَدٍ إلّا بِهِ - (p-١٧٤٠)مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرارِ مِن دِينِ الإسْلامِ، وهَؤُلاءِ يُخالِفُونَ الصّابِئَةَ الفَلاسِفَةَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِقِدَمِ العالَمِ، وبِأنَّ النُّبُوَّةَ كَمالٌ يَفِيضُ عَلى نَفْسِ النَّبِيِّ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ المُتَكَلِّمِينَ أكْثَرُ حَقًّا وأتْبَعُ لِلْأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ؛ لِما تَنَوَّرَتْ بِهِ قُلُوبُهم مِن نُورِ الإسْلامِ والقُرْآنِ، وإنْ كانُوا قَدْ ضَلُّوا في كَثِيرٍ مِمّا جاءَ بِهِ الرُّسُلُ، لَكِنْ هم خَيْرٌ مِن أُولَئِكَ مِن وُجُوهٍ أُخْرى وافَقُوا فِيها، فَوافَقُوا أُولَئِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ.
كَما وافَقُوهم عَلى أنَّهُ لا عِلْمَ لَهُ ولا قُدْرَةَ ولا صِفَةَ مِنَ الصِّفاتِ، ورَأوْا أنَّ إثْباتَهُ مُتَكَلِّمًا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جِسْمًا، والجِسْمُ حادِثٌ؛ لِأنَّهُ مِنَ الصِّفاتِ الدّالَّةِ عَلى حُدُوثِ المَوْصُوفِ، بَلْ هو عِنْدَهم أدَلُّ عَلى حُدُوثِ المُتَكَلِّمِ مِن غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ يَفْتَقِرُ مِنَ المَخارِجِ إلى ما لا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ غَيْرُهُ، ولِأنَّ فِيهِ مِنَ التَّرْتِيبِ والتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ما لَيْسَ في غَيْرِهِ، ولَمّا رَأوْا أنَّ الرُّسُلَ اتَّفَقَتْ عَلى أنَّهُ مُتَكَلِّمٌ، والقُرْآنَ مَمْلُوءٌ مِن إثْباتِ ذَلِكَ - صارُوا تارَةً يَقُولُونَ: مُتَكَلِّمٌ مَجازًا لا حَقِيقَةً، وهَذا قَوْلُهُمُ الأوَّلُ لَمّا كانُوا في بِدْعَتِهِمْ عَلى الفِطْرَةِ، قَبْلَ أنْ يَدْخُلُوا في المُعانَدَةِ والجُحُودِ، ثُمَّ إنَّهم رَأوْا هَذا شَنِيعًا فَقالُوا: بَلْ هو مُتَكَلِّمٌ حَقِيقَةً.
ورُبَّما حَكى بَعْضُ مُتَكَلِّمِيهِمُ الإجْماعَ، ولَيْسَ عِنْدَهم كَذَلِكَ، بَلْ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ وأصْلُهُ عِنْدَ مَن عَرَفَهُ وابْتَدَعَهُ: إنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِمُتَكَلِّمٍ، وقالُوا: المُتَكَلِّمُ مَن فَعَلَ الكَلامَ، ولَوْ في مَحَلٍّ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ، فَفَسَّرُوا المُتَكَلِّمَ في اللُّغَةِ بِمَعْنًى لا يُعْرَفُ في لُغَةِ العَرَبِ ولا غَيْرِهِمْ، لا حَقِيقَةً ولا مَجازًا، وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ: القُرْآنُ مَخْلُوقٌ. وهو أحَدُ قَوْلَيِ الصّابِئَةِ الَّذِينَ يُوافِقُونَ الرُّسُلَ في حُدُوثِ العالَمِ، وهو وإنْ كَفَرَ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فَلَيْسَ هو في الكُفْرِ مِثْلَ القَوْلِ الأوَّلِ، لِأنَّ هَؤُلاءِ لا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يَبْعَثَ رَسُولًا مُعَيَّنًا، وأنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ هَذا الكَلامَ الَّذِي خَلَقَهُ، وأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا عَلى الوَجْهِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، واتَّفَقَتْ عَلَيْهِ أهْلُ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ.
ونَشَأ بَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم فُرُوعُ الصّابِئَةِ وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ أتْباعِ الرُّسُلِ - الخِلافُ، فَكَفَرَ هَؤُلاءِ بِبَعْضِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِن وصْفِ اللَّهِ بِالكَلامِ والتَّكْلِيمِ، واخْتَلَفُوا في كِتابِ اللَّهِ، فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، واتَّبَعَ المُؤْمِنُونَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ مِن أنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ، وأنَّهُ (p-١٧٤١)كَلَّمَ مُوسى تَكْلِيمًا، وأنَّهُ يَتَكَلَّمُ، ولَمْ يُحَرِّفُوا الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ كَما فَعَلَ الأوَّلُونَ، بَلْ رَدُّوا تَحْرِيفَ أُولَئِكَ بِبَصائِرِ الإيمانِ، الَّذِي عَلِمُوا بِهِ مُرادَ الرُّسُلِ مِن إخْبارِهِمْ بِرِسالَةِ اللَّهِ وكَلامِهِ. وتَبِعُوا هَذا القُرْآنَ والحَدِيثَ وإجْماعَ السَّلَفِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وسائِرِ أتْباعِ الأنْبِياءِ، وعَلِمُوا أنَّ قَوْلَ هَؤُلاءِ أخْبَثُ مِن قَوْلِ اليَهُودِ والنَّصارى.
حَتّى كانَ ابْنُ المُبارَكِ إمامُ المُسْلِمِينَ يَقُولُ: إنّا لَنَحْكِي كَلامَ اليَهُودِ والنَّصارى، ولا نَسْتَطِيعُ أنْ نَحْكِيَ كَلامَ الجَهْمِيَّةِ. وكانَ قَدْ كَثُرَ ظُهُورُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم فُرُوعُ المُشْرِكِينَ، ومَنِ اتَّبَعَهم مِن مُبَدِّلَةِ الصّابِئِينَ، ثُمَّ مُبَدِّلَةِ اليَهُودِ والنَّصارى في أوائِلِ المِائَةِ الثّانِيَةِ وأوائِلِ الثّالِثَةِ، في إمارَةِ أبِي العَبّاسِ المُلَقَّبِ بِالمَأْمُونِ بِسَبَبِ تَعْرِيبِ كُتُبِ الرُّومِ المُشْرِكِينَ الصّابِئِينَ، الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ النَّصارى، ومَن أشْبَهَهم مِن فارِسَ والهِنْدِ، وظَهَرَتْ عُلُومُ الصّابِئِينَ المُنَجِّمِينَ ونَحْوِهِمْ.
وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ أهْلَ الكَلامِ المُبْتَدَعِ في الإسْلامِ هم مِن فُرُوعِ الصّابِئِينَ، كَما يُقالُ: المُعْتَزِلَةُ مَخانِيثُ الفَلاسِفَةِ. فَظَهَرَتْ هَذِهِ المَقالَةُ في أهْلِ العِلْمِ والكَلامِ، وفي أهْلِ السَّيْفِ والإمارَةِ، وصارَ في أهْلِها مِنَ الخُلَفاءِ والأُمَراءِ والوُزَراءِ والقُضاةِ والفُقَهاءِ - ما امْتَحَنُوا بِهِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والمُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ، الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ، ولَمْ يُبَدِّلُوا ويَبْتَدِعُوا، وذَلِكَ لِقُصُورٍ وتَفْرِيطٍ مِن أكْثَرِهِمْ في مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ وأتْباعُهُ.
* *
فَصْلٌ
فَجاءَ قَوْمٌ مِن مُتَكَلِّمِي الصِّفاتِيَّةِ الَّذِينَ نَصَرُوا أنَّ اللَّهَ لَهُ عِلْمٌ وقُدْرَةٌ وبَصَرٌ وحَياةٌ بِالمَقايِيسِ العَقْلِيَّةِ المُطابِقَةِ لِلنُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ، وفَرَّقُوا بَيْنَ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِالجَواهِرِ فَجَعَلُوها أعْراضًا وبَيْنَ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِالرَّبِّ فَلَمْ يُسَمُّوها أعْراضًا؛ لِأنَّ العَرَضَ ما لا يَدُومُ وما لا يَبْقى، أوْ ما يَقُومُ بِمُتَحَيِّزٍ أوْ جِسْمٍ، وصِفاتُ الرَّبِّ لازِمَةٌ دائِمَةٌ لَيْسَتْ مِن جِنْسِ الأعْراضِ القائِمَةِ بِالأجْسامِ، وهَؤُلاءِ - أهْلُ الكَلامِ القِياسِيِّ مِنَ الصِّفاتِيَّةِ - فارَقُوا أُولَئِكَ المُبْتَدِعَةَ المُعَطِّلَةَ الصّابِئَةَ في كَثِيرٍ مِن أُمُورِهِمْ، وأثْبَتُوا الصِّفاتِ الَّتِي قَدْ يُسْتَدَلُّ بِالقِياسِ العَقْلِيِّ عَلَيْها، كالصِّفاتِ (p-١٧٤٢)السَّبْعِ، وهي الحَياةُ والعِلْمُ والقُدْرَةُ والإرادَةُ والسَّمْعُ والبَصَرُ والكَلامُ، ولَهم نِزاعٌ في السَّمْعِ والبَصَرِ والكَلامِ، هَلْ هو مِنَ الصِّفاتِ العَقْلِيَّةِ أوِ الصِّفاتِ النَّبَوِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ السَّمْعِيَّةِ؟
ولَهُمُ اخْتِلافٌ في البَقاءِ والقِدَمِ، وفي الإدْراكِ الَّذِي هو إدْراكُ المَشْمُوماتِ والمَذُوقاتِ والمَلْمُوساتِ، ولَهم أيْضًا اخْتِلافٌ في الصِّفاتِ السَّمْعِيَّةِ القُرْآنِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ؟ كالوَجْهِ واليَدِ، فَأكْثَرُ مُتَقَدِّمِيهِمْ أوْ كُلُّهم يُثْبِتُها، وكَثِيرٌ مِن مُتَأخَّرِيهِمْ لا يُثْبِتُها، وأمّا ما لا يَرِدُ إلّا في الحَدِيثِ فَأكْثَرُهم لا يُثْبِتُها.
ثُمَّ مِنهم مَن يَصْرِفُ النُّصُوصَ عَنْ دَلالَتِها لِأجْلِ ما عارَضَها مِنَ القِياسِ العَقْلِيِّ عِنْدَهُ، ومِنهم مَن يُفَوِّضُ مَعْناها، ولَيْسَ الغَرَضُ هُنا تَفْصِيلَ مَقالاتِ النّاسِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِسائِرِ الصِّفاتِ، وإنَّما المَقْصُودُ القَوْلُ في رِسالَةِ اللَّهِ وكَلامِهِ الَّذِي بَلَّغَتْهُ رُسُلُهُ، فَكانَ هَؤُلاءِ بَيْنَهم وبَيْنَ أهْلِ الوِراثَةِ النَّبَوِيَّةِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بِما مَلَكُوهُ مِنَ الطُّرُقِ الصّائِبَةِ في أمْرِ الخالِقِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، فَصارَ في مَذْهَبِهِمْ في الرِّسالَةِ تَرْكِيبٌ مِنَ الوِراثَتَيْنِ، لَبَسُوا حَقَّ ورَثَةِ الأنْبِياءِ بِباطِلِ ورَثَةِ أتْباعِ الصّابِئَةِ، كَما كانَ في مَذْهَبِ أهْلِ الكَلامِ المَحْضِ المُبْتَدَعِ كالمُعْتَزِلَةِ تَرْكِيبٌ، ولَيْسَ بَيْنَ الأثارَةِ النَّبَوِيَّةِ وبَيْنَ الأثارَةِ الصّابِئَةِ، لَكِنَّ أُولَئِكَ أشَدُّ اتِّباعًا لِلْأثارَةِ النَّبَوِيَّةِ وأقْرَبُ إلى مَذاهِبِ أهْلِ السُّنَّةِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ ونَحْوِهِمْ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، ولِهَذا وافَقَهم في بَعْضِ ما ابْتَدَعُوهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الفِقْهِ والحَدِيثِ والتَّصَوُّفِ، لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: كَثْرَةُ الحَقِّ الَّذِي يَقُولُونَهُ وظُهُورُ الأثارَةِ النَّبَوِيَّةِ عِنْدَهم.
الثّانِي: لَبْسُهم ذَلِكَ بِمَقايِيسَ عَقْلِيَّةٍ بَعْضُها مَوْرُوثٌ عَنِ الصّابِئَةِ، وبَعْضُها مِمّا ابْتُدِعَ في الإسْلامِ، واسْتِيلاءُ ما في ذَلِكَ مِنَ الشُّبَهاتِ عَلَيْهِمْ، وظَنُّهم أنَّهُ لَمْ يَكُنِ التَّمَسُّكُ بِالأثارَةِ النَّبَوِيَّةِ مِن أهْلِ العَقْلِ والعِلْمِ إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ.
الثّالِثُ: ضَعُفَ الأثارَةِ النَّبَوِيَّةِ الدّافِعَةِ لِهَذِهِ الشُّبَهاتِ والمُوَضِّحَةِ لِسَبِيلِ الهُدى عِنْدَهم.
الرّابِعُ: العَجْزُ والتَّفْرِيطُ الواقِعُ في المُنْتَسِبِينَ إلى السُّنَّةِ والحَدِيثِ، تارَةً يَرَوْنَ ما يَعْلَمُونَ صِحَّتَهُ، وتارَةً يَكُونُونَ كالأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ، ويُعْرِضُونَ عَنْ بَيانِ دَلالَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ.
فَلَمّا كانَ هَذا مِنهاجَهُمْ، وقالُوا: إنَّ القُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ وإجْماعِ (p-١٧٤٣)السَّلَفِ.
ولَمّا رَأوْا أنَّهُ مُسْتَقِيمٌ عَلى الأصْلِ الَّذِي قَرَّرُوهُ في الصِّفاتِ، ورَأوْا أنَّ التَّوْفِيقَ بَيْنَ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ السَّمْعِيَّةِ وبَيْنَ القِياسِ العَقْلِيِّ لا يَسْتَقِيمُ إلّا أنْ يَجْعَلُوا القُرْآنَ مَعْنًى قائِمًا بِنَفْسِ اللَّهِ تَعالى كَسائِرِ الصِّفاتِ، كَما جَعَلَهُ الأوَّلُونَ مِن بابِ المَصْنُوعاتِ المَخْلُوقاتِ، لا قَدِيمًا كَسائِرِ الصِّفاتِ، ورَأوْا أنَّهُ لَيْسَ إلّا مَخْلُوقًا أوْ قَدِيمًا - فَإنَّ إثْباتَ قِسْمٍ ثالِثٍ قائِمٍ بِاللَّهِ يَقْتَضِي حُلُولَ الحَوادِثِ بِذاتِهِ، وهو دَلِيلٌ عَلى حُدُوثِ المَوْصُوفِ، ويَبْطُلُ لِدَلالَةِ حُدُوثِ العالَمِ، ثُمَّ رَأوْا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعانِيَ كَثِيرَةً، بَلْ إمّا مَعْنًى واحِدًا عِنْدَ طائِفَةٍ، أوْ مَعانِيَ أرْبَعَةً عِنْدَ طائِفَةٍ، والتَزَمُوا عَلى هَذا أنَّ حَقِيقَةَ الكَلامِ هي المَعْنى القائِمُ بِالنَّفْسِ، وأنَّ الحُرُوفَ والأصْواتَ لَيْسَتْ مِن حَقِيقَةِ الكَلامِ، بَلْ دالَّةٌ عَلَيْهِ، فَتَسَمّى بِاسْمِهِ إمّا مَجازًا عِنْدَ طائِفَةٍ أوْ حَقِيقَةً بِطْرِيقِ الِاشْتِراكِ عِنْدَ طائِفَةٍ، وإمّا مَجازًا في كَلامِ اللَّهِ حَقِيقَةً في غَيْرِهِ عِنْدَ طائِفَةٍ.
وخالَفَهُمُ الأوَّلُونَ وبَعْضُ مَن يَسْتَنُّ أيْضًا، وقالُوا: لا حَقِيقَةَ لِلْكَلامِ إلّا الحُرُوفُ والأصْواتُ، ولَيْسَ وراءَ ذَلِكَ مَعْنًى إلّا العِلْمُ ونَوْعُهُ، أوِ الإرادَةُ ونَوْعُها، فَصارَ النِّزاعُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ، وادَّعى هَؤُلاءِ أنَّ الأمْرَ والنَّهْيَ والخَبَرَ صِفاتٌ لِلْكَلامِ إضافِيَّةٌ، لَيْسَتْ أنْواعًا لَهُ وأقْسامًا، وأنَّ كَلامَ اللَّهِ مَعْنًى واحِدٌ، إنْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالعَرَبِيَّةِ فَهو قُرْآنٌ، وبِالعِبْرِيَّةِ فَهو تَوْراةٌ، وبِالسُّرْيانِيَّةِ فَهو إنْجِيلٌ.
وقالَ لَهم أكْثَرُ النّاسِ: هَذا مَعْلُومُ الفَسادِ بِالضَّرُورَةِ، كَما قالَ الأوَّلُونَ: إنَّهُ خَلَقَ الكَلامَ في الهَواءِ فَصارَ مُتَكَلِّمًا بِهِ، وإنَّ المُتَكَلِّمَ مَن أحْدَثَ الكَلامَ ولَوْ في ذاتٍ غَيْرِ ذاتِهِ. وقالَ لَهم أكْثَرُ النّاسِ: إنَّ هَذا مَعْلُومُ الفَسادِ بِالضَّرُورَةِ.
وقالَ الجُمْهُورُ مِن جَمِيعِ الطَّوائِفِ: إنَّ الكَلامَ اسْمٌ لِللَّفْظِ والمَعْنى جَمِيعًا، كَما أنَّ الإنْسانَ المُتَكَلِّمَ اسْمٌ لِلرُّوحِ والجِسْمِ جَمِيعًا، وإنَّهُ إذا أُطْلِقَ عَلى أحَدِهِما فَبِقَرِينَةٍ، وإنَّ مَعانِيَ الكَلامِ مُتَنَوِّعَةٌ لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً في العِلْمِ والإرادَةِ كَتَنَوُّعِ ألْفاظِهِ، وإنْ كانَتِ المَعانِي أقْرَبَ إلى الِاتِّحادِ والِاجْتِماعِ، والألْفاظُ أقْرَبَ إلى التَّعَدُّدِ والتَّفَرُّقِ، والتَزَمَ هَؤُلاءِ أنَّ حُرُوفَ القُرْآنِ مَخْلُوقَةٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمُ المَعْنى الَّذِي هو كَلامُ اللَّهِ مَخْلُوقًا.
وفَرَّقُوا بَيْنَ كِتابِ اللَّهِ وكَلامِهِ، فَقالُوا: كِتابُ اللَّهِ هو الحُرُوفُ وهو مَخْلُوقٌ، وكَلامُ اللَّهِ (p-١٧٤٤)هُوَ مَعْناها غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وهَؤُلاءِ والأوَّلُونَ مُتَّفِقُونَ عَلى خَلْقِ القُرْآنِ الَّذِي قالَ الأوَّلُونَ: إنَّهُ مَخْلُوقٌ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ أيْنَ خُلِقَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ؟ هَلْ خُلِقَتْ في الهَواءِ أوْ في نَفْسِ جِبْرَئِيلَ، أوْ أنَّ جِبْرَئِيلَ هو الَّذِي أحْدَثَها أوْ مُحَمَّدٌ؟!
وأمّا جُمْهُورُ الأُمَّةِ وأهْلُ الحَدِيثِ والفِقْهِ والتَّصَوُّفِ فَعَلى ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وما جاءَ عَنْهم مِنَ الكُتُبِ والأثارَةِ مِنَ العِلْمِ، وهُمُ المُتَّبِعُونَ لِلرِّسالَةِ اتِّباعًا مَحْضًا، لَمْ يَشُوبُوهُ بِما يُخالِفُهُ مِن مَقالَةِ الصّابِئِينَ، وهو أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ كَلامُ اللَّهِ، لا يَجْعَلُونَ بَعْضَهُ كَلامَ اللَّهِ وبَعْضَهُ لَيْسَ كَلامَ اللَّهِ.
والقُرْآنُ هو القُرْآنُ الَّذِي يَعْلَمُ المُسْلِمُونَ أنَّهُ القُرْآنُ، حُرُوفُهُ ومَعانِيهِ، والأمْرُ والنَّهْيُ هو اللَّفْظُ والمَعْنى جَمِيعًا، ولِهَذا كانَ الفُقَهاءُ المُصَنِّفُونَ في أُصُولِ الفِقْهِ مِن جَمِيعِ الطَّوائِفِ - الحَنَفِيَّةِ والمالِكِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ والحَنْبَلِيَّةِ - إذا لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ مَذاهِبِ الأئِمَّةِ والفُقَهاءِ، إذا تَكَلَّمُوا في الأمْرِ والنَّهْيِ - ذَكَرُوا ذَلِكَ، وخالَفُوا مَن قالَ: إنَّ الأمْرَ هو المَعْنى المُجَرَّدُ.
ويَعْلَمُونَ أهْلُ الأثارَةِ النَّبَوِيَّةِ، أهْلُ السُّنَّةِ والحَدِيثِ، وعامَّةُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ هم جَماهِيرُ أهْلِ القِبْلَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] [البَقَرَةِ: ١ - ٢] ونَحْوَ ذَلِكَ هو كَلامُ اللَّهِ لا كَلامُ غَيْرِهِ، وكَلامُ اللَّهِ هو ما تَكَلَّمَ بِهِ، لا ما خَلَقَهُ في غَيْرِهِ ولَمْ يَتَكَلَّمْ هو بِهِ.
(وسُئِلَ تَقِيُّ الدِّينِ أيْضًا): ما تَقُولُ السّادَةُ العُلَماءَ الجَهابِذَةُ أئِمَّةُ الدِّينِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ - فِيمَن يَقُولُ: الكَلامُ غَيْرُ المُتَكَلِّمِ، والقَوْلُ غَيْرُ القائِلِ، والقُرْآنُ والمَقْرُوءُ والقارِئُ كُلُّ واحِدٍ مِنها لَهُ مَعْنًى، بَيِّنُوا لَنا ذَلِكَ بَيانًا شافِيًا لِيَصِلَ إلى ذِهْنِ الحاذِقِ والبَلِيدِ، أثابَكُمُ اللَّهُ بِمَنِّهِ.
(فَأجابَ رَحِمَهُ اللَّهُ): الحَمْدُ لِلَّهِ، مَن قالَ: إنَّ الكَلامَ غَيْرُ المُتَكَلِّمِ، والقَوْلَ غَيْرُ القائِلِ، وأرادَ أنَّهُ مُبائِنٌ لَهُ ومُنْفَصِلٌ عَنْهُ - فَهَذا خَطَأٌ وضَلالٌ، وهو مَن يَقُولُ: إنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ، فَإنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ لا تَقُومُ بِهِ صِفَةٌ مِنَ الصِّفاتِ لا القُرْآنُ ولا غَيْرُهُ، ويُوهِمُونَ النّاسَ بِقَوْلِهِمُ: العِلْمُ غَيْرُ العالِمِ، والقُدْرَةُ غَيْرُ القادِرِ، والكَلامُ غَيْرُ المُتَكَلِّمِ.
ثُمَّ يَقُولُونَ: وما كانَ (p-١٧٤٥)غَيْرَ اللَّهِ فَهو مَخْلُوقٌ، وهَذا تَلْبِيسٌ مِنهُمْ، فَإنَّ لَفْظَ (الغَيْرِ) يُرادُ بِهِ ما يَجُوزُ مُبائَنَتُهُ لِلْآخَرِ ومُفارَقَتُهُ لَهُ، وعَلى هَذا فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: عِلْمُ اللَّهِ غَيْرُهُ ولا كَلامُهُ غَيْرُهُ، ولا يُقالُ: إنَّ الواحِدَ مِنَ العَشَرَةِ غَيْرُها، وأمْثالَ ذَلِكَ.
وقَدْ يُقالُ بِلَفْظِ (الغَيْرِ) ما لَيْسَ هو الآخَرَ، وعَلى هَذا فَتَكُونُ الصِّفَةُ غَيْرَ المَوْصُوفِ، ولَكِنْ عَلى هَذا المَعْنى لا يَكُونُ ما هو غَيْرُ ذاتِ اللَّهِ المَوْصُوفَةِ بِصِفاتِهِ – مَخْلُوقًا؛ لِأنَّ صِفاتِهِ لَيْسَتْ هي الذّاتَ، لَكِنْ قائِمَةً بِالذّاتِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الذّاتُ المُقَدَّسَةُ المَوْصُوفَةُ بِصِفاتِ كَمالِهِ، ولَيْسَ الِاسْمُ اسْمًا لِذاتٍ لا صِفاتِ لَها، بَلْ يَمْتَنِعُ وُجُودُ ذاتٍ لا صِفاتِ لَها، والصَّوابُ في مِثْلِ هَذا أنْ يُقالَ: الكَلامُ صِفَةُ المُتَكَلِّمِ، والقَوْلُ صِفَةُ القائِلِ، وكَلامُ اللَّهِ لَيْسَ مُبائِنًا مِنهُ، بَلْ أسْمَعَهُ لِجِبْرَئِيلَ ونَزَّلَهُ بِهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤] ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ كَلامَ اللَّهِ فارَقَ ذاتَهُ وانْتَقَلَ إلى غَيْرِهِ. بَلْ يُقالُ - كَما قالَ السَّلَفُ -: إنَّهُ كَلامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنهُ بَدا وإلَيْهِ يَعُودُ.
فَقَوْلُهم (مِنهُ بَدا) رَدٌّ عَلى مَن قالَ (إنَّهُ مَخْلُوقٌ في بَعْضِ الأجْسامِ، ومِن ذَلِكَ المَخْلُوقِ ابْتَدَأ) فَبَيَّنُوا أنَّ اللَّهَ هو المُتَكَلِّمُ بِهِ، ومِنهُ بَدا، لا مِن بَعْضِ المَخْلُوقاتِ.
(وإلَيْهِ يَعُودُ) أيْ: فَلا يَبْقى في الصُّدُورِ مِنهُ آيَةٌ، ولا في المَصاحِفِ حَرْفٌ.
وأمّا القُرْآنُ فَهو كَلامُ اللَّهِ، فَمَن قالَ: إنَّ القُرْآنَ الَّذِي هو كَلامُ اللَّهِ غَيْرُ اللَّهِ - فَخَطَؤُهُ وتَلْبِيسُهُ كَخَطَأِ مَن قالَ: إنَّ الكَلامَ غَيْرُ المُتَكَلِّمِ.
وكَذَلِكَ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ لَهُ مَقْرُوءٌ غَيْرُ القُرْآنِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ - فَخَطَؤُهُ ظاهِرٌ.
وكَذَلِكَ: إنَّ القُرْآنَ الَّذِي يَقْرَؤُهُ المُسْلِمُونَ غَيْرُ المَقْرُوءِ الَّذِي يَقْرَؤُهُ المُسْلِمُونَ - فَقَدْ أخْطَأ، وإنْ أرادَ بِالقُرْآنِ مَصْدَرَ (قَرَأ يَقْرَأُ قِراءَةً وقُرْآنًا) وقالَ: أرَدْتُ القِراءَةَ غَيْرَ المَقْرُوءِ، فَلَفْظُ القِراءَةِ مُجْمَلٌ، قَدْ يُرادُ بِالقِراءَةِ القُرْآنُ، وقَدْ يُرادُ بِالقِراءَةِ المَصْدَرُ، فَمَن جَعَلَ القِراءَةَ الَّتِي هي المَصْدَرُ، قالَ: القارِئُ غَيْرُ المَقْرُوءِ، كَما يُجْعَلُ التَّكَلُّمُ الَّذِي فَعَلَهُ غَيْرَ الكَلامِ الَّذِي هو يَقُولُ، وأرادَ بِـ(الغَيْرِ) أنَّهُ لَيْسَ هو إيّاهُ - فَقَدْ صَدَقَ، فَإنَّ الكَلامَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ الإنْسانُ يَتَضَمَّنُ فِعْلًا كالحَرَكَةِ، ويَتَضَمَّنُ ما يَقْتَرِنُ بِالفِعْلِ مِنَ الحُرُوفِ (p-١٧٤٦)والمَعانِي، ولِهَذا يُجْعَلُ القَوْلُ قَسِيمًا لِلْفِعْلِ تارَةً، وقَسِيمًا مِنهُ أُخْرى.
فالأوَّلُ كَما يُقالُ: الإيمانُ قَوْلٌ وعَمَلٌ. ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ-: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لِأُمَّتِي عَمّا وسْوَسَتْ - أوْ حَدَّثَتْ - بِهِ أنْفُسُها ما لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أوْ تَكَلَّمْ» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences