Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:48–55, continued
وقالَ ابْنُ القَيِّمِ في "شَرْحِ المَنازِلِ": أهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ يَكُونُ فِيهِ وِلايَةٌ لِلَّهِ وعَداوَةٌ مِن وجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ويَكُونُ مَحْبُوبًا لِلَّهِ ومَبْغُوضًا مِن وجْهَيْنِ، بَلْ يَكُونُ فِيهِ إيمانٌ ونِفاقٌ، وإيمانٌ وكُفْرٌ، ويَكُونُ إلى أحَدِهِما أقْرَبَ مِنَ الآخَرِ، فَيَكُونُ إلى أهْلِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ﴾ [آل عمران: ١٦٧] [آلِ عِمْرانَ: مِنَ الآيَةِ ١٦٧] وقالَ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] فَأثْبَتَ لَهم - تَبارَكَ وتَعالى - الإيمانَ مَعَ مُقارَفَةِ الشِّرْكِ، فَإنْ كانَ مَعَ هَذا الشِّرْكِ تَكْذِيبٌ لِرُسُلِهِ لَمْ يَنْفَعْهم ما مَعَهم مِنَ الإيمانِ، وإنْ كانَ تَصْدِيقٌ بِرُسُلِهِ وهم يَرْتَكِبُونَ لِأنْواعٍ مِنَ الشِّرْكِ لا تُخْرِجُهم عَنِ الإيمانِ بِالرُّسُلِ واليَوْمِ الآخِرِ - فَهم مُسْتَحِقُّونَ لِلْوَعِيدِ أعْظَمَ مِنِ اسْتِحْقاقِ أهْلِ الكَبائِرِ، وبِهَذا الأصْلِ أثْبَتَ أهْلُ السُّنَّةِ دُخُولَ أهْلِ الكَبائِرِ النّارَ ثُمَّ خُرُوجَهم مِنها (p-١٣١٥)ودُخُولَهُمُ الجَنَّةَ؛ لِما قامَ بِهِمْ مِنَ السَّبَبَيْنِ.
قالَ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] [المائِدَةِ: مِنَ الآيَةِ ٤٤] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ المِلَّةِ، إذا فَعَلَهُ فَهو بِهِ كَفَرَ، ولَيْسَ كَمَن كَفَرَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وكَذَلِكَ قالَ طاوُسٌ وعَطاءٌ. انْتَهى كَلامُهُ.
وقالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: كانَ الصَّحابَةُ والسَّلَفُ يَقُولُونَ: إنَّهُ يَكُونُ في العَبْدِ إيمانٌ ونِفاقٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ﴾ [آل عمران: ١٦٧] [آلِ عِمْرانَ: مِنَ الآيَةِ ١٦٧] وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِ السَّلَفِ، يُبَيِّنُونَ أنَّ القَلْبَ يَكُونُ فِيهِ إيمانٌ ونِفاقٌ، والكِتابُ والسُّنَّةُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ» .
فَعُلِمَ أنَّ مَن كانَ مَعَهُ مِنَ الإيمانِ أقَلُّ قَلِيلٍ لَمْ يَخْلُدْ في النّارِ، وإنْ كانَ مَعَهُ كَثِيرٌ مِنَ النِّفاقِ، فَهَذا يُعَذَّبُ في النّارِ عَلى قَدْرِ ما مَعَهُ ثُمَّ يَخْرُجُ، إلى أنْ قالَ: وتَمامُ هَذا أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ (p-١٣١٦)شُعْبَةٌ مِن شُعَبِ الإيمانِ، وشُعْبَةٌ مِن شُعَبِ الكُفْرِ، وشُعْبَةٌ مِن شُعَبِ النِّفاقِ، وقَدْ يَكُونُ مُسْلِمًا وفِيهِ كُفْرٌ دُونَ الكُفْرِ الَّذِي يَنْقُلُ عَنِ الإسْلامِ بِالكُلِّيَّةِ، كَما قالَ الصَّحابَةُ، ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وهَذا عامَّةُ قَوْلِ السَّلَفِ. انْتَهى.
فَتَأمَّلْ هَذا الفَصْلَ وانْظُرْ حِكايَتَهُمُ الإجْماعَ مِنَ السَّلَفِ، ولا تَظُنَّ أنَّ هَذا في المُخْطِئِ، فَإنَّ ذَلِكَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ إثْمُ خَطَئِهِ كَما تَقَدَّمَ مِرارًا عَدِيدَةً.
وقالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في كِتابِ "الإيمانِ": الإيمانُ الظّاهِرُ الَّذِي تَجْرِي عَلَيْهِ الأحْكامُ في الدُّنْيا لا يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ في الباطِنِ، وإنَّ المُنافِقِينَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٨] هم في الظّاهِرِ مُؤْمِنُونَ، يُصَلُّونَ مَعَ المُسْلِمِينَ، ويُناكِحُونَهم ويُوارِثُونَهُمْ، كَما كانَ المُنافِقُونَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَحْكُمِ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِمْ بِحُكْمِ الكُفّارِ المُظْهِرِينَ الكُفْرَ لا في مُناكَحَتِهِمْ ولا في مُوارَثَتِهِمْ ولا نَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ لَمّا ماتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ - وهو مِن أشْهَرِ النّاسِ في النِّفاقِ - ورِثَهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُهُ، وهو مِن خِيارِ المُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ سائِرُ مَن يَمُوتُ مِنهم يَرِثُهُ ورَثَتُهُ المُؤْمِنُونَ، وإذا ماتَ لَهم وارِثٌ ورِثُوهُ مَعَ المُسْلِمِينَ وإنْ عُلِمَ أنَّهُ مُنافِقٌ في الباطِنِ، وكَذَلِكَ كانُوا في الحُدُودِ والحُقُوقِ كَسائِرِ المُسْلِمِينَ، وكانُوا يَغْزُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ومِنهم مَن هَمَّ بِقَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، ومَعَ هَذا - فَفي الظّاهِرِ - تَجْرِي عَلَيْهِمْ أحْكامُ أهْلِ الإيمانِ، إلى أنْ قالَ: ودِماؤُهم وأمْوالُهم مَعْصُومَةٌ ولا يُسْتَحَلُّ مِنهم ما يُسْتَحَلُّ مِنَ الكُفّارِ.
والَّذِينَ يُظْهِرُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ، بَلْ يُظْهِرُونَ الكُفْرَ دُونَ الإيمانِ، فَإنَّهُ ﷺ قالَ: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ (p-١٣١٧)حَتّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها، وحِسابُهم عَلى اللَّهِ» .
وكَما قالَ لِأُسامَةَ: «أقَتَلْتَهُ بَعْدَ أنْ قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؟ قالَ: فَقُلْتُ: إنَّما قالَها تَعَوُّذًا، قالَ: هَلْ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ ؟ وقالَ: إنِّي لَمْ أُؤْمَرْ أنْ أُنَقِّبَ (p-١٣١٨)عَنْ قُلُوبِ النّاسِ ولا أشُقَّ بُطُونَهم» .
«وكانَ إذا اسْتُؤْذِنَ في قَتْلِ رَجُلٍ يَقُولُ: ألَيْسَ يُصَلِّي؟ ألَيْسَ يَشْهَدُ؟ فَإذا قِيلَ لَهُ: إنَّهُ مُنافِقٌ، قالَ ذَلِكَ».
فَكانَ حُكْمُهُ في دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ كَحُكْمِهِ في دِماءِ غَيْرِهِمْ ولا يَسْتَحِلُّ مِنها شَيْئًا مَعَ أنَّهُ يَعْلَمُ نِفاقَ كَثِيرٍ مِنهُمُ. انْتَهى كَلامُ الشَّيْخِ.
وقَدْ أوْضَحَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في "فَيْصَلُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الإسْلامِ والزَّنْدَقَةِ" الكُفْرَ المُخْرِجَ عَنِ المِلَّةِ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى - بَعْدَ مُقَدِّمَتِهِ المُدْهِشَةِ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّكَ تَشْتَهِي أنْ تَعْرِفَ حَدَّ الكُفْرِ بَعْدَ أنْ تَتَناقَضَ عَلَيْكَ حُدُودُ أصْنافِ المُقَلِّدِينَ، فاعْلَمْ أنَّ شَرْحَ ذَلِكَ طَوِيلٌ ومَدْرَكَهُ غامِضٌ، ولَكِنِّي أُعْطِيكَ عَلامَةً صَحِيحَةً فَتَطْرُدُها وتَعْكِسُها لِتَتَّخِذَها مَطْمَحَ نَظَرِكَ وتَرْعَوِيَ بِسَبَبِها عَنْ تَكْفِيرِ الفِرَقِ وتَطْوِيلِ اللِّسانِ في أهْلِ الإسْلامِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ طُرُقُهم ما دامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِقَوْلِ: (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) صادِقِينَ بِها غَيْرَ مُناقِضِينَ لَها، فَأقُولُ: الكُفْرُ هو تَكْذِيبُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في شَيْءٍ مِمّا جاءَ بِهِ، والإيمانُ تَصْدِيقُهُ في جَمِيعِ ما جاءَ بِهِ. فاليَهُودِيُّ والنَّصْرانِيُّ كافِرانِ لِتَكْذِيبِهِما لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ. والبُرْهُمِيُّ كافِرٌ بِالطَّرِيقِ الأوْلى؛ لِأنَّهُ أنْكَرَ مَعَ رَسُولِنا سائِرَ المُرْسَلِينَ. والدَّهْرِيُّ كافِرٌ بِالطَّرِيقِ الأوْلى؛ لِأنَّهُ أنْكَرَ مَعَ رَسُولِنا المُرْسَلِ سائِرَ الرُّسُلِ، وهَذا لِأنَّ الكُفْرَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ مَثَلًا.
(p-١٣١٩)إذْ مَعْناهُ إباحَةُ الدَّمِ والحُكْمُ بِالخُلُودِ في النّارِ، ومَدْرَكُهُ شَرْعِيٌّ فَيُدْرَكُ إمّا بِنَصٍّ وإمّا بِقِياسٍ عَلى مَنصُوصٍ، وقَدْ ورَدَتِ النُّصُوصُ في اليَهُودِ والنَّصارى، والتَحَقَ بِهِمُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى البَراهِمَةُ والثَنَوِيَّةُ والزَّنادِقَةُ والدَّهْرِيَّةُ، وكُلُّهم مُشْرِكُونَ، فَإنَّهم مُكَذِّبُونَ لِلرَّسُولِ، فَكُلُّ كافِرٍ مُكَذِّبٌ لِلرَّسُولِ، وكُلُّ مُكَذِّبٍ فَهو كافِرٌ، فَهَذِهِ هي العَلامَةُ المُطَّرِدَةُ المُنْعَكِسَةُ.
وتَتِمَّةُ هَذا البَحْثِ في هَذا الكِتابِ الَّذِي لا يَسْتَغْنِي عَنْهُ فاضِلٌ، فارْجِعْ إلَيْهِ، وعَضَّ بِنَواجِذِكَ عَلَيْهِ، واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
4:49Page 86
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٤٩
Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allāh purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [٤٩]
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ تَعْجِيبٌ مِن تَمادُحِهِمْ بِالتَّزْكِيَةِ الَّتِي هي التَّطْهِيرُ والتَّبْرِئَةُ مِنَ القَبِيحِ فِعْلًا وقَوْلًا، المُنافِيَةِ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الطُّغْيانِ والشِّرْكِ الَّذِي قَصَّهُ تَعالى عَنْهم قَبْلُ، فالمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ، وقَدْ حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] [المائِدَةِ: مِنَ الآيَةِ ١٨] وحَكى عَنْهم أيْضًا أنَّهم قالُوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٨٠] وأنَّهم قالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ١١١].
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-١٣٢٠)قالَ: كانَ اليَهُودُ يُقَدِّمُونَ صِبْيانَهم يُصَلُّونَ بِهِمْ ويُقَرِّبُونَ قُرْبانَهم ويَزْعُمُونَ أنَّهم لا خَطايا لَهم ولا ذُنُوبَ، وكَذَبُوا، قالَ اللَّهُ: إنِّي لا أُطَهِّرُ ذا ذَنْبٍ بِآخَرَ لا ذَنْبَ لَهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ أيِ: انْظُرْ إلَيْهِمْ فَتَعَجَّبْ مِنِ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أزْكِياءُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والإثْمِ العَظِيمِ، أوْ مِنِ ادِّعائِهِمْ تَكْفِيرَ ذُنُوبِهِمْ مَعَ اسْتِحالَةِ أنْ يُغْفَرَ لِلْكافِرِ شَيْءٌ مِن كُفْرِهِ أوْ مَعاصِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ تَزْكِيَتَهُ هي المُعْتَدُّ بِها دُونَ تَزْكِيَةِ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ العالِمُ بِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن حَسَنٍ وقَبِيحٍ، وقَدْ ذَمَّهم وزَكّى المُرْتَضَيْنَ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ.
* *
تَنْبِيهٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَدْخُلُ في الآيَةِ كُلُّ مَن زَكّى نَفْسَهُ ووَصَفَها بِزَكاءِ العَمَلِ وزِيادَةِ الطّاعَةِ والتَّقْوى والزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ، فَإنْ قُلْتَ: أما قالَ رَسُولُ ﷺ: «واللَّهِ! إنِّي لِأمِينٌ في السَّماءِ، أمِينٌ في الأرْضِ؟» قُلْتُ: إنَّما قالَ ذَلِكَ حِينَ قالَ لَهُ المُنافِقُونَ: اعْدِلْ في القِسْمَةِ؛ إكْذابًا لَهم إذْ وصَفُوهُ بِخِلافِ ما وصَفَهُ بِهِ رَبُّهُ، وشَتّانَ مَن شَهِدَ اللَّهُ لَهُ بِالتَّزْكِيَةِ ومَن شَهِدَ لِنَفْسِهِ أوْ شَهِدَ لَهُ مَن لا يَعْلَمُ.
وقَدْ ورَدَ في ذَمِّ التَّمادُحِ والتَّزْكِيَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنها:
عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُثْنِي عَلى رَجُلٍ ويُطْرِيهِ في المَدْحِ فَقالَ: أهْلَكْتُمْ أوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وعَنْ أبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَجُلًا ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأثْنى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، (p-١٣٢١)فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ويْحَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صاحِبِكَ - يَقُولُهُ مِرارًا - إنْ كانَ أحَدُكم مادِحًا لا مَحالَةَ فَلْيَقُلْ: أحْسَبُ كَذا وكَذا إنْ كانَ يَرى أنَّهُ كَذَلِكَ، وحَسِيبُهُ اللَّهُ، ولا يُزَكِّي عَلى اللَّهِ أحَدًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وعَنْ هَمّامِ بْنِ الحارِثِ، عَنِ المِقْدادِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَعَمَدَ المِقْدادُ فَجَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ، فَجَعَلَ يَحْثُو في وجْهِهِ الحَصْباءَ، فَقالَ لَهُ عُثْمانُ: ما شَأْنُكَ؟ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إذا رَأيْتُمُ المَدّاحِينَ فاحْثُوا في وُجُوهِهِمُ التُّرابَ» رَواهُ مُسْلِمٌ.
وقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أبِي هِنْدَ قالَ: قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: مَن قالَ: أنا مُؤْمِنٌ فَهو كافِرٌ، ومَن قالَ: هو عالِمٌ فَهو جاهِلٌ، ومَن قالَ: هو في الجَنَّةِ فَهو في النّارِ.
ورَواهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ، عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: إنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عَلَيْكم إعْجابُ المَرْءِ بِرَأْيِهِ، فَمَن قالَ إنَّهُ مُؤْمِنٌ فَهو كافِرٌ، ومَن قالَ هو عالِمٌ فَهو جاهِلٌ، ومَن قالَ هو في الجَنَّةِ فَهو في النّارِ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «كانَ مُعاوِيَةُ قَلَّما كانَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: وكانَ قَلَّما يَدَعُ يَوْمَ الجُمُعَةِ هَؤُلاءِ الكَلِماتِ أنْ يُحَدِّثَ بِهِنَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ، وإنَّ هَذا المالَ حُلْوٌ خَضِرٌ فَمَن يَأْخُذْهُ بِحَقِّهِ يُبارَكْ لَهُ فِيهِ، وإيّاكم والتَّمادُحَ فَإنَّهُ الذَّبْحُ» .
ورَوى ابْنُ ماجَهْ عَنْهُ: «إيّاكم والتَّمادُحَ فَإنَّهُ الذَّبْحُ» .
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيَغْدُو بِدِينِهِ، ثُمَّ (p-١٣٢٢)يَرْجِعُ وما مَعَهُ مِنهُ شَيْءٌ، يَلْقى الرَّجُلَ لَيْسَ يَمْلِكُ لَهُ نَفْعًا ولا ضَرًّا فَيَقُولُ لَهُ: واللَّهِ! إنَّكَ لَذَيْتَ وذَيْتَ فَلَعَلَّهُ أنْ يَرْجِعَ ولَمْ يَحْلَ مِن حاجَتِهِ بِشَيْءٍ، وقَدْ أسْخَطَ اللَّهَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ.
﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ قَدْ حُذِفَتْ؛ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الحالِ عَلَيْها، وإيذانًا بِأنَّها غَنِيَّةٌ عَنِ الذِّكْرِ، أيْ: يُعاقَبُونَ بِتِلْكَ الفِعْلَةِ القَبِيحَةِ ولا يُظْلَمُونَ في ذَلِكَ العِقابِ فَتِيلًا، أيْ: أدْنى ظُلْمٍ وأصْغَرُهُ، والفَتِيلُ الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ النَّواةِ، أوْ ما يُفْتَلُ بَيْنَ الأصابِعِ مِنَ الوَسَخِ، يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ في القِلَّةِ والحَقارَةِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: يُثابُ المُزَكُّونَ ولا يُنْقَصُ مِن ثَوابِهِمْ شَيْءٌ أصْلًا، ولا يُساعِدُهُ مَقامُ الوَعِيدِ، قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
4:50Page 86
ٱنظُرۡ كَيۡفَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثۡمٗا مُّبِينًا ٥٠
Look how they invent about Allāh untruth, and sufficient is that as a manifest sin.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ [٥٠]
﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيْ: في تَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم ودَعْواهم أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ١١١] وقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٨٠] واتِّكالِهِمْ عَلى أعْمالِ آبائِهِمُ الصّالِحَةِ، وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ أنَّ أعْمالَ الآباءِ لا تَجْزِي عَنِ الأبْناءِ شَيْئًا في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ١٣٤] الآيَةَ.
(p-١٣٢٣)قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: (كَيْفَ) نُصِبَ إمّا عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ أوْ بِالحالِ، والعامِلُ (يَفْتَرُونَ) وبِهِ تَتَعَلَّقُ (عَلى) أيْ: في حالٍ أوْ عَلى أيِّ حالٍ يَفْتَرُونَ عَلَيْهِ تَعالى الكَذِبَ، والمُرادُ بَيانُ شَناعَةِ تِلْكَ الحالِ وكَمالِ فَظاعَتِها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ و(النَّظَرُ) مُتَعَلِّقٌ بِهِما، وهو تَعْجِيبٌ إثْرَ تَعْجِيبٍ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما ارْتَكَبُوهُ مُتَضَمِّنٌ لِأمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ مُوجِبَيْنِ لِلتَّعْجِيبِ: ادِّعاؤُهُمُ الِاتِّصافَ بِما هم مُتَّصِفُونَ بِنَقِيضِهِ، وافْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ ادِّعاءَهُمُ الزُّكاءَ عِنْدَهُ تَعالى مُتَضَمِّنٌ لِادِّعائِهِمْ قُرْبَ اللَّهِ وارْتِضاءَهُ إيّاهُمْ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولِكَوْنِ هَذا أشْنَعَ مِنَ الأوَّلِ جُرْمًا، وأعْظَمَ قُبْحًا لِما فِيهِ مِن نِسْبَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى ما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ مِن قَوْلِ الكُفْرِ وارْتِضائِهِ لِعِبادِهِ، ومَغْفِرَةِ كُفْرِ الكافِرِ وسائِرِ مَعاصِيهِ - وجَّهَ النَّظَرَ إلى كَيْفِيَّتِهِ تَشْدِيدًا لِلتَّشْنِيعِ وتَأْكِيدًا لِلتَّعْجِيبِ، والتَّصْرِيحُ بِالكَذِبِ - مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا - لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِهِمْ.
﴿وكَفى بِهِ﴾ أيْ: بِافْتِرائِهِمْ هَذا مِن حَيْثُ هو افْتِراءٌ عَلَيْهِ تَعالى مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُقارَنَتِهِ لِتَزْكِيَةِ أنْفُسِهِمْ وسائِرِ آثامِهِمُ العِظامِ ﴿إثْمًا مُبِينًا﴾ ظاهِرًا بَيِّنًا كَوْنُهُ إثْمًا، والمَعْنى: كَفى ذَلِكَ وحْدَهُ في كَوْنِهِمْ أشَدَّ إثْمًا مِن كُلِّ كَفّارٍ أثِيمٍ، أوْ في اسْتِحْقاقِهِمْ لِأشَدِّ العُقُوباتِ، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ اليَهُودِ نَوْعًا آخَرَ مِنَ المَكْرِ، وهو أنَّهم كانُوا يُفَضِّلُونَ عَبَدَةَ الأصْنامِ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ تَعَصُّبًا وعِنادًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
4:51Page 86
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ٥١
Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in jibt [superstition] and ṭāghūt [false objects of worship] and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ [٥١]
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: عِلْمًا بِالتَّوْراةِ الدّاعِيَةِ إلى التَّوْحِيدِ وتَرْجِيحِ أهْلِهِ، والكَفْرِ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ، ووَصْفُهم بِما ذُكِرَ مِن إيتاءِ النَّصِيبِ لِما مَرَّ مِن مُنافاتِهِ (p-١٣٢٤)لِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ.
﴿يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ الجِبْتُ يُطْلَقُ لُغَةً عَلى الصَّنَمِ والكاهِنِ والسّاحِرِ والسِّحْرِ، والَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ، وكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وكَذا الطّاغُوتُ، فَيُطْلَقُ عَلى الكاهِنِ والشَّيْطانِ وكُلِّ رَأْسِ ضَلالٍ، والأصْنامِ، وكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، ومَرَدَةِ أهْلِ الكِتابِ، كَما في القامُوسِ.
﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أشْرَكُوا بِاللَّهِ، وهم كُفّارُ مَكَّةَ، أيْ: لِأجْلِهِمْ وفي حَقِّهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ﴾ يَعْنُونَهم ﴿أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ وحْدَهُ: ﴿سَبِيلا﴾ أيْ: أرْشَدُ طَرِيقَةً، وإيرادُهم بِعُنْوانِ الإيمانِ لَيْسَ مِن قِبَلِ القائِلِينَ، بَلْ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى؛ تَعْرِيفًا لَهم بِالوَصْفِ الجَمِيلِ، وتَخْطِئَةً لِمَن رَجَّحَ عَلَيْهِمُ المُتَّصِفِينَ بِأقْبَحِ القَبائِحِ.
4:52Page 87
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَمَن يَلۡعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ٥٢
Those are the ones whom Allāh has cursed; and he whom Allāh curses - never will you find for him a helper.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [٥٢]
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهم عَنْ رَحْمَتِهِ وطَرَدَهم ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ﴾ أيْ: يُبْعِدْهُ عَنْ رَحْمَتِهِ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ عَنْهُ العَذابَ دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا، لا بِشَفاعَةٍ ولا بِغَيْرِها.
قالَ الرّازِيُّ: إنَّما اسْتَحَقُّوا هَذا اللَّعْنَ الشَّدِيدَ لِأنَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِن تَفْضِيلِ عَبَدَةِ الأوْثانِ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ يَجْرِي مَجْرى المُكابَرَةِ، فَمَن يَعْبُدْ غَيْرَ اللَّهِ كَيْفَ يَكُونُ أفْضَلَ حالًا مِمَّنْ لا يَرْضى بِمَعْبُودٍ غَيْرِ اللَّهِ؟! ومَن كانَ دِينُهُ الإقْبالَ بِالكُلِّيَّةِ عَلى خِدْمَةِ الخالِقِ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ كَيْفَ يَكُونُ أقَلَّ حالًا مِمَّنْ كانَ بِالضِّدِّ في كُلِّ هَذِهِ الأحْوالِ؟!
وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ مَكَّةَ قالَتْ قُرَيْشٌ: ألا تَرى هَذا الصُّنْبُورَ المُنْبَتِرَ مِن قَوْمِهِ يَزْعُمُ أنَّهُ خَيْرٌ مِنّا ونَحْنُ أهْلُ الحَجِيجِ وأهْلُ السَّدانَةِ وأهْلُ السِّقايَةِ، قالَ: أنْتُمْ خَيْرٌ، قالَ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿إنَّ شانِئَكَ هو الأبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] [الكَوْثَرِ: ٣] (p-١٣٢٥)ونَزَلَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٥١] إلى: ﴿نَصِيرًا﴾
وقالَ الإمامُ ابْنُ إسْحاقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الَّذِينَ حَزَّبُوا الأحْزابَ مِن قُرَيْشٍ وغَطَفانَ وبَنِي قُرَيْظَةَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، وسَلّامُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ، وأبُو رافِعٍ، والرَّبِيعُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ، وأبُو عامِرٍ، ووَحْوَحُ بْنُ عامِرٍ، وهَوْدَةُ بْنُ قَيْسٍ.
فَأمّا وحْوَحٌ وأبُو عامِرٍ وهَوْدَةُ فَمِن بَنِي وائِلٍ، وكانَ سائِرُهم مِن بَنِي النَّضِيرِ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلى قُرَيْشٍ قالُوا: هَؤُلاءِ أحْبارُ يَهُودَ وأهْلُ العِلْمِ بِالكِتابِ الأوَّلِ، فاسْألُوهم أُدِينُكم خَيْرٌ أمْ دِينُ مُحَمَّدٍ ؟ فَسَألُوهم فَقالُوا: دِينُكم خَيْرٌ مِن دِينِهِ وأنْتُمْ أهْدى مِنهُ ومِمَّنِ اتَّبَعَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٥١] إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] وهَذا لَعْنٌ لَهُمْ، وإخْبارٌ بِأنَّهم لا ناصِرَ لَهم في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم إنَّما ذَهَبُوا يَسْتَنْصِرُونَ بِالمُشْرِكِينَ، وإنَّما قالُوا لَهم ذَلِكَ لِيَسْتَمِيلُوهم إلى نُصْرَتِهِمْ، وقَدْ أجابُوهم وجاؤُوا مَعَهم يَوْمَ الأحْزابِ حَتّى حَفَرَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ حَوْلَ المَدِينَةِ الخَنْدَقَ فَكَفى اللَّهُ شَرَّهم ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] [الأحْزابِ: مِنَ الآيَةِ ٢٥].
4:53Page 87
أَمۡ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذٗا لَّا يُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ٥٣
Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ [٥٣]
﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ لَمّا ذَمَّ سُبْحانَهُ اليَهُودَ بِتَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم وتَفْضِيلِ المُشْرِكِينَ عَلى المُوَحِّدِينَ - شَرَعَ في تَفْصِيلِ بَعْضٍ آخَرَ مِن مَثالِبِهِمْ، وهو وصْفُهم بِالبُخْلِ والحَسَدِ اللَّذَيْنِ هُما شَرُّ خَصْلَتَيْنِ.
و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الجَزائِيَّةِ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ أحَدًا مِقْدارَ نَقِيرٍ لِفَرْطِ بُخْلِهِمْ.
و(النَّقِيرُ) النَّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ (p-١٣٢٦)وهُوَ مَثَلٌ في القِلَّةِ والحَقارَةِ، كالفَتِيلِ والقِطْمِيرِ، والمُرادُ بِالمُلْكِ إمّا مُلْكُ أهْلِ الدُّنْيا وإمّا مُلْكُ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠] [الإسْراءِ: مِنَ الآيَةِ ١٠٠].
وقالَ أبُو السُّعُودِ: وهَذا هو البَيانُ الكاشِفُ عَنْ كُنْهِ حالِهِمْ، وإذا كانَ شَأْنُهم كَذَلِكَ وهم مُلُوكٌ فَما ظَنُّكُ بِهِمْ وهم أذِلّاءُ مُتَنافِرُونَ؟
ويَجُوزُ أنْ لا تَكُونَ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ بَلْ لِإنْكارِ الواقِعِ والتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ، أيْ: لِعَدِّهِ مُنْكَرًا غَيْرَ لائِقٍ بِالوُقُوعِ، عَلى أنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ، والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى مَجْمُوعِ المَعْطُوفَيْنِ عَلى مَعْنى: ألَهم نَصِيبٌ وافِرٌ مِنَ المُلْكِ حَيْثُ كانُوا أصْحابَ أمْوالٍ وبَساتِينَ وقُصُورٍ مُشَيَّدَةٍ كالمُلُوكِ فَلا يُؤْتُونَ النّاسَ مَعَ ذَلِكَ نَقِيرًا؟ كَما تَقُولُ لِغَنِيٍّ لا يُراعِي أباهُ: ألَكَ هَذا القَدْرُ مِنَ المالِ فَلا تُنْفِقُ عَلى أبِيكَ شَيْئًا؟
وفائِدَةُ (إذَنْ) تَأْكِيدُ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، حَيْثُ يَجْعَلُونَ ثُبُوتَ النَّصِيبِ سَبَبًا لِلْمَنعِ مَعَ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْإعْطاءِ، وهي مُلْغاةٌ عَنِ العَمَلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا يُؤْتُونَ النّاسَ إذَنْ، وقُرِئَ: (فَإذَنْ لا يُؤْتُوا) بِالنَّصْبِ عَلى إعْمالِها.
4:54Page 87
أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ فَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ ءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَيۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِيمٗا ٥٤
Or do they envy people for what Allāh has given them of His bounty? But We had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom1 and conferred upon them a great kingdom.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [٥٤]
﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ مُنْقَطِعَةٌ أيْضًا مُفِيدَةٌ لِلِانْتِقالِ مِن تَوْبِيخِهِمْ بِما سَبَقَ - أعْنِي البُخْلَ - إلى تَوْبِيخِهِمْ بِالحَسَدِ، وهُما شَرُّ الرَّذائِلِ كَما قَدَّمْنا، وكَأَّنَ بَيْنَهُما تَلازُمًا وتَجاذُبًا، واللّامُ في (النّاسَ) لِلْعَهْدِ والإشارَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ.
ورَوى الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَحْنُ النّاسُ دُونَ النّاسِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ.
(p-١٣٢٧)قالَ الرّازِيُّ: وإنَّما حَسُنَ ذِكْرُ النّاسِ لِإرادَةِ طائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الخَلْقِ إنَّما هو القِيامُ بِالعُبُودِيَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] [الذّارِياتِ: ٥٦] فَلَمّا كانَ القائِمُونَ بِهَذا المَقْصُودِ لَيْسَ إلّا مُحَمَّدًا ﷺ ومَن كانَ عَلى دِينِهِ - كانَ هو وأصْحابُهُ كَأنَّهم كُلُّ النّاسِ، فَلِهَذا حَسُنَ إطْلاقُ لَفْظِ (النّاسَ) وإرادَتُهم عَلى التَّعْيِينِ ﴿عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وهو النُّبُوَّةُ والكِتابُ والرُّشْدُ وازْدِيادُ العِزِّ والنَّصْرِ يَوْمًا فَيَوْمًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والِاسْتِقْباحِ، وإلْزامٌ لَهم بِما هو مُسَلَّمٌ عِنْدَهُمْ، وحَسْمٌ لِمادَّةِ حَسَدِهِمْ واسْتِبْعادِهِمُ المَبْنِيَّيْنِ عَلى تَوَهُّمِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِ المَحْسُودِ لِما أُوتِيَ مِنَ الفَضْلِ بِبَيانِ اسْتِحْقاقِهِ لَهُ بِطَرِيقِ الوِراثَةِ كابِرًا عَنْ كابِرٍ، وإجْراءُ الكَلامِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِالأمْرِ، والمَعْنى: إنَّ حَسَدَهُمُ المَذْكُورَ في غايَةِ القُبْحِ والبُطْلانِ؛ فَإنّا قَدْ آتَيْنا مِن قَبْلِ هَذا: ﴿آلَ إبْراهِيمَ﴾ الَّذِينَ هم أسْلافُ مُحَمَّدٍ ﷺ وأبْناءُ أعْمامِهِ: ﴿الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ النُّبُوَّةَ: ﴿وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، فَكَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ نُبُوَّتَهُ ويَحْسُدُونَهُ عَلى إيتائِها؟! أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
قالَ الرّازِيُّ: إنَّ الحَسَدَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الفَضِيلَةِ، فَكُلَّما كانَتْ فَضِيلَةُ الإنْسانِ أتَمَّ وأكْمَلَ كانَ حَسَدُ الحاسِدِينَ عَلَيْهِ أعْظَمَ، ومَعْلُومٌ أنَّ النُّبُوَّةَ أعْظَمُ المَناصِبِ في الدِّينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعْطاها لِمُحَمَّدٍ ﷺ وضَمَّ إلَيْها أنَّهُ جَعَلَهُ كُلَّ يَوْمٍ أقْوى دَوْلَةً وأعْظَمَ شَوْكَةً وأكْثَرَ أنْصارًا وأعْوانًا، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ النِّعَمُ سَبَبًا لِحَسَدِ هَؤُلاءِ بَيَّنَ تَعالى ما يَدْفَعُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ والمَعْنى: أنَّهُ حَصَلَ في أوْلادِ إبْراهِيمَ جَماعَةٌ كَثِيرُونَ جَمَعُوا بَيْنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ وأنْتُمْ لا تَتَعَجَّبُونَ مِن ذَلِكَ ولا تَحْسُدُونَهُمْ، فَلِمَ تَتَعَجَّبُونَ مِن حالِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولِمَ تَحْسُدُونَهُ؟!
4:55Page 87
فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن صَدَّ عَنۡهُۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ٥٥
And some among them believed in it,1 and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
(p-١٣٢٨)﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [٥٥]
﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ حِكايَةٌ لِما صَدَرَ عَنْ أسْلافِهِمْ، أيْ: فَمِن جِنْسِ هَؤُلاءِ الحاسِدِينَ وآبائِهِمْ مَن آمَنَ بِما أُوتِيَ آلُ إبْراهِيمَ، ومِنهم مَن كَفَرَ بِهِ وأعْرَضَ عَنْهُ وسَعى في صَدِّ النّاسِ عَنْهُ، وهو مِنهم ومِن جِنْسِهِمْ، أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدِ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، فَكَيْفَ بِكَ يا مُحَمَّدُ ولَسْتَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؟ فالكَفَرَةُ مِنهم أشَدُّ تَكْذِيبًا لَكَ وأبْعَدُ عَمّا جِئْتَهم بِهِ مِنَ الهُدى والحَقِّ المُبِينِ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّ ذَلِكَ دَيْدَنُهُمُ المُسْتَمِرُّ.
﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيْ: نارًا مُسَعَّرَةً يُعَذَّبُونَ بِها عَلى كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ كُتُبَ اللَّهِ ورُسُلَهُ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمّا يُعاقِبُ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ مَن كَفَرَ بِآياتِهِ وصَدَّ عَنْ رُسُلِهِ فَقالَ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences