Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:48, continued
وقالَ أصْحابُ هَذا الشَّرَكِ لِآلِهَتِهِمْ وقَدْ جَمَعَتْهُمُ الجَحِيمُ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧] [الشُّعَراءِ: ٩٧]: ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨] [الشُّعَراءِ: ٩٧ - ٩٨] ومَعْلُومٌ أنَّهم ما سَوَّوْهم بِهِ سُبْحانَهُ في الخَلْقِ والزِّرْقِ والإماتَةِ والإحْياءِ، والمُلْكِ والقُدْرَةِ، وإنَّما سَوَّوْهم بِهِ في الحُبِّ والتَّألُّهِ والخُضُوعِ لَهم والتَّذَلُّلِ، وهَذا غايَةُ الجَهْلِ والظُّلْمِ، فَكَيْفَ يُسَوّى مِن خُلِقَ مِنَ التُّرابِ بِرَبِّ الأرْبابِ؟ وكَيْفَ يُسَوّى (p-١٣٠٠)العَبِيدُ بِمالِكِ الرِّقابِ؟ وكَيْفَ يُسَوّى الفَقِيرُ بِالذّاتِ، الضَّعِيفُ بِالذّاتِ، العاجِزُ بِالذّاتِ، المُحْتاجُ بِالذّاتِ، الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ - بِالغَنِيِّ بِالذّاتِ، القادِرِ بِالذّاتِ، الَّذِي غِناهُ وقُدْرَتُهُ ومُلْكُهُ وجُودُهُ وإحْسانُهُ وعِلْمُهُ ورَحْمَتُهُ، وكَمالُهُ المُطْلَقُ التّامُّ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ؟! فَأيُّ ظُلْمٍ أقْبَحَ مِن هَذا؟ وأيُّ حُكْمٍ أشَدَّ جَوْرًا مِنهُ؟ حَيْثُ عُدِلَ مَن لا عِدْلَ لَهُ بِخَلْقِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] [الأنْعامِ: ١] فَعَدَلَ المُشْرِكُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ بِمَن لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ولا لِغَيْرِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ، فَيا لَكَ مِن عَدْلٍ تَضَمَّنَ أكْبَرَ الظُّلْمِ وأقْبَحَهُ!
* *
فَصْلٌ
ويَتْبَعُ هَذا الشِّرْكَ الشِّرْكُ بِهِ سُبْحانَهُ في الأقْوالِ والأفْعالِ والإراداتِ والنِّيّاتِ، فالشِّرْكُ في الأفْعالِ كالسُّجُودِ لِغَيْرِهِ، والطَّوافِ بِغَيْرِ بَيْتِهِ، وحَلْقِ الرَّأْسِ عُبُودِيَّةً وخُضُوعًا لِغَيْرِهِ، وتَقْبِيلِ الأحْجارِ - غَيْرِ الحَجَرِ الأسْوَدِ الَّذِي هو يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ - أوْ تَقْبِيلِ القُبُورِ واسْتِلامِها والسُّجُودِ لَها، وقَدْ لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ مَنِ اتَّخَذَ قُبُورَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ مَساجِدَ يُصَلِّي فِيها، فَكَيْفَ بِمَنِ اتَّخَذَ القُبُورَ أوْثانًا يَعْبُدُها مِن دُونِ اللَّهِ، وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ» .
وفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ: (p-١٣٠١)«إنَّ مِن شِرارِ النّاسِ مَن تُدْرِكُهُمُ السّاعَةُ وهم أحْياءٌ ومَن يَتَّخِذُ القُبُورَ مَساجِدَ» .
وفِي الصَّحِيحِ أيْضًا عَنْهُ: «إنَّ مَن كانَ قَبْلَكم كانُوا يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَساجِدَ، ألا فَلا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَساجِدَ، فَإنِّي أنْهاكم عَنْ ذَلِكَ» .
وفِي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وصَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ عَنْهُ ﷺ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زائِراتِ القُبُورِ والمُتَّخِذِينَ عَلَيْها المَساجِدَ والسُّرُجَ» .
وقالَ: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ» .
وقالَ: «إنَّ مَن كانَ قَبْلَكم إذا ماتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصّالِحُ، بَنَوْا عَلى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ» .
فَهَذا حالُ مَن سَجَدَ لِلَّهِ في مَسْجِدٍ عَلى قَبْرٍ، فَكَيْفَ حالُ مَن سَجَدَ لِلْقَبْرِ بِنَفْسِهِ؟! وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ! لا تَجْعَلْ قَبْرِي وثَنًا يُعْبَدُ» وقَدْ حَمى النَّبِيُّ جانِبَ التَّوْحِيدِ (p-١٣٠٢)أعْظَمَ حِمايَةٍ حَتّى نَهى عَنْ صَلاةِ التَّطَوُّعِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وعِنْدَ غُرُوبِها؛ لِئَلّا يَكُونَ ذَرِيعَةً إلى التَّشْبِيهِ بِعُبّادِ الشَّمْسِ الَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَها في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، وسَدَّ الذَّرِيعَةَ بِأنْ مَنَعَ الصَّلاةَ بَعْدَ العَصْرِ والصُّبْحِ؛ لِاتِّصالِ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ بِالوَقْتَيْنِ اللَّذَيْنِ يَسْجُدُ المُشْرِكُونَ فِيهِما لِلشَّمْسِ.
وأمّا السُّجُودُ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقالَ: «لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ إلّا لِلَّهِ» .
و(لا يَنْبَغِي) في كَلامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ - لِلَّذِي هو في غايَةِ الِامْتِناعِ شَرْعًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] [مَرْيَمَ: ٩٢] وقَوْلِهِ: ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] [يس: مِنَ الآيَةِ ٦٩] وقَوْلِهِ: ﴿وما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] [الشُّعَراءِ: ٢١٠]: ﴿وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١١] [الشُّعَراءِ: مِنَ الآيَةِ ٢١١] وقَوْلِهِ عَنِ المَلائِكَةِ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨] [الفَرْقانِ: مِنَ الآيَةِ ١٨].
* *
(p-١٣٠٣)فَصْلٌ
ومِنَ الشِّرْكِ بِهِ سُبْحانَهُ الشِّرْكُ بِهِ في اللَّفْظِ، كالحَلِفِ بِغَيْرِهِ، كَما رَواهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن حَلَفَ بِشَيْءٍ دُونَ اللَّهِ فَقَدْ أشْرَكَ» وصَحَّحَهُ الحاكِمُ وابْنُ حِبّانَ.
ومِن ذَلِكَ قَوْلُ القائِلِ لِلْمَخْلُوقِ: ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ قالَ لَهُ رَجُلٌ: ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، قالَ: أجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُلْ: ما شاءَ اللَّهُ وحْدَهُ» وهَذا، مَعَ أنَّ اللَّهَ قَدْ أثْبَتَ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] [التَّكْوِيرِ: ٢٨] - فَكَيْفَ مَن يَقُولُ: أنا مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ وعَلَيْكَ، وأنا في حَسْبِ اللَّهِ وحَسْبِكَ؟ وما لِي إلّا اللَّهُ وأنْتَ؟ وهَذا مِنَ اللَّهِ ومِنكَ، وهَذا مِن بَرَكاتِ اللَّهِ وبَرَكاتِكَ؟ واللَّهُ لِي في السَّماءِ وأنْتَ لِي في الأرْضِ؟ أوْ يَقُولُ: واللَّهِ! وحَياةِ فُلانٍ، أوْ يَقُولُ: نَذْرًا لِلَّهِ ولِفُلانٍ، وأنا تائِبٌ لِلَّهِ ولِفُلانٍ، وأرْجُو اللَّهَ وفُلانًا ونَحْوُ ذَلِكَ، فَوازِنْ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ وبَيْنَ قَوْلِ القائِلِ: ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ، ثُمَّ انْظُرْ أيُّهُما أفْحَشُ؟ يَتَبَيَّنُ لَكَ أنَّ قائِلَها أوْلى لِجَوابِ النَّبِيِّ ﷺ لِقائِلِ تِلْكَ الكَلِمَةِ، وأنَّهُ إذا كانَ قَدْ جَعَلَهُ نِدًّا لِلَّهِ بِها فَهَذا قَدْ جَعَلَ مَن لا يُدانِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ - بَلْ لَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ مِن أعْدائِهِ - نِدًّا لِرَبِّ العالَمِينَ.
فالسُّجُودُ والعِبادَةُ، والتَّوَكُّلُ والإنابَةُ، والتَّقْوى والخَشْيَةُ، والتَّحَسُّبُ والتَّوْبَةُ، والنَّذْرُ والحَلِفُ، والتَّسْبِيحُ والتَّكْبِيرُ، والتَّهْلِيلُ والتَّحْمِيدُ، والِاسْتِغْفارُ (p-١٣٠٤)وحَلْقُ الرَّأْسِ خُضُوعًا وتَعَبُّدًا، والطَّوافُ بِالبَيْتِ، والدُّعاءُ - كُلُّ ذَلِكَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ، لا يَصْلُحُ ولا يَنْبَغِي لِسِواهُ، مِن مَلَكٍ مُقَرَّبٍ ولا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ.
وفِي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ «أنَّ رَجُلًا أُتِيَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ قَدْ أذْنَبَ ذَنْبًا، فَلَمّا وقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أتُوبُ إلَيْكَ، ولا أتُوبُ إلى مُحَمَّدٍ. فَقالَ: قَدْ عَرَفَ الحَقَّ لِأهْلِهِ» .
* *
فَصْلٌ
وأمّا الشِّرْكُ في الإراداتِ والنِّيّاتِ فَذَلِكَ البَحْرُ الَّذِي لا ساحِلَ لَهُ، وقَلَّ مَن يَنْجُو مِنهُ، فَمَن أرادَ بِعَمَلِهِ غَيْرَ وجْهِ اللَّهِ، ونَوى شَيْئًا غَيْرَ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ وطَلَبِ الجَزاءِ مِنهُ، فَقَدْ أشْرَكَ في نِيَّتِهِ وإرادَتِهِ.
والإخْلاصُ: أنْ يُخْلِصَ لِلَّهِ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وإراداتِهِ ونِيَّتِهِ، وهَذِهِ هي الحَنِيفِيَّةُ، مِلَّةُ إبْراهِيمَ، الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها عِبادَهُ كُلَّهُمْ، ولا يَقْبَلُ مِن أحَدٍ غَيْرَها، وهي حَقِيقَةُ الإسْلامِ ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] [آلِ عِمْرانَ: ٨٥] وهي مِلَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، الَّتِي مَن رَغِبَ عَنْها فَهو مِن أسْفَهِ السُّفَهاءِ.
* *
فَصْلٌ
وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ انْفَتَحَ لَكَ بابُ الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ المَذْكُورِ، فَنَقُولُ (ومِنَ اللَّهِ وحْدَهُ نَسْتَمِدُّ الصَّوابَ): حَقِيقَةُ الشِّرْكِ هو التَّشَبُّهُ بِالخالِقِ والتَّشْبِيهُ لِلْمَخْلُوقِ بِهِ، وهَذا هو التَّشْبِيهُ في الحَقِيقَةِ، لا إثْباتُ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي وصَفَ اللَّهُ بِها نَفْسَهُ ووَصَفَ بِها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَكَسَ مَن نَكَّسَ اللَّهُ قَلْبَهُ وأعْمى عَيْنَ بَصِيرَتِهِ وأرْكَسَهُ بِلُبْسِهِ الأمْرَ وجَعَلَ التَّوْحِيدَ تَشْبِيهًا والتَّشْبِيهَ تَعْظِيمًا وطاعَةً، فالمُشْرِكُ مُشَبِّهٌ لِلْمَخْلُوقِ بِالخالِقِ في خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ، فَإنَّ مِن خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ التَّفَرُّدَ بِمِلْكِ الضُّرِّ والنَّفْعِ والعَطاءِ والمَنعِ، وذَلِكَ يُوجِبُ تَعْلِيقَ الدُّعاءِ والخَوْفِ والرِّجاءِ (p-١٣٠٥)والتَّوَكُّلِ بِهِ وحْدَهُ، فَمَن عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَخْلُوقٍ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِالخالِقِ، وجَعَلَ مَن لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا ولا ضَرًّا ولا مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا أفْضَلَ مِن غَيْرِهِ؛ تَشْبِيهًا بِمَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، فَأزِمَّةُ الأُمُورِ كُلِّها بِيَدِهِ، ومَرْجِعُها إلَيْهِ، فَما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، لا مانِعَ لِما أعْطى ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ، بَلْ إذا فَتَحَ لِعَبْدِهِ بابَ رَحْمَتِهِ لَمْ يُمْسِكْها أحَدٌ، وإنْ أمْسَكَها عَنْهُ لَمْ يُرْسِلْها إلَيْهِ أحَدٌ، فَمِن أقْبَحِ التَّشْبِيهِ تَشْبِيهُ هَذا العاجِزِ الفَقِيرِ بِالذّاتِ بِالقادِرِ الغَنِيِّ بِالذّاتِ.
ومِن خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ الكَمالُ المُطْلَقُ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ الَّذِي لا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ تَكُونَ العِبادَةُ كُلُّها لَهُ وحْدَهُ، والتَّعْظِيمُ والإجْلالُ والخَشْيَةُ والدُّعاءُ والرِّجاءُ والإنابَةُ والتَّوَكُّلُ والِاسْتِعانَةُ وغايَةُ الذُّلِّ مَعَ غايَةِ الحُبِّ، كُلُّ ذَلِكَ يَجِبُ عَقْلًا وشَرْعًا وفِطْرَةً أنْ يَكُونَ لَهُ وحْدَهُ، ويُمْنَعُ عَقْلًا وشَرْعًا وفِطْرَةً أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ، فَمَن جَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ لِغَيْرِهِ فَقَدْ شَبَّهَ ذَلِكَ الغَيْرَ بِمَن لا شَبِيهَ لَهُ ولا نِدَّ لَهُ، وذَلِكَ أقْبَحُ التَّشْبِيهِ وأبْطَلُهُ، ولِشِدَّةِ قُبْحِهِ وتَضَمُّنِهِ غايَةَ الظُّلْمِ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُهُ، مَعَ أنَّهُ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.
ومِن خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ العُبُودِيَّةُ الَّتِي قامَتْ عَلى ساقَيْنِ لا قِوامَ لَها بِدُونِهِما: غايَةُ الحُبِّ مَعَ غايَةِ الذُّلِّ: هَذا تَمامُ العُبُودِيَّةِ، وتَفاوُتُ مَنازِلِ الخَلْقِ فِيها بِحَسَبِ تَفاوُتِهِمْ في هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ، فَمَن أعْطى حُبَّهُ وذُلَّهُ وخُضُوعَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِهِ في خالِصِ حَقِّهِ، وهَذا مِنَ المُحالِ أنْ تَأْتِيَ بِهِ شَرِيعَةٌ مِنَ الشَّرائِعِ، وقُبْحُهُ مُسْتَقِرٌّ في كُلِّ فِطْرَةٍ وعَقْلٍ، ولَكِنْ غَيَّرَتِ الشَّياطِينُ فِطَرَ أكْثَرِ الخَلْقِ وعُقُولَهُمْ، وأفْسَدَتْها عَلَيْهِمْ، واجْتالَتْهم عَنْها، ومَضى عَلى الفِطْرَةِ الأُولى مَن سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ الحُسْنى، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ بِما يُوافِقُ فِطْرَتَهم وعُقُولَهُمْ، فازْدادُوا بِذَلِكَ نُورًا عَلى نُورٍ، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ.
إذا عُرِفَ هَذا، فَمِن خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ السُّجُودُ، فَمَن سَجَدَ لِغَيْرِهِ فَقَدْ شَبَّهَ المَخْلُوقَ بِهِ، ومِنها التَّوَكُّلُ فَمَن تَوَكَّلَ عَلى غَيْرِهِ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِهِ، ومِنها التَّوْبَةُ، فَمَن تابَ لِغَيْرِهِ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِهِ، ومِنها الحَلِفُ بِاسْمِهِ تَعْظِيمًا وإجْلالًا، فَمَن حَلِفَ بِغَيْرِهِ فَقَدْ شَبَّهَهُ بِهِ، هَذا في جانِبِ التَّشْبِيهِ.
وأمّا (p-١٣٠٦)فِي جانِبِ التَّشَبُّهِ بِهِ فَمَن تَعاظَمَ وتَكَبَّرَ ودَعا النّاسَ إلى إطْرائِهِ في المَدْحِ والتَّعْظِيمِ، والخُضُوعِ والرَّجاءِ، وتَعْلِيقِ القَلْبِ بِهِ خَوْفًا ورَجاءً، والتِجاءً واسْتِعانَةً - فَقَدْ تَشَبَّهَ بِاللَّهِ ونازَعَهُ في رُبُوبِيَّتِهِ وإلَهِيَّتِهِ، وهو حَقِيقٌ بِأنْ يُهِينَهُ غايَةَ الهَوانِ، ويُذِلَّهُ غايَةَ الذُّلِّ ويَجْعَلَهُ تَحْتَ أقْدامِ خَلْقِهِ.
وفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: العَظَمَةُ إزارِي والكِبْرِياءُ رِدائِي، فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما عَذَّبْتُهُ» وإذا كانَ المُصَوِّرُ - الَّذِي يَصْنَعُ الصُّورَةَ بِيَدِهِ - مِن أشَدِّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِتَشَبُّهِهِ بِاللَّهِ في مُجَرَّدِ الصَّنْعَةِ، فَما الظَّنُّ بِالتَّشَبُّهِ بِاللَّهِ في الرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ؟! كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ المُصَوِّرُونَ، يُقالُ لَهُمْ: أحْيُوا ما خَلَقْتُمْ» .
وفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: (p-١٣٠٧)«قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، فَلْيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» فَنَبَّهَ بِالذَّرَّةِ والشَّعِيرَةِ عَلى ما هو أعْظَمُ مِنهُما وأكْبَرُ، والمَقْصُودُ أنَّ هَذا حالُ مَن تَشَبَّهَ بِهِ في صَنْعَةِ صُورَةٍ، فَكَيْفَ حالُ مَن تَشَبَّهَ بِهِ في خَواصِّ رُبُوبِيَّتِهِ وإلَهِيَّتِهِ؟! وكَذَلِكَ مَن تَشَبَّهَ بِهِ في الِاسْمِ الَّذِي لا يَنْبَغِي إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ، كَمَلِكِ الأمْلاكِ وحاكِمِ الحُكّامِ ونَحْوِهِ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ أخْنَعَ الأسْماءِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ يَتَسَمّى بِشاهانِ شاهٍ مَلِكِ المُلُوكِ، ولا مَلِكَ إلّا اللَّهُ» .
وفِي لَفْظٍ: «أغْيَظُ رَجُلٍ عَلى اللَّهِ رَجُلٌ يُسَمّى بِمَلِكِ الأمْلاكِ» فَهَذا مَقْتُ اللَّهِ وغَضَبُهُ عَلى مَن تَشَبَّهَ بِهِ في الِاسْمِ الَّذِي لا يَنْبَغِي إلّا لَهُ، فَهو سُبْحانُهُ مَلِكُ المُلُوكِ وحْدَهُ، وهو حاكِمُ الحُكّامِ وحْدَهُ، فَهو الَّذِي يَحْكُمُ عَلى الحُكّامِ كُلِّهِمْ، ويَقْضِي عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، لا غَيْرُهُ.
* *
تَنْبِيهٌ:
حَيْثُما وقَعَ في حَدِيثٍ: مَن فَعَلَ كَذا فَقَدْ أشْرَكَ، أوْ فَقَدْ كَفَرَ - لا يُرادُ بِهِ الكُفْرُ المُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ، والشُّرْكُ الأكْبَرُ المُخْرِجُ عَنِ الإسْلامِ الَّذِي تَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ الرِّدَّةِ، والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وقَدْ قالَ البُخارِيُّ: بابُ كُفْرانِ العَشِيرِ وكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ.
قالَ القاضِي أبُو بَكْرِ ابْنُ العَرَبِيِّ في "شَرْحِهِ": مُرادُهُ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ الطّاعاتِ كَما تُسَمّى إيمانًا كَذَلِكَ المَعاصِي تُسَمّى كُفْرًا، لَكِنْ حَيْثُ يُطْلَقُ عَلَيْها الكُفْرُ لا يُرادُ عَلَيْهِ الكُفْرُ المُخْرِجُ عَنِ المِلَّةِ، فالجاهِلُ والمُخْطِئُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ - ولَوْ عَمِلَ مِنَ الكُفْرِ والشِّرْكِ ما يَكُونُ (p-١٣٠٨)مُشْرِكًا أوْ كافِرًا - فَإنَّهُ يُعْذَرُ بِالجَهْلِ والخَطَأِ، حَتّى تَتَبَيَّنَ لَهُ الحُجَّةُ، الَّذِي يَكْفُرُ تارِكُها بَيانًا واضِحًا ما يَلْتَبِسُ عَلى مِثْلِهِ، ويُنْكِرُ ما هو مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِن دِينِ الإسْلامِ مِمّا أجْمَعُوا عَلَيْهِ إجْماعًا جَلِيًّا قَطْعِيًّا، يَعْرِفُهُ كُلٌّ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن غَيْرِ نَظَرٍ وتَأمُّلٍ، كَما يَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ولَمْ يُخالِفْ في ذَلِكَ إلّا أهْلُ البِدَعِ.
قالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في " كِتابِ الإيمانِ": لَمْ يُكَفِّرِ الإمامُ أحْمَدُ الخَوارِجَ ولا المُرْجِئَةَ ولا القَدَرِيَّةَ، وإنَّما المَنقُولُ عَنْهُ وعَنْ أمْثالِهِ تَكْفِيرُ الجَهْمِيَّةِ، مَعَ أنَّ أحْمَدَ لَمْ يُكَفِّرْ أعْيانَ الجَهْمِيَّةِ، ولا كُلَّ مَن قالَ: أنا جَهْمِيٌّ - كَفَّرَهُ، بَلْ صَلّى خَلْفَ الجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ دَعَوْا إلى قَوْلِهِمْ، وامْتَحَنُوا النّاسَ وعاقَبُوا مَن لَمْ يُوافِقْهم بِالعُقُوباتِ الغَلِيظَةِ، ولَمْ يُكَفِّرْهم أحْمَدُ وأمْثالُهُ بَلْ كانَ يَعْتَقِدُ إيمانَهم وإمامَتَهم ويَدْعُو لَهم ويَرى لَهُمُ الِائْتِمامَ بِالصَّلاةِ خَلْفَهُمْ، والحَجَّ والغَزْوَ مَعَهُمْ، والمَنعَ مِنَ الخُرُوجِ عَلَيْهِمْ بِما يَراهُ لِأمْثالِهِمْ مِنَ الأئِمَّةِ، ويُنْكِرُ ما أحْدَثُوا مِنَ القَوْلِ الباطِلِ الَّذِي هو كُفْرٌ عَظِيمٌ، وإنْ لَمْ يَعْلَمُوا هم أنَّهُ كُفْرٌ، كانَ يُنْكِرُهُ ويُجاهِدُهم عَلى رَدِّهِ بِحَسَبِ الإمْكانِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ في إظْهارِ السُّنَّةِ والدِّينِ وإنْكارِ بِدَعِ الجَهْمِيَّةِ المُلْحِدِينَ وبَيْنَ رِعايَةِ حُقُوقِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الأئِمَّةِ والأُمَّةِ وإنْ كانُوا جُهّالًا مُبْتَدِعِينَ، وظَلَمَةً فاسِقِينَ. انْتَهى كَلامُ الشَّيْخِ، فَتَأمَّلْهُ تَأمُّلًا خالِيًا عَنِ المَيْلِ والحَيْفِ.
وقالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أيْضًا: مَن كانَ في قَلْبِهِ الإيمانُ بِالرَّسُولِ وبِما جاءَ بِهِ، وقَدْ غَلِطَ في بَعْضِ ما تَأوَّلَهُ مِنَ البِدَعِ ولَوْ دَعا إلَيْها، فَهَذا لَيْسَ بِكافِرٍ أصْلًا، والخَوارِجُ كانُوا مِن أظْهَرِ النّاسِ بِدَعَةً وقِتالًا لِلْأُمَّةِ وتَكْفِيرًا لَها، ولَمْ يَكُنْ في الصَّحابَةِ مَن يُكَفِّرُهُمْ، لا عَلِيٌّ ولا غَيْرُهُ، بَلْ حَكَمُوا فِيهِمْ بِحُكْمِهِمْ في المُسْلِمِينَ الظّالِمِينَ المُعْتَدِينَ، كَما ذَكَرَتِ الآثارُ عَنْهم بِذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وكَذَلِكَ سائِرُ الثِّنْتَيْنِ والسَّبْعِينَ فِرْقَةً، مَن كانَ مِنهم مُنافِقًا فَهو كافِرٌ في الباطِنِ، ومَن كانَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ في الباطِنِ لَمْ يَكُنْ كافِرًا في الباطِنِ، وإنْ كانَ أخْطَأ في التَّأْوِيلِ كائِنًا ما كانَ خَطَؤُهُ، وقَدْ يَكُونُ في بَعْضِهِمْ شُعْبَةٌ مِنَ النِّفاقِ، ولا يَكُونُ فِيهِ (p-١٣٠٩)النِّفاقُ الَّذِي يَكُونُ صاحِبُهُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ.
ومَن قالَ: إنَّ الثَّنْتَيْنِ والسَّبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَكْفُرُ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ المِلَّةِ - فَقَدْ خالَفَ الكِتابَ والسُّنَّةَ وإجْماعَ الصَّحابَةِ، بَلْ وإجْماعَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ وغَيْرِ الأرْبَعَةِ، فَلَيْسَ فِيهِمْ مَن كَفَّرَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الثَّنْتَيْنِ والسَّبْعِينَ فِرْقَةً. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في طُرُقِ أهْلِ البِدَعِ: المُوافِقُونَ عَلى أصْلِ الإسْلامِ ولَكِنَّهم مُخْتَلِفُونَ في بَعْضِ الأُصُولِ كالخَوارِجِ والمُعْتَزِلَةِ والقَدَرِيَّةِ والرّافِضَةِ والجَهْمِيَّةِ وغُلاةِ المُرْجِئَةِ:
فَهَؤُلاءِ أقْسامٌ:
أحَدُها: الجاهِلُ المُقَلِّدُ الَّذِي لا بَصِيرَةَ لَهُ، فَهَذا لا يُكَفَّرُ ولا يُفَسَّقُ ولا تُرَدُّ شَهادَتُهُ إذا لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى تَعَلُّمِ الهُدى، وحُكْمُهُ حُكْمُ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ.
القِسْمُ الثّانِي: مُتَمَكِّنٌ مِنَ السُّؤالِ وطَلَبِ الهِدايَةِ ومَعْرِفَةِ الحَقِّ، ولَكِنْ يَتْرُكُ ذَلِكَ اشْتِغالًا بِدُنْياهُ ورِياسَتِهِ ولَذّاتِهِ ومَعاشِهِ، فَهَذا مُفَرِّطٌ مُسْتَحِقُّ لِلْوَعِيدِ، آثِمٌ بِتَرْكِ ما أُوجِبَ عَلَيْهِ مِن تَقْوى اللَّهِ بِحَسَبِ اسْتِطاعَتِهِ، فَهَذا إنْ غَلَبَ ما فِيهِ مِنَ البِدْعَةِ والهَوى عَلى ما فِيهِ مِنَ السُّنَّةِ والهُدى رُدَّتْ شَهادَتُهُ، وإنْ غَلَبَ ما فِيهِ مِنَ السُّنَّةِ والهُدى عَلى ما فِيهِ مِنَ البِدْعَةِ والهَوى قُبِلَتْ شَهادَتُهُ.
الثّالِثُ: أنْ يَسْألَ ويَطْلُبَ ويَتَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتْرُكَ؛ تَعَصُّبًا أوْ مُعاداةً لِأصْحابِهِ، فَهَذا أقَلُّ دَرَجاتِهِ أنْ يَكُونَ فاسِقًا، وتَكْفِيرُهُ مَحَلُّ اجْتِهادٍ. انْتَهى كَلامُهُ، فانْظُرْهُ وتَأمَّلْهُ، فَقَدْ ذَكَرَ هَذا التَّفْصِيلَ في غالِبِ كُتُبِهِ، وذَكَرَ أنَّ الأئِمَّةَ وأهْلَ السُّنَّةِ لا يُكَفِّرُونَهُمْ، هَذا مَعَ ما وصَفَهم بِهِ مِنَ الشِّرْكِ الأكْبَرِ، والكُفْرِ الأكْبَرِ، وبَيَّنَ في غالِبِ كُتُبِهِ مَخازِيَهم.
ولِنَذْكُرَ مِن كَلامِهِ طَرَفًا تَصْدِيقًا لِما ذَكَرْنا عَنْهُ، قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في "المَدارِجِ": المُثْبِتُونَ لِلصّانِعِ نَوْعانِ:
أحَدُهُما: أهْلُ الإشْراكِ بِهِ في رُبُوبِيَّتِهِ وإلَهِيَّتِهِ، كالمَجُوسِ ومَن ضاهاهم مِنَ القَدَرِيَّةِ، فَإنَّهم يُثْبِتُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، والمَجُوسِيَّةُ القَدَرِيَّةُ تُثْبِتُ مَعَ اللَّهِ خالِقًا لِلْأفْعالِ، لَيْسَتْ أفْعالُهم مَخْلُوقَةً لِلَّهِ ولا مَقْدُورَةً لَهُ، وهي صادِرَةٌ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ، ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْها، بَلْ هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا أنْفُسَهم فاعِلِينَ مُرِيدِينَ شَيّائِينَ، وحَقِيقَةُ قَوْلِ هَؤُلاءِ: إنَّ اللَّهَ لَيْسَ رَبًّا خالِقًا لِأفْعالِ الحَيَوانِ. انْتَهى كَلامُهُ.
وقَدْ ذَكَّرَهم بِهَذا الشِّرْكِ في سائِرِ كُتُبِهِ، وشَبَّهَهم (p-١٣١٠)بِالمَجُوسِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ لِلْعالَمِ خالِقَيْنِ، وانْظُرْ لَمّا تَكَلَّمَ عَلى التَّكْفِيرِ هو وشَيْخُهُ كَيْفَ حَكَيا عَدَمَ تَكْفِيرِهِمْ عَنْ جَمِيعِ أهْلِ السُّنَّةِ، حَتّى مَعَ مَعْرِفَةِ الحَقِّ والمُعانَدَةِ، قالَ: كُفْرُهُ مَحَلُّ اجْتِهادٍ، كَما تَقَدَّمَ كَلامُهُ قَرِيبًا.
وقالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - وقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلَيْنِ تَكَلَّما في مَسْألَةِ التَّكْفِيرِ - فَأجابَ وأطالَ، وقالَ في آخِرِ الجَوابِ: لَوْ فُرِضَ أنَّ رَجُلًا دَفَعَ التَّكْفِيرَ عَمَّنْ يَعْتَقِدُ أنَّهُ لَيْسَ بِكافِرٍ؛ حِمايَةً لَهُ ونَصْرًا لِأخِيهِ المُسْلِمِ، لَكانَ هَذا غَرَضًا شَرْعِيًّا حَسَنًا، وهو إذا اجْتَهَدَ في ذَلِكَ فَأصابَهُ فَلَهُ أجْرانِ، وإنِ اجْتَهَدَ فاخْطَأْ فَلَهُ أجْرٌ.
وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: التَّكْفِيرُ إنَّما يَكُونُ بِإنْكارِ ما عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، أوْ بِإنْكارِ الأحْكامِ المُتَواتِرَةِ المُجْتَمَعِ عَلَيْها.
وسُئِلَ أيْضًا - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - عَنِ التَّكْفِيرِ الواقِعِ في هَذِهِ الأُمَّةِ، مَن أوَّلُ مَن أحْدَثَهُ وابْتَدَعَهُ؟ فَأجابَ: أوَّلُ مَن أحْدَثَهُ في الإسْلامِ المُعْتَزِلَةُ، وعَنْهم تَلَقّاهُ مَن تَلَقّاهُ، وكَذَلِكَ الخَوارِجُ هم أوَّلُ مَن أظْهَرَهُ، واضْطَرَبَ النّاسُ في ذَلِكَ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَحْكِي عَنْ مالِكٍ فِيهِ قَوْلَيْنِ، وعَنِ الشّافِعِيِّ كَذَلِكَ، وعَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ، وأبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ وأصْحابُهُ لَهم قَوْلانِ، وحَقِيقَةُ الأمْرِ في ذَلِكَ أنَّ القَوْلَ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا، فَيُطْلَقُ القَوْلُ بِتَكْفِيرِ قائِلِهِ، ويُقالُ: مَن قالَ كَذا فَهو كافِرٌ، لَكِنَّ الشَّخْصَ المُعَيَّنَ الَّذِي قالَهُ لا يُكَفَّرُ حَتّى تَقُومَ عَلَيْهِ الحُجَّةُ الَّتِي يُكَفَّرُ تارِكُها، مِن تَعْرِيفِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، مِن سُلْطانٍ أوْ أمِيرٍ مُطاعٍ، كَما هو المَنصُوصُ عَلَيْهِ في كُتُبِ الأحْكامِ، فَإذا عَرَّفَهُ الحُكْمَ وزالَتْ عَنْهُ الجَهالَةُ قامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، وهَذا كَما هو في نُصُوصِ الوَعِيدِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وهي كَثِيرَةٌ جِدًّا، والقَوْلُ بِمُوجِبِها واجِبٌ عَلى وجْهِ العُمُومِ والإطْلاقِ، مِن غَيْرِ أنْ يُعَيَّنَ شَخْصٌ مِنَ الأشْخاصِ، فَيُقالُ: هَذا كافِرٌ أوْ فاسِقٌ أوْ مَلْعُونٌ أوْ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ أوْ مُسْتَحِقٌّ لِلنّارِ، لا سِيَّما إنْ كانَ لِلشَّخْصِ فَضائِلُ وحَسَناتٌ - فَإنَّ ما سِوى الأنْبِياءِ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الصَّغائِرُ والكَبائِرُ مَعَ إمْكانِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّخْصُ صِدِّيقًا أوْ شَهِيدًا أوْ صالِحًا، كَما قَدْ بُسِطَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ مِن أنَّ مُوجِبَ الذُّنُوبِ تَتَخَلَّفُ عَنْهُ بِتَوْبَةٍ أوْ بِاسْتِغْفارٍ، أوْ حَسَناتٍ ماحِيَةٍ (p-١٣١١)أوْ مَصائِبَ مُكَفِّرَةٍ، أوْ شَفاعَةٍ مَقْبُولَةٍ، أوْ لِمَحْضِ مَشِيئَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، فَإذا قُلْنا بِمُوجِبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٩٣] الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] [النِّساءِ: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤] [النِّساءِ: ١٤] الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ [النساء: ٣٠] [النِّساءِ: مِنَ الآيَةِ ٣٠] الآيَةَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِ الوَعِيدِ، وقُلْنا بِمُوجِبِ قَوْلِهِ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ مَن شَرِبَ الخَمْرَ» أوْ «مَن عَقَّ والِدَيْهِ» أوْ «مَن غَيَّرَ مَنارَ الأرْضِ» أوْ «مَن ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ» أوْ «لَعَنَ اللَّهُ السّارِقَ» أوْ «لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبا ومُؤْكِلَهُ وشاهِدَهُ وكاتِبَهُ» (p-١٣١٢)أوْ «لَعَنَ اللَّهُ لاوِي الصَّدَقَةِ والمُتَعَدِّي فِيها» أوْ «مَن أحْدَثَ في المَدِينَةِ حَدَثًا أوْ آوى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أحادِيثِ الوَعِيدِ - لَمْ يَجُزْ أنْ تُعَيِّنَ شَخْصًا مِمَّنْ فَعَلَ بَعْضَ هَذِهِ الأفْعالِ، وتَقُولَ: هَذا المُعَيَّنُ قَدْ أصابَ هَذا الوَعِيدَ؛ لِإمْكانِ التَّوْبَةِ وغَيْرِها مِن مُسْقِطاتِ العُقُوبَةِ، إلى أنْ قالَ: فَفِعْلُ هَذِهِ الأُمُورِ مِمَّنْ يَحْسَبُ أنَّها مُباحَةٌ بِاجْتِهادٍ أوْ تَقْلِيدٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وغايَتُهُ أنَّهُ مَعْذُورٌ مِن لُحُوقِ الوَعِيدِ بِهِ لِمانِعٍ، كَما امْتَنَعَ لِحُوقُ الوَعِيدِ بِهِمْ لِتَوْبَةٍ أوْ حَسَناتٍ ماحِيَةٍ أوْ مَصائِبَ مُكَفِّرَةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وهَذِهِ السَّبِيلُ هي الَّتِي يَجِبُ اتِّباعُها، فَإنَّ ما سِواها طَرِيقانِ خَبِيثانِ:
أحَدُهُما: القَوْلُ بِلُحُوقِ الوَعِيدِ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ الأفْرادِ بِعَيْنِهِ، ودَعْوى أنَّها عَمَلٌ بِمُوجِبِ النُّصُوصِ، وهَذا أقْبَحُ مِن قَوْلِ الخَوارِجِ المُكَفِّرِينَ بِالذُّنُوبِ، (p-١٣١٣)والمُعْتَزِلَةِ وغَيْرِهِمْ، وفَسادُهُ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرارِ، وأدِلَّتُهُ مَعْلُومَةٌ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَهَذا ونَحْوُهُ مِن نُصُوصِ الوَعِيدِ حَقٌّ، لَكِنَّ الشَّخْصَ المُعَيَّنَ الَّذِي فَعَلَهُ لا يُشْهَدُ عَلَيْهِ بِالوَعِيدِ، فَلا يُشْهَدُ عَلى مُعَيَّنٍ مِن أهْلِ القِبْلَةِ بِالنّارِ؛ لِفَواتِ شَرْطٍ أوْ لِحُصُولِ مانِعٍ، وهَكَذا الأقْوالُ الَّذِي يُكَفَّرُ قائِلُها، قَدْ يَكُونُ القائِلُ لَها لَمْ تَبْلُغْهُ النُّصُوصُ المُوجِبَةُ لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ، وقَدْ تَكُونُ بَلَغَتْهُ ولَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ، أوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن مَعْرِفَتِها وفَهْمِها، أوْ قَدْ عَرَضَتْ لَهُ شُبَهاتٌ يَعْذِرُهُ اللَّهُ بِها.
فَمَن كانَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، مُظْهِرًا لِلْإسْلامِ، مُحِبًّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ لَوْ قارَفَ بَعْضَ الذُّنُوبِ القَوْلِيَّةِ أوِ العَمَلِيَّةِ، سَواءٌ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الشِّرْكِ أوْ لَفْظُ المَعاصِي، هَذا الَّذِي عَلَيْهِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَماهِيرُ أئِمَّةِ الإسْلامِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ أنَّ مَذاهِبَ الأئِمَّةِ مَبْنِيَّةٌ عَلى هَذا التَّفْصِيلِ، بِالفَرْقِ بَيْنَ النَّوْعِ والعَيْنِ، بَلْ لا يَخْتَلِفُ القَوْلُ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ وسائِرِ أئِمَّةِ الإسْلامِ كَمالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ أنَّهم لا يُكَفِّرُونَ المُرْجِئَةَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الإيمانُ قَوْلٌ بِلا عَمَلٍ، ونُصُوصُهم صَرِيحَةٌ بِالِامْتِناعِ مِن تَكْفِيرِ الخَوارِجِ والقَدَرِيَّةِ وغَيْرِهِمْ، وإنَّما كانَ الإمامُ أحْمَدُ يُطْلِقُ القَوْلَ بِتَكْفِيرِ الجَهْمِيَّةِ؛ لِأنَّهُ ابْتُلِيَ بِهِمْ حَتّى عَرَفَ حَقِيقَةَ أمْرِهِمْ، وأنَّهُ يَدُورُ عَلى التَّعْطِيلِ، وتَكْفِيرُ الجَهْمِيَّةِ مَشْهُورٌ عَنِ السَّلَفِ والأئِمَّةِ، لَكِنْ ما كانُوا يُكَفِّرُونَ أعْيانَهُمْ، فَإنَّ الَّذِي يَدْعُو إلى القَوْلِ أعْظَمُ مِنَ الَّذِي يَقُولُهُ ولا يَدْعُو إلَيْهِ، والَّذِي يُعاقِبُ مُخالِفَهُ أعْظَمُ مِنَ الَّذِي يَدْعُو فَقَطْ، والَّذِي يُكَفِّرُ مُخالِفَهُ أعْظَمُ مِنَ الَّذِي يُعاقِبُ، ومَعَ هَذا فالَّذِينَ مِن وُلاةِ الأُمُورِ يَقُولُونَ بِقَوْلِ الجَهْمِيَّةِ: إنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وإنَّ اللَّهَ لا يُرى في الآخِرَةِ، وإنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ لا يُحْتَجُّ بِهِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ، ولا الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ، وإنَّ الدِّينَ لا يَتِمُّ إلّا بِما زَخْرَفُوهُ مِنَ الآراءِ والخَيالاتِ الباطِلَةِ والعُقُولِ الفاسِدَةِ، وإنَّ خَيالاتِهِمْ وجَهالاتِهِمْ أحْكَمُ في دِينِ اللَّهِ مِن كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإجْماعِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ، وإنَّ أقْوالَ الجَهْمِيَّةِ والمُعَطِّلَةِ مِنَ النَّفْيِ والإثْباتِ أحْكَمُ في دِينِ اللَّهِ، بِسَبَبِ ذَلِكَ امْتَحَنُوا المُسْلِمِينَ وسَجَنُوا الإمامَ أحْمَدَ وجَلَدُوهُ، وقَتَلُوا جَماعَةً، وصَلَبُوا آخَرِينَ، ومَعَ ذَلِكَ لا يُطْلِقُونَ أسِيرًا ولا يُعْطُونَ مِن بَيْتِ (p-١٣١٤)المالِ إلّا مَن وافَقَهم ويُقِرُّ بِقَوْلِهِمْ، وجَرى عَلى الإسْلامِ مِنهم أُمُورٌ مَبْسُوطَةٌ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ومَعَ هَذا التَّعْطِيلِ - الَّذِي هو شَرٌّ مِنَ الشِّرْكِ - فالإمامُ أحْمَدُ تَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وقالَ: ما عَلِمْتُ أنَّهم مُكَذِّبُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ ولا جاحِدُونَ لِما جاءَ بِهِ، لَكِنَّهم تَأوَّلُوا فَأخْطَأُوا، وقَلَّدُوا مَن قالَ ذَلِكَ.
والإمامُ الشّافِعِيُّ لَمّا ناظَرَ حَفْصَ الفَرْدِ - مِن أئِمَّةِ المُعَطِّلَةِ - في مَسْألَةِ (القُرْآنُ مَخْلُوقٌ) قالَ لَهُ الإمامُ الشّافِعِيُّ: كَفَرْتَ بِاللَّهِ العَظِيمِ، فَكَفَّرَهُ ولَمْ يَحْكم بِرِدَّتِهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، ولَوِ اعْتَقَدَ رِدَّتَهُ وكُفْرَهُ لَسَعى في قَتْلِهِ.
وأفْتى العُلَماءُ بِقَتْلِ دُعاتِهِمْ مِثْلِ غَيْلانَ القَدَرِيِّ، والجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، وجَهْمِ بْنِ صَفْوانَ إمامِ الجَهْمِيَّةِ وغَيْرِهِمْ، وصَلّى النّاسُ عَلَيْهِمْ ودَفَنُوهم مَعَ المُسْلِمِينَ، وصارَ قَتْلُهم مِن بابِ قَتْلِ الصّائِلِ؛ لِكَفِّ ضَرَرِهِمْ، لا لِرِدَّتِهِمْ، ولَوْ كانُوا كُفّارًا لَرَآهُمُ المُسْلِمُونَ كَغَيْرِهِمْ، وهَذِهِ الأُمُورُ مَبْسُوطَةٌ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences