Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:48
4:48Page 86
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا ٤٨
Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly fabricated a tremendous sin.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ [٤٨]
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ (p-١٢٨٧)ما قَبْلَهُ مِنَ الوَعِيدِ، وتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ مِنَ الإيمانِ - بِبَيانِ اسْتِحالَةِ المَغْفِرَةِ بِدُونِهِ، فَإنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ التَّحْرِيفِ ويَطْمَعُونَ في المَغْفِرَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩] [الأعْرافِ: مِنَ الآيَةِ ١٦٩]: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ [الأعراف: ١٦٩] أيْ: عَلى التَّحْرِيفِ ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ [الأعراف: ١٦٩] والمُرادُ بِالشِّرْكِ مُطْلَقُ الكُفْرِ المُنْتَظِمِ لِكُفْرِ اليَهُودِ انْتِظامًا أوَّلِيًّا؛ فَإنَّ الشَّرْعَ قَدْ نَصَّ عَلى إشْراكِ أهْلِ الكِتابِ قاطِبَةً، وقَضى بِخُلُودِ أصْنافِ الكَفَرَةِ في النّارِ، ونُزُولُهُ في حَقِّ اليَهُودِ - كَما قالَ مُقاتِلٌ - هو الأنْسَبُ بِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وسِياقُهُ لا يَقْتَضِي اخْتِصاصَهُ بِكُفْرِهِمْ، بَلْ يَكْفِي انْدِراجُهُ فِيهِ قَطْعًا، بَلْ لا وجْهَ لَهُ أصْلًا؛ لِاقْتِضائِهِ جَوازَ مَغْفِرَةِ ما دُونُ كُفْرِهِمْ في الشِّدَّةِ مِن أنْواعِ الكُفْرِ، أيْ: لا يَغْفِرُ الكُفْرَ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهِ بِلا تَوْبَةٍ وإيمانٍ؛ لِأنَّ الحِكْمَةَ التَّشْرِيعِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِسَدِّ بابِ الكُفْرِ، وجَوازُ مَغْفِرَتِهِ بِلا إيمانٍ مِمّا يُؤَدِّي إلى فَتْحِهِ، ولِأنَّ ظُلُماتِ الكُفْرِ والمَعاصِي إنَّما يَسْتُرُها نُورُ الإيمانِ، فَمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ إيمانٌ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. انْتَهى.
قالَ الشِّهابُ: الشَّكُّ يَكُونُ بِمَعْنى اعْتِقادِ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا، وبِمَعْنى الكُفْرِ مُطْلَقًا، وهو المُرادُ هُنا، وقَدْ صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ (البَيِّنَةِ) بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ [البينة: ٦] [البَيِّنَةِ: مِنَ الآيَةِ ٦]، فَلا يَبْقى شُبْهَةٌ في عُمُومِهِ. انْتَهى.
وقالَ الرّازِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ اليَهُودِيَّ يُسَمّى مُشْرِكًا، في عُرْفِ الشَّرْعِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ ما سِوى الشِّرْكِ مَغْفُورٌ، فَلَوْ كانَتِ اليَهُودِيَّةُ مُغايِرَةً لِلشِّرْكِ لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ مَغْفُورَةً بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، وبِالإجْماعِ هي غَيْرُ مَغْفُورَةٍ، فَدَلَّ عَلى أنَّها داخِلَةٌ (p-١٢٨٨)تَحْتَ اسْمِ الشِّرْكِ.
الثّانِي: إنَّ اتِّصال هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها إنَّما كانَ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ تَهْدِيدَ اليَهُودِ، فَلَوْلا أنَّ اليَهُودِيَّةَ داخِلَةٌ تَحْتَ اسْمِ الشِّرْكِ وإلّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٦٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] [المائِدَةِ: مِنَ الآيَةِ ٨٢] فَعَطَفَ المُشْرِكَ عَلى اليَهُودِيِّ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، قُلْنا: المُغايَرَةُ حاصِلَةٌ بِسَبَبِ المَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ، والِاتِّحادُ حاصِلٌ بِسَبَبِ المَفْهُومِ الشَّرْعِيِّ، ولا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلّا ما ذَكَرْناهُ؛ دَفْعًا لِلتَّناقُضِ. انْتَهى.
لَطِيفَةٌ:
قالَ أبُو البَقاءِ: الشِّرْكُ أنْواعٌ:
شِرْكُ الِاسْتِقْلالِ وهو إثْباتُ إلَهَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ، كَشِرْكِ المَجُوسِ.
وشِرْكُ التَّبْعِيضِ، وهو تَرْكِيبُ الإلَهِ مِن آلِهَةٍ كَشِرْكِ النَّصارى.
وشِرْكُ التَّقْرِيبِ، وهو عُبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ لِيُقَرِّبَ إلى اللَّهِ زُلْفى، كَشِرْكِ مُتَقَدِّمِي الجاهِلِيَّةِ.
وشِرْكُ التَّقْلِيدِ، وهو عُبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَبَعًا لِلْغَيْرِ، كَشِرْكِ مُتَأخَّرِي الجاهِلِيَّةِ.
وشِرْكُ الأسْبابِ، وهو إسْنادِ التَّأْثِيرِ لِلْأسْبابِ العادِيَّةِ، كَشِرْكِ الفَلاسِفَةِ والطَّبائِعِيِّينَ ومَن تَبِعَهم عَلى ذَلِكَ.
وشِرْكُ الأغْراضِ، وهو العَمَلُ لِغَيْرِ اللَّهِ.
فَحُكْمُ الأرْبَعَةِ الأُولى الكُفْرُ بِإجْماعٍ، وحُكْمُ السّادِسِ المَعْصِيَةُ مِن غَيْرِ كُفْرٍ بِإجْماعٍ، وحُكْمُ الخامِسِ التَّفْصِيلُ، فَمَن قالَ في الأسْبابِ العادِيَّةِ أنَّها تُؤَثِّرُ بِطَبْعِها فَقَدْ حُكِيَ الإجْماعُ عَلى كُفْرِهِ، ومَن قالَ إنَّها تُؤَثِّرُ بِقُوَّةٍ أوْدَعَها اللَّهُ فِيها فَهو فاسِقٌ. انْتَهى.
﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما دُونَ الشِّرْكِ مِنَ المَعاصِي، صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ تَفَضُّلًا مِنهُ وإحْسانًا.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وقَدْ أبانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ كُلَّ صاحِبِ كَبِيرَةٍ في مَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إنْ شاءَ (p-١٢٨٩)عَفا عَنْهُ وإنْ شاءَ عاقَبَهُ عَلَيْهِ، ما لَمْ تَكُنْ شِرْكًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وظاهِرُهُ أنَّ المَغْفِرَةَ مِنهُ سُبْحانَهُ تَكُونُ لِمَنِ اقْتَضَتْهُ مَشِيئَتُهُ تَفَضُّلًا مِنهُ ورَحْمَةً، وإنْ لَمْ يَقَعْ مِن ذَلِكَ المُذْنِبِ تَوْبَةٌ، وقَيَّدَ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ بِالتَّوْبَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٣١]، وهي تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَغْفِرُ سَيِّئاتِ مَنِ اجْتَنَبَ الكَبائِرَ، فَيَكُونُ مُجْتَنِبُ الكَبائِرِ مِمَّنْ قَدْ شاءَ اللَّهُ غُفْرانَ سَيِّئاتِهِ، ولِذا قالَ الرّازِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ لَنا عَلى العَفْوِ عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ، ثُمَّ جَوَّدَ وُجُوهَ الِاسْتِدْلالِ، ومِنها: أنَّ ما سِوى الشِّرْكِ يَدْخُلُ فِيهِ الكَبِيرَةُ قَبْلَ التَّوْبَةِ، ومِنها أنَّ غُفْرانَ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وغُفْرانَ الصَّغِيرَةِ مَقْطُوعٌ بِهِ وغَيْرُ مُعَلَّقٍ عَلى المَشِيئَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الغُفْرانُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ هو غُفْرانَ الكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وهو المَطْلُوبُ.
وأوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الآيَةِ عَلى مَذْهَبِهِ: بِأنَّ الفِعْلَ المَنفِيَّ والمُثْبَتَ جَمِيعًا مُوَجَّهانِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ عَلى قاعِدَةِ التَّنازُعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ الشِّرْكَ، ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ما دُونَ الشِّرْكِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ مَن لَمْ يَتُبْ وبِالثّانِي مَن تابَ، قالَ: ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: إنَّ الأمِيرَ لا يَبْذُلُ الدِّينارَ ويَبْذُلُ القِنْطارَ لِمَن يَشاءُ، تُرِيدُ لا يَبْذُلُ الدِّينارَ لِمَن لا يَسْتَأْهِلُهُ، ويَبْذُلُ القِنْطارَ لِمَن يَسْتَأْهِلُهُ. انْتَهى.
قالَ ناصِرُ الدِّينِ في "الِانْتِصافِ": عَقِيدَةُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ الشِّرْكَ غَيْرُ مَغْفُورٍ البَتَّةَ، وما دُونَهُ مِنَ الكَبائِرِ مَغْفُورٌ لِمَن يَشاءُ اللَّهُ أنْ يَغْفِرَهُ لَهُ، هَذا مَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، وأمّا مَعَ التَّوْبَةِ فَكِلاهُما مَغْفُورٌ، والآيَةُ إنَّما ورَدَتْ فِيمَن لَمْ يَتُبْ ولَمْ يُذْكَرْ فِيها تَوْبَةٌ كَما تَرى، فَلِذَلِكَ أطْلَقَ اللَّهُ تَعالى نَفْيَ مَغْفِرَةِ الشِّرْكِ وأثْبَتَ مَغْفِرَةَ ما دُونَهُ مَقْرُونَةً بِالمَشِيئَةِ كَما تَرى، فَهَذا وجْهُ انْطِباقِ الآيَةِ عَلى عَقِيدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ، وأمّا القَدَرِيَّةُ فَإنَّهم يَظُنُّونَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الشِّرْكِ وبَيْنَ ما دُونَهُ مِنَ الكَبائِرِ، في أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ النَّوْعَيْنِ لا يُغْفَرُ بِدُونِ التَّوْبَةِ، ولا شاءَ اللَّهُ أنَّ يَغْفِرَهُما إلّا لِلتّائِبِينَ، فَإذا (p-١٢٩٠)عَرَضَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا المُعْتَقَدَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ رَدَّتْهُ ونَبَتْ عَنْهُ؛ إذِ المَغْفِرَةُ مَنفِيَّةٌ فِيها عَنِ الشِّرْكِ وثابِتَةٌ لِما دُونَهُ مَقْرُونَةً بِالمَشِيئَةِ، فَأمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ فِيهِما مَن لَمْ يَتُبْ فَلا وجْهَ لِلتَّفْضِيلِ بَيْنَهُما بِتَعْلِيقِ المَغْفِرَةِ في أحَدِهِما بِالمَشِيئَةِ وتَعْلِيقِها بِالآخَرِ مُطْلَقًا، إذْ هُما سِيّانِ في اسْتِحالَةِ المَغْفِرَةِ، وأمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ فِيهِما التّائِبَ فَقَدْ قالَ في الشِّرْكِ " إنَّهُ لا يَغْفِرُ " والتّائِبُ مِنَ الشِّرْكِ مَغْفُورٌ لَهُ، وعِنْدَ ذَلِكَ أخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ يَقْطَعُ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ، فَيَجْعَلُ المُرادَ مَعَ الشِّرْكِ عَدَمَ التَّوْبَةِ ومَعَ الكَبائِرِ التَّوْبَةَ، حَتّى تَنْزِلَ الآيَةُ عَلى وفْقِ مُعْتَقَدِهِ فَيُحَمِّلُها أمْرَيْنِ لا تَحْمِلُ واحِدًا مِنهُما:
أحَدُهُما: إضافَةُ التَّوْبَةِ إلى المَشِيئَةِ وهي غَيْرُ مَذْكُورَةٍ ولا دَلِيلَ عَلَيْها فِيما ذَكَرَ، وأيْضًا لَوْ كانَتْ مُرادَةً لَكانَتْ هي السَّبَبَ المُوجِبَ لِلْمَغْفِرَةِ عَلى زَعْمِهِمْ عَقْلًا، ولا يُمْكِنُ تَعَلُّقُ المَشِيئَةِ بِخِلافِها عَلى ظَنِّهِمْ في العَقْلِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ السُّكُوتُ عَنْ ذِكْرِ ما هو العُمْدَةُ والمُوجِبُ، وذِكْرِ ما لا مَدْخَلَ لَهُ عَلى هَذا المُعْتَقَدِ الرَّدِيءِ؟
الثّانِي: أنَّهُ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ التَّوْبَةَ احْتَكَمَ فَقَدَّرَها عَلى أحَدِ القِسْمَيْنِ دُونَ الآخَرِ، وما هَذا إلّا مِن جَعْلِ القُرْآنِ تَبَعًا لِلرَّأْيِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ.
وأمّا القَدَرِيَّةُ فَهم بِهَذا المُعْتَقَدِ يَقَعُ عَلَيْهِ بِهِمُ المَثَلُ السّائِرُ (السَّيِّدُ يُعْطِي والعَبْدُ يَمْنَعُ) لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُصَرِّحُ كَرَمَهُ بِالمَغْفِرَةِ لِلْمُصِرِّ عَلى الكَبائِرِ، إنْ شاءَ، وهم يَدْفَعُونَ في وجْهِ هَذا التَّصْرِيحِ ويُحِيلُونَ المَغْفِرَةَ بِناءً عَلى قاعِدَةِ الأصْلَحِ والصَّلاحِ، الَّتِي هي بِالفَسادِ أجْدَرُ وأحَقُّ. انْتَهى.
فائِدَةٌ:
ورَدَتْ أحادِيثُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ:
الأوَّلُ: عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الدَّواوِينُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثَلاثَةٌ: دِيوانٌ لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا، ودِيوانٌ لا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنهُ شَيْئًا، ودِيوانٌ لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ.
فَأمّا الدِّيوانُ (p-١٢٩١)الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ فالشِّرْكُ بِاللَّهِ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ، وقالَ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] [المائِدَةِ: مِنَ الآيَةِ ٧٢].
وأمّا الدِّيوانُ الَّذِي لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا فَظُلْمُ العَبْدِ نَفْسَهُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ مِن صَوْمِ يَوْمٍ تَرَكَهُ، أوْ صَلاةٍ تَرَكَها، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَغْفِرُ ذَلِكَ ويَتَجاوَزُ إنْ شاءَ.
وأمّا الدِّيوانُ الَّذِي لا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنهُ شَيْئًا، فَظُلْمُ العِبادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، القِصاصُ لا مَحالَةَ» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ.
الثّانِي: عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الظُّلْمُ ثَلاثَةٌ: فَظُلْمٌ لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وظُلْمٌ يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وظُلْمٌ لا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنهُ شَيْئًا.
فَأمّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ فالشِّرْكُ، وقالَ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] [لُقْمانَ: مِنَ الآيَةِ ١٣].
وأمّا الظُّلْمُ الَّذِي يَغْفِرُهُ اللَّهُ: فَظُلْمُ العِبادِ لِأنْفُسِهِمْ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ.
وأمّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يَتْرُكُهُ فَظُلْمُ العِبادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا حَتّى يَدِينَ لِبَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ» رَواهُ أبُو بَكْرٍ البَزّارُ في مُسْنَدِهِ.
الثّالِثُ: عَنْ مُعاوِيَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ ذَنْبٍ عَسى اللَّهُ أنْ يَغْفِرَهُ إلّا الرَّجُلُ يَمُوتُ كافِرًا، أوِ الرَّجُلُ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ.
الرّابِعُ: عَنْ أبِي ذَرٍّ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ما مِن عَبْدٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، (p-١٢٩٢)ثُمَّ ماتَ عَلى ذَلِكَ، إلّا دَخَلَ الجَنَّةَ. قُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ؟ قالَ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ. قُلْتُ: وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ؟ قالَ وإنْ زَنى وإنْ سَرَقَ - ثَلاثًا - ثُمَّ قالَ في الرّابِعَةِ: عَلى رَغْمِ أنْفِ أبِي ذَرٍّ.
قالَ فَخَرَجَ أبُو ذَرٍّ وهو يَجُرُّ إزارَهُ وهو يَقُولُ: وإنْ رَغِمَ أنْفُ أبِي ذَرٍّ.
وكانَ أبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ بِهَذا بَعْدُ ويَقُولُ: وإنْ رَغِمَ أنْفُ أبِي ذَرٍّ».
أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ.
وفِي رِوايَةٍ لَهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ: قالَ ﷺ: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أنَّهُ مَن ماتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ ! وإنْ سَرَقَ وإنْ زَنى؟ قالَ: نَعَمْ قُلْتُ: وإنْ سَرَقَ وإنْ زَنى؟ قالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وإنْ سَرَقَ وإنْ زَنى؟ قالَ: نَعَمْ، وإنْ شَرِبَ الخَمْرِ» .
الخامِسُ: عَنْ جابِرٍ قالَ: «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما المُوجِبَتانِ؟ قالَ: مَن ماتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ. ومَن ماتَ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النّارَ» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ.
السّادِسُ: عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن ماتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ» رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ.
السّابِعُ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: مَن عَلِمَ أنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ غَفَرْتُ لَهُ ولا أُبالِي» رَواهُ الطَّبَرانِيُّ.
الثّامِنُ: عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن وعَدَهُ اللَّهُ عَلى عَمَلٍ ثَوابًا فَهو مُنْجِزُهُ لَهُ، ومَن تَوَعَّدَهُ عَلى عَمَلٍ عِقابًا فَهو فِيهِ بِالخِيارِ» رَواهُ البَزّارُ وأبُو يَعْلى.
التّاسِعُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنّا مَعْشَرَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ لا نَشُكُّ في قاتِلِ النَّفْسِ، (p-١٢٩٣)وآكِلِ مالِ اليَتِيمِ، وشاهِدِ الزُّورِ، وقاطِعِ الرَّحِمِ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فَأمْسَكْنا عَنِ الشَّهادَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ.
وفِي رِوايَةٍ لِابْنِ أبِي حاتِمٍ: فَلَمّا سَمِعْناها كَفَفْنا عَنِ الشَّهادَةِ وأرْجَيْنا الأُمُورَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
العاشِرُ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ما في القُرْآنِ أحَبُّ إلَيَّ مِن هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
الحادِي عَشَرَ: عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قالَ اللَّهُ تَعالى: يا ابْنَ آدَمَ إنَّكَ ما دَعَوْتِنِي ورَجَوْتِنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلى ما كانَ فِيكَ ولا أُبالِي.
يا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتِنِي غَفَرْتُ لَكَ ولا أُبالِي.
يا ابْنَ آدَمَ إنَّكَ لَوْ أتَيْتِنِي بِقُرابِ الأرْضِ خَطايا ثُمَّ لَقِيتِنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأتَيْتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَةً» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ.
ورَوى نَحْوَهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي ذَرٍّ، ولَفْظُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: يا عَبْدِي! ما عَبَدْتِنِي ورَجَوْتِنِي فَإنِّي غافِرٌ لَكَ عَلى ما كانَ فِيكَ، ويا عَبْدِي! إنْ لَقِيتَنِي بِقُرابِ الأرْضِ خَطِيئَةً ما لَمْ تُشْرِكْ بِي لَقِيتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَةً» .
والأحادِيثُ في ذَلِكَ مُتَوافِرَةٌ، ويَكْفِي هَذا المِقْدارُ.
(p-١٢٩٤)﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ أيِ: افْتَرى واخْتَلَقَ، مُرْتَكِبًا إثْمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ويُسْتَحْقَرُ دُونَهُ جَمِيعُ الآثامِ، فَلا تَتَعَلَّقُ بِهِ المَغْفِرَةُ قَطْعًا.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ "الجَوابُ الكافِي": الشِّرْكُ بِالرَّبِّ تَعالى نَوْعانِ: شِرْكٌ بِهِ في أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وجَعْلُ آلِهَةٍ أُخْرى مَعَهُ، وشِرْكٌ بِهِ في مُعامَلَتِهِ، وهَذا الثّانِي قَدْ لا يُوجِبُ دُخُولَ النّارِ، وإنْ أحْبَطَ العَمَلَ الَّذِي أشْرَكَ فِيهِ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، وهَذا القِسْمُ أعْظَمُ أنْواعِ الذُّنُوبِ، ويَدْخُلُ فِيهِ القَوْلُ عَلى اللَّهِ بِلا عِلْمٍ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ، فَمَن كانَ مِن أهْلِ هَذِهِ الذُّنُوبِ فَقَدْ نازَعَ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى رُبُوبِيَّتَهُ ومُلْكَهُ، وجَعَلَ لَهُ نِدًّا، وهَذا أعْظَمُ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ، ولا يَنْفَعُ مَعَهُ عَمَلٌ.
وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وكَشْفُ الغِطاءِ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أرْسَلَ رُسُلَهُ وأنْزَلَ كُتُبَهُ وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ؛ لِيُعْرَفَ ويُعْبَدَ ويُوَحَّدَ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لَهُ، والطّاعَةُ كُلُّها لَهُ، والدَّعْوَةُ لَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] [الذّارِياتِ: ٥٦] وقالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] [الحِجْرِ: مِنَ الآيَةِ ٨٥] وقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَـزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] [الطَّلاقِ: ١٢] وقالَ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧] [المائِدَةِ: ٩٧] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ القَصْدَ بِالخَلْقِ والأمْرِ أنْ يُعْرَفَ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ويُعْبَدَ وحْدَهُ لا يُشْرَكَ بِهِ، (p-١٢٩٥)وأنْ يَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ، وهو العَدْلُ الَّذِي قامَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْـزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] [الحَدِيدِ: مِنَ الآيَةِ ٢٥] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أرْسَلَ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ كُتُبَهُ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ، وهو العَدْلُ، ومِن أعْظَمِ القِسْطِ التَّوْحِيدُ، بَلْ هو رَأْسُ العَدْلِ وقِوامُهُ، وإنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] [لُقْمانَ: مِنَ الآيَةِ ١٣]، فالشِّرْكُ أظْلَمُ الظُّلْمِ، والتَّوْحِيدُ أعْدَلُ العَدْلِ، فَما كانَ أشَدَّ مُنافاةً لِهَذا المَقْصُودِ فَهو أكْبَرُ الكَبائِرِ، وتَفاوُتُها في دَرَجاتِها بِحَسَبِ مُنافاتِها لَهُ، وما كانَ أشَدَّ مُوافَقَةً لِهَذا المَقْصُودِ فَهو أوْجَبُ الواجِباتِ وأفْرَضُ الطّاعاتِ.
فَتَأمَّلْ هَذا الأصْلَ حَقَّ التَّأمُّلِ، واعْتَبِرْ بِهِ تَفاصِيلَهُ تَعْرِفْ بِهِ أحْكَمَ الحاكِمِينَ وأعْلَمَ العالِمِينَ، فِيما فَرَضَ عَلى عِبادِهِ وحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، وتَفاوُتَ مَراتِبِ الطّاعاتِ والمَعاصِي، فَلَمّا كانَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ مُنافِيًا بِالذّاتِ لِهَذا المَقْصُودِ، وكانَ أكْبَرَ الكَبائِرِ عَلى الإطْلاقِ، وحَرَّمَ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلى كُلِّ مُشْرِكٍ، وأباحَ دَمَهُ ومالَهُ لِأهْلِ التَّوْحِيدِ، وأنْ يَتَّخِذُوهم عَبِيدًا لَهم لَمّا تَرَكُوا القِيامَ بِعُبُودِيَّتِهِ، وأبى اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقْبَلَ مِن مُشْرِكٍ عَمَلًا، أوْ يَقْبَلَ فِيهِ شَفاعَةً، أوْ يَسْتَجِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ دَعْوَةً، أوْ يُقِيلَ لَهُ فِيها عَثْرَةً - فَإنَّ المُشْرِكَ أجْهَلُ الجاهِلِينَ بِاللَّهِ حَيْثُ جَعَلَ لَهُ مِن خَلْقِهِ نِدًّا، وذَلِكَ غايَةُ الجَهْلِ بِهِ، كَما أنَّهُ غايَةُ الظُّلْمِ مِنهُ، وإنْ كانَ المُشْرِكُ لَمْ يَظْلِمْ رَبَّهُ وإنَّما ظَلَمَ نَفْسَهُ.
ووَقَعَتْ مَسْألَةٌ: وهي أنَّ المُشْرِكَ إنَّما قَصْدُهُ تَعْظِيمُ جَنابِ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى، وأنَّهُ لِعَظَمَتِهِ لا يَنْبَغِي الدُّخُولُ عَلَيْهِ إلّا بِالوَسائِطِ والشُّفَعاءِ، كَحالِ المُلُوكِ، فالمُشْرِكُ لَمْ يَقْصِدِ الِاسْتِهانَةَ بِجَنابِ الرُّبُوبِيَّةِ وإنَّما قَصَدَ تَعْظِيمَهُ.
وقالَ: إنَّما أعْبُدُ هَذِهِ الوَسائِطَ لِتُقَرِّبَنِي وتُدْخِلَنِي عَلَيْهِ، فَهو المَقْصُودُ، وهَذِهِ وسائِلُ وشُفَعاءُ، (p-١٢٩٦)فَلِمَ كانَ هَذا القَدْرُ مُوجِبًا لِسُخْطِهِ وغَضَبِهِ تَبارَكَ وتَعالى ومُخَلِّدًا في النّارِ ومُوجِبًا لِسَفْكِ دِماءِ أصْحابِهِ واسْتِباحَةِ حَرِيمِهِمْ وأمْوالِهِمْ؟ وتَرَتَّبَ عَلى هَذا سُؤالٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أنْ يَشْرَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ التَّقْرِيبَ إلَيْهِ بِالشُّفَعاءِ والوَسائِطِ؟ فَيَكُونُ تَحْرِيمُ هَذا إنَّما اسْتُفِيدَ مِنَ الشَّرْعِ، أمْ ذَلِكَ قَبِيحٌ في الفِطَرِ والعُقُولِ، يَمْتَنِعُ أنْ تَأْتِيَ بِهِ شَرِيعَةٌ، بَلْ جاءَتْ بِتَقْرِيرِ ما في الفِطَرِ والعُقُولِ مِن قُبْحِهِ الَّذِي هو أقْبَحُ مِن كُلِّ قَبِيحٍ؟ وما السَّبَبُ في كَوْنِهِ لا يَغْفِرُهُ مِن دُونِ سائِرِ الذُّنُوبِ؟ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ فَتَأمَّلْ هَذا السُّؤالَ، واجْمَعْ قَلْبَكَ وذِهْنَكَ عَلى جَوابِهِ، ولا تَسْتَهْوِنْهُ فَإنَّ بِهِ يَحْصُلُ الفَرْقُ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والمُوَحِّدِينَ، والعالِمِينَ بِاللَّهِ والجاهِلِينَ بِهِ، وأهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ.
فَنَقُولُ (وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ والتَّأْيِيدُ، ومِنهُ نَسْتَمِدُّ المَعُونَةَ والتَّسْدِيدَ، فَإنَّهُ مَن يَهْدِي اللَّهُ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، ولا مانِعَ لِما أعْطى ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ):
الشِّرْكُ شِرْكانِ: شِرْكٌ يَتَعَلَّقُ بِذاتِ المَعْبُودِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، وشِرْكٌ في عِبادَتِهِ ومُعامَلَتِهِ، وإنْ كانَ صِاحِبُهُ يَعْتَقِدُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا شَرِيكَ لَهُ في ذاتِهِ ولا في صِفاتِهِ ولا في أفْعالِهِ، والشِّرْكُ الأوَّلُ نَوْعانِ:
أحَدُهُما: شِرْكُ التَّعْطِيلِ: وهو أقْبَحُ أنْواعِ الشِّرْكِ، كَشِرْكِ فِرْعَوْنَ إذْ قالَ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] [الشُّعَراءِ: مَنِ الآيَةِ ٢٣]؟ وقالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ [غافر: ٣٦] ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧] [غافِرٍ: مِنَ الآيَةِ ٣٧] فالشِّرْكُ والتَّعْطِيلُ مُتَلازِمانِ، فَكُلُّ مُشْرِكٍ مُعَطِّلٌ وكُلُّ مُعَطِّلٍ مُشْرِكٌ، لَكِنَّ الشِّرْكَ لا يَسْتَلْزِمُ أصْلَ التَّعْطِيلِ بَلْ قَدْ يَكُونُ المُشْرِكُ مُقِرًّا بِالخالِقِ سُبْحانَهُ وصِفاتِهِ، ولَكِنْ عَطَّلَ حَقَّ التَّوْحِيدِ، وأصْلُ الشِّرْكِ وقاعِدَتُهُ الَّتِي تَرْجِعُ إلَيْها هو التَّعْطِيلُ، وهو ثَلاثَةُ أقْسامٍ:
تَعْطِيلُ المَصْنُوعِ عَنْ صانِعِهِ وخالِقِهِ، وتَعْطِيلُ الصّانِعِ سُبْحانَهُ عَنْ كَمالِهِ المُقَدَّسِ بِتَعْطِيلِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، (p-١٢٩٧)وتَعْطِيلُ مُعامَلَتِهِ عَمّا يَجِبُ عَلى العَبْدِ مِن حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ.
ومِن هَذا شِرْكُ طائِفَةِ أهْلِ وحْدَةِ الوُجُودِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ: ما ثَمَّ خالِقٌ ومَخْلُوقٌ، ولا هَهُنا شَيْئانِ، بَلِ الحَقُّ المُنَزَّهُ هو عَيْنُ الخَلْقِ المُشَبَّهِ، ومِنهُ شِرْكُ المَلاحِدَةِ القائِلِينَ بِقِدَمِ العالَمِ وأبَدِيَّتِهِ، وإنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْدُومًا أصْلًا، بَلْ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ، والحَوادِثُ بِأسْرِها مُسْتَنِدَةٌ عِنْدَهم إلى أسْبابٍ ووَسائِطَ اقْتَضَتْ إيجادَها، يُسَمُّونَها العُقُولَ والنُّفُوسَ.
ومِن هُنا أشْرَكَ مَن عَطَّلَ أسْماءَ الرَّبِّ تَعالى وأوْصافَهُ وأفْعالَهُ مِن غُلاةِ الجَهْمِيَّةِ والقَرامِطَةِ، فَلَمْ يُثْبِتُوا لَهُ اسْمًا ولا صِفَةً، بَلْ جَعَلُوا المَخْلُوقَ أكْمَلَ مِنهُ، إذْ كَمالُ الذّاتِ بِأسْمائِها وصِفاتِها.
* *
فَصْلٌ
النَّوْعُ الثّانِي: شِرْكُ مَن جَعَلَ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ ولَمْ يُعَطِّلْ أسْمائَهُ ورُبُوبِيَّتَهُ وصِفاتِهِ، كَشِرْكِ النَّصارى الَّذِي جَعَلُوهُ ثالِثَ ثَلاثَةٍ، فَجَعَلُوا المَسِيحَ إلَهًا وأُمَّهُ إلَهًا.
ومِن هَذا شِرْكُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِإسْنادِ حَوادِثِ الخَيْرِ إلى النُّورِ وحَوادِثِ الشَّرِّ إلى الظُّلْمَةِ.
ومِن هَذا شِرْكُ القَدَرِيَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ الحَيَوانَ هو الَّذِي يَخْلُقُ أفْعالَ نَفْسِهِ، وإنَّها تَحْدُثُ بِدُونِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ، ولِهَذا كانُوا مِن أشْباهِ المَجُوسِ.
ومِن هَذا شِرْكُ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ: ﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٥٨] فَهَذا جَعَلَ نَفْسَهُ نِدًّا لِلَّهِ، يُحْيِي ويُمِيتُ بِزَعْمِهِ، كَما يُحْيِي اللَّهُ ويُمِيتُ، فَألْزَمَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ - أنْ طَرْدَ قَوْلِكَ أنْ تَقْدِرَ عَلى الإتْيانِ بِالشَّمْسِ مِن غَيْرِ الجِهَةِ الَّتِي يَأْتِي اللَّهُ بِها مِنها، ولَيْسَ هَذا (p-١٢٩٨)انْتِقالًا كَما زَعَمَ بَعْضُ أهْلِ الجَدَلِ بَلْ إلْزامًا عَلى طَرْدِ الدَّلِيلِ إنَّ كانَ حَقًّا.
ومِن هَذا شِرْكُ كَثِيرٍ مِمَّنْ يُشْرِكُ بِالكَواكِبِ العُلْوِيّاتِ ويَجْعَلُها أرْبابًا مُدَبِّرَةً لِأمْرِ هَذا العالَمِ، كَما هو مَذْهَبُ مُشْرِكِي الصّابِئَةِ وغَيْرِهِمْ.
ومِن هَذا شِرْكُ عُبّادِ الشَّمْسِ وعُبّادِ النّارِ وغَيْرِهِمْ.
ومِن هَؤُلاءِ مَن يَزْعُمُ أنَّ مَعْبُودَهُ هو الإلَهُ عَلى الحَقِيقَةِ. ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّهُ أكْبَرُ الآلِهَةِ. ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّهُ إلَهٌ مِن جُمْلَةِ الآلِهَةِ، وأنَّهُ إذا خَصَّهُ بِعِبادَتِهِ والتَّبَتُّلِ إلَيْهِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ أقْبَلَ إلَيْهِ واعْتَنى بِهِ.
ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّهُ مَعْبُودُهُمُ الأدْنى يُقَرِّبُهُ إلى المَعْبُودِ الَّذِي هو فَوْقَهُ، والفَوْقانِيُّ يُقَرِّبُهُ إلى مَن هو فَوْقَهُ، حَتّى تُقَرِّبَهُ تِلْكَ الآلِهَةُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَتارَةً تَكْثُرُ الوَساطَةُ وتارَةً تَقِلُّ.
* *
فَصْلٌ
وأمّا الشِّرْكُ في العِبادَةِ فَهو أسْهَلُ مِن هَذا وأخَفُّ أمْرًا، فَإنَّهُ يَصْدُرُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يُعْطِي ولا يَمْنَعُ إلّا اللَّهُ، وأنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ ولا رَبَّ سِواهُ، ولَكِنْ لا يُخْلِصُ لِلَّهِ في مُعامَلَتِهِ وعُبُودِيَّتِهِ، بَلْ يَعْمَلُ لِحَظِّ نَفْسِهِ تارَةً وطَلَبِ الدُّنْيا تارَةً، ولِطَلَبِ الرِّفْعَةِ والمَنزِلَةِ والجاهِ عِنْدَ الخَلْقِ تارَةً، فَلِلَّهِ مِن عَمَلِهِ وسَعْيِهِ نَصِيبٌ، ولِنَفْسِهِ وحَظِّهِ وهَواهُ نَصِيبٌ، ولِلشَّيْطانِ نَصِيبٌ، ولِلْخَلْقِ نَصِيبٌ، هَذا حالُ أكْثَرِ النّاسِ، وهو الشِّرْكُ الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فِيما رَواهُ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ: «الشِّرْكُ في هَذِهِ الأُمَّةِ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ، قالُوا: وكَيْفَ نَنْجُو مِنهُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أُشْرِكَ بِكَ وأنا أعْلَمُ، وأسْتَغْفِرُكَ لِما لا أعْلَمُ» .
فالرِّياءُ كُلُّهُ شِرْكٌ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] [الكَهْفِ: ١١٠].
(p-١٢٩٩)أيْ كَما أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ سِواهُ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ العِبادَةُ لَهُ وحْدَهُ، فَكَما تَفَرَّدَ بِالإلَهِيَّةِ يَجِبُ أنْ يُفْرَدَ بِالعُبُودِيَّةِ، فالعَمَلُ الصّالِحُ هو الخالِي مِنَ الرِّياءِ، المُقَيَّدُ بِالسُّنَّةِ، وكانَ مِن دُعاءِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صالِحًا، واجْعَلْهُ لِوَجْهِكَ خالِصًا، ولا تَجْعَلْ لِأحَدٍ فِيهِ شَيْئًا، وهَذا الشِّرْكُ في العِبادَةِ يُبْطِلُ العَمَلَ، وقَدْ يُعاقَبُ عَلَيْهِ إذا كانَ العَمَلُ واجِبًا، فَإنَّهُ يُنْزِلُهُ مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَعْمَلْهُ، فَيُعاقَبُ عَلى تَرْكِ الأمْرِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما أمَرَ بِعِبادَتِهِ خالِصَةً قالَ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ﴾ [البينة: ٥] [البَيِّنَةِ: مِنَ الآيَةِ ٥].
فَمَن لَمْ يُخْلِصْ لِلَّهِ في عِبادَتِهِ لَمْ يَفْعَلْ ما أُمِرَ بِهِ، بَلِ الَّذِي أتى بِهِ شَيْءٌ غَيْرُ المَأْمُورِ بِهِ، فَلا يَصِحُّ ولا يُقْبَلُ مِنهُ، ويَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «أنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ» .
وهَذا الشِّرْكُ يَنْقَسِمُ إلى مَغْفُورٍ وغَيْرِ مَغْفُورٍ، وأكْبَرَ وأصْغَرَ، والنَّوْعُ الأوَّلُ يَنْقَسِمُ إلى كَبِيرٍ وأكْبَرَ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنهُ مَغْفُورًا.
فَمِنهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ في المَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ بِأنْ يُحِبَّ المَخْلُوقَ كَما يُحِبُّ اللَّهَ، فَهَذا مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وهو الشِّرْكُ الَّذِي قالَ سُبْحانَهُ فِيهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ١٦٥] الآيَةَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences