Al-QasimiAl‑Hujurat · 49:12–14

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Hujurat 49:12–14

49:12Page 517

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ ١٢

O you who have believed, avoid much [negative] assumption. Indeed, some assumption is sin. And do not spy or backbite each other. Would one of you like to eat the flesh of his brother when dead? You would detest it. And fear Allāh; indeed, Allāh is Accepting of Repentance and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ أيْ: كُونُوا عَلى جانِبٍ مِنهُ. وذَلِكَ بِأنْ تَظُنُّوا بِالنّاسِ سُوءًا؛ فَإنَّ الظّانَّ غَيْرُ مُحَقَّقٍ. وإبْهامُ (الكَثِيرِ) لِإيجابِ الِاحْتِياطِ والتَّوَرُّعِ فِيما يُخالِجُ الأفْئِدَةَ مِن هَواجِسِهِ، إذْ لا داعِيَةَ تَدْعُو المُؤْمِنَ لِلْمَشْيِ وراءَهُ، أوْ صَرْفِ الذِّهْنِ فِيهِ، بَلْ مِن مُقْتَضى الإيمانِ ظَنُّ المُؤْمِنِينَ بِأنْفُسِهِمُ الحَسَنَ. قالَ تَعالى: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢] نَعَمْ! مَن أظْهَرَ فِسْقَهُ، وهَتَكَ سِتْرَهُ، فَقَدْ أباحَ عِرْضَهُ لِلنّاسِ. ومِنهُ ما رُوِيَ: مَن ألْقى جِلْبابَ الحَياءِ، فَلا غِيبَةَ لَهُ. ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي يُمَيِّزُ الظُّنُونَ الَّتِي يَجِبُ اجْتِنابُها عَمّا سِواها، أنَّ كُلَّ ما لَمْ تُعْرَفْ لَهُ أمارَةٌ صَحِيحَةٌ، وسَبَبٌ ظاهِرٌ، كانَ حَرامًا واجِبَ الِاجْتِنابِ. وذَلِكَ إذا كانَ المَظْنُونُ بِهِ مِمَّنْ شُوهِدَ مِنَ السَّتْرِ والصَّلاحِ، وأُونِسَتْ مِنهُ الأمانَةُ في الظّاهِرِ، فَظَنُّ الفَسادِ والخِيانَةِ بِهِ مُحَرَّمٌ، بِخِلافِ مَنِ اشْتَهَرَهُ النّاسُ بِتَعاطِي الرَّيْبِ، والمُجاهَرَةِ بِالخَبائِثِ.

﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ﴾ وهو ظَنُّ المُؤْمِنِ الشَّرُّ، لا الخَيْرُ: ﴿إثْمٌ﴾ أيْ: مُكْسِبٌ لِلْعِقابِ، لِأنَّ فِيهِ ارْتِكابَ ما نُهِيَ عَنْهُ.

(p-٥٤٦٣)قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ في (الإحْياءِ) في بَيانِ تَحْرِيمِ الغِيبَةِ بِالقَلْبِ: اعْلَمْ أنَّ سُوءَ الظَّنِّ حَرامٌ، مِثْلَ سُوءِ القَوْلِ. فَكَما يَحْرُمُ عَلَيْكَ أنْ تُحَدِّثَ غَيْرَكَ بِلِسانِكَ بِمَساوِئِ الغَيْرِ، فَلَيْسَ لَكَ أنَّ تُحَدِّثَ نَفْسَكَ، وتُسِيءَ الظَّنَّ بِأخِيكَ. قالَ: ولَسْتُ أعْنِي بِهِ إلّا عَقْدَ القَلْبِ، وحُكْمَهُ عَلى غَيْرِهِ بِسُوءِ الظَّنِّ. فَأمّا الخَواطِرُ وحَدِيثُ النَّفْسِ، فَهو مَعْفُوٌّ عَنْهُ، بَلِ الشَّكُّ أيْضًا مَعْفُوٌّ عَنْهُ. ولَكِنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ أنْ يُظَنَّ. والظَّنُّ عِبارَةٌ عَمّا تَرْكَنُ إلَيْهِ النَّفْسُ، ويَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ. فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ قالَ: وسَبَبُ تَحْرِيمِهِ أنَّ أسْرارَ القُلُوبِ لا يَعْلَمُها إلّا عَلّامُ الغُيُوبِ، فَلَيْسَ لَكَ أنْ تَعْتَقِدَ في غَيْرِكَ سُوءًا إلّا إذا انْكَشَفَتْ لَكَ بِعِيانٍ لا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ. فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يُمْكِنُكَ أنْ لا تَعْتَقِدَ ما عَلِمْتَهُ وشاهَدْتَهُ. وما لَمْ تُشاهِدْهُ بِعَيْنَيْكَ، ولَمْ تَسْمَعْهُ بِأُذُنِكَ، ثُمَّ وقَعَ في قَلْبِكَ، فَإنَّما الشَّيْطانُ يُلْقِيهِ إلَيْكَ، فَيَنْبَغِي أنْ تُكَذِّبَهُ فَإنْ أفْسَقَ الفُسّاقِ. إلى أنْ قالَ: فَلا يُسْتَباحُ ظَنُّ السَّوْءِ إلّا بِما يُسْتَباحُ بِهِ المالُ، وهو بِعَيْنٍ مُشاهِدَةٍ، أوْ بَيِّنَةٍ عادِلَةٍ. انْتَهى.

ولَمّا كانَ مِن ثَمَراتِ سُوءِ الظَّنِّ التَّجَسُّسُ، فَإنَّ القَلْبَ لا يَقْنَعُ بِالظَّنِّ، ويَطْلُبُ التَّحْقِيقَ فَيَشْتَغِلُ بِالتَّجَسُّسِ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ النَّهْيَ عَنْهُ، إثْرَ سُوءِ الظَّنِّ لِذَلِكَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: لا يَتْبَعْ بَعْضُكم عَوْرَةَ بَعْضٍ، ولا يَبْحَثْ عَنْ سَرائِرِهِ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ الظُّهُورَ عَلى عُيُوبِهِ، ولَكِنِ اقْنَعُوا بِما ظَهَرَ لَكم مِن أمْرِهِ، وبِهِ فاحْمَدُوا أوْ ذِمُّوا، لا عَلى ما تَعْلَمُونَهُ مِن سَرائِرِهِ.

يُقالُ: تَجَسَّسَ الأمْرَ إذا تَطَلَّبَهُ، وبَحَثَ عَنْهُ، كَتَلَمَّسَ. قالَ الشِّهابُ: الجَسُّ (بِالجِيمِ) كاللَّمْسِ، فِيهِ مَعْنى الطَّلَبِ؛ لِأنَّ مَن يَطْلُبُ الشَّيْءَ يَمَسُّهُ ويَجُسُّهُ، فَأُرِيدَ بِهِ ما يَلْزَمُهُ، واسْتُعْمِلَ التَّفَعُّلُ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ.

قالَ الغَزالِيُّ: ومَعْنى التَّجَسُّسِ أنْ لا يَتْرُكَ عِبادَ اللَّهِ تَحْتَ سَتْرِ اللَّهِ، فَيَتَوَصَّلُ إلى الِاطِّلاعِ، وهَتْكِ السِّتْرِ، حَتّى يَنْكَشِفَ لَهُ ما هو كانَ مَسْتُورًا عَنْهُ، كانَ أسْلَمَ لِقَلْبِهِ ودِينِهِ.

(p-٥٤٦٤)وقَدْ رُوِيَ في مَعْنى الآيَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنها حَدِيثُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فَرَفَعَ صَوْتَهُ حَتّى أسْمَعَ العَواتِقَ في خُدُورِهِنَّ، فَقالَ: «يا مَعْشَرَ مَن آمَنَ بِلِسانِهِ، ولَمْ يَخْلُصِ الإيمانُ في قَلْبِهِ! لا تَتَّبِعُوا عَوْراتِ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ مَن تَتَبَّعَ عَوْراتِ المُسْلِمِينَ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتّى يَفْضَحَهُ، ولَوْ في جَوْفِ بَيْتِهِ»» .

وفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ: ««لا تَجَسَّسُوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا»» . ورَوى أبُو داوُدَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ، فَقِيلَ لَهُ: هَذا فُلانٌ، تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا! فَقالَ: إنّا قَدْ نُهِينا عَنِ التَّجَسُّسِ، ولَكِنْ إنْ يَظْهَرْ لَنا شَيْءٌ نَأْخُذْ بِهِ -والرَّجُلُ سَمّاهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في رِوايَتِهِ: الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ.

ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ مُعاوِيَةَ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّكَ إنِ اتَّبَعْتَ عَوْراتِ النّاسِ أفْسَدْتَهُمْ، أوْ كِدْتَ أنْ تُفْسِدَهم». فَقالَ أبُو الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَلِمَةً سَمِعَها مُعاوِيَةُ مِن رَسُولِ اللَّهِ، نَفَعَهُ اللَّهُ بِها».

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ دُجَيْنٍ، كاتِبِ عُقْبَةَ، قالَ: لِعُقْبَةَ: إنّا لَنا جِيرانًا يَشْرَبُونَ (p-٥٤٦٥)الخَمْرَ، وأنا داعٍ لَهُمُ الشُّرَطَ فَيَأْخُذُونَهُمْ! قالَ: لا تَفْعَلْ، ولَكِنْ عِظْهم وتَهَدَّدْهُمْ! قالَ: فَفَعَلَ فَلَمْ يَنْتَهُوا. قالَ: فَجاءَهُ دُجَيْنٌ فَقالَ: إنِّي نَهَيْتُهم فَلَمْ يَنْتَهُوا، وإنِّي داعٍ لَهُمُ الشُّرَطَ فَتَأْخُذَهُمْ! فَقالَ لَهُ عُقْبَةُ: لا تَفْعَلْ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن سَتَرَ عَوْرَةَ مُؤْمِنٍ فَكَأنَّما اسْتَحْيى مَوْؤُودَةً مِن قَبْرِها»» !.

ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ الأمِيرَ إذا ابْتَغى الرِّيبَةَ في النّاسِ أفْسَدَهم»» . قالَ الأوْزاعِيُّ: ويَدْخُلُ في التَّجَسُّسِ اسْتِماعُ قَوْمٍ وهم لَهُ كارِهُونَ.

﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ: لا يَقُلْ بَعْضُكم في بَعْضٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ، ما يَكْرَهُ المَقُولُ فِيهِ ذَلِكَ، أنْ يُقالَ لَهُ في وجْهِهِ. يُقالُ: غابَهُ واغْتابَهُ، كَغالَهُ واغْتالَهُ، إذا ذَكَرَهُ بِسُوءٍ في غَيْبَتِهِ ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ ؟ أيْ: فَلَوْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ، نَفَرَتْ عَنْهُ نُفُوسُكُمْ، وكَرِهْتُمُوهُ. فَلِذا يَنْبَغِي أنْ تَكْرَهُوا الغَيْبَةَ. وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، مِثْلَ اغْتِيابِ الإنْسانِ لِآخَرَ بِأكْلِ لَحْمِ الأخِ مَيْتًا.

لَطائِفُ:

الأُولى:- قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكُمْ﴾ إلَخْ تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِما يَنالُهُ المُغْتابُ مِن عِرْضِ المُغْتابِ عَلى أفْظَعِ وجْهٍ وأفْحَشِهِ، وفِيهِ مُبالَغاتٌ شَتّى: مِنها -الِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، وهو يُفِيدُ المُبالَغَةَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَقَعُ في كَلامِ مُسْلِمٍ عِنْدَ كُلِّ سامِعٍ، حَقِيقَةً أوْ دُعاءً. ومِنها- جَعْلُ ما هو الغايَةُ مِنَ الكَراهَةِ مَوْصُولًا بِالمَحَبَّةِ. ومِنها- إسْنادُ الفِعْلِ إلى (أحَدِكُمْ)، والإشْعارُ بِأنَّ أحَدًا مِنَ الأحَدَيْنِ لا يُحِبُّ ذَلِكَ.

ومِنها- أنْ لَمْ يَقْتَصِرْ تَمْثِيلُ الِاغْتِيابِ بِأكْلِ لَحْمِ الإنْسانِ، حَتّى جَعَلَ الإنْسانَ أخًا.

ومِنها- أنْ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى أكْلِ لَحْمِ الأخِ، حَتّى جُعِلَ مَيْتًا. انْتَهى.

(p-٥٤٦٦)وقالَ ابْنُ الأثِيرِ في (المَثَلِ السّائِرِ) في بَحْثِ الكِنايَةِ: فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكُمْ﴾ إلَخْ فَإنَّهُ كَنّى عَنِ الغَيْبَةِ بِأكْلِ لَحْمِ الإنْسانِ لَحْمَ إنْسانٍ آخَرَ مِثْلِهِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذَلِكَ حَتّى جَعَلَهُ مَيْتًا، ثُمَّ جَعَلَ ما هو الغايَةُ مِنَ الكَراهَةِ مَوْصُولًا بِالمَحَبَّةِ. فَهَذِهِ أرْبَعُ دَلالاتٍ واقِعَةٍ عَلى ما قُصِدَتْ لَهُ، مُطابَقَةً لِلْمَعْنى الَّذِي ورَدَتْ مِن أجْلِهِ.

فَأمّا جَعْلُ الغِيبَةِ كَأكْلِ لَحْمِ الإنْسانِ لَحْمَ إنْسانٍ آخَرَ مِثْلِهِ، فَشَدِيدُ المُناسَبَةِ جِدًّا، لِأنَّ الغِيبَةَ إنَّما هي ذِكْرُ مَثالِبِ النّاسِ، وتَمْزِيقُ أعْراضِهِمْ. وتَمْزِيقُ العِرْضِ مُماثِلٌ لِأكْلِ الإنْسانِ لَحْمَ مَن يَغْتابُهُ، لِأنَّ أكْلَ اللَّحْمِ تَمْزِيقٌ عَلى الحَقِيقَةِ. وأمّا جَعْلُهُ كَلَحْمِ الأخِ فَلِما في الغِيبَةِ مِنَ الكَراهَةِ، لِأنَّ العَقْلَ والشَّرْعَ مُجْتَمِعانِ عَلى اسْتِكْراهِها، آمِرانِ بِتَرْكِها، والبُعْدِ عَنْها. ولَمّا كانَتْ كَذَلِكَ جُعِلَتْ بِمَنزِلَةِ لَحْمِ الأخِ في كَراهَتِهِ.

ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ لَحْمَ الإنْسانِ مُسْتَكْرَهٌ عِنْدَ إنْسانٍ آخَرَ، إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ مِثْلَ كَراهَةِ لَحْمِ أخِيهِ. فَهَذا القَوْلُ مُبالَغَةٌ في اسْتِكْراهِ الغِيبَةِ. وأمّا جَعْلُهُ ما هو في الغايَةِ مِنَ الكَراهَةِ مَوْصُولًا بِالمَحَبَّةِ، فَلِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ المَيْلِ إلى الغِيبَةِ، والشَّهْوَةِ لَها، مَعَ العِلْمِ بِقُبْحِها فانْظُرْ أيُّها المُتَأمِّلُ إلى هَذِهِ الكِنايَةِ تَجِدْها مِن أشَدِّ الكِناياتِ شَبَهًا، لِأنَّكَ إذا نَظَرْتَ إلى كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الدَّلالاتِ الأرْبَعِ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها، وجَدْتَها مُناسِبَةً لِما قُصِدَتْ لَهُ. انْتَهى.

الثّانِيَةُ:- الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ فَصِيحَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ. والمَعْنى: إنْ صَحَّ ذَلِكَ، أوْ عَرَضَ عَلَيْكم هَذا، فَقَدْ كَرِهْتُمُوهُ، فَما ذُكِرَ جَوابٌ لِلشَّرْطِ، وهو ماضٍ فَيُقَدَّرُ مَعَهُ (قَدْ) لِيَصِحَّ دُخُولُ الفاءِ عَلى الجَوابِ الماضِي، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ١٩] وضَمِيرُ: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ لِلْأكْلِ، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ لِلِاغْتِيابِ المَفْهُومِ مِنهُ. والمَعْنى: فاكْرَهُوهُ كَراهِيَتَكم لِذَلِكَ الأكْلِ. وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِلْمُبالَغَةِ، فَإذا أُوِّلَ بِما ذُكِرَ يَكُونُ إنْشائِيًّا غَيْرَ مُحْتاجٍ لِتَقْدِيرِ (قَدْ) -أفادَهُ الشِّهابُ -.

الثّالِثَةُ:- قالَ ابْنُ الفَرَسِ: يُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى أنْ لا يَجُوزَ لِلْمُضْطَرِّ أكْلُ مَيْتَةِ الآدَمِيِّ (p-٥٤٦٧)لِأنَّهُ ضُرِبَ بِهِ المَثَلُ في تَحْرِيمِ الغِيبَةِ، ولَمْ يُضْرَبْ بِمَيْتَةِ سائِرِ الحَيَوانِ. فَدَلَّ عَلى أنَّهُ في التَّحْرِيمِ فَوْقَها. ومَن أرادَ اسْتِيفاءَ مَباحِثِ الغِيبَةِ فَعَلَيْهِ (بِالإحْياءِ) لِلْغَزالِيِّ، فَإنَّهُ جَمَعَ فَأوْعى.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: خافُوا عُقُوبَتَهُ بِانْتِهائِكم عَمّا نَهاكم عَنْهُ مِن ظَنِّ السَّوْءِ، والتَّجَسُّسِ عَمّا سَتَرَ والِاغْتِيابِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَناهِي، ﴿إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: يَقْبَلُ تَوْبَةَ التّائِبِينَ إلَيْهِ، ويَتَكَرَّمُ بِرَحْمَتِهِ عَنْ عُقُوبَتِهِمْ بَعْدَ مَتابِهِمْ.

ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى، بَعْدَ نَهْيِهِ عَنِ الغِيبَةِ واحْتِقارِ النّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، عَلى تَساوِيهِمْ في البَشَرِيَّةِ، كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

49:13Page 517

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ ١٣

O mankind, indeed We have created you from male and female and made you peoples and tribes that you may know one another. Indeed, the most noble of you in the sight of Allāh is the most righteous1 of you. Indeed, Allāh is Knowing and Aware.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣] ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ .

﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ أيْ: مِن آدَمَ وحَوّاءَ، أوْ مِن ماءِ ذَكَرٍ مِنَ الرِّجالِ، وماءِ أُنْثى مِنَ النِّساءِ. أيْ: مِن أبٍ وأُمٍّ، فَما مِنكم أحَدٌ إلّا هو يُدْلِي بِمِثْلِ ما يُدْلِي بِهِ الآخَرُ، سَواءٌ بِسَواءٍ، فَلا وجْهَ لِلتَّفاخُرِ، والتَّفاضُلِ في النَّسَبِ.

﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وجَعَلْناكم مُتَناسِبِينَ، فَبَعْضُكم يُناسِبُ بَعْضًا نَسَبًا بَعِيدًا، وبَعْضُكم يُناسِبُ بَعْضًا نَسَبًا قَرِيبًا. لِيَعْرِفَ بَعْضُكم بَعْضًا في قُرْبِ القَرابَةِ مِنهُ وبُعْدِهِ، لا لِفَضِيلَةٍ لَكم في ذَلِكَ، وقُرْبَةٍ تُقَرِّبُكم إلى اللَّهِ، بَلْ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ أيْ: أشَدُّكُمُ اتِّقاءً لَهُ، وخَشْيَةً بِأداءِ فَرائِضِهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، لا أعْظَمُكم بَيْتًا، ولا أكْثَرُكم عَشِيرَةً.

﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أيْ: بِظَواهِرِكم وبَواطِنِكُمْ، وبِالأتْقى والأكْرَمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.

(p-٥٤٦٨)تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ:- حَكى الثَّعالِبِيُّ في (فِقْهِ اللُّغَةِ) في تَدْرِيجِ القَبِيلَةِ مِنَ الكَثْرَةِ إلى القِلَّةِ عَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِيهِ: أنَّ الشَّعْبَ (بِفَتْحِ الشِّينِ)، أكْبَرُ مِنَ القَبِيلَةِ، ثُمَّ القَبِيلَةُ، ثُمَّ العِمارَةُ، (بِكَسْرِ العَيْنِ)، ثُمَّ البَطْنُ، ثُمَّ الفَخْذُ. وعَنْ غَيْرِهِ: الشَّعْبُ، ثُمَّ القَبِيلَةُ، ثُمَّ الفَصِيلَةُ، ثُمَّ العَشِيرَةُ، ثُمَّ الذُّرِّيَّةُ، ثُمَّ العِتْرَةُ، ثُمَّ الأُسْرَةُ. انْتَهى. وقالَ الشَّيْخُ ابْنُ بَرَّيٍّ: الصَّحِيحُ في هَذا ما رَتَّبَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ وهُوَ: الشَّعْبُ، ثُمَّ القَبِيلَةُ، ثُمَّ العِمارَةُ، ثُمَّ البَطْنُ، ثُمَّ الفَخْذُ، ثُمَّ الفَصِيلَةُ، قالَ أبُو أُسامَةَ: هَذِهِ الطَّبَقاتُ عَلى تَرْتِيبِ خَلْقِ الإنْسانِ، فالشَّعْبُ أعْظَمُها، مُشْتَقٌّ مِن شَعْبِ الرَّأْسِ، ثُمَّ القَبِيلَةُ مِن قَبِيلَةِ الرَّأْسِ لِاجْتِماعِها، ثُمَّ العِمارَةُ وهي الصَّدْرُ، ثُمَّ البَطْنُ، ثُمَّ الفَخْذُ، ثُمَّ الفَصِيلَةُ وهي السّاقُ. وزادَ بَعْضُهُمُ العَشِيرَةَ فَقالَ:

؎أقْصِدُ الشَّعْبَ فَهو أكْثَرُ حَيٍّ عَدَدًا في الحِواءِ ثُمَّ القَبِيلَهْ

؎ثُمَّ يَتْلُوها العِمارَةُ ثُمَّ الـ ∗∗∗ بَطْنُ والفَخْذُ بَعْدَها والفَصِيلَهْ

؎ثُمَّ مِن بَعْدِها العَشِيرَةُ لَكِنْ ∗∗∗ هي في جَنْبِ ما ذَكَرْنا قَلِيلَهْ

فَخُزَيْمَةُ شَعْبٌ، وكِنانَةُ قَبِيلَةٌ، وقُرَيْشٌ عِمارَةٌ، وقُصَيٌّ بَطْنٌ، وهاشِمٌ فَخْذٌ، والعَبّاسُ فَصِيلَةٌ. وسُمِّيَتِ (الشُّعُوبُ)؛ لِأنَّ القَبائِلَ تَشَعَّبَتْ مِنها. و(الشُّعُوبُ): جَمْعُ شَعْبٍ، بِفَتْحِ الشِّينِ.

قالَ أبُو عُبَيْدٍ البَكْرِيُّ في (شَرْحِ نَوادِرِ أبِي عَلِيٍّ القالِيِّ ): كُلُّ النّاسِ حَكى الشَّعْبَ في القَبِيلَةِ بِالفَتْحِ، وفي الجَبَلِ بِالكَسْرِ، إلّا بُنْدارًا فَإنَّهُ رَواهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بِالعَكْسِ. نَقَلَهُ الزُّبَيْدِيُّ في (تاجِ العَرُوسِ).

الثّانِي:- في الآيَةِ الِاعْتِناءُ بِالأنْسابِ، وأنَّها شُرِعَتْ لِلتَّعارُفِ، وذَمِّ التَّفاخُرِ بِها، وأنَّ التَّقِيَّ غَيْرُ النَّسِيبِ، يُقَدَّمُ عَلى النَّسِيبِ غَيْرِ التَّقِيِّ، فَيُقَدَّمُ الأرْوَعُ في الإمامَةِ عَلى النَّسِيبِ غَيْرِهِما.

(p-٥٤٦٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ وهْبٍ قالَ: سَألْتُ مالِكًا عَنْ نِكاحِ المَوالِي العَرَبِيَّةِ فَقالَ: حَلالٌ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، فَلَمْ يَشْتَرِطْ في الكَفاءَةِ الحُرِّيَّةَ -نَقَلَهُ في (الإكْلِيلِ).

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الكَفاءَةَ في النِّكاحِ لا تُشْتَرَطُ، ولا يُشْتَرَطُ سِوى الدِّينِ.

الثّالِثُ:- أفادَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَعارَفُوا﴾ حَصْرَ حِكْمَةِ جَعْلِهِمْ شُعُوبًا وقَبائِلَ فِيهِ. أيْ: إنَّما جَعَلْناكم كَذَلِكَ لِيَعْرِفَ بَعْضُكم بَعْضًا، فَتَصِلُوا الأرْحامَ، وتُبَيِّنُوا الأنْسابَ، والتَّوارُثَ، لا لِلتَّفاخُرِ بِالآباءِ والقَبائِلِ.

قالَ الشِّهابُ: الحَصْرُ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ، والسُّكُوتِ في مَعْرِضِ البَيانِ. وقالَ القاشانِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ لا كَرامَةَ بِالنَّسَبِ، لِتَساوِي الكُلِّ في البَشَرِيَّةِ المُنْتَسِبَةِ إلى ذَكَرٍ وأُنْثى. والِامْتِيازُ بِالشُّعُوبِ والقَبائِلِ إنَّما يَكُونُ لِأجْلِ التَّعارُفِ بِالِانْتِسابِ، لا لِلتَّفاخُرِ، فَإنَّهُ مِنَ الرَّذائِلِ. والكَرامَةُ لا تَكُونُ إلّا بِالِاجْتِنابِ عَنِ الرَّذائِلِ الَّذِي هو أصْلُ التَّقْوى. ثُمَّ كُلَّما كانَتِ التَّقْوى أزْيَدَ رُتْبَةً، كانَ صاحِبُها أكْرَمَ عِنْدَ اللَّهِ، وأجَلَّ قَدْرًا. فالمُتَّقِي عَنِ المَناهِي الشَّرْعِيَّةِ، الَّتِي هي الذُّنُوبُ، في عُرْفِ ظاهِرِ الشَّرْعِ، أكْرَمُ مِنَ الفاجِرِ، وعَنِ الرَّذائِلِ الخُلُقِيَّةِ كالجَهْلِ، والبُخْلِ، والشَّرَهِ، والحِرْصِ، والجُبْنِ، أكْرَمُ مِنَ المُجْتَنِبِ عَنِ المَعاصِي المَوْصُوفِ بِها. انْتَهى.

الرّابِعُ:- رُوِيَ في مَعْنى الآيَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنها ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أيُّ النّاسِ أكْرَمُ؟ قالَ: «أكْرَمُهم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهم». قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ، قالَ: «فَأكْرَمُ النّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ، ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ». قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ. قالَ: «فَعَنْ مَعادِنِ العَرَبِ تَسْألُونِي؟» قالُوا: نَعَمْ. قالَ: «فَخِيارُكم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُكم في الإسْلامِ إذا فَقِهُوا»» .

(p-٥٤٧٠)ورَوى مُسْلِمٌ عَنْهُ أيْضًا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم وأمْوالِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم وأعْمالِكم»» .

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: «انْظُرْ فَإنَّكَ لَسْتَ بِخَيْرٍ مِن أحْمَرَ ولا أسْوَدَ، إلّا أنْ تَفْضُلَهُ بِتَقْوى اللَّهِ»» .

ورَوى البَزّارُ في مُسْنَدِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««كُلُّكم بَنُو آدَمَ، وآدَمُ خُلِقَ مِن تُرابٍ، ولَيَنْتَهِيَنَّ قَوْمٌ يَفْخَرُونَ بِآبائِهِمْ، أوْ لَيَكُونُنَّ أهْوَنَ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الجُعْلانِ»» .

ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «أيُّها النّاسُ! إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أذْهَبَ عَنْكم عَيْبَةَ الجاهِلِيَّةِ وتَعَظُّمَها بِآبائِها. فالنّاسُ رَجُلانِ: رَجُلٌ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورَجُلٌ فاجِرٌ يُتَّقى، هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ الآيَةَ»» . وبَقِيَتْ أحادِيثُ أُخَرُ ساقَها ابْنُ كَثِيرٍ، فانْظُرْها.

ورَوى الطَّبَرِيُّ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثَلاثُ آياتٍ جَحَدَهُنَّ النّاسُ: الإذْنُ كُلُّهُ وقالَ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ وقالَ النّاسُ: أكْرَمُكم أعْظَمُكم بَيْتًا. قالَ عَطاءٌ: نَسِيتُ الثّالِثَةَ.

ولَمّا كانَتْ طَلِيعَةُ السُّورَةِ في الحَدِيثِ عَنْ جُفاةِ الأعْرابِ، والإنْكارِ عَلى مَساوِئِ أخْلاقِهِمْ، ثُمَّ تَأثُّرِها مِنَ المَناهِي عَنِ المُنْكَراتِ الَّتِي تَكْثُرُ فِيهِ، ما كانُوا فِيها هُمُ المَقْصُودَ أوَّلًا وبِالذّاتِ، ثُمَّ غَيَّرَهم ثانِيًا، وبِالعَرْضِ خَتَمَها بِتَعْرِيفِ أنَّ مَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِمْ في ارْتِكابِ تِلْكَ المَناهِي، فَهو مِمَّنْ لَمْ يُخامِرْ فُؤادَهُ الإيمانُ، ثُمَّ بَيانِ مَنِ المُؤْمِنُ حَقًّا، لِيَفْقَهُوا أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما يَزْعُمُونَ، فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى:

(p-٥٤٧١)

49:14Page 517

۞ قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤

The bedouins say, "We have believed." Say, "You have not [yet] believed; but say [instead], 'We have submitted,' for faith has not yet entered your hearts. And if you obey Allāh and His Messenger, He will not deprive you from your deeds1 of anything. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤] ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكم وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿قالَتِ الأعْرابُ﴾ أيِ: المُحَدَّثُ عَنْهم في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿آمَنّا﴾ أيْ: بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَنَحْنُ مُؤْمِنُونَ، زَعْمًا أنَّ التَّلَفُّظَ بِمادَّةِ الإيمانِ هو عُنْوانُ كُلِّ مَكْرُمَةٍ وإحْسانٍ، ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: لَسْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وإنْ أخْبَرْتُمْ عَنْهُ، لِأنَّ الإيمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ، ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ أيِ: انْقَدْنا ودَخَلْنا في السِّلْمِ خَوْفَ السِّباءِ والقَتْلِ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لَوْ حَلَّ الإيمانُ في القُلُوبِ لَتَأثَّرَ مِنهُ البَدَنُ، وظَهَرَ عَلَيْهِ مِصْداقُهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، والبُعْدِ مِن رُكُوبِ المَناهِي، فَإنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً، ولِكُلِّ دَعْوى شاهِدٌ.

فَإنْ قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ شَبَّهَ التَّكْرارَ مِن غَيْرِ اسْتِقْلالٍ بِفائِدَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ؟ والجَوابُ: إنَّ فائِدَةَ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ تَكْذِيبُ دَعْواهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ تَوْقِيتٌ لِما أُمِرُوا بِهِ أنْ يَقُولُوهُ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا حِينَ لَمْ تَثْبُتْ مُواطَأةُ قُلُوبِكم لِألْسِنَتِكُمْ؛ لِأنَّهُ كَلامٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ فِي: " قُولُوا " . وما فِي: " لَمّا " مِن مَعْنى التَّوَقُّعِ، دالٌّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ قَدْ آمَنُوا فِيما بَعْدُ، فَلا تَكْرارَ. هَذا ما أشارَ لَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، واخْتارَ كَوْنَ الجُمْلَةِ حالًا، لا مُسْتَأْنَفَةً، إخْبارًا مِنهُ تَعالى، فَإنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِما ذُكِرَ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ:- قالَ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن لَمْ يَرَ الإيمانَ والإسْلامَ مُتَرادِفَيْنِ، بَلْ بَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، لِأنَّ الإسْلامَ الِانْقِيادُ لِلْعَمَلِ ظاهِرًا، والإيمانُ تَصْدِيقُ القَلْبِ كَما قالَ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ انْتَهى.

(p-٥٤٧٢)وهَذا الِاسْتِدْلالُ في غايَةِ الضَّعْفِ؛ لِأنَّ تَرادُفَهُما شَرْعًا لا يَمْنَعُ مِن إطْلاقِهِما بِمَعْناهُما اللُّغَوِيِّ في بَعْضِ المَواضِعِ. وإبانَةُ ذَلِكَ مَوْكُولَةٌ إلى القَرائِنِ، وهي جَلِيَّةٌ، كَما هُنا. وإلّا فَآيَةُ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] أكْبَرُ مُنادٍ عَلى اتِّحادِهِما. ومِنَ اللَّطائِفِ أنْ يُقالَ في الإيمانِ والإسْلامِ ما قالُوهُ في الفَقِيرِ والمِسْكِينِ، إذا اجْتَمَعا افْتَرَقا وإذا افْتَرَقا اجْتَمَعا. والإيمانُ والإسْلامُ، وأمْثالُهُما ألْفاظٌ شَرْعِيَّةٌ مَحْضَةٌ، ولَمْ يُطْلِقْها الشَّرْعُ إلّا عَلى القَوْلِ والعَمَلِ، كَما أوْضَحَ ذَلِكَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (الفَصْلِ) فانْظُرْهُ.

الثّانِي:- قالَ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ رَدٌّ عَلى الكَرّامِيَّةِ في قَوْلِهِمْ إنَّ الإيمانَ هو الإقْرارُ بِاللِّسانِ، دُونَ عَقْدِ القَلْبِ، وهو ظاهِرٌ. وقَدِ اسْتَوْفى الرَّدَّ عَلَيْهِمْ كَغَيْرِهِمُ، الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (الفَصْلِ)، فَراجِعْهُ.

الثّالِثُ:- قِيلَ، مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: قُلْ لا تَقُولُوا آمَنّا، ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا. أوْ: لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ. فَعَدَلَ عَنْهُ إلى هَذا النَّظْمِ احْتِرازًا مِنَ النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ بِالإيمانِ والجَزْمِ بِإسْلامِهِمْ، وقَدْ فَقَدْ شَرْطَ اعْتِبارِهِ شَرْعًا. وقِيلَ: إنَّهُ مِن الِاحْتِباكِ، وأصْلُهُ: لَمْ تُؤْمِنُوا فَلا تَقُولُوا آمَنّا، ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ، فَقُولُوا أسْلَمْنا، فَحَذَفَ مِن كُلٍّ مِنهُما نَظِيرَ ما أثْبَتَ في الآخَرِ. والأوَّلُ أبْلَغُ لِأنَّهُمُ ادَّعَوُا الإيمانَ فَنُفِيَ عَنْهُمْ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ فَقالَ: دَعَوُا ادِّعاءَ الإيمانِ، وادَّعَوُا الإسْلامَ، فَإنَّهُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ عَنْكم عَلى ما فِيهِ، فَنَفى الإيمانَ، وأثْبَتَ لَهم قَوْلَ الإسْلامِ دُونَ الِاتِّصافِ بِهِ، وهو أبْلَغُ مِمّا ذُكِرَ مِن الِاحْتِباكِ، مَعَ سَلامَتِهِ مِنَ الحَذْفِ بِلا قَرِينَةٍ -هَذا ما في القاضِي وحَواشِيهِ.

﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: فَتَأْتَمِرُوا لِأوامِرِهِما، وتَنْتَهُوا عَمّا نَهَياكم عَنْهُ. والخِطابُ لِهَؤُلاءِ الأعْرابِ القائِلِينَ آمَنّا: ﴿لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَظْلِمُكم مِن أُجُورِ أعْمالِكم شَيْئًا، ولا يَنْقُصُكم مِن ثَوابِها.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: (ألَتَهُ السُّلْطانُ حَقَّهُ أشَدَّ الألْتِ. وهي لُغَةُ غَطِفانَ، ولُغَةُ أسَدٍ، (p-٥٤٧٣)وأهْلِ الحِجازِ -لاتَهُ لَيْتًا- وحَكى الأصْمَعِيُّ عَنْ أُمِّ هِشامٍ السَّلُولِيَّةِ أنَّها قالَتِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لا يُفاتُ، ولا يُلاتُ، ولا تَصِمُهُ الأصْواتُ. وقُرِئَ بِاللُّغَتَيْنِ: لا يَلِتْكم ولا يَأْلِتَكم. ونَحْوَهُ في المَعْنى: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: لِمَن أطاعَهُ، وتابَ إلَيْهِ مِن سالِفِ ذُنُوبِهِ، فَأنِيبُوا إلَيْهِ أيُّها الأعْرابُ، وتُوبُوا مِنَ النِّفاقِ، واعْقِدُوا قُلُوبَكم عَلى الإيمانِ، والعَمَلِ بِمُقْتَضَياتِهِ، يَغْفِرُ لَكم ويَرْحَمُكم.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى الإيمانَ، وما بِهِ يَكُونُ المُؤْمِنُ مُؤْمِنًا، بِقَوْلِهِ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском