Al-QasimiAn‑Nisa · 4:6–10

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:6–10

4:6Page 77

وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٦

And test the orphans [in their abilities] until they reach marriageable age. Then if you perceive in them sound judgement, release their property to them. And do not consume it excessively and quickly, [anticipating] that they will grow up. And whoever, [when acting as guardian], is self-sufficient should refrain [from taking a fee]; and whoever is poor - let him take according to what is acceptable. Then when you release their property to them, bring witnesses upon them. And sufficient is Allāh as Accountant.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [٦]

(p-١١٢٧)﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ أيِ: اخْتَبِرُوا عُقُولَهم ومَعْرِفَتَهم بِالتَّصَرُّفِ ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ أيْ: بِأنْ يَحْتَلِمُوا أوْ يَبْلُغُوا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ لِما في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وهو ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجْزِنِي ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ وأنا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَأجازَنِي» .

قالَ نافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وهو خَلِيفَةٌ فَحَدَّثْتُهُ هَذا الحَدِيثَ فَقالَ: إنَّ هَذا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، وكَتَبَ إلى عُمّالِهِ أنْ يَفْرِضُوا لِمَن بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ.

وكَذا نَباتُ الشَّعَرِ الخَشِنِ حَوْلَ العَوْرَةِ؛ لِما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ عَنْ عَطِيَّةَ القُرَظِيِّ قالَ: «عُرِضْنا عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَكانَ مَن أنْبَتَ قُتِلَ، ومَن لَمْ يُنْبِتْ خَلّى سَبِيلَهُ، فَكُنْتُ فِيمَن لَمْ يُنْبِتْ، فَخَلّى سَبِيلِي» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

﴿فَإنْ آنَسْتُمْ﴾ أيْ: شاهَدْتُمْ وتَبَيَّنْتُمْ ﴿مِنهم رُشْدًا﴾ أيْ: صَلاحًا في دِينِهِمْ وحِفْظًا لِأمْوالِهِمْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ ﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ.

وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مَن بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ إمّا بِالتَّبْذِيرِ أوْ بِالعَجْزِ أوْ بِالفِسْقِ، لا يُسَلَّمُ إلَيْهِ مالُهُ؛ لِأنَّها مَفْسَدَةٌ لِلْمالِ.

﴿ولا تَأْكُلُوها﴾ أيُّها الأوْلِياءُ ﴿إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾ أيْ: مُسْرِفِينَ ومُبادِرِينَ كِبَرَهُمْ، أوْ لِإسْرافِكم ومُبادَرَتِكم كِبَرَهُمْ، تُفَرِّطُونَ في إنْفاقِها وتَقُولُونَ: نُنْفِقُ كَما نَشْتَهِي قَبْلَ أنْ يَكْبُرَ اليَتامى فَيَنْتَزِعُوها مِن أيْدِينا.

﴿ومَن كانَ﴾ مِنَ الأوْلِياءِ ﴿غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أيْ: يَتَنَزَّهُ عَنْ أكْلِ مالِ اليَتِيمِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ كالمَيْتَةِ والدَّمِ، ولْيَقْنَعْ بِما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الزُّرْقِ ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا﴾ يَمْنَعُهُ اشْتِغالُهُ بِمالِ اليَتِيمِ عَنِ الكَسْبِ، وإهْمالُهُ يُفْضِي إلى تَلَفِهِ عَلَيْهِ ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ بِقَدْرِ حاجَتِهِ الضَّرُورِيَّةِ وأُجْرَةِ سَعْيِهِ وخِدْمَتِهِ.

كَما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ (p-١١٢٨)حَيْثُ قالَتْ: فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ بِقَدْرِ قِيامِهِ عَلَيْهِ، ورَواهُ البُخارِيُّ أيْضًا.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ الفُقَهاءُ: لَهُ أنْ يَأْكُلَ أقَلَّ الأمْرَيْنِ: أُجْرَةَ مِثْلِهِ، وقَدْرَ حاجَتِهِ، وهَلْ يَرُدُّ إذا أيْسَرَ؟ وجْهانِ:

أحَدُهُما: لا يَرُدُّ لِأنَّهُ أكَلَ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ وكانَ فَقِيرًا، وهَذا هو الصَّحِيحُ عِنْدَ أصْحابِ الشّافِعِيِّ؛ لِأنَّ الآيَةَ أباحَتِ الأكْلَ مِن غَيْرٍ بَدَلٍ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لَيْسَ لِي مالٌ ولِي يَتِيمٌ، فَقالَ: كُلْ مِن مالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ، ولا مُبَذِّرٍ ولا مُتَأثِّلٍ مالًا، ومِن غَيْرِ أنْ تَقِيَ مالَكَ أوْ قالَ: تَفْدِيَ مالَكَ بِمالِهِ» .

ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ ولَفْظُهُ: «كُلْ بِالمَعْرُوفِ غَيْرَ مُسْرِفٍ» ورَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ.

ورَوى ابْنُ حِبّانَ فِي: "صَحِيحِهِ" وابْنُ مَرْدُويَهْ فِي: "تَفْسِيرِهِ" عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! مِمّا أضْرِبُ يَتِيمِي؟ قالَ: مِمّا كُنْتَ ضارِبًا مِنهُ ولَدَكَ، غَيْرَ واقٍ مالَكَ بِمالِهِ، ولا مُتَأثِّلٍ مِنهُ مالًا» .

ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: جاءَ أعْرابِيٌّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: إنَّ في حِجْرِي أيْتامًا، وإنَّ لَهم إبِلًا، ولِي إبِلٌ وأنا أمْنَحُ مِن إبِلِي فُقَراءَ، فَماذا يَحِلُّ لِي مِن ألْبانِها؟ فَقالَ: إنْ كُنْتَ تَبْغِي ضالَّتَها، وتَهْنَأُ جَرْباها، وتَلُوطُ حَوْضَها، وتَسْعى عَلَيْها، فاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ، ولا ناهِكٍ في الحَلْبِ، ورَواهُ مالِكٌ في مُوَطَّئِهِ. وبِهَذا القَوْلِ - وهو عَدَمُ أداءِ البَدَلِ - (p-١١٢٩)يَقُولُ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وعِكْرِمَةُ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ

والوَجْهُ الثّانِي: يَرُدُّ؛ لِأنَّ مالَ اليَتِيمِ عَلى الحَظْرِ، وإنَّما أُبِيحَ لِلْحاجَةِ، فَيَرُدُّ بَدَلَهُ، كَأكْلِ مالِ الغَيْرِ لِلْمُضْطَرِّ عِنْدَ الحاجَةِ.

وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ حارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قالَ: قالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنِّي أنْزَلْتُ نَفْسِي مِن هَذا المالِ مَنزِلَةَ والِي اليَتِيمِ، إنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ، وإنِ احْتَجْتُ اسْتَقْرَضْتُ، فَإذا أيْسَرْتُ قَضَيْتُ.

ورَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ فِي: "سُنَنِهِ": حَدَّثَنا أبُو الأحْوَصِ، عَنْ أبِي إسْحاقَ، عَنِ البَراءِ قالَ: قالَ لِي عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "إنَّما أنْزَلْتُ نَفْسِي مِن مالِ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ والِي اليَتِيمِ، إنِ احْتَجْتُ أخَذْتُ مِنهُ، فَإذا أيْسَرْتُ رَدَدْتُهُ، وإنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ " قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادٌ صَحِيحٌ.

ورَوى البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وهَكَذا رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ يَعْنِي القَرْضَ، قالَ: ورُوِيَ عَنْ عَبِيدَةَ وأبِي العالِيَةِ وأبِي وائِلٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (فِي إحْدى الرِّواياتِ) ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ والشَّعْبِيِّ والسُّدِّيِّ نَحْوُ ذَلِكَ.

قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: وبَعْضُ أهْلِ العِلْمِ خَصَّ هَذا الإقْراضَ بِأُصُولِ الأمْوالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغَيْرِها.

وأمّا التَّناوُلُ مِن ألْبانِ المَواشِي واسْتِخْدامُ العَبِيدِ ورُكُوبُ الدَّوابِّ فَمُباحٌ لَهُ إذا كانَ غَيْرَ مُضِرٍّ بِالمالِ، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ وغَيْرِهِ، واحْتَجُّوا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ فَحَكَمَ في الأمْوالِ بِدَفْعِها إلَيْهِمُ، انْتَهى.

أقُولُ: الكُلُّ مُحْتَمَلٌ، إذْ لا نَصَّ مِنَ الأصْلَيْنِ عَلى واحِدٍ مِنها، ولا يَخْفى الوَرَعُ.

﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ البُلُوغِ والرُّشْدِ ﴿فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عِنْدَ (p-١١٣٠)الدَّفْعِ بِأنَّهم قَبَضُوها، فَإنَّهُ أنْفى لِلتُّهْمَةِ وأبْعَدُ مِنَ الخُصُومَةِ.

قالَ السُّيُوطِيُّ: فِيهِ الأمْرُ بِالإشْهادِ نَدْبًا، وقِيلَ: وُجُوبًا، ويُسْتَفادُ مِنهُ أنَّ القَوْلَ في الدَّفْعِ قَوْلُ الصَّبِيِّ لا الوَلِيِّ، فَلا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلّا بِبَيِّنَةٍ.

﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أيْ: كافِيًا في الشَّهادَةِ عَلَيْكم بِالدَّفْعِ والقَبْضِ، أوْ مُحاسِبًا، فَلا تُخالِفُوا ما أمَرَكم بِهِ، ولا يَخْفى مَوْقِعُ هَذا التَّذْيِيلِ هُنا، فَإنَّ الوَصِيَّ يُحاسَبُ عَلى ما في يَدِهِ.

وفِيهِ وعِيدٌ لِوَلِيِّ اليَتِيمِ وإعْلامُ لَهُ أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ باطِنَهُ كَما يَعْلَمُ ظاهِرَهُ؛ لِئَلّا يَنْوِيَ أوْ يَعْمَلَ في مالِهِ ما لا يَحِلُّ، ويَقُومَ بِالأمانَةِ التّامَّةِ في ذَلِكَ إلى أنْ يَصِلَ إلَيْهِ مالُهُ.

وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: يا أبا ذَرٍّ إنِّي أراكَ ضَعِيفًا، وإنِّي أُحِبُّ لَكَ ما أُحِبُّ لِنَفْسِي لا تَأمَّرَنَّ عَلى اثْنَيْنِ ولا تَوَلَّيَنَّ مالَ يَتِيمٍ» .

4:7Page 78

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنۡهُ أَوۡ كَثُرَۚ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ٧

For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أحْكامَ المَوارِيثِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [٧]

﴿لِلرِّجالِ﴾ أيِ: الأوْلادِ والأقْرِباءِ ﴿نَصِيبٌ﴾ أيْ: حَظٌّ ﴿مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ أيِ: المُتَوَفُّونَ ﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ﴾ أيِ: المالِ ﴿أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أيْ: مَقْطُوعًا واجِبًا لَهُمْ، وإيرادُ حُكْمِ النِّساءِ عَلى الِاسْتِقْلالِ دُونَ الدَّرْجِ في تَضاعِيفِ أحْكامِ الرِّجالِ - بِأنْ يُقالَ: لِلرِّجالِ والنِّساءِ إلَخْ - لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِهِنَّ، والإشارَةِ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ نَصِيبَيِ الفَرِيقَيْنِ، والمُبالَغَةِ في إبْطالِ حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّهم كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ والأطْفالَ، ويَقُولُونَ: لا يَرِثُ إلّا مَن طاعَنَ بِالرِّماحِ، وذادَ عَنِ الحَوْزَةِ، وحازَ الغَنِيمَةَ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ؛ لِأنَّهم مِنَ الأقْرَبِينَ، وهو اسْتِدْلالٌ وجِيهٌ، ولا حُجَّةَ لِمَن حاوَلَ دَفْعَهُ.

4:8Page 78

وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُوْلُواْ ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينُ فَٱرۡزُقُوهُم مِّنۡهُ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٨

And when [other] relatives and orphans and the needy are present at the [time of] division, then provide for them [something] out of it [i.e., the estate] and speak to them words of appropriate kindness.

(p-١١٣١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [٨]

﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ أيْ: قِسْمَةَ التَّرِكَةِ ﴿أُولُو القُرْبى﴾ ذَوُو القَرابَةِ مِمَّنْ لا يَرِثُ، قَدَّمَهم لِأنَّ إعْطاءَهم صَدَقَةٌ وصِلَةٌ ﴿واليَتامى﴾ الضُّعَفاءُ بِفَقْدِ الآباءِ ﴿والمَساكِينُ﴾ الضُّعَفاءُ بِفَقْدِ ما يَكْفِيهِمْ مِنَ المالِ ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ أيْ: أعْطُوهم مِنَ المِيراثِ شَيْئًا ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ بِتَلْطِيفِ القَوْلِ لَهم والدُّعاءِ لَهم بِمِثْلِ: بارَكَ اللَّهُ عَلَيْكم.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في هَذِهِ الآيَةِ: المَعْنى أنَّهُ إذا حَضَرَ هَؤُلاءِ الفُقَراءُ - مِنَ القَرابَةِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ - واليَتامى والمَساكِينُ قِسْمَةَ مالٍ جَزِيلٍ فَإنَّ أنْفُسَهم تَتُوقُ إلى شَيْءٍ مِنهُ إذا رَأوْا هَذا يَأْخُذُ وهَذا يَأْخُذُ، وهم يائِسُونَ لا يُعْطَوْنَ شَيْئًا، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى - وهو الرَّءُوفُ الرَّحِيمُ - أنْ يُرْضَخَ لَهم شَيْءٌ مِنَ الوَسَطِ يَكُونُ بِرًّا بِهِمْ، وصَدَقَةً عَلَيْهِمْ، وإحْسانًا إلَيْهِمْ، وجَبْرًا لِكَسْرِهِمْ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] [الأنْعامِ: مِنَ الآيَةِ ١٤١] وذَمَّ الَّذِينَ يَنْقُلُونَ المالَ خُفْيَةً؛ خَشْيَةَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمُ المَحاوِيجُ وذَوُو الفاقَةِ كَما أخْبَرَ بِهِ عَنْ أصْحابِ الجَنَّةِ: ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] [القَلَمِ: مِنَ الآيَةِ ١٧] ﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ [القلم: ٢٣] ﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤] [القَلَمِ: ٢٣-٢٤] (p-١١٣٢)﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] [مُحَمَّدٍ: ١٠] فَمَن جَحَدَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ عاقَبَهُ في أعَزِّ ما يَمْلِكُهُ، ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ: «ما خالَطَتِ الصَّدَقَةُ مالًا إلّا أفْسَدَتْهُ» أيْ: مَنعُها يَكُونُ سَبَبَ مَحْقٍ ذَلِكَ المال بِالكُلِّيَّةِ، انْتَهى.

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هي مُحْكَمَةٌ ولَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، وفي لَفْظٍ عَنْهُ: هي قائِمَةٌ يُعْمَلُ بِها.

ورُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها واجِبَةٌ عَلى أهْلِ المِيراثِ ما طابَتْ بِهِ أنْفُسُهم.

ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ فِي: "مُصَنَّفِهِ" أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ قَسَمَ مِيراثَ أبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وعائِشَةُ حَيَّةٌ - فَلَمْ يَدَعْ في الدّارِ مِسْكِينًا ولا ذا قَرابَةٍ إلّا أعْطاهُ مِن مِيراثِ أبِيهِ، وتَلا: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى﴾ الآيَةَ.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ قالَ: ثَلاثُ آياتٍ مَدَنِيّاتٍ مُحْكَماتٍ ضَيَّعَهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ وآيَةُ الِاسْتِئْذانِ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٨] وقَوْلُهُ: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣] الآيَةَ.

وقَدْ ذَكَرَ هَهُنا كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ آثارًا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المِيراثِ، وهي مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ، ولَقَدْ أبْعَدَ القائِلُ بِالنَّسْخِ عَنْ فَهْمِ سِرِّ الآيَةِ فِيما نَدَبَتْ إلَيْهِ مِن هَذِهِ المَكْرُمَةِ الجَلِيلَةِ، وهي إسْعافُ مَن ذُكِرَ مِنَ المالِ المَوْرُوثِ، والنَّفْسُ الأبِيَّةُ تَنْفِرُ مِن أنْ تَأْخُذَ المالَ الجَزْلَ وذُو الرَّحِمِ حاضِرٌ مَحْرُومٌ، ولا يُسْعَفُ ولا يُساعَدُ، فالآيَةُ بَيِّنَةٌ بِنَفْسِها، واضِحَةٌ في مَعْناها وُضُوحَ الشَّمْسِ في الظَّهِيرَةِ، لا تُنْسَخُ أوْ تَقُومَ السّاعَةُ.

4:9Page 78

وَلۡيَخۡشَ ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ ذُرِّيَّةٗ ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ فَلۡيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡيَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدًا ٩

And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allāh and speak words of appropriate justice.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

(p-١١٣٣)﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [٩]

﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ في الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّها أمْرٌ لِلْأوْصِياءِ بِأنْ يَخْشَوُا اللَّهَ تَعالى ويَتَّقُوهُ في أمْرِ اليَتامى، فَيَفْعَلُوا بِهِمْ ما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِذَرارِيِّهِمُ الضِّعافِ بَعْدَ وفاتِهِمْ.

الثّانِي: أنَّها أمْرٌ لِمَن حَضَرَ المَرِيضَ مِنَ العُوّادِ عِنْدَ الإيصاءِ بِأنْ يَخْشَوْا رَبَّهم أوْ يَخْشَوْا أوْلادَ المَرِيضِ ويُشْفِقُوا عَلَيْهِمْ شَفَقَتَهم عَلى أوْلادِهِمْ، فَلا يَتْرُكُوهُ أنْ يَضُرَّ بِهِمْ بِصَرْفِ المالِ عَنْهم.

الثّالِثُ: أنَّها أمْرٌ لِلْوَرَثَةِ بِالشَّفَقَةِ عَلى مَن حَضَرَ القِسْمَةَ مِن ضُعَفاءِ الأقارِبِ واليَتامى والمَساكِينِ، مُتَصَوِّرِينَ أنَّهم لَوْ كانُوا أوْلادَهم بَقُوا خَلْفَهم ضِعافًا مِثْلَهُمْ، هَلْ يُجَوِّزُونَ حِرْمانَهُمْ؟!

الرّابِعُ: أنَّها أمْرٌ لِلْمُوصِينَ بِأنْ يَنْظُرُوا لِلْوَرَثَةِ فَلا يُسْرِفُوا في الوَصِيَّةِ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا دَخَلَ عَلى سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ يَعُودُهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي ذُو مالٍ ولا يَرِثُنِي إلى ابْنَةٌ، أفَأتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مالِي؟ قالَ: لا قالَ: فالشَّطْرُ؟ (p-١١٣٤)قالَ: لا قالَ: فالثُّلُثُ، قالَ: الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ أنْ تَذَرَ ورَثَتَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَذَرَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» .

وفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَوْ غَضَّ النّاسُ إلى الرُّبُعِ؟ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ الثُّلُثُ: والثُّلُثُ كَثِيرٌ (أوْ كَبِيرٌ)».

والوَجْهُ الأوَّلُ حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو قَوْلٌ حَسَنٌ يَتَأيَّدُ بِما بَعْدَهُ مِنَ التَّهْدِيدِ في أكْلِ أمْوالِ اليَتامى ظُلْمًا.

ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي: إنَّ هَذا الوَجْهَ ألْيَقُ بِما تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ مِنَ الآياتِ الوارِدَةِ في بابِ الأيْتامِ، فَجَعَلَ تَعالى آخِرَ ما دَعاهم إلى حِفْظِ مالِ اليَتِيمِ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى حالِ أنْفُسِهِمْ وذُرِّيَّتِهِمْ إذا تَصَوَّرُوها، ولا شَكَّ أنَّهُ مِن أقْوى الدَّواعِي والبَواعِثِ في هَذا المَقْصُودِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقَوْلُ السَّدِيدُ مِنَ الأوْصِياءِ أنْ لا يُؤْذُوا اليَتامى، ويُكَلِّمُوهم كَما يُكَلِّمُونَ أوْلادَهم بِالأدَبِ الحَسَنِ والتَّرْحِيبِ، ويَدْعُوهم بِـ(يا بُنَيَّ) ويا ولَدِي، ومِنَ الجالِسِينَ إلى المَرِيضِ أنْ يَقُولُوا لَهُ - إذا أرادَ الوَصِيَّةَ -: لا تُسْرِفْ في وصِيَّتِكَ فَتُجْحِفَ بِأوْلادِكَ، مِثْلَ «قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِسَعْدٍ: إنَّكَ أنْ تَتْرُكَ ولَدَكَ أغْنِياءَ خَيْرٌ مِن أنْ تَدَعَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ» ومِنَ المُتَقاسِمِينَ مِيراثَهم أنْ يَلْطُفُوا القَوْلَ ويُجْمِلُوهُ لِلْحاضِرِينَ.

لَطِيفَةٌ:

لا بُدَّ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ تَعالى: (تَرَكُوا) عَلى المُشارَفَةِ؛ لِيَصِحَّ وُقُوعُ (خافُوا) خَبَرًا لَهُ، ضَرُورَةَ أنَّهُ لا خَوْفَ بَعْدَ حَقِيقَةِ المَوْتِ وتَرْكِ الوَرَثَةِ، ونَظِيرُهُ: (p-١١٣٥)﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٣١] أيْ: شارَفْنَ بُلُوغَ الأجَلِ، ولِهَذا المَجازِ في التَّعْبِيرِ عَنِ المُشارَفَةِ عَلى التَّرْكِ بِالتُّرْكِ سِرٌّ بَدِيعٌ، وهو التَّخْوِيفُ بِالحالَةِ الَّتِي لا يَبْقى مَعَها مَطْمَعٌ في الحَياةِ، ولا في الذَّبِّ عَنِ الذُّرِّيَّةِ الضِّعافِ، وهي الحالَةُ الَّتِي - وإنْ كانَتْ مِنَ الدُّنْيا - إلّا أنَّها لِقُرْبِها مِنَ الآخِرَةِ ولُصُوقِها بِالمُفارَقَةِ صارَتْ مِن حَيِّزِها، ومُعَبَّرًا عَنْها بِما يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الحالَةِ الكائِنَةِ بَعْدَ المُفارَقَةِ مِنَ التَّرْكِ، كَذا في الِانْتِصافِ.

* *

تَنْبِيهٌ:

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ يَجِبُ أنْ يُحِبَّ الإنْسانُ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، ويُحِبَّ لِذُرِّيَّةِ غَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ما يُحِبُّ لِذَرِّيَّتِهِ، وأنَّ عَلى ولِيِّ اليَتِيمِ أنْ لا يُؤْذِيَ اليَتِيمَ، بَلْ يُكَلِّمُهُ كَما يُكَلِّمُ أوْلادَهُ بِالأدَبِ الحَسَنِ والتَّرْحِيبِ، ويَدْعُو اليَتِيمَ: يا بُنَيَّ يا ولَدِي، وقَدْ جاءَ في الرِّقَّةِ عَلى الأيْتامِ آثارٌ كَثِيرَةٌ، اهـ.

وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى إرْشادِ الآباءِ - الَّذِينَ يَخْشَوْنَ تَرْكَ ذُرِّيَّةٍ ضِعافٍ - بِالتَّقْوى في سائِرِ شُؤُونِهِمْ حَتّى تُحْفَظَ أبْناؤُهم وتُغاثَ بِالعِنايَةِ مِنهُ تَعالى، ويَكُونُ في إشْعارِها تَهْدِيدٌ بِضَياعِ أوْلادِهِمْ إنْ فَقَدُوا تَقْوى اللَّهِ تَعالى، وإشارَةٌ إلى أنَّ تَقْوى الأُصُولِ تَحْفَظُ الفُرُوعَ، وأنَّ الرِّجالَ الصّالِحِينَ يَحْفَظُونَ في ذُرِّيَّتِهِمُ الضِّعافَ، كَما في آيَةِ: ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْـزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢] [الكَهْفِ: ٨٢] إلى آخِرِها، فَإنَّ الغُلامَيْنِ حُفِظا - بِبَرَكَةِ صَلاحِ أبِيهِما - في أنْفُسِهِما ومالِهِما.

4:10Page 78

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا ١٠

Indeed, those who devour the property of orphans unjustly are only consuming into their bellies fire. And they will be burned in a Blaze [i.e., Hellfire].

(p-١١٣٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [١٠]

﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ أيْ: عَلى وجْهِ الظُّلْمِ مِنَ الوَرَثَةِ، أوْ أوْلِياءُ السُّوءِ وقُضاتُهُ، بِخِلافِ أكْلِ الفَقِيرِ النّاظِرِ في أمْوالِهِمْ بِقَدْرِ أُجْرَتِهِ، كَما تَقَدَّمَ.

﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ أيْ: ما يَجُرُّ إلى النّارِ ويُؤَدِّي إلَيْها ﴿وسَيَصْلَوْنَ﴾ أيْ: في القِيامَةِ ﴿سَعِيرًا﴾ أيْ: نارًا مُسْتَعِرَةً.

رَوى ابْنُ حِبّانَ فِي: "صَحِيحِهِ " وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَرْزَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ قَوْمٌ مِن قُبُورِهِمْ تَأجَّجُ أفْواهُهم نارًا قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! مَن هُمْ؟ قالَ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ الآيَةَ».

لَطِيفَةٌ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في بُطُونِهِمْ، أيْ: مَلْءَ بُطُونِهِمْ، يُقالُ: أكَلَ فُلانٌ في بَطْنِهِ وفي بَعْضِ بَطْنِهِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎كُلُوا في بَعْضٍ بَطْنِكُمُو تَعُفُّوا فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ

قالَ النّاصِرُ: ومِثْلُهُ: قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ أيْ: شَرَقُوا بِها وقالُوها بِمَلْءِ أفْواهِهِمْ، ويَكُونُ المُرادُ بِذِكْرِ البُطُونِ تَصْوِيرَ الأكْلِ لِلسّامِعِ حَتّى يَتَأكَّدَ عِنْدَهُ بَشاعَةُ هَذا الجُرْمُ بِمَزِيدِ تَصْوِيرٍ، ولِأجْلِ تَأْكِيدِ التَّشْنِيعِ عَلى الظّالِمِ لِلْيَتِيمِ في مالِهِ خُصَّ الأكْلُ؛ لِأنَّهُ أبْشَعُ الأحْوالِ الَّتِي يُتَناوَلُ مالُ اليَتِيمِ فِيها، واللَّهُ أعْلَمُ.

* *

(p-١١٣٧)تَنْبِيهٌ:

رَوى أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وغَيْرُهم أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ انْطَلَقَ مَن كانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعامَهُ مِن طَعامِهِ، وشَرابَهُ مِن شَرابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ لَهُ الشَّيْءُ مِن طَعامِهِ فَيَحْبِسُ لَهُ حَتّى يَأْكُلَهُ أوْ يَفْسَدَ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ٢٢٠] الآيَةَ، فَخَلَطُوا طَعامَهم بِطَعامِهِ وشَرابَهم بِشَرابِهِ، وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

قالَ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ومِنَ الجُهّالِ مَن قالَ: صارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةً بِتِلْكَ، وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ في المَنعِ مِنَ الظُّلْمِ، وهَذا لا يَصِيرُ مَنسُوخًا بِتِلْكَ، بَلِ المَقْصُودُ أنَّ مُخالَطَةَ أمْوالِ اليَتامى - إنَّ كانَ عَلى سَبِيلِ الظُّلْمِ - فَهو مِن أعْظَمِ أبْوابِ الإثْمِ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ كانَ عَلى سَبِيلِ التَّرْبِيَةِ والإحْسانِ فَهو مِن أعْظَمِ أبْوابِ البِرِّ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]

وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ: ما أشَدَّ دَلالَةَ هَذا الوَعِيدِ عَلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ تَعالى وكَثْرَةِ عَفْوِهِ وفَضْلِهِ؛ لِأنَّ اليَتامى لَمّا بَلَغُوا في الضَّعْفِ إلى الغايَةِ القُصْوى بَلَغَتْ عِنايَةُ اللَّهِ بِهِمْ إلى الغايَةِ القُصْوى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском