Al-QasimiAn‑Nisa · 4:94–96

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:94–96

4:94Page 93

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٩٤

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allāh, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace, "You are not a believer,"1 aspiring for the goods of worldly life; for with Allāh are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allāh conferred His favor [i.e., guidance] upon you, so investigate. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم فَتَبَيَّنُوا إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [٩٤]

(p-١٤٧٤)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ﴾ أيْ: ذَهَبْتُمْ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى أرْضِ العَدُوِّ لِلْغَزْوِ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أيِ: اطْلُبُوا بَيانَ كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُوَنَ، ولا تَعَجَّلُوا فِيهِ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ ورَوِيَّةٍ.

﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ نَهْيٌ عَمّا هو نَتِيجَةٌ لِتَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ، وتَعْيِينٌ لِمادَّةٍ مُهِمَّةٍ مِنَ المَوادِّ الَّتِي يَجِبُ فِيها التَّبْيِينُ، أيْ: لا تَقُولُوا (لِمَن أظْهَرَ الِانْقِيادَ لِدَعْوَتِكم فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أوْ سَلَّمَ عَلَيْكم فَحَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ): لَسْتَ مُؤْمِنًا في الباطِنِ، وإنَّما قُلْتَهُ بِاللِّسانِ لِطَلَبِ الأمانِ، بَلِ اقْبَلُوا مِنهُ ما أظْهَرَهُ وعامِلُوهُ بِمُوجَبِهِ.

﴿تَبْتَغُونَ﴾ أيْ: تَطْلُبُونَ بِقَتْلِهِ ﴿عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: مالَهُ الَّذِي هو سَرِيعُ النَّفادِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ (لا تَقُولُوا) مُنْبِئَةٌ عَمّا يَحْمِلُهم عَلى العَجَلَةِ وتَرْكِ التَّأنِّي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ ابْتِغاءِ مالِهِ بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ الضِّمْنِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَبْتَغُوا مالَهُ، فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ يُغَنِّمُكُمُوها، فَيُغْنِيكم عَنِ ارْتِكابِ ما ارْتَكَبْتُمُوهُ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ القَوْلِ المَذْكُورِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الَّذِي ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ كُنْتُمْ أنْتُمْ أيْضًا في مَبادِئِ إسْلامِكُمْ، لا يَظْهَرُ مِنكم لِلنّاسِ غَيْرُ ما ظَهَرَ مِنهُ لَكُمْ، مِن تَحِيَّةِ الإسْلامِ ونَحْوِها، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِأنْ قَبِلَ مِنكم تِلْكَ المَرْتَبَةَ، وعَصَمَ بِها دِماءَكم وأمْوالَكُمْ، ولَمْ يَأْمُرْ بِالتَّفَحُّصِ عَنْ سَرائِرِكم.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ فَصِيحَةٌ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاطْلُبُوا بَيانَ هَذا الأمْرِ البَيِّنِ وقِيسُوا حالَهُ بِحالِكُمْ، وافْعَلُوا بِهِ ما فُعِلَ بِكم في أوائِلِ أُمُورِكُمْ، مِن قَبُولِ ظاهِرِ الحالِ، مِن غَيْرِ وُقُوفٍ عَلى تَواطُؤِ الظّاهِرِ والباطِنِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَلا تَتَهافَتُوا في القَتْلِ، وكُونُوا مُحْتَرِزِينَ مُحْتاطِينَ في ذَلِكَ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ (فِي سَبَبِ نُزُولِها):

أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «مَرَّ رَجُلٌ مِن بَنِي سُلَيْمٍ بِنَفَرٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْعى غَنَمًا لَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ما يُسَلِّمُ عَلَيْنا إلّا لِيَتَعَوَّذَ مِنّا، فَعَمَدُوا إلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وأتَوْا بِغَنَمِهِ النَّبِيَّ ﷺ (p-١٤٧٥)فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخِرِها،» ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ ثُمَّ قالَ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وفي البابِ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ.

ورَواهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، ورَوى البُخارِيُّ عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: كانَ رَجُلٌ في غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلُوهُ، وأخَذُوا غُنَيْمَتَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ .... إلى قَوْلِهِ: (عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا): (تِلْكَ الغُنَيْمَةَ).

وقالَ البُخارِيُّ: قالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي عَمْرَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمِقْدادِ: إذا كانَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يُخْفِي إيمانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفّارٍ، فَأظْهَرَ إيمانَهُ فَقَتَلْتَهُ، فَكَذَلِكَ كُنْتَ أنْتَ تُخْفِي إيمانَكَ بِمَكَّةَ مِن قَبْلُ» هَكَذا رَواهُ البُخارِيُّ مُعَلَّقًا مُخْتَصَرًا.

ورَواهُ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَزّارُ مُطَوَّلًا مَوْصُولًا، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فِيها المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ، فَلَمّا أتَوُا القَوْمَ وجَدُوهم قَدْ تَفَرَّقُوا، وبَقِيَ رَجُلٌ لَهُ مالٌ كَثِيرٌ لَمْ يَبْرَحْ، فَقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأهْوى إلَيْهِ (p-١٤٧٦)المِقْدادُ فَقَتَلَهُ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ: أقَتَلْتَ رَجُلًا شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؟ واللَّهِ لِأذْكُرَنَّ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمّا قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ رَجُلًا شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقَتَلَهُ المِقْدادُ، فَقالَ: ادْعُوا لِي المِقْدادَ، يا مِقْدادُ! أقَتَلْتَ رَجُلًا يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؟! فَكَيْفَ لَكَ بِـ(لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) غَدًا ؟ قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمِقْدادِ: كانَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يُخْفِي إيمانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفّارٍ فَأظْهَرَ إيمانَهُ فَقَتَلْتَهُ، وكَذَلِكَ كُنْتَ تُخْفِي إيمانَكَ بِمَكَّةَ قَبْلُ» .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: قَدْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِ هَذِهِ الحالِ كَهَذا الَّذِي يُسِرُّ إيمانَهُ ويُخْفِيهِ مِن قَوْمِهِ، كَما تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ المَرْفُوعِ، وكَما قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٢٦] [الأنْفالِ: مِنَ الآيَةِ ٢٦] الآيَةَ، وهَذا وجْهٌ آخَرُ في مَرْجِعِ الإشارَةِ، غَيْرُ ما سَلَفَ، وهو الأدَقُّ، وبِالقَبُولِ أحَقُّ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "الفَتْحِ": يُسْتَفادُ مِن هَذِهِ الرِّوايَةِ (أيْ: رِوايَةِ البَزّارِ ) تَسْمِيَةُ القاتِلِ، وأمّا المَقْتُولُ فَرَوى الثَّعْلَبِيُّ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ نَحْوَهُ، واللَّفْظُ لِلْكَلْبِيِّ: أنَّ اسْمَ المَقْتُولِ مِرْداسُ بْنُ نَهِيكٍ، مِن أهْلِ فَدَكَ، وأنَّ اسْمَ القاتِلِ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وأنَّ اسْمَ أمِيرِ السَّرِيَّةِ غالِبُ بْنُ فَضالَةَ اللَّيْثِيُّ، وأنَّ قَوْمَ مِرْداسٍ لَمّا انْهَزَمُوا بَقِيَ هو وحْدَهُ، وكانَ ألْجَأ غَنَمَهُ بِجَبَلٍ، فَلَمّا لَحِقُوهُ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقَتَلَهُ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمّا رَجَعُوا نَزَلَتِ الآيَةُ.

وكَذا أخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ، وفي آخِرِ رِوايَةِ قَتادَةَ: لِأنَّ تَحِيَّةَ (p-١٤٧٧)المُسْلِمِينَ السَّلامُ، بِها يَتَعارَفُونَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مِرْداسٍ، وهَذا شاهِدٌ حَسَنٌ، وأسْنَدَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ أُسامَةَ حَلَفَ لا يَقْتُلُ رَجُلًا يَقُولُ: (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) بَعْدَ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وما لَقِيَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن أئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ: وبِهَذا اعْتَذَرَ إلى عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى تَخَلَّفَ عَنْهُ، وإنْ كانَ عُذْرًا غَيْرَ مَقْبُولٍ؛ لِأنَّ القِتالَ مَعَ الإمامِ واجِبٌ عِنْدَ خُرُوجِ البُغاةِ، ويُكَفِّرُ يَمِينَهُ.

قالَ الحاكِمُ: إلّا أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أذِنَ لَهُ. انْتَهى.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي حَدْرَدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى إضَمٍ، فَخَرَجْتُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فِيهِمْ أبُو قَتادَةَ الحارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، ومُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ بْنِ قَيْسٍ، فَخَرَجْنا حَتّى إذا كُنّا بِبَطْنِ إضَمٍ مَرَّ بِنا عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ الأشْجَعِيُّ عَلى قَعُودٍ لَهُ، مَعَهُ مُتَيِّعٌ لَهُ (تَصْغِيرُ مَتاعٍ وهو السِّلْعَةُ) ووَطْبٌ مِن لَبَنٍ، فَلَمّا مَرَّ بِنا سَلَّمَ عَلَيْنا، فَأمْسَكْنا عَنْهُ، وحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ فَقَتَلَهُ؛ لِشَيْءٍ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، وأخَذَ بِعِيرَهُ ومُتَيِّعَهُ، فَلَمّا قَدِمْنا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأخْبَرْناهُ الخَبَرَ، نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَبِيرًا﴾» ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وزادَ: «فَجاءَ مُحَلِّمٌ في بُرْدَيْنِ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: لا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ فَقامَ وهو يَتَلَقّى دُمُوعَهُ بِبُرْدَيْهِ، فَما مَضَتْ لَهُ سابِعَةٌ حَتّى ماتَ، ودَفَنُوهُ في الأرْضِ فَلَفَظَتْهُ الأرْضُ، فَجاؤُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: إنَّ (p-١٤٧٨)الأرْضَ تَقْبَلُ مَن هو شَرٌّ مِن صاحِبِكُمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يَعِظَكم ثُمَّ طَرَحُوهُ بَيْنَ صَدَفَيْ جَبَلٍ، وألْقَوْا عَلَيْهِ الحِجارَةَ،» ونَزَلَتْ.

ورَوى أئِمَّةُ السِّيَرِ «أنَّهُ لَمّا كانَ عامُ خَيْبَرَ جاءَ عُيَيْنَةَ بْنُ بَدْرٍ يَطْلُبُ بِدَمِ عامِرٍ وهو سَيِّدُ قَيْسٍ، وكانَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ يَرُدُّ عَنْ مُحَلِّمٍ وهو سَيِّدُ خِنْدِفٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِقَوْمِ عامِرٍ: هَلْ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِنّا الآنَ خَمْسِينَ بَعِيرًا، وخَمْسِينَ إذا رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ ؟ فَقالَ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ: واللَّهِ! لا أدَعُهُ حَتّى أُذِيقَ نِساءَهُ مِنَ الحَرِّ مِثْلَ ما أذاقَ نِسائِي، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى رَضِيَ بِالدِّيَةِ».

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي سالِمُ بْنُ النَّضْرِ قالَ: «لَمْ يَقْبَلُوا الدِّيَةَ حَتّى قامَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ فَخَلا بِهِمْ: فَقالَ: يا مَعْشَرَ قَيْسٍ! سَألَكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَتِيلًا تَتْرُكُونَهُ لِيُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ النّاسِ فَمَنَعْتُمُوهُ إيّاهُ، أفَأمِنتُمْ أنْ يَغْضَبَ عَلَيْكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَغْضَبُ عَلَيْكُمُ اللَّهُ لِغَضَبِهِ؟ أوْ يَلْعَنَكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَلْعَنُكُمُ اللَّهُ بِلَعْنَتِهِ؟ واللَّهِ! لَتُسَلِّمُنَّهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لَآتِيَنَّ بِخَمْسِينَ مِن بَنِي تَمِيمٍ كُلُّهم يَشْهَدُونَ أنَّ القَتِيلَ ما صَلّى قَطُّ، فَلَأُبْطِلَنَّ دَمَهُ، فَلَمّا قالَ ذَلِكَ أخَذُوا الدِّيَةَ».

وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، عَنْ جَزْءِ بْنِ الحِدْرِجانِ قالَ: «وفَدَ أخِي قِدادٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ اليَمَنِ فَلَقِيَتْهُ سَرِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لَهُمْ: أنا مُؤْمِنٌ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنهُ وقَتَلُوهُ، فَبَلَغَنِي ذَلِكَ، فَخَرَجْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ﴾ الآيَةَ، فَأعْطانِي النَّبِيُّ ﷺ دِيَةَ أخِي».

قالَ القَفّالُ: ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ، فَلَعَلَّها نَزَلَتْ عِنْدَ وُقُوعِها بِأسْرِها، فَكانَ كُلُّ فَرِيقٍ يَظُنُّ أنَّها نَزَلَتْ في واقِعَتِهِ. انْتَهى.

وتَقَدَّمَ لَنا في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ النُّزُولِ ما يَدْفَعُ التَّنافِيَ في نَحْوِ هَذا، فارْجِعْ إلَيْهِ.

* *

تَنْبِيهٌ:

قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ المُبالِغَةُ في تَحْرِيمِ قَتْلِ المُؤْمِنِينَ، وأمْرِ المُجاهِدِينَ بِالتَّثَبُّتِ فِيهِ؛ لِئَلّا يَسْفِكُوا دَمًا حَرامًا بِتَأْوِيلٍ ضَعِيفٍ.

وفِي "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِظاهِرِها (p-١٤٧٩)عَلى قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ إذا أظْهَرَ الِاسْتِسْلامَ، وعَلى أنَّ الكافِرَ يُحْكَمُ لَهُ بِالإسْلامِ إذا أظْهَرَ ما يُنافِي اعْتِقادَهُ، عَلى قِراءَةِ (السَّلامَ) وفي الآيَةِ وُجُوبُ التَّثَبُّتِ في الأُمُورِ، خُصُوصًا القَتْلَ، ووُجُوبُ الدَّعْوَةِ قَبْلَ القِتالِ. انْتَهى.

وقالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "الفَتْحِ": في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن أظْهَرَ شَيْئًا مِن عَلاماتِ الإسْلامِ لَمْ يَحُلَّ دَمُهُ حَتّى يُخْتَبَرَ أمْرُهُ؛ لِأنَّ السَّلامَ تَحِيَّةُ المُسْلِمِينَ، وكانَ تَحِيَّتُهم في الجاهِلِيَّةِ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَكانَتْ هَذِهِ عَلامَةً.

وأمّا عَلى قِراءَةِ (السَّلَّمَ) بِفَتْحَتَيْنِ، أوْ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، فالمُرادُ بِهِ الِانْقِيادُ، وهو عَلامَةُ الإسْلامِ. انْتَهى.

وقالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وُجُوبُ التَّثَبُّتِ والتَّأنِّي فِيما يَحْتَمِلُ الحَظْرَ والإباحَةَ، لِقَوْلِهِ: فَتَبَيَّنُوا (بِالنُّونِ) وهَذِهِ قِراءَةُ الأكْثَرِ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ قِراءَتُهُما: (فَتَثَبَّتُوا) مِنَ (الثَّباتِ).

ويَدْخُلُ في هَذا أحْكامٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الِاعْتِقاداتِ والأخْبارِ والأفْعالِ مِنَ الأحْكامِ وسائِرِ الأعْمالِ، فَهَذا حُكْمٌ، والحُكْمُ الثّانِي أنَّهُ يَجِبُ الأخْذُ بِالظّاهِرِ، فَمَن أظْهَرَ الإسْلامَ أوْ شَيْئًا مِن شَعائِرِ الإسْلامِ لا يُكَذَّبُ بَلْ يُقْبَلُ مِنهُ، ويَدْخُلُ في هَذا المُلْحِدُ والمُنافِقُ، وهَذا هو مَذْهَبُنا والأكْثَرِ، ويَدْخُلُ في هَذا قَبُولُ تَوْبَةِ المُرْتَدِّ، خِلافًا لِأحْمَدَ، وقَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ، وهَذا قَوْلُ عامَّةِ الأئِمَّةِ.

وقالَ مالِكٌ: لا تُقْبَلُ؛ لِأنَّ هَذا عَيْنُ مَذْهَبِهِمْ أنَّهم يُظْهِرُونَ خِلافَ ما يُبْطِنُونَ.

قالَ الرّاضِي بِاللَّهِ والإمامُ يَحْيى: إنْ أظْهَرُوا ما يَعْتادُونَ إخْفاءَهُ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُمْ، وإلّا فَلا.

قالَ عَلِيُّ خَلِيلٍ: تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ، ولَوْ عَرَفْنا مِن باطِنِهِمْ خِلافَ ما أظْهَرُوا، كَما قَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المُنافِقِينَ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِكُفْرِهِمْ.

وقالَ أبُو مُضَرَ: تُقْبَلُ ما لَمْ يُعْرَفْ كَذِبُهُمْ، وهَذا الخِلافُ في الظّاهِرِ، وأمّا عِنْدُ اللَّهِ إذا صَدَقَ فَهي مَقْبُولَةٌ وِفاقًا.

قالَ الحاكِمُ: وتَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوَصُّلَ بِالسَّبَبِ المُحَرَّمِ إلى المالِ لا يَجُوزُ، وقَدْ ذَكَرَ العُلَماءُ صُورًا في التَّوَصُّلِ إلى المُباحِ بِالمَحْظُورِ مُخْتَلِفَةً، ذُكِرَتْ في غَيْرِ هَذا (p-١٤٨٠)المَوْضِعِ، والحُجَّةُ هُنا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لِأنَّ الَّذِي قُصِدَ هُنا أخْذُهُ مَحْظُورٌ؛ لِأنَّ إظْهارَ الإسْلامِ يَحْقِنُ النَّفْسَ والمالَ، فَذَلِكَ تَوَصُّلٌ بِمَحْظُورٍ إلى مَحْظُورٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قُرِئَ (السَّلَّمَ) وهَذِهِ قِراءَةُ نافِعٍ وحَمْزَةَ وابْنِ عامِرٍ بِغَيْرِ ألِفٍ وهو الِاسْتِسْلامُ، وقِيلَ: إظْهارُ الإسْلامِ، وقَرَأ الباقُونَ: (السَّلامَ) بِألِفٍ وهو التَّحِيَّةُ. انْتَهى.

وقالَ أبُو مَنصُورٍ في "التَّأْوِيلاتِ": فِيهِ الأمْرُ بِالتَّثَبُّتِ عِنْدَ الشُّبْهَةِ، والنَّهْيُ عَنِ الإقْدامِ عِنْدَها، وهَكَذا الواجِبُ عَلى المُؤْمِنِ الوَقْفُ عِنْدَ اعْتِراضِ الشُّبْهَةِ في كُلِّ فِعْلٍ وكُلِّ خَبَرٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالتَّثَبُّتِ في الأعْمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وقالَ في الخَبَرِ: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] [الحُجُراتِ: مِنَ الآيَةِ ٦] أمَرَ بِالتَّثَبُّتِ في الأخْبارِ عِنْدَ الشُّبْهَةِ، كَما أمَرَ في الأفْعالِ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] [الإسْراءِ: مِنَ الآيَةِ ٣٦].

وفِي الآيَةِ دَلِيلُ فَسادِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ؛ لِأنَّهُ نَهاهم أنْ يَقُولُوا (لِمَن قالَ: إنِّي مُسْلِمٌ): لَسْتَ مُؤْمِنًا، وهم يَقُولُونَ: صاحِبُ الكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وهو يَقُولُ ألْفَ مَرَّةٍ (عَلى المَثَلِ): إنِّي مُسْلِمٌ، فَإذا نَهى أنْ يَقُولُوا: لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، أمَرَهم أنْ يَقُولُوا: هو مُؤْمِنٌ، فَيُقالُ لَهُمْ: أنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ؟! عَلى ما قِيلَ لِأُولَئِكَ. انْتَهى.

وقالَ الرّازِيُّ: قالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ: لَوْ قالَ اليَهُودِيُّ والنَّصْرانِيُّ: أنا مُؤْمِنٌ، أوْ قالَ: أنا مُسْلِمٌ، لا يُحْكَمُ بِهَذا القَدْرِ بِإسْلامِهِ، لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّ الَّذِي هو عَلَيْهِ هو الإسْلامُ وهو الإيمانُ، ولَوْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَعِنْدَ قَوْمٍ لا يُحْكَمُ بِإسْلامِهِ؛ لِأنَّ فِيهِمْ مَن يَقُولُ: إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى العَرَبِ، لا إلى الكُلِّ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا الَّذِي هو الرَّسُولُ الحَقُّ (p-١٤٨١)بَعْدُ ما جاءَ، وسَيَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَعْتَرِفَ بِأنَّ الدِّينَ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ باطِلٌ، وأنَّ الدِّينَ المَوْجُودَ فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ هو الحَقُّ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.

أقُولُ: كُلُّ مَن قالَ: أنا مُؤْمِنٌ أوْ أنا مُسْلِمٌ مِنَ المُحارِبِينَ، مُظْهِرًا الِانْقِيادَ لَنا، وأنَّهُ مِن مِلَّتِنا، فَإنَّهُ يُحْكَمُ بِإسْلامِهِ، ويُكَفُّ عَنْ قَتْلِهِ وأخْذِ مالِهِ، كِتابِيًّا كانَ أوْ مُشْرِكًا، وهَذا هو المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ.

وأمّا مَسْألَةُ مَن أرادَ الدُّخُولَ في الإسْلامِ وهو عَلى عَقِيدَةٍ فاسِدَةٍ، وأنَّهُ لا بُدَّ في صِحَّةِ إسْلامِهِ مِن تَبَرُّئِهِ عَنْها، ونَبْذِها ظِهْرِيًّا، وأنَّهُ لا يُكْتَفى بِقَوْلِهِ: أنا مُسْلِمٌ - فَذاكَ بَحْثٌ آخَرُ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَيْسَ مِمّا تَشْمَلُهُ الآيَةُ، كَما أنَّ مَن أظْهَرَ الإسْلامَ وأتى بِالشَّهادَتَيْنِ ولَمْ يَدِنْ بِشَرائِعِ الإسْلامِ وإقامَةِ شَعائِرِهِ، كَبَعْضِ القَبائِلِ البادِيَةِ الجافِيَةِ - فَإنَّهُ يَجِبُ عَلى الإمامِ قِتالُهُمْ، ولا يُقالُ: إنَّ الآيَةَ تَشْمَلُهُمْ؛ لِما ذَكَرْنا، وظاهِرٌ أنَّ مَدارَ النَّهْيِ في الآيَةِ إنَّما هو عَلى سَفْكِ الدِّماءِ ابْتِغاءَ عَرَضِ الدُّنْيا؛ لِقَوْلِهِ: (تَبْتَغُونَ) وهو حالٌ كَما أسْلَفْنا، والحالُ قَيْدٌ لِعامِلِها، فَما ذَكَرَهُ الرّازِيُّ عَنِ الفُقَهاءِ لَيْسَ مِمّا تَشْمَلُهُ الآيَةُ؛ لِأنَّ البَحْثَ لَيْسَ في القَدْرِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ الكافِرُ مُسْلِمًا، بَلْ في الكَفِّ عَنْ قَتْلِ المُنْقادِ لَنا، فافْهَمْ، وقَوْلُهُ تَعالى:

4:95Page 94

لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٩٥

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujāhideen, [who strive and fight] in the cause of Allāh with their wealth and their lives. Allāh has preferred the mujāhideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to all [i.e., both] Allāh has promised the best [reward]. But Allāh has preferred the mujāhideen over those who remain [behind] with a great reward -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [٩٥]

﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بَيانٌ لِتَفاوُتِ طَبَقاتِ المُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ تَفاوُتِ دَرَجاتِ مَساعِيهِمْ في الجِهادِ، بَعْدَ ما مَرَّ مِنَ الأمْرِ بِهِ وتَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ؛ لِيَأْنَفَ القاعِدُ عَنْهُ ويَتَرَفَّعَ بِنَفْسِهِ عَنِ انْحِطاطِ رُتْبَتِهِ، فَيَهْتَزَّ لَهُ رَغْبَةً في ارْتِفاعِ طَبَقَتِهِ، قالَهُ أبُو السُّعُودِ.

(p-١٤٨٢)وأصْلُهُ لِلزَّمَخْشَرِيِّ حَيْثُ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: مَعْلُومٌ أنَّ القاعِدَ بِغَيْرِ عُذْرٍ والمُجاهِدَ لا يَسْتَوِيانِ، فَما فائِدَةُ نَفْيِ الِاسْتِواءِ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ الإذْكارُ بِما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ العَظِيمِ والبَوْنِ البَعِيدِ؛ لِيَأْنَفَ القاعِدُ ويَتَرَفَّعَ بِنَفْسِهِ عَنِ انْحِطاطِ مَنزِلَتِهِ، فَيَهْتَزَّ لِلْجِهادِ ويَرْغَبَ فِيهِ، وفي ارْتِفاعِ طَبَقَتِهِ، ونَحْوُهُ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] [الزُّمَرِ: مِنَ الآيَةِ ٩] أُرِيدَ بِهِ التَّحْرِيكُ مِن حَمِيَّةِ الجاهِلِ وأنَفَتِهِ لِيُهابَ بِهِ إلى التَّعَلُّمِ ولِيَنْهَضَ بِنَفْسِهِ عَنْ صِفَةِ الجَهْلِ إلى شَرَفِ العِلْمِ. انْتَهى.

والمُرادُ بِهِمْ - وقْتَ النُّزُولِ - القاعِدُونَ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ والخارِجُونَ إلَيْها، كَما رَواهُ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ مُخْرِجٌ لِذَوِي الأعْذارِ المُبِيحَةِ لِتَرْكِ الجِهادِ: مِنَ العَمى والعَرَجِ والمَرَضِ، عَنْ مُساواتِهِمْ لِلْقاعِدِينَ، فَإنَّهم مُساوُونَ المُجاهِدِينَ بِالنِّيَّةِ، ولا يُعْتَدُّ بِزِيادَةِ أجْرِ العَمَلِ لَهم لِعِظَمِ أمْرِ النِّيَّةِ.

كَما رَوى الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إنَّ بِالمَدِينَةِ أقْوامًا ما سِرْتُمْ مِن مَسِيرٍ ولا قَطَعْتُمْ مِن وادٍ إلّا وهم مَعَكم فِيهِ قالُوا: وهم بِالمَدِينَةِ يا رَسُولَ اللَّهِ! قالَ: نَعَمْ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ» وفي هَذا المَعْنى قالَ الشّاعِرُ:

؎يا راحِلِينَ إلى البَيْتِ العَتِيقِ لَقَدْ سِرْتُمْ جُسُومًا وسِرْنا نَحْنُ أرْواحا

؎إنّا أقَمْنا عَلى عُذْرٍ وعَنْ قَدَرٍ ∗∗∗ ومَن أقامَ عَلى عُذْرٍ كَمَن راحا

(p-١٤٨٣)ورَوى البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا فَكَتَبَها، فَجاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَشَكا ضَرارَتَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾»

وفِي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ عَنْ زَيْدٍ: «فَجاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وهو يُمْلِيها عَلَيَّ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! واللَّهِ! لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجاهَدْتُ، وكانَ أعْمى، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ فَخِذَهُ عَلى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتّى خِفْتُ أنْ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾»

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأمْوالِهِمْ﴾ أيِ: الَّتِي يُنْفِقُونَها عَلى أنْفُسِهِمْ في الجِهادِ أوْ عَلى مُجاهِدٍ آخَرَ ﴿وأنْفُسِهِمْ﴾ أيِ: الَّتِي هي أعَزُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وإنْ أنْفَقَ عَلَيْهِمْ غَيْرُهم إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم مالٌ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإيرادُهم - يَعْنِي الغُزاةَ - بِعُنْوانِ المُجاهِدِينَ، دُونَ الخُرُوجِ المُقابِلِ لِوَصْفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، كَما وقَعَ في عِبارَةِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وكَذا تَقْيِيدُ المُجاهَدَةِ بِكَوْنِها في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ - لِمَدْحِهِمْ بِذَلِكَ والإشْعارِ بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِعُلُوِّ المَرْتَبَةِ، مَعَ ما فِيهِ مِن حُسْنِ مُوقِعِ السَّبِيلِ في مُقابَلَةِ القُعُودِ. انْتَهى.

وظاهِرٌ أنَّ نَفْيَ المُساواةِ يَسْتَلْزِمُ التَّفْضِيلَ، إلّا أنَّهُ لِلِاعْتِناءِ بِهِ، ولِيَتَمَكَّنَ أشَدَّ تَمَكُّنٍ - لَمْ يَكْتَفِ بِما فُهِمَ ضِمْنًا، بَلْ صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ﴾ لِأنَّهم رَجَّحُوا جانِبَهُ ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ﴾ أيْ: غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ ﴿دَرَجَةً﴾ في القُرْبِ مِمَّنْ رَجَّحُوا جانِبَهُ ﴿وكُلا﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنَ القاعِدِينَ والمُجاهِدِينَ ﴿وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ أيِ: المَثُوبَةَ الحُسْنى، وهي الجَنَّةُ، لِحُسْنِ عَقِيدَتِهِمْ وخُلُوصِ نِيَّتِهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَدارُكًا (p-١٤٨٤)لِما عَسى يُوهِمُهُ تَفْضِيلُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ مِن حِرْمانِ المَفْضُولِ ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ﴾ بِالجِهادِ ﴿عَلى القاعِدِينَ﴾ أيْ: بِغَيْرِ عُذْرٍ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ أيْ: ثَوابًا وافِرًا في الجَنَّةِ.

4:96Page 94

دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٩٦

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [٩٦]

﴿دَرَجاتٍ مِنهُ﴾ بَدَلٌ مِن (أجْرًا) بَدَلُ الكُلِّ، مُبَيِّنٌ لِكَمِّيَّةِ التَّفْضِيلِ و(مِنهُ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(دَرَجاتٍ) دالَّةً عَلى فَخامَتِها وجَلالَةِ قَدْرِها، قالَهُ أبُو السُّعُودِ.

وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّها اللَّهُ لِلْمُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ، ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ» .

وقالَ الأعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن رَمى بِسَهْمٍ فَلَهُ أجْرُهُ دَرَجَةٌ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ! وما الدَّرَجَةُ؟ فَقالَ: أما إنَّها لَيْسَتْ بِعَتَبَةِ أُمِّكَ، ما بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ مِائَةُ عامٍ» ﴿ومَغْفِرَةً﴾ أيْ: لِذُنُوبِهِمْ ﴿ورَحْمَةً﴾ (p-١٤٨٥)فَوْقَ الأجْرِ ودَرَجاتِهِ.

﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما وعَدَ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وهَهُنا فَوائِدُ:

الأُولى: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الجِهادَ لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ، إذْ لَوْ كانَ فَرْضًا مِن فُرُوضِ الأعْيانِ لَمْ يَكُنْ لِلْقاعِدِ فَضْلٌ، ولَكِنْ تَفاوَتَ الفَضْلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُجاهِدِ، وقالَ: (وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى).

الثّانِيَةُ: دَلَّتْ أيْضًا عَلى أنَّ الجِهادَ أفْضَلُ مِنَ القُرَبِ الَّتِي يَفْعَلُها القاعِدُ؛ لِأنَّهُ فَضَّلَهُ عَلى القاعِدِ مُطْلَقًا، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ ﷺ: «الجِهادُ سَنامُ الدِّينِ» .

وقَدْ فَرَّعَ العُلَماءُ عَلى هَذا أنَّ رَجُلًا لَوْ وقَفَ مالَهُ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ البِرِّ، أوْ أوْصى أنْ يُصْرَفَ في أحْسَنِ وُجُوهِ البِّرِ، فَإنَّهُ يُصْرَفُ في الجِهادِ، خِلافَ ما ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ أنَّهُ يُصْرَفُ في طَلَبِ العِلْمِ، كَذا في بَعْضِ التَّفاسِيرِ.

الثّالِثَةُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ تَفْضِيلُ المُجاهِدِينَ عَلى غَيْرِهِمْ، وأنَّ المَعْذُورِينَ في دَرَجَةِ المُجاهِدِينَ، واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ (بِأمْوالِهِمْ) عَلى تَفْضِيلِ المُجاهِدِ بِمالِ نَفْسِهِ عَلى المُجاهِدِ بِمالٍ يُعْطاهُ مِنَ الدُّيُونِ أوْ نَحْوِهِ.

الرّابِعَةُ: قالَ الرّازِيُّ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] فَقَدَّمَ ذِكْرَ النَّفْسِ عَلى المالِ، وفي الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها وهي قَوْلُهُ: ﴿المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥] قَدَّمَ ذِكْرَ المالِ عَلى النَّفْسِ، فَما السَّبَبُ؟ وجَوابُهُ: أنَّ النَّفْسَ أشْرَفُ مِنَ المالِ، فالمُشْتَرِي قَدَّمَ ذِكْرَ النَّفْسِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الرَّغْبَةَ فِيها أشَدُّ، والبائِعُ أخَّرَ ذِكْرَها؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُضايَقَةَ فِيها أشَدُّ، فَلا يَرْضى بِبَذْلِها إلّا في آخِرِ المَراتِبِ.

الخامِسَةُ: قالَ أبُو السُّعُودِ: لَعَلَّ تَكْرِيرَ التَّفْضِيلِ بِطَرِيقِ العَطْفِ المُنْبِئِ عَنِ المُغايَرَةِ، وتَقْيِيدَهُ تارَةً بِدَرَجَةٍ وأُخْرى بِدَرَجاتٍ، مَعَ اتِّحادِ المُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ، حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الكَلامُ ويَسْتَدْعِيهِ حُسْنُ النِّظامِ - إمّا لِتَنْزِيلِ الِاخْتِلافِ العُنْوانِيِّ بَيْنَ التَّفْضِيلَيْنِ وبَيْنَ الدَّرَجَةِ والدَّرَجاتِ (p-١٤٨٦)مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ الذّاتِيِّ؛ تَمْهِيدًا لِسُلُوكِ طَرِيقِ الإبْهامِ ثُمَّ التَّفْسِيرِ؛ رَوْمًا لِمَزِيدِ التَّحْقِيقِ والتَّقْرِيرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨] [هُودَ: ٥٨] كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلَ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً لا يُقادَرُ قَدْرُها، ولا يُبْلَغُ كُنْهُها، وحَيْثُ كانَ تَحَقُقُّ هَذا البَوْنِ البَعِيدِ بَيْنَهُما مُوهِمًا لِحِرْمانِ القاعِدِينَ قِيلَ: ﴿وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [النساء: ٩٥] ثُمَّ أُرِيدَ تَفْسِيرُ ما أفادَهُ التَّنْكِيرُ بِطَرِيقِ الإبْهامِ، بِحَيْثُ يُقْطَعُ احْتِمالُ كَوْنِهِ لِلْوَحْدَةِ، فَقِيلَ ما قِيلَ، ولِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ.

وإمّا لِلِاخْتِلافِ بِالذّاتِ بَيْنَ التَّفْضِيلَيْنِ وبَيْنَ الدَّرَجَةِ والدَّرَجاتِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّفْضِيلِ الأوَّلِ ما خَوَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عاجِلًا في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والظَّفَرِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ الحَقِيقِ بِكَوْنِهِ دَرَجَةً واحِدَةً، وبِالتَّفْضِيلِ الثّانِي ما أنْعَمَ بِهِ في الآخِرَةِ مِنَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَقْدِيمُ الأوَّلِ وتَأْخِيرُ الثّانِي، وتَوْسِيطُ الوَعْدِ بِالجَنَّةِ بَيْنَهُما، وقَدْ وُسِّطَ بَيْنَهُما في الذِّكْرِ ما هو مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُما في الوُجُودِ، أعْنِي الوَعْدَ بِالجَنَّةِ؛ تَوْضِيحًا لِحالِهِما ومُسارَعَةً إلى تَسْلِيَةِ المَفْضُولِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском