Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:44–47
4:44Page 85
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ٤٤
Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [٤٤]
﴿ألَمْ تَرَ﴾ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وضُمِّنَ مَعْنى الِانْتِهاءِ، أيْ: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلَيْهِمْ، أوْ مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ، أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ ﴿إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: حَظًّا مِن عِلْمِ التَّوْراةِ، وهم أحْبارُ اليَهُودِ، قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: المُرادُ بِالَّذِي أُوتُوهُ ما بُيِّنَ لَهم فِيها مِنَ الأحْكامِ والعُلُومِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما عَلِمُوهُ مِن نُعُوتِ النَّبِيِّ ﷺ وحَقِيَةِ الإسْلامِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالنَّصِيبِ (p-١٢٧٥)المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِهِ حَقًّا مِن حُقُوقِهِمُ الَّتِي يَجِبُ مُراعاتُها والمُحافَظَةُ عَلَيْها لِلْإيذانِ بِكَمالِ رَكاكَةِ آرائِهِمْ حَيْثُ ضَيَّعُوهُ تَضْيِيعًا.
وتَنْوِينُهُ تَفْخِيمِيٌّ مُؤَيِّدٌ لِلتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ، والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، فالتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى كَمالِ شَناعَتِهِمْ، والإشْعارِ بِمَكانِ ما طُوِيَ ذِكْرُهُ في المُعامَلَةِ المَحْكِيَّةِ عَنْهم مِنَ الهُدى الَّذِي هو أحَدُ العِوَضَيْنِ: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ وهو البَقاءُ عَلى اليَهُودِيَّةِ، بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ لَهم عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وأنَّهُ هو النَّبِيُّ المُبَشَّرُ بِهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، أيْ: يَأْخُذُونَ الضَّلالَةَ ويَتْرُكُونَ ما أُوتُوهُ مِنَ الهُدى لِيَشْتَرُوا ثَمَنًا قَلِيلًا مِن حُطامِ الدُّنْيا.
وإنَّما طُوِيَ ذِكْرُ المَتْرُوكِ لِغايَةِ ظُهُورِ الأمْرِ، لا سِيَّما بَعْدَ الإشْعارِ المَذْكُورِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالِاشْتِراءِ - الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ اسْتِبْدالِ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ، أيْ: أخْذِها بَدَلًا مِنهُ أخْذًا ناشِئًا عَنِ الرَّغْبَةِ فِيها والإعْراضِ عَنْهُ - لِلْإيذانِ بِكَمالِ رَغْبَتِهِمْ في الضَّلالَةِ، الَّتِي حَقُّها أنْ يُعْرَضَ عَنْها كُلَّ الإعْراضِ، وإعْراضِهِمْ عَنِ الهِدايَةِ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ، وفِيهِ مِنَ التَّسْجِيلِ عَلى نِهايَةِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ، وغايَةِ رَكاكَةِ آرائِهِمْ ما لا يَخْفى، حَيْثُ صُوِّرَتْ حالُهم بِصُورَةِ ما لا يَكادُ يَتَعاطاهُ أحَدٌ مِمَّنْ لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ، قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أيْ: لا يَكْتَفُونَ بِضَلالِ أنْفُسِهِمْ بَلْ يُرِيدُونَ بِما فَعَلُوا مِن كِتْمانِ نُعُوتِهِ ﷺ أنْ تَضِلُّوا أيُّها المُؤْمِنُونَ سَبِيلَ الحَقِّ كَما ضَلُّوا، ويَوَدُّونَ لَوْ تَكْفُرُونَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكم مِنَ الهُدى والعِلْمِ النّافِعِ.
4:45Page 86
وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِأَعۡدَآئِكُمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّٗا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرٗا ٤٥
And Allāh is most knowing of your enemies; and sufficient is Allāh as an ally, and sufficient is Allāh as a helper.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [٤٥]
﴿واللَّهُ أعْلَمُ﴾ أيْ: مِنكم ﴿بِأعْدائِكُمْ﴾ أيْ: وقَدْ أخْبَرَكم بِعَداوَتِهِمْ لَكُمْ، وما يُرِيدُونَ بِكُمْ، فاحْذَرُوهُمْ، ولا تَسْتَنْصِحُوهم في أُمُورِكم ولا تَسْتَشِيرُوهم ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ يَلِي أُمُورَكم ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُكُمْ، أيْ: فَثِقُوا بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ دُونَهُمْ، (p-١٢٧٦)ولا تَتَوَلَّوْا غَيْرَهُ، أوْ: ولا تُبالُوا بِهِمْ وبِما يَسُومُونَكم مِنَ السُّوءِ، فَإنَّهُ تَعالى يَكْفِيكم مَكْرَهم وشَرَّهُمْ، فَفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
4:46Page 86
مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ٤٦
Among the Jews are those who distort words from their [proper] places [i.e., usages] and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Rāʿinā,"1 twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allāh has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ [٤٦]
﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ وهُوَ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٤٤] فَإنَّهُ مُتَناوِلٌ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ، وقَدْ وُسِّطَ بَيْنَهُما ما وُسِّطَ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ مَحَلِّ التَّشْنِيعِ والتَّعْجِيبِ والمُسارَعَةِ إلى تَنْفِيرِ المُؤْمِنِينَ مِنهُمْ، وتَحْذِيرِهِمْ عَنْ مُخالَطَتِهِمْ، والِاهْتِمامِ بِحَمْلِهِمْ عَلى الثِّقَةِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والِاكْتِفاءِ بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ هو وما عُطِفَ عَلَيْهِ بَيانٌ لاشَتْرائِهِمُ المَذْكُورِ، وتَفْصِيلٌ لِفُنُونِ ضَلالِهِمْ، فَقَدْ رُوعِيَتْ في النَّظْمِ الكَرِيمِ طَرِيقَةُ التَّفْسِيرِ بَعْدَ الإبْهامِ، والتَّفْصِيلِ إثْرَ الإجْمالِ رَوْمًا لِزِيادَةِ تَقْرِيرٍ يَقْتَضِيهِ الحالُ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
قالَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ: قَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ أيْ: يَتَناوَلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، ويُفَسِّرُونَهُ بِغَيْرِ مُرادِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قَصْدًا مِنهم وافْتِراءً.
وقالَ العَلّامَةُ الرّازِيُّ: في كَيْفِيَّةِ التَّحْرِيفِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: إنَّهم كانُوا يُبَدِّلُونَ اللَّفْظَ بِلَفْظٍ آخَرَ.
ثُمَّ قالَ:
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالتَّحْرِيفِ إلْقاءُ الشُّبَهِ الباطِلَةِ والتَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ وصَرْفُ اللَّفْظِ مِن مَعْناهُ الحَقِّ إلى مَعْنًى باطِلٍ بِوُجُوهِ الحِيَلِ اللَّفْظِيَّةِ، كَما يَفْعَلُهُ أهْلُ البِدْعَةِ في زَمانِنا هَذا، بِالآياتِ المُخالِفَةِ لِمَذاهِبِهِمْ، وهَذا هو الأصَحُّ.
والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ويَسْألُونَهُ عَنْ أمْرٍ فَيُخْبِرُهم لِيَأْخُذُوا بِهِ، فَإذا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ حَرَّفُوا كَلامَهُ. انْتَهى.
(p-١٢٧٧)وقالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في "إغاثَةِ اللَّهْفانِ": قَدِ اخْتُلِفَ في التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِيهِمْ، هَلْ هي مُبَدَّلَةٌ أمِ التَّبْدِيلُ وقَعَ في التَّأْوِيلِ دُونَ التَّنْزِيلِ؟ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
قالَتْ طائِفَةٌ: كُلُّها أوْ أكْثَرُها مُبَدَّلٌ، وغَلا بَعْضُهم حَتّى قالَ: يَجُوزُ الِاسْتِجْمارُ بِها.
وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أئِمَّةِ الحَدِيثِ والفِقْهِ والكَلامِ: إنَّما وقَعَ التَّبْدِيلُ في التَّأْوِيلِ.
قالَ البُخارِيُّ في "صَحِيحِهِ": يُحَرِّفُونَ يُزِيلُونَ، ولَيْسَ أحَدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كِتابٍ مِن كُتُبِ اللَّهِ ولَكِنَّهم يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ، وهو اخْتِيارُ الرّازِيِّ أيْضًا.
وسَمِعْتُ شَيْخَنا يَقُولُ: وقَعَ النِّزاعُ بَيْنَ الفُضَلاءِ، فَأجازَ هَذا المَذْهَبَ ووَهّى غَيْرَهُ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِ، فَأظْهَرَ خَمْسَةَ عَشَرَ نَقْلًا بِهِ، ومِن حُجَّةٍ هَؤُلاءِ أنَّ التَّوْراةَ قَدْ طَبَّقَتْ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، وانْتَشَرَتْ جَنُوبًا وشِمالًا، ولا يَعْلَمُ عَدَدَ نُسَخِها إلّا اللَّهُ، فَيُمْتَنَعُ التَّواطُؤُ عَلى التَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ في جَمِيعِ تِلْكَ النُّسَخِ، حَتّى لا تَبْقى في الأرْضِ نُسْخَةٌ إلّا مُبْدَلَةً، وهَذا مِمّا يُحِيلُهُ العَقْلُ، قالُوا: وقَدْ قالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] [آلِ عِمْرانَ: مِنَ الآيَةِ ٩٣] قالُوا: وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى تَرْكِ فَرِيضَةِ الرَّجْمِ، ولَمْ يُمْكِنْهم تَغْيِيرَها مِنَ التَّوْراةِ، ولِذا لَمّا قَرَؤُوها عَلى النَّبِيِّ ﷺ وضَعَ القارِئُ يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَها فَإذا هي تَلُوحُ تَحْتَها.
وتَوَسَّطَتْ طائِفَةٌ فَقالُوا: قَدْ زِيدَ فِيها وغُيِّرَ أشْياءٌ يَسِيرَةٌ جِدًّا، واخْتارَهُ شَيْخُنا في "الجَوابِ الصَّحِيحِ لِمَن بَدَّلَ دِينَ المَسِيحِ" قالَ: وهَذا كَما في التَّوْراةِ عِنْدَهُمْ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ لِإبْراهِيمَ: اذْبَحِ ابْنَكَ بِكْرَكَ أوْ وحِيدَكَ إسْحاقَ، ثُمَّ قالَ: قُلْتُ: والزِّيادَةُ باطِلَةٌ مِن وُجُوهٍ عَشَرَةٍ، ثُمَّ ساقَها فارْجِعْ إلَيْهِ، وقَدْ نَقَلَها عَنْهُ هُنا الإمامُ صِدِّيقُ خانَ، فانْظُرْهُ في تَفْسِيرِهِ "فَتْحُ الرَّحْمَنِ".
(p-١٢٧٨)لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قِيلَ هَهُنا: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ وفي المائِدَةِ: ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] ؟ قُلْتُ: أمّا: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ فَعَلى ما فَسَّرْنا مِن إزالَتِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّتِي أوْجَبَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ وضْعَهُ فِيها، بِما اقْتَضَتْ شَهَواتُهم مِن إبْدالِ غَيْرِهِ مَكانَهُ، وأمّا: ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] فالمَعْنى أنَّهُ كانَتْ لَهُ مَواضِعُ، هو قَمِنٌ بِأنْ يَكُونَ فِيها، فَحِينَ حَرَّفُوهُ تَرَكُوهُ كالغَرِيبِ الَّذِي لا مَوْضِعَ لَهُ بَعْدَ مَواضِعِهِ ومَقارِّهِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ.
وقالَ الرّازِيُّ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَهُنا: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ وفي المائِدَةِ: ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] والفَرْقُ: أنّا إذا فَسَّرْنا التَّحْرِيفَ بِالتَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ فَهَهُنا قَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] مَعْناهُ أنَّهم يَذْكُرُونَ التَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةَ لِتِلْكَ النُّصُوصِ، ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّهم يُخْرِجُونَ تِلْكَ اللَّفْظَةَ مِنَ الكِتابِ، وأمّا الآيَةُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ المائِدَةِ فَهي دالَّةٌ عَلى أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَكانُوا يَذْكُرُونَ التَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةَ وكانُوا يُخْرِجُونَ اللَّفْظَ أيْضًا مِنَ الكِتابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّأْوِيلِ الباطِلِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] إشارَةٌ إلى إخْراجِهِ عَنِ الكِتابِ.
وقالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": الظّاهِرُ أنَّ الكَلِمَ المُحَرَّفَ إنَّما أُرِيدَ بِهِ - في هَذِهِ الصُّورَةِ - مِثْلَ: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ و: ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] ولَمْ يُقْصَدْ هَهُنا تَبْدِيلُ الأحْكامِ، وتَوَسُّطُها بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ والمُرادُ أيْضًا تَحْرِيفٌ مُشاهَدٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ المُحَرَّفَ هُما وأمْثالُهُما، وأمّا في سُورَةِ المائِدَةِ فالظّاهِرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ المُرادَ فِيها بِـ: " الكَلِم " الأحْكامُ، وتَحْرِيفُها وتَبْدِيلُها كَتَبْدِيلِهِمُ الرَّجْمَ بِالجَلْدِ، ألا تَراهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١] [المائِدَةِ: مَنِ الآيَةُ ٤١]؟ ولِاخْتِلافِ المُرادِ بِالكَلِمِ في السُّورَتَيْنِ قِيلَ في سُورَةِ المائِدَةِ: (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ) أيْ: يَنْقُلُونَهُ عَنِ المَوْضِعِ الَّذِي وضَعَهُ اللَّهُ فِيهِ، فَصارَ وطَنَهُ ومُسْتَقَرَّهُ، إلى غَيْرِ المَوْضِعِ، فَبَقِيَ كالغَرِيبِ المُتَأسَّفِ عَلَيْهِ الَّذِي يُقالُ فِيهِ: هَذا غَرِيبٌ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ ومَقارِّهِ، ولا يُوجَدُ هَذا المَعْنى في مِثْلِ: ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] و: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ وإنْ وُجِدَ (p-١٢٧٩)عَلى بُعْدٍ فَلَيْسَ الوَضْعُ اللُّغَوِيُّ مِمّا يُعْبَأُ بِانْتِقالِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ كالوَضْعِ الشَّرْعِيِّ، ولَوْلا اشْتِمالُ هَذا النَّقْلِ عَلى الهُزْءِ والسُّخْرِيَةِ لَما عَظُمَ أمْرُهُ، فَلِذَلِكَ جاءَ هُنا: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ غَيْرَ مَقْرُونٍ بِما قُرِنَ بِهِ الأوَّلُ مِن صُورَةِ التَّأسُّفِ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.
وقالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: والمُرادُ بِالتَّحْرِيفِ هَهُنا إمّا ما في التَّوْراةِ خاصَّةً وإمّا ما هو أعَمُّ مِنهُ، ومِمّا سَيُحْكى عَنْهم مِنَ الكَلِماتِ المَعْهُودَةِ الصّادِرَةِ عَنْهم في أثْناءِ المُحاوَرَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا مَساغَ لِإرادَةِ تِلْكَ الكَلِماتِ خاصَّةً بِأنْ يُجْعَلَ عَطْفُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ وما بَعْدَهُ عَلى ما قَبْلَهُ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا، لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي اخْتِصاصَ حُكْمِ الشَّرْطِيَّةِ الآتِيَةِ وما بَعْدَها بِهِنَّ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتَحْرِيفِهِمُ التَّوْراةَ، مَعَ أنَّهُ مُعْظَمُ جِناياتِهِمُ المَعْدُودَةِ فَقَوْلُهُمْ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ يَنْبَغِي أنْ يَجْرِيَ عَلى إطْلاقِهِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِزَمانٍ أوْ مَكانٍ ولا تَخْصِيصٍ بِمادَّةٍ دُونَ مادَّةٍ، بَلْ وأنْ يُحْمَلَ عَلى ما هو أعَمُّ مِنَ القَوْلِ الحَقِيقِيِّ ومِمّا يُتَرْجَمُ عَنْهُ عِنادُهم ومُكابَرَتُهُمْ، أيْ: يَقُولُونَ في كُلِّ أمْرٍ مُخالِفٍ لِأهْوائِهِمُ الفاسِدَةِ سَواءٌ كانَ بِمَحْضَرِ النَّبِيِّ ﷺ أوْ لا بِلِسانِ المَقالِ أوِ الحالِ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ عِنادًا أوْ تَحْقِيقًا لِلْمُخالَفَةِ. انْتَهى.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويَقُولُونَ: ﴿سَمِعْنا﴾ أيْ: سَمِعْنا ما قُلْتَهُ يا مُحَمَّدُ ولا نُطِيعُكَ فِيهِ، هَكَذا فَسَّرَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ وهو المُرادُ، وهَذا أبْلَغُ في كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ وأنَّهم يَتَوَلَّوْنَ عَنْ كِتابِ اللَّهِ بَعْدَما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ ما عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ مِنَ الإثْمِ والعُقُوبَةِ.
﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ عَطْفٌ عَلى: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ داخِلٌ تَحْتَ القَوْلِ أيْ: ويَقُولُونَ ذَلِكَ في أثْناءِ مُخاطَبَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - خاصَّةً، وهو كَلامٌ ذُو وجْهَيْنِ مُحْتَمِلٌ لِلشَّرِّ، بِأنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى: " اسْمَعُ " حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مُسْمَعٍ كَلامًا أصْلًا، بِصَمَمٍ أوْ مَوْتٍ، أيْ: مَدْعُوًّا عَلَيْكَ بِـ(لا سَمِعْتَ) أوْ غَيْرَ مُسْمَعٍ كَلامًا تَرْضاهُ، ولِلْخَيْرِ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى: اسْمَعْ مِنّا غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا، كانُوا يُخاطِبُونَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ اسْتِهْزاءً بِهِ (عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ) مُظْهِرِينَ لَهُ إرادَةَ المَعْنى الأخِيرِ وهم مُضْمِرُونَ المَعْنى الأوَّلَ مُطْمَئِنُّونَ بِهِ.
﴿وراعِنا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ: ويَقُولُونَ في أثْناءِ خِطابِهِمْ لَهُ ﷺ هَذا أيْضًا، وهي كَلِمَةٌ ذاتُ وجْهَيْنِ أيْضًا مُحْتَمِلَةٌ لِلْخَيْرِ (p-١٢٨٠)بِحَمْلِها عَلى مَعْنى ارْقُبْنا وانْظُرْنا نُكَلِّمْكَ، ولِلشَّرِّ بِحَمْلِها عَلى شِبْهِ كَلِمَةٍ عِبْرانِيَّةٍ كانُوا يَتَسابُّونَ بِها، أوْ عَلى السَّبِّ بِالرُّعُونَةِ أيِ: الحُمْقِ، وبِالجُمْلَةِ فَكانُوا - سُخْرِيَةً بِالدِّينِ وهُزُؤًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ - يُكَلِّمُونَهُ بِكَلامٍ مُحْتَمِلٍ يَنْوُونَ بِهِ الشَّتِيمَةَ والإهانَةَ ويُظْهِرُونَ بِهِ التَّوْقِيرَ والإكْرامَ.
﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ أيْ: فَتْلًا بِها وصَرْفًا لِلْكَلامِ مِن وجْهٍ إلى وجْهٍ وتَحْرِيفًا، أيْ: يَفْتِلُونَ بِألْسِنَتِهِمُ الحَقَّ إلى الباطِلِ حَيْثُ يَضَعُونَ: ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] مَوْضِعَ: ﴿انْظُرْنا﴾ [البقرة: ١٠٤] و: ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ مَوْضِعَ (لا أُسْمِعْتَ مَكْرُوهًا) أوْ يَفْتِلُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما يُضْمِرُونَهُ مِنَ الشَّتْمِ إلى ما يُظْهِرُونَ مِنَ التَّوْقِيرِ نِفاقًا.
فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جاؤُوا بِالقَوْلِ المُحْتَمَلِ ذِي الوَجْهَيْنِ بَعْدَما صَرَّحُوا وقالُوا: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ ؟ قُلْتُ: جَمِيعُ الكَفَرَةِ كانُوا يُواجِهُونَهُ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ ولا يُواجِهُونَهُ بِالسَّبِّ ودُعاءِ السُّوءِ، ويَجُوزُ أنْ يَقُولُوهُ فِيما بَيْنَهُمْ، ويَجُوزَ أنْ لا يَنْطِقُوا بِذَلِكَ ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا جُعِلُوا كَأنَّهم نَطَقُوا بِهِ، كَذا في الكَشّافِ.
وأصْلُ: ﴿لَيًّا﴾ لَوْيًا لِأنَّهُ مَن لَوَيْتُ أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ لِسَبْقِها بِالسُّكُونِ، ومِثْلُهُ (الطَّيُّ).
﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ أيْ: قَدْحًا فِيهِ بِالِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ وانْتِصابُهُما عَلى العِلِّيَّةِ لِـ: " يَقُولُونَ " بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِالقَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ، أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ لِصَرْفِ الكَلامِ عَنْ وجْهِهِ إلى السَّبِّ والطَّعْنِ في الدِّينِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: لاوِينَ وطاعِنِينَ في الدِّينِ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا﴾ أيْ: عِنْدَما سَمِعُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِن أوامِرِهِ تَعالى: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ: بَدَلَ قَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ والقَوْلُ هُنا كَسابِقِهِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ ﴿واسْمَعْ﴾ أيْ: لَوْ قالُوا عِنْدَ مُخاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَدَلَ قَوْلِهِمْ: " اسْمَعُ "فَقَطْ بِلا زِيادَةِ ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ المُحْتَمِلِ لِلشَّرِّ: ﴿وانْظُرْنا﴾ يَعْنِي بَدَلَ قَوْلِهِمْ: ﴿راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] المُحْتَمِلِ لِلْمَعْنى الفاسِدِ كَما سَلَفَ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ﴾ في الدُّنْيا بِحَقْنِ دِمائِهِمْ وعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ بِإحاطَةِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، وفي الآخِرَةِ بِضِعْفِ الثَّوابِ، أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ إمّا عَلى بابِها واعْتِبارِ أصْلِ الفَضْلِ في المُفَضَّلِ عَلَيْهِ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ، أوْ بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ، وإمّا بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ ﴿ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ (p-١٢٨١)أيْ: ولَكِنْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ واسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ فَطَرَدَهُمُ اللَّهُ عَنْ رَحْمَتِهِ وأبْعَدَهم عَنِ الهُدى بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن " لّعَنَهُمُ " أيْ: ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ إلّا فَرِيقًا قَلِيلًا مِنهُمْ، آمَنُوا فَلَمْ يُلْعَنُوا، أوْ عَلى الوَصْفِيَّةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا أيْ: ضَعِيفًا رَكِيكًا لا يُعْبَأُ بِهِ، فَإنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والتَّوْراةِ ومُوسى، ويَكْفُرُونَ بِبَقِيَّةِ المُرْسَلِينَ وكُتُبِهِمُ المُنَزَّلَةِ.
ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا، قالَ: لِأنَّ: " قَلِيلًا " لَفْظٌ مُفْرَدٌ، ولَوْ أُرِيدَ بِهِ (ناسٌ) لَجُمِعَ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] [الشُّعَراءِ: ٥٤] ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ جاءَ فَعِيلٌ مُفْرَدًا، والمُرادُ بِهِ الجَمْعُ قالَ تَعالى: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٦٩] وقالَ: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] [المَعارِجِ: ١٠] (يُبَصَّرُونَهُمْ) أفادَهُ الرّازِيُّ، وقَدْ جُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمُ بِالكُلِّيَّةِ، كَقَوْلِهِ:
؎قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ كَثِيرُ الهَوى شَتّى النَّوى والمَسالِكِ
(p-١٢٨٢)أيْ هو كَثِيرُ الهَمِّ مُخْتَلِفُ الوُجُوهِ والطُّرُقِ لا يَقِفُ أمَلُهُ عَلى فَنٍّ واحِدٍ بَلْ يَتَجاوَزُهُ إلى فُنُونٍ مُخْتَلِفَةٍ، صَبُورٌ عَلى النَّوائِبِ لا يَكادُ يَتَشَكّى مِنها، فاسْتَعْمَلَ لَفْظَ (قَليِلُ) وأرادَ بِهِ نَفْيَ الكُلِّ.
أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن فاعِلِ (لا يُؤْمِنُونَ) أيْ: فَلا يُؤْمِنُ مِنهم إلّا نَفَرٌ قَلِيلٌ، وأمّا قَوْلُ الخَفاجِيِّ: كانَ الوَجْهُ فِيهِ الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ؛ لِأنَّهُ مِن كَلامٍ غَيْرِ مُوجِبٍ، وأبِي السُّعُودِ: بِأنَّ فِيهِ نِسْبَةَ القُرّاءِ إلى الِاتِّفاقِ عَلى غَيْرِ المُخْتارِ - فَمَرْدُودٌ بِأنَّ النَّصْبَ عَرَبِيٌّ جَيِّدٌ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ في السَّبْعِ في (قَلِيلٌ) مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٦٦]وفِي (امْرَأتُكَ) مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلا امْرَأتَكَ﴾ [هود: ٨١] [هُودَ: مِنَ الآيَةِ ٨١] كَما قالَهُ ابْنُ هِشامٍ في التَّوْضِيحِ.
4:47Page 86
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهٗا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدۡبَارِهَآ أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ كَمَا لَعَنَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولًا ٤٧
O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Prophet Muḥammad (ﷺ)], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers.1 And ever is the matter [i.e., decree] of Allāh accomplished.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَـزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ [٤٧]
﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَـزَّلْنا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ (p-١٢٨٣)أيْ: مُوافِقًا لِلتَّوْراةِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ أيْ: نَمْحُوَ تَخْطِيطَ صُوَرِها مِن عَيْنٍ وحاجِبٍ وأنْفٍ وفَمٍ، وقالَ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: طَمْسُها أنْ تَعْمى.
﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ أيْ: فَنَجْعَلُها عَلى هَيْئَةِ أدْبارِها وهي الأقْفاءُ مَطْمُوسَةً مِثْلَها جَزاءً عَلى الكُفْرِ، فالفاءُ لِلتَّسْبِيبِ، أوْ نُنَكِّسُها بَعْدَ الطَّمْسِ فَنَرُدُّها إلى مَوْضِعِ الأقْفاءِ والأقْفاءَ إلى مَوْضِعِها، وقَدِ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ أشَدِّهِما، فالفاءُ لِلتَّعْقِيبِ.
قالَ الرّازِيُّ: وهَذا المَعْنى إنَّما جَعَلَهُ اللَّهُ عُقُوبَةً لِما فِيهِ مِنَ التَّشْوِيهِ في الخِلْقَةِ والمُثْلَةِ والفَضِيحَةِ؛ لِأنَّ عِنْدَ ذَلِكَ يَعْظُمُ الغَمُّ والحَسْرَةُ.
﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ أيْ: أوْ نَفْعَلَ بِهِمْ أبْلَغَ مِن ذَلِكَ، وهو أنْ نَطْرُدَهم عَنِ الإنْسانِيَّةِ بِالمَسْخِ الكُلِّيِّ جَزاءً عَلى اعْتِدائِهِمْ بِتَرْكِ الإيمانِ، كَما أخْزَيْنا بِهِ أوائِلَهم أصْحابَ السَّبْتِ جَزاءً عَلى اعْتِدائِهِمْ عَلى السَّبْتِ بِالحِيلَةِ عَلى الِاصْطِيادِ، فَمَسَخْناهم قِرْدَةً.
﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: ما أمَرَ بِهِ ﴿مَفْعُولا﴾ أيْ: نافِذًا كائِنًا لا مَحالَةَ، هَذا وفي الآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ وهو أنَّ المُرادَ مِن طَمْسِ الوُجُوهِ مَجازُهُ، وهو صَرْفُهم عَنِ الحَقِّ ورَدُّهم إلى الباطِلِ ورُجُوعُهم عَنِ المَحَجَّةِ البَيْضاءِ إلى سَبِيلِ الضَّلالَةِ، يُهْرَعُونَ ويَمْشُونَ القَهْقَرى عَلى أدْبارِهِمْ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا كَما قالَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا فَهي إلى الأذْقانِ فَهم مُقْمَحُونَ﴾ [يس: ٨] ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] [يس: ٨ - ٩]: أيْ: هَذا مَثَلُ سُوءٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهم في ضَلالِهِمْ ومَنعِهِمْ عَنِ الهُدى.
قالَ مُجاهِدٌ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ يَقُولُ: عَنْ صِراطِ الحَقِّ ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ أيْ: في الضَّلالِ.
قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ نَحْوُ هَذا.
قالَ السُّدِّيُّ: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ فَنَمْنَعُها عَنِ الحَقِّ، نُرْجِعُها كُفّارًا.
قالَ الرّازِيُّ: المَقْصُودُ عَلى هَذا بَيانُ إلْقائِها في أنْواعِ الخِذْلانِ وظُلُماتِ الضَّلالاتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] [الأنْفالِ: ٢٤] (p-١٢٨٤)تَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ في مَبْدَأِ خِلْقَتِهِ ألِفَ هَذا العالَمَ المَحْسُوسَ، ثُمَّ إنَّهُ عِنْدَ الفِكْرِ والعُبُودِيَّةِ كَأنَّهُ يُسافِرُ مِن عالَمِ المَحْسُوساتِ إلى عالَمِ المَعْقُولاتِ، فَقُدّامَهُ عالَمُ المَعْقُولاتِ، ووَراءَهُ عالَمُ المَحْسُوساتِ، فالمَخْذُولُ هو الَّذِي يَرُدُّ عَنْ قُدّامِهِ إلى خَلْفِهِ، كَما قالَ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] [السَّجْدَةِ: ١٢].
ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: هَذا الوَعِيدُ قَدْ لَحِقَ اليَهُودَ ومَضى، وتَأوَّلَ ذَلِكَ في إجْلاءِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ إلى الشّامِ، فَرَدَّ اللَّهُ وُجُوهَهم عَلى أدْبارِهِمْ حِينَ عادُوا إلى أذْرِعاتٍ وأرِيحاءَ مِن أرْضِ الشّامِ، كَما جاءُوا مِنها و(طَمْسُ الوُجُوهِ) عَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: تَقْبِيحُ صُورَتِهِمْ، يُقالُ: طَمَسَ اللَّهُ صُورَتَهُ، كَقَوْلِهِ: قَبَّحَ اللَّهُ وجْهَهُ.
والثّانِي: إزالَةُ آثارِهِمْ عَنْ بِلادِ العَرَبِ ومَحْوُ أحْوالِهِمْ عَنْها، وثَمَّةَ تَأْوِيلٌ آخَرُ، وهُوَ: أنَّ المُرادَ بِالوُجُوهِ الوُجَهاءُ، عَلى أنَّ الطَّمْسَ بِمَعْنى مُطْلَقِ التَّغْيِيرِ، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نُغَيِّرَ أحْوالَ وُجَهائِهِمْ، فَنَسْلُبَ إقْبالَهم ووَجاهَتَهُمْ، ونَكْسُوَهم صَغارًا وإدْبارًا.
وقالَ بَعْضُهُمُ: الأظْهَرُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ إلَخْ عَلى اللَّعْنِ المُتَعارَفِ، قالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠] [المائِدَةِ: ٦٠]، فَفَصَلَ تَعالى بَيْنَ اللَّعْنِ وبَيْنَ مَسْخِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ.
وأقُولُ: لا يَخْفى أنَّ جَمِيعَ ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْوِيلاتِ - غَيْرَ الأوَّلِ - لا يُساعِدُهُ مَقامُ تَشْدِيدِ (p-١٢٨٥)الوَعِيدِ، وتَعْمِيمِ التَّهْدِيدِ، فَإنَّ المُتَبادَرَ مِنَ اللَّفْظِ الحَقِيقَةُ، ولا يُصارُ إلى المَجازِ إلّا إذا تَعَذَّرَ إرادَتُها، ولا تَعَذُّرَ هُنا، كَما أنَّ المُتَبادَرَ مِنَ اللَّعْنِ - المُشَبَّهِ بِلَعْنِ أصْحابِ السَّبْتِ - هو المَسْخُ، وهو الَّذِي تَقْتَضِيهِ بَلاغَةُ التَّنْزِيلِ، إذْ فِيهِ التَّرَقِّي إلى الوَعِيدِ الأفْظَعِ، ولا نُنْكِرُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ التَّأْوِيلاتُ مِمّا يَشْمَلُهُ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما البَحْثُ في دَعْوى إرادَتِها دُونَ سابِقِها، فالحَقُّ أنَّ المُتَبادَرَ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ أدْخَلَ في الزَّجْرِ.
ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّ كَعْبَ الأحْبارِ أسْلَمَ حِينَ سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ، رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ولَفْظُهُ بَعْدَ إسْنادِهِ: عَنْ أبِي إدْرِيسَ عائِذِ اللَّهِ الخَوْلانِيِّ قالَ: كانَ أبُو مُسْلِمٍ الجَلِيلِيُّ مُعَلِّمَ كَعْبٍ، وكانَ يَلُومُهُ في إبْطائِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ فَبَعَثَهُ إلَيْهِ يَنْظُرُ أهُوَ هُوَ؟ قالَ كَعْبٌ: فَرَكِبْتُ حَتّى أتَيْتُ المَدِينَةَ، فَإذا تالٍ يَقْرَأُ القُرْآنَ يَقُولُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَـزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ فاغْتَسَلْتُ، وإنِّي لَأمَسُّ وجْهِي مَخافَةَ أنْ أُطْمَسَ، ثُمَّ أسْلَمْتُ.
ورُوِيَ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ نَحْوُهُ أيْضًا.
فَإنْ قِيلَ: قَرِينَةُ المَجازِ عَدَمُ وُقُوعِ المُتَوَعَّدِ بِهِ، فالجَوابُ: أنَّ عَدَمَ وُقُوعِهِ لا يُعَيِّنُ إرادَةَ المَجازِ، إذْ لَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى تَحَتُّمِ وُقُوعِهِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، ولَوْ فُهِمَ مِنها هَذا فَهْمًا أوَّلِيًّا لَكانَ إيمانُهم بَعْدَها إيمانَ إلْجاءٍ واضْطِرارٍ، وهو يُنافِي التَّكْلِيفَ الشَّرْعِيَّ، إذْ لَمْ تَجْرِ سُنَّتُهُ تَعالى بِهَذا، بَلِ النَّظْمُ الكَرِيمُ في هَذا المَقامِ مُحْتَمِلٌ ابْتِداءً لِلْقَطْعِ بِوُقُوعِهِ المُتَوَعَّدِ بِهِ، ولِوُقُوعِهِ مُعَلَقًّا بِأمْرِهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ بِذَلِكَ، وهو المُرادُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ [الأحْزابِ: مِنَ الآيَةِ ٣٧] أيْ: ما يَأْمُرُ بِهِ، ويُرِيدُ وُقُوعَهُ، وإذا كانَ الوَعِيدُ مَنُوطًا بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ فَلَهُ أنْ (p-١٢٨٦)يُمْضِيَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولَهُ أنْ يَصْرِفَهُ لِما هو أعْلَمُ بِهِ، إلّا أنَّ وُرُودَ نَظْمِ الآيَةِ بِهَذا الخِطابِ المُتَبادَرِ في الوُقُوعِ غَيْرِ المُعَلَّقِ؛ لِيَكُونَ أدْخَلَ في التَّرْهِيبِ، ومَزْجَرَةً عَنْ مُخالَفَةِ الأمْرِ، هَكَذا ظَهَرَ لَنا الآنَ، وهو أقْرَبُ مِمّا نَحاهُ المُفَسِّرُونَ هُنا مِن أنَّ العِقابَ مُنْتَظَرٌ، أوْ أنَّهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الإيمانِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ زَيَّفَها جَمِيعَها العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ، ثُمَّ اخْتارَ أنَّ المُرادَ مِنَ الوَعِيدِ الأُخْرَوِيِّ، قالَ: لِأنَّهُ لَمْ يَتَّضِحْ وُقُوعُهُ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ أيْضًا لِنُبُوِّ مِثْلِ هَذا الخِطابِ عَنْ إرادَةِ الوَعِيدِ الأُخْرَوِيِّ، لا سِيَّما والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي هُدِّدُوا بِها - أعْنِي لَعْنَهم كَأصْحابِ السَّبْتِ - كانَ عِقابُها دُنْيَوِيًّا، فالوَجْهُ ما قَرَّرْناهُ، وما أشْبَهَ هَذِهِ الآيَةَ في وعِيدِها بِآيَةِ يس، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٦٦] ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٦٧] [يس: ٦٦ - ٦٧] بَلْ هَذِهِ عِنْدِي تَفْسِيرٌ لِتِلْكَ، والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَبَرِحَ الخَفاءُ، والحَمْدُ لِلَّهِ.
لَطِيفَةٌ:
الضَّمِيرُ في (نَلْعَنَهُمْ) لِأصْحابِ الوُجُوهِ، أوْ (لِلَّذِينَ) عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ أوْ (لِلْوُجُوهِ) إنْ أُرِيدَ بِها الوُجَهاءُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences