Al-QasimiAl‑Ma'idah · 5:109–115

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:109–115

5:109Page 126

۞ يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١٠٩

[Be warned of] the Day when Allāh will assemble the messengers and say, "What was the response you received?" They will say, "We have no knowledge. Indeed, it is You who is Knower of the unseen" -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٩] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾

﴿يَوْمَ﴾ مَنصُوبٌ بِ (اذْكُرُوا) أوِ (احْذَرُوا): ﴿يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وتَخْصِيصُ الرُّسُلِ بِالذِّكْرِ لَيْسَ لِاخْتِصاصِ الجَمْعِ بِهِمْ دُونَ الأُمَمِ. كَيْفَ لا؟ وذَلِكَ (p-٢٢٠٧)يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ، بَلْ لِإبانَةِ شَرَفِهِمْ وأصالَتِهِمْ والإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِجَمْعِ غَيْرِهِمْ. بِناءً عَلى ظُهُورِ كَوْنِهِمْ أتْباعًا لَهُمْ: ﴿فَيَقُولُ﴾ أيْ: لِلرُّسُلِ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ أيْ: ما الَّذِي أجابَكم مَن أُرْسِلْتُمْ إلَيْهِمْ؟ فَفِيهِ إشْعارٌ بِخُرُوجِهِمْ عَنْ عَهْدِ الرِّسالَةِ. إذْ لَمْ يَقُلْ: هَلْ بَلَّغْتُمْ رِسالاتِي؟ وفي تَوْجِيهِ السُّؤالِ إلَيْهِمْ. والعُدُولِ عَنْ إسْنادِ الجَوابِ إلى قَوْمِهِمْ بِأنْ يُقالَ: ماذا أجابُوا - مِنَ الإنْباءِ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ الإلَهِيِّ ما لا يَخْفى. وفي "الصَّحِيحِ" في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ: «إنَّ رَبِّي غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ».

﴿قالُوا﴾ مِن هَيْبَتِهِ تَعالى، وتَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى عِلْمِ سُلْطانِهِ وتَأدُّبًا بَلِيغًا في ذاكَ المَوْقِفِ الجَلالِيِّ: ﴿لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ أيْ: ومِن عِلْمِ الخَفِيّاتِ، لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ الظَّواهِرُ الَّتِي مِنها إجابَةُ أُمَمِهِمْ لَهم.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى جارِيَةٌ في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ أنَّهُ إذا ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ والأحْكامِ، أتْبَعَها إمّا بِالإلَهِيّاتِ، وإمّا بِشَرْحِ أحْوالِ الأنْبِياءِ، أوْ بِشَرْحِ أحْوالِ القِيامَةِ، لِيَصِيرَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّكالِيفِ والشَّرائِعِ. فَلا جَرَمَ، لَمّا ذَكَرَ - فِيما تَقَدَّمَ - أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الشَّرائِعِ، أتْبَعَها بِوَصْفِ أحْوالِ القِيامَةِ.

الثّانِي: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى سُؤالِهِمْ؟ قُلْتُ: تَوْبِيخُ قَوْمِهِمْ. كَما كانَ (p-٢٢٠٨)سُؤالُ المَوْءُودَةِ تَوْبِيخًا لِلْوائِدِ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَقُولُونَ: لا عِلْمَ لَنا، وقَدْ عَلِمُوا بِما أُجِيبُوا؟ قُلْتُ: يَعْلَمُونَ أنَّ الغَرَضَ بِالسُّؤالِ تَوْبِيخُ أعْدائِهِمْ، فَيَكِلُونَ الأمْرَ إلى عِلْمِهِ، وإحاطَتِهِ بِما مُنُوا بِهِ مِنهُمْ، وكابَدُوا مِن سُوءِ إجابَتِهِمْ، إظْهارًا لِلتَّشَكِّي واللُّجْأِ إلى رَبِّهِمْ في الِانْتِقامِ مِنهُمْ، وذَلِكَ أعْظَمُ عَلى الكَفَرَةِ، وأفَتُّ في أعَضادِهِمْ، وأجْلَبُ لِحَسْرَتِهِمْ وسُقُوطِهِمْ في أيْدِيهِمْ. إذا اجْتَمَعَ تَوْبِيخُ اللَّهِ وتَشَكِّي أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمْ. ومِثالُهُ: أنْ يَنْكَبَّ بَعْضُ الخَوارِجِ عَلى السُّلْطانِ، خاصَّةً مِن خَواصِّهِ نَكْبَةً، قَدْ عَرَّفَها السُّلْطانُ واطَّلَعَ عَلى كُنْهِها، وعَزَمَ عَلى الِانْتِصارِ لَهُ مِنهُ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُما ويَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ لَكَ هَذا الخارِجِيُّ؟ [ وهو عالِمٌ بِما فَعَلَ بِهِ ] يُرِيدُ تَوْبِيخَهُ وتَبْكِيتَهُ، فَيَقُولُ لَهُ: أنْتَ أعْلَمُ بِما فَعَلَ بِي، تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى عِلْمِ سُلْطانِهِ، واتِّكالًا عَلَيْهِ، وإظْهارًا لِلشِّكايَةِ، وتَعْظِيمًا لِما حَلَّ بِهِ مِنهُ. انْتَهى.

واسْتَظْهَرَ الرّازِيُّ أنَّ نَفْيَ العِلْمِ لَهم عَلى حَقِيقَتِهِ عَمَلًا بِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ العِلْمَ غَيْرُ الظَّنِّ. قالَ: لِأنَّ الحاصِلَ مِن حالِ الغَيْرِ عَنْ كُلِّ أحَدٍ إنَّما هو الظَّنُّ لا العِلْمُ. وفي الحَدِيثِ: «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ واللَّهُ يَتَوَلّى السَّرائِرَ،» وقالَ ﷺ: ««إنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ. فَمَن قَضَيْتُ لَهُ مِن حَقِّ أخِيهِ شَيْئًا فَلا يَأْخُذْهُ، فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ»»، فالأنْبِياءُ قالُوا: لا عِلْمَ لَنا البَتَّةَ بِأحْوالِهِمْ. إنَّما الحاصِلُ عِنْدَنا مِن أحْوالِهِمْ هو الظَّنُّ. والظَّنُّ كانَ مُعْتَبَرًا في الدُّنْيا. وأمّا الآخِرَةُ فَلا التِفاتَ فِيها إلى الظَّنِّ. لِأنَّ الأحْكامَ في الآخِرَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلى حَقائِقِ الأشْياءِ وبَواطِنِ الأُمُورِ. فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا: لا عِلْمَ لَنا. ولَمْ يَذْكُرُوا ما مَعَهم مِنَ الظَّنِّ؛ لِأنَّ الظَّنَّ لا عِبْرَةَ بِهِ في القِيامَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الثّالِثُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ إطْلاقِ لَفْظِ العَلّامِ عَلَيْهِ. كَما جازَ إطْلاقُ لَفْظِ الخَلّاقِ (p-٢٢٠٩)عَلَيْهِ. وأمّا العَلّامَةُ فَإنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ في حَقِّهِ. ولَعَلَّ السَّبَبَ ما فِيهِ مِن لَفْظِ التَّأْنِيثِ. أفادَهُ الرّازِيُّ.

عَلى أنَّ المُخْتارَ أنَّ أسْماءَهُ تَعالى تَوْقِيفِيَّةٌ.

5:110Page 126

إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ١١٠

[The Day] when Allāh will say, "O Jesus, Son of Mary, remember My favor upon you and upon your mother when I supported you with the Pure Spirit [i.e., the angel Gabriel] and you spoke to the people in the cradle and in maturity; and [remember] when I taught you writing and wisdom and the Torah and the Gospel; and when you designed from clay [what was] like the form of a bird with My permission, then you breathed into it, and it became a bird with My permission; and you healed the blind [from birth] and the leper with My permission; and when you brought forth the dead with My permission; and when I restrained the Children of Israel from [killing] you when you came to them with clear proofs and those who disbelieved among them said, "This is not but obvious magic."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٠] ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما جَرى بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ واحِدٍ مِنَ الرُّسُلِ المَجْمُوعِينَ، مِنَ المُفاوَضَةِ، عَلى التَّفْصِيلِ. إثْرَ ما جَرى بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ الكُلِّ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، لِكَوْنِ ذَلِكَ كالأُنْمُوذَجِ لِتَفاصِيلِ أحْوالِ الباقِينَ. وتَخْصِيصُ شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبَيانِ، تَفْصِيلًا بَيْنَ شُؤُونِ سائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مَعَ دَلالَتِها عَلى كَمالِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمَ ونِهايَةِ سُوءِ حالِ المُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ - لِما أنَّ شَأْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَعَلِّقٌ بِكِلا الفَرِيقَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِي نُعِيَتْ عَلَيْهِمْ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ جِناياتُهم. فَتَفْصِيلُهُ أعْظَمُ عَلَيْهِمْ وأجْلَبُ لِحَسْرَتِهِمْ ونَدامَتِهِمْ، وأدْخَلُ في صَرْفِهِمْ عَنْ غَيِّهِمْ وعِنادِهِمْ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ أيْ: مِنَّتَيْ عَلَيْكَ: ﴿وعَلى والِدَتِكَ﴾ بِما طَهَّرَها واصْطَفاها عَلى نِساءِ العالَمِينَ: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ﴾ أيْ: قَوَّيْتُكَ: ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾ أيْ: بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ (p-٢٢١٠)لِتَثْبِيتِ الحُجَّةِ. أوْ بِجَعْلِ رُوحِكَ طاهِرَةً عَنِ العَلائِقِ الظَّلْمانِيَّةِ. بِحَيْثُ يُعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ بِواسِطَةِ البَشَرِ، فَيَشْهَدُ بِبَراءَتِكَ وبَراءَةِ أُمِّكَ. ومِن ذَلِكَ التَّأْيِيدِ قَوِيَتْ نَفْسُكَ النّاطِقَةُ؛ لِذَلِكَ: ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ أيْ: في أضْعَفِ الأحْوالِ وأقْواها. بِكَلامٍ واحِدٍ مِن غَيْرِ أنْ يَتَفاوَتَ في حِينِ الطُّفُولَةِ وحِينِ الكُهُولَةِ. الَّذِي هو وقْتُ كَمالِ العَقْلِ وبُلُوغِ الأشُدِّ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: جَعَلْتُكَ نَبِيًّا داعِيًا إلى اللَّهِ في صِغَرِكَ وكِبَرِكَ. فَأنْطَقْتُكَ في المَهْدِ صَغِيرًا. فَشَهِدْتَ بِبَراءَةِ أُمِّكَ مِن كُلِّ عَيْبٍ. واعْتَرَفْتَ لِي بِالعُبُودِيَّةِ. وأخْبَرْتَ عَنْ رِسالَتَيْ إيّاكَ ودَعْوَتِكَ إلى عِبادَتِي. لِهَذا قالَ: ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ أيْ: تَدْعُو إلى اللَّهِ النّاسَ في صِغَرِكَ وكِبَرِكَ. وضُمِّنَ: تُكَلِّمُ تَدْعُو؛ لِأنَّ كَلامَهُ النّاسَ في كُهُولَتِهِ لَيْسَ بِأمْرٍ عَجِيبٍ. انْتَهى.

﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ﴾ أيِ: الخَطَّ وظاهِرَ العِلْمِ الَّذِي يُكْتَبُ: ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيِ: الفَهْمَ وباطِنَ العِلْمِ الَّذِي لا يُكْتَبُ. بَلْ يُخَصُّ بِهِ أهْلُهُ: ﴿والتَّوْراةَ﴾ وهي المُنَزَّلَةُ عَلى مُوسى الكَلِيمِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿والإنْجِيلَ﴾ وهو الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِ ﷺ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أيْ: تَقْدِرُ وتُصَوِّرُ مِنهُ صُورَةً مُماثِلَةً لِهَيْئَةِ الطَّيْرِ: ﴿بِإذْنِي﴾ أيْ: لَكَ في ذَلِكَ: ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ أيْ: في تِلْكَ الهَيْئَةِ المُصَوَّرَةِ: ﴿فَتَكُونُ﴾ أيْ: فَتَصِيرُ تِلْكَ الهَيْئَةُ: ﴿طَيْرًا﴾ لِحُصُولِ الرُّوحِ مِن نَفْخَتِكَ فِيها: ﴿بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ أيِ: الَّذِي يُولَدُ أعْمى مَطْمُوسَ البَصَرِ: ﴿والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى﴾ أيْ: مِنَ القُبُورِ أحْياءً: ﴿بِإذْنِي﴾ فَهَذا مِمّا فَعَلَ بِهِ مِن جَرِّ المَنافِعِ. ثُمَّ أشارَ إلى ما دَفَعَ عَنْهُ مِنَ الضّارِّ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ﴾ أيْ: مَنَعْتُ اليَهُودَ الَّذِينَ أرادُوا بِكَ السُّوءَ وسَعَوْا في قَتْلِكَ وصَلْبِكَ، فَنَجَّيْتُكَ مِنهم ورَفَعْتُكَ إلَيَّ وطَهَّرْتُكَ مِن دَنَسِهِمْ: ﴿إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: المُعْجِزاتِ الَّتِي تُوجِبُ انْقِيادَهم لَكَ لِتَعالِيها عَنْ قُوى البَشَرِ فَلا يُتَوَهَّمُ فِيها السِّحْرُ: ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ما هَذا الَّذِي يُرِينا إلّا سَحَرٌ ظاهِرٌ.

(p-٢٢١١)لَطِيفَةٌ:

إنْ قِيلَ: إنَّ السِّياقَ في تَعْدِيدِ نِعَمِهِ تَعالى عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْلِ الكُفّارِ في حَقِّهِ: إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ، لَيْسَ مِنَ النِّعَمِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ. فَما السِّرُّ في ذِكْرِهِ؟ فالجَوابُ: إنَّ مِنَ الأمْثالِ المَشْهُورَةِ: إنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ. فَطَعْنُ اليَهُودِ فِيهِ بِهَذا الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ في حَقِّهِ كانَتْ عَظِيمَةً. فَحَسُنَ ذِكْرُهُ عِنْدَ تَعْدِيدِ النِّعَمِ، لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ. أفادَهُ الرّازِيُّ.

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى النِّعَمَ اللّازِمَةَ، تَأثَّرَها بِنِعَمِهِ عَلَيْهِ المُتَعَدِّيَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

5:111Page 126

وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ ١١١

And [remember] when I inspired to the disciples, "Believe in Me and in My messenger [i.e., Jesus]." They said, "We have believed, so bear witness that indeed we are Muslims [in submission to Allāh]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١١] ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾

﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ أيْ: بِطَرِيقِ الإلْهامِ والإلْقاءِ في القَلْبِ: ﴿أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ أيْ: عَنْ دَعْوَتِهِ: ﴿قالُوا آمَنّا﴾ وأكَّدُوا إيمانَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿واشْهَدْ﴾ أيْ: لِتُؤَدِّيَها عِنْدَ رَبِّكَ: ﴿بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ لِكُلِّ ما تَدْعُونا إلَيْهِ.

وهَهُنا لَطائِفُ:

الأُولى: - إنَّما قَدَّمُوا ذِكْرَ الإيمانِ لِأنَّهُ صِفَةُ القَلْبِ. والإسْلامُ عِبارَةٌ عَنِ الِانْقِيادِ والخُضُوعِ في الظّاهِرِ. يَعْنِي آمَنّا بِقُلُوبِنا وانْقَدْنا بِظَواهِرِنا.

الثّانِيَةُ: - إنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذا في مَعْرِضِ تَعْدِيدِ النِّعَمِ؛ لِأنَّ صَيْرُورَةَ الإنْسانِ مَقْبُولَ القَوْلِ عِنْدَ النّاسِ. مَحْبُوبًا في قُلُوبِهِمْ. مِن أعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى الإنْسانِ. كَذا قالَهُ الرّازِيُّ.

قالَ المَهايِمِيُّ: لِيَحْصُلَ لَهُ رُتْبَةُ التَّكْمِيلِ وثَوابُ رُشْدِهِمْ.

الثّالِثَةُ: قالَ الرّازِيُّ: إنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ (p-٢٢١٢)ثُمَّ إنَّ جَمِيعَ ما ذَكَرَهُ تَعالى مِنَ النِّعَمِ مُخْتَصٌّ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَيْسَ لِأُمِّهِ تَعَلُّقٌ بِشَيْءٍ مِنها. قُلْنا: كُلُّ ما حَصَلَ لِلْوَلَدِ مِنَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ والدَّرَجاتِ العالِيَةِ، فَهو حاصِلٌ عَلى سَبِيلِ التَّضَمُّنِ والتَّبَعِ لِلْأُمِّ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] فَجَعَلَهُما مَعًا آيَةً واحِدَةً لِشِدَّةِ اتِّصالِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ. انْتَهى.

وقالَ بَعْضُهُمْ: قِيلَ: أُرِيدَ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: اذْكُرْ نِعْمَتِي الشُّكْرَ. فَفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ. وأنَّ النِّعْمَةَ عَلى الأُمِّ نِعْمَةٌ عَلى الوَلَدِ. والشُّكْرُ يَكُونُ بِالقَوْلِ والفِعْلِ والِاعْتِقادِ.

5:112Page 126

إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١١٢

[And remember] when the disciples said, "O Jesus, Son of Mary, can your Lord1 send down to us a table [spread with food] from the heaven?" [Jesus] said, "Fear Allāh, if you should be believers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٢] ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَـزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ذَكَرُوهُ بِاسْمِهِ ونَسَبُوهُ إلى أُمِّهِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا إلَهِيَّتَهُ أوْ وُلْدِيَّتَهُ، لِيَسْتَقِلَّ بِإنْزالِ المائِدَةِ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَـزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ هَذِهِ قِصَّةُ المائِدَةِ وإلَيْها تُنْسَبُ السُّورَةُ فَيُقالُ: سُورَةُ المائِدَةِ. وهَهُنا قِراءَتانِ: الأُولى: يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ بِالياءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ وفاعِلٌ و: أنْ يُنَزِّلَ المَفْعُولُ. والثّانِيَةُ - بِالتّاءِ و: "رَبَّكَ" نَصْبٌ؛ أيْ: سُؤالَ رَبِّكَ. فَحَذَفَ المُضافَ. والمَعْنى: هَلْ تَسْألُهُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَصْرِفُكَ عَنْهُ؟ وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ وعائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ ومُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والكِسائِيِّ. في آخَرِينَ.

قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الِاسْتِفْهامُ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَحْمُولٌ عَلى المَجازِ. إذْ لا يَسُوغُ لِأحَدٍ أنْ يَتَوَهَّمَ عَلى الحَوارِيِّينَ أنَّهم شَكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، لَكِنَّهُ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: (p-٢٢١٣)هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَقُومَ مَعِي؟ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى القِيامِ، مُبالَغَةً في التَّقاضِي. وإنَّما قَصَدَ بِقَوْلِهِ: [ هَلْ تَسْتَطِيعُ ] هَلْ يَسْهُلُ عَلَيْكَ، وهَلْ يَخِفُّ أنْ تَقُومَ مَعِي؟ فَكَذَلِكَ مَعْنى الآيَةِ؛ لِأنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ عارِفِينَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومُعْتَرِفِينَ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ. وسُؤالُهم لَيْسَ لِإزاحَةِ شَكٍّ، بَلْ لِيَحْصُلَ مَزِيدُ الطُّمَأْنِينَةِ. كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ولا شَكَّ أنَّ مُشاهَدَةَ هَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ تُورِثُ مَزِيدَ الطُّمَأْنِينَةِ في القَلْبِ. ولِهَذا السَّبَبِ قالُوا: وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وحاصِلُهُ أنَّ: هَلْ يَسْتَطِيعُ سُؤالٌ عَنِ الفِعْلِ دُونَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، تَعْبِيرًا عَنْهُ بِلازِمِهِ. أوْ عَنِ المُسَبَّبِ بِسَبَبِهِ. وقِيلَ المَعْنى: هَلْ يُطِيعُ رَبُّكَ؟ أيْ: هَلْ يَسْتَجِيبُ دَعْوَتَكَ إذا دَعَوْتَهُ؟ (فَيَسْتَطِيعُ) بِمَعْنى (يُطِيعُ) وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ. والسِّينُ زائِدَةٌ. كاسْتَجابَ وأجابَ واسْتَجِبْ وأجِبْ و(يُطِيعُ) بِمَعْنى (يُجِيبُ) مَجازًا، لِأنَّ المُجِيبَ مُطِيعٌ.

وذَكَرَ أبُو شامَةَ ««أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عادَ أبا طالِبٍ في مَرَضٍ. فَقالَ لَهُ: يا ابْنَ أخِي! ادْعُ رَبَّكَ أنْ يُعافِيَنِي. فَقالَ: اللَّهُمَّ اشْفِ عَمِّي. فَقامَ كَأنَّما نَشِطَ مِن عِقالٍ. فَقالَ: يا ابْنَ أخِي! إنَّ رَبَّكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ لِيُطِيعَكَ. فَقالَ: يا عَمِّ! وأنْتَ لَوْ أطَعْتَهُ لَكانَ يُطِيعُكَ أيْ: يُجِيبُكَ لِمَقْصُودِكَ»» .

وحَسَّنَهُ في الحَدِيثِ المُشاكَلَةُ، فَظَهَرَ أنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلَتْهُ بِهَذا المَعْنى.

قالَ الخازِنُ: وقالَ بَعْضُهُمْ: هو عَلى ظاهِرِهِ. وقالَ: غِلَطَ القَوْمُ وقالُوا ذَلِكَ قَبْلَ اسْتِحْكامِ الإيمانِ والمَعْرِفَةِ في قُلُوبِهِمْ. وكانُوا بَشَرًا، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ. فَرَدَّ عَلَيْهِمْ غَلَطَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي اتَّقُوا اللَّهَ أنْ تَشُكُّوا في قُدْرَتِهِ.

والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ. انْتَهى.

(p-٢٢١٤)وعَلَيْهِ فَمَعْنى: اتَّقُوا اللَّهَ مِن أمْثالِ هَذا السُّؤالِ، وأنْ تُوقِفُوا إيمانَكم عَلى رُؤْيَةِ المائِدَةِ: إنْ كُنْتُمْ بِهِ وبِرِسالَتِي: مُؤْمِنِينَ فَإنَّ الإيمانَ مِمّا يُوجِبُ التَّقْوى والِاجْتِنابَ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ الِاقْتِراحاتِ.

لَطِيفَةٌ:

فِي المائِدَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ - أنَّها الطَّعامُ نَفْسُهُ، مِن (مادَ) إذا أفْضَلَ. كَما في "اللِّسانِ" وهَذا القَوْلُ جَزَمَ بِهِ الأخْفَشُ وأبُو حاتِمٍ. أيْ: وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ خِوانٌ. كَما في "التَّقْرِيبِ" و"اللِّسانِ" وصَرَّحَ بِهِ ابْنُ سِيدَهْ في "المُحْكَمِ".

قالَ الفاسِيُّ: والآيَةُ صَرِيحَةٌ فِيهِ، قالَهُ أرْبابُ التَّفْسِيرِ والغَرِيبِ.

والثّانِي: أنَّها الخِوانُ عَلَيْهِ الطَّعامُ. قالَ الفارِسِيُّ: لا تُسَمّى مائِدَةً حَتّى يَكُونَ عَلَيْها طَعامٌ، وإلّا فَهي خِوانٌ، وصَرَّحَ بِهِ فُقَهاءُ اللُّغَةِ. وجَزَمَ بِهِ الثَّعالِبِيُّ وابْنُ فارِسٍ. واقْتَصَرَ عَلَيْهِ الحَرِيرِيُّ في "دُرَّةِ الغَوّاصِ" وزَعَمَ أنَّ غَيْرَهُ مِن أوْهامِ الخَواصِّ. وذَكَرَ الفاسِيُّ في "شَرْحِها" أنَّهُ يَجُوزُ إطْلاقُ المائِدَةِ عَلى الخِوانِ مُجَرَّدًا عَنِ الطَّعامِ. بِاعْتِبارِ أنَّهُ وُضِعَ أوْ سَيُوضَعُ. وقالَ ابْنُ ظَفَرٍ: ثَبَتَ لَها اسْمُ المائِدَةِ بَعْدَ إزالَةِ الطَّعامِ. كَما قِيلَ: (لُقْحَةٌ) بَعْدَ الوِلادَةِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المائِدَةُ في المَعْنى مَفْعُولَةٌ، ولَفْظُها فاعِلَةٌ. وهي مِثْلُ عِيشَةٍ راضِيَةٍ. وقِيلَ: مِن (مادَ) إذا أعْطى. يُقالُ: مادَ زَيْدٌ عَمْرًا، إذا أعْطاهُ. وقالَ أبُو إسْحاقَ: الأصْلُ عِنْدِي في مائِدَةٍ أنَّها فاعِلَةٌ. مِن (مادَ يَمِيدُ) إذا تَحَرَّكَ. فَكَأنَّها تَمِيدُ بِما عَلَيْها. أيْ: تَتَحَرَّكُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَتْ مائِدَةً لِأنَّها مِيدَ بِها صاحِبُها. أيْ: أُعْطِيَها وتُفُضِّلَ عَلَيْهِ بِها. وفي "العِنايَةِ": فَكَأنَّها تُعْطِي مَن حَوْلَها مِمّا حَضَرَ عَلَيْها. وفي "المِصْباحِ": لِأنَّ المالِكَ (p-٢٢١٥)مادَها لِلنّاسِ. أيْ: أعْطاهم إيّاها. ومِثْلُهُ في كِتابِ "الأبْنِيَةِ لِابْنِ القَطّاعِ": ويُقالُ في المائِدَةِ مَيْدَةٌ. قالَهُ الجِرْمِيُّ وأنْشَدَ:

؎ومَيْدَةٍ كَثِيرَةِ الألْوانِ تُصْنَعُ لِلْإخْوانِ والجِيرانِ

كَذا في "القامُوسِ وشَرْحِهِ" والخُوانُ بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِها ما يُؤْكَلُ عَلَيْهِ الطَّعامُ كَما في "القامُوسِ". مُعَرَّبٌ كَما في "الصِّحاحِ" و"العَيْنِ". وقِيلَ: إنَّهُ عَرَبِيٌّ مَأْخُوذٌ مِن (تَخَوَّنَهُ) أيْ: نَقَصَ حَقَّهُ؛ لِأنَّهُ يُؤْكَلُ عَلَيْهِ فَيَنْقُصُ. كَذا في "العِنايَةِ".

5:113Page 126

قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ١١٣

They said, "We wish to eat from it and let our hearts be reassured and know that you have been truthful to us and be among its witnesses."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٣] ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾

﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ أيْ: آمَنّا. لَكِنّا نُرِيدُ الأكْلَ مِنها مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ تَشْغَلُنا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ أيْ: فَلا تَعْتَرِيها شُبْهَةٌ لا يُؤْمِنُ مِن وُرُودِها، لَوْلا مِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ. فَإنَّ انْضِمامَ عِلْمِ المُشاهَدَةِ إلى العِلْمِ الِاسْتِدْلالِيِّ مِمّا يُوجِبُ قُوَّةَ اليَقِينِ: ﴿ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾ أيْ: في دَعْوى النُّبُوَّةِ، وفِيما تَعِدُنا مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ، مَعَ أنَّها سَماوِيَّةٌ: ﴿ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ: فَنَشْهَدُ عَلَيْها عِنْدَ الَّذِينَ لَمْ يَحْضُرُوها مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لِيَزْدادَ المُؤْمِنُونَ مِنهم بِشَهادَتِنا طُمَأْنِينَةً ويَقِينًا. ويُؤْمِنَ بِسَبَبِها كُفّارُهم. أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلْعَيْنِ دُونَ السّامِعِينَ لِلْخَبَرِ.

ثُمَّ لَمّا رَأى أنَّ لَهم غَرَضًا صَحِيحًا في ذَلِكَ. لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، أزْمَعَ عَلى اسْتِدْعائِها واسْتِنْزالِها. (p-٢٢١٦)رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، أنَّهُ تَوَضَّأ واغْتَسَلَ ودَخَلَ مُصَلّاهُ، فَصَلّى ما شاءَ اللَّهُ. فَلَمّا قَضى صَلاتَهُ قامَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ. وصَفَّ قَدَمَيْهِ، ووَضَعَ يَدَهُ اليُمْنى عَلى اليُسْرى فَوْقَ صَدْرِهِ وغَضَّ بَصَرَهُ وطَأْطَأ بِرَأْسِهِ، خُشُوعًا. ثُمَّ أرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالبُكاءِ فَما زالَتْ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلى خَدَّيْهِ، وتَقْطُرُ مِن أطْرافِ لِحْيَتِهِ، حَتّى ابْتَلَّتِ الأرْضُ حِيالَ وجْهِهِ، مِن خُشُوعِهِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعا اللَّهَ تَعالى فَقالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنا. كَما قالَ تَعالى:

5:114Page 127

قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلۡ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدٗا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةٗ مِّنكَۖ وَٱرۡزُقۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١٤

Said Jesus, the son of Mary, "O Allāh, our Lord, send down to us a table [spread with food] from the heaven to be for us a festival for the first of us and the last of us and a sign from You. And provide for us, and You are the best of providers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٤] ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْـزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾

﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا﴾ أيْ: يا اللَّهُ المَطْلُوبُ لِكُلِّ مُهِمٍّ، الجامِعُ لِلْكَمالاتِ، الَّذِي رَبّانا بِها. ناداهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَرَّتَيْنِ بِوَصْفِ الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، إظْهارًا لِغايَةِ التَّضَرُّعِ ومُبالَغَةً في الِاسْتِدْعاءِ: ﴿أنْـزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: الَّتِي فِيها ما تَعِدُنا مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ أيْ: يَكُونُ يَوْمُ نُزُولِها عِيدًا نُعَظِّمُهُ ونُسَرُّ بِهِ، نَحْنُ الَّذِينَ يُدْرِكُونَها. ومِن بَعْدِنا الَّذِينَ يَسْمَعُونَها فَيَتَقَوَّوْنَ في دِينِهِمْ. و(العِيدُ) العائِدُ. مُشْتَقٌّ مِن (العَوْدُ) لِعَوْدِهِ في كُلِّ عامٍ بِالفَرَحِ والسُّرُورِ. وكُلُّ ما عادَ عَلَيْكَ في وقْتٍ فَهو عِيدٌ، قالَ الأعْشى:

؎فَوا كَبِدِي مِن لاعِجِ الحُبِّ والهَوى إذا اعْتادَ قَلْبِي مِن أُمَيْمَةَ عِيدُها

كَذا في "العِنايَةِ".

وفِي "القامُوسِ" (العِيدُ) بِالكَسْرِ، ما اعْتادَكَ مِن هَمٍّ أوْ مَرَضٍ أوْ حُزْنٍ أوْ نَحْوِهِ. (p-٢٢١٧)وكُلُّ يَوْمٍ فِيهِ جَمْعٌ: ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ أيْ: عَلى كَمالِ قُدْرَتِكَ وصِدْقِ وعْدِكَ وتَصْدِيقِكَ إيّايَ: ﴿وارْزُقْنا﴾ أيْ: أعْطِنا ما سَألْناكَ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أيْ: خَيْرُ مَن يَرْزُقُ؛ لِأنَّهُ خالِقُ الرِّزْقِ ومُعْطِيهِ بِلا عِوَضٍ.

5:115Page 127

قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١١٥

Allāh said, "Indeed, I will send it down to you, but whoever disbelieves afterwards from among you - then indeed will I punish him with a punishment by which I have not punished anyone among the worlds."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٥] ﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَـزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾

﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَـزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ إجابَةً لِدَعْوَتِكُمْ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ﴾ أيْ: بِي وبِرَسُولِي: ﴿بَعْدُ﴾ أيْ: بَعْدَ تَنْزِيلِها، المُفِيدِ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِي وبِرَسُولِي: ﴿مِنكُمْ﴾ أيُّها المُنَعَّمُونَ بِها: ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ: مِن عالَمِي زَمانِهِمْ. أوْ مِنَ العالَمِينَ جَمِيعًا.

رَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ إلى قَتادَةَ قالَ: كانَ الحَسَنُ يَقُولُ: لَمّا قِيلَ لَهُمْ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ إلَخْ قالُوا: لا حاجَةَ لَنا فِيها، فَلَمْ تَنْزِلْ.

رَوى مَنصُورُ بْنُ زادانَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا أنَّهُ قالَ في المائِدَةِ: أنَّها لَمْ تَنْزِلْ.

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ ولَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ. أيْ: مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِخَلْقِهِ. نَهْيًا لَهم عَنْ مَسْألَةِ الآياتِ لِأنْبِيائِهِ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذِهِ أسانِيدُ صَحِيحَةٌ إلى مُجاهِدٍ والحَسَنِ. وقَدْ يَتَقَوّى ذَلِكَ بِأنَّ خَبَرَ المائِدَةِ لا تَعْرِفُهُ النَّصارى. ولَيْسَ هو في كِتابِهِمْ. ولَوْ كانَتْ قَدْ نَزَلَتْ لَكانَ ذَلِكَ (p-٢٢١٨)مِمّا يَتَوَفَّرُ الدَّواعِي عَلى نَقْلِهِ. وكانَ يَكُونُ مَوْجُودًا في كُتُبِهِمْ مُتَواتِرًا، ولا أقَلَّ مِنَ الآحادِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

ثُمَّ قالَ: ولَكِنَّ الجُمْهُورَ أنَّها نَزَلَتْ. وهو الَّذِي اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. قالَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ بِنُزُولِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي مُنَـزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ ووَعْدُ اللَّهِ ووَعِيدُهُ حَقٌّ وصِدْقٌ.

وهَذا القَوْلُ هو -واللَّهُ أعْلَمُ- الصَّوابُ. كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ والآثارُ عَنِ السَّلَفِ وغَيْرِهِمْ.

ومِنَ الآثارِ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أُنْزِلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا وأُمِرُوا أنْ لا يَخُونُوا ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ. فَخانُوا وادَّخَرُوا ورَفَعُوا لِغَدٍ. فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ». قالَ التِّرْمِذِيُّ: وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمّارٍ، مِن طَرِيقٍ، مَوْقُوفًا وهو أصَحُّ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ قالُوا لَهُ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ. قالَ: فَنَزَلَتِ المَلائِكَةُ بِالمائِدَةِ يَحْمِلُونَها. عَلَيْها سَبْعَةُ أحْواتٍ وسَبْعَةُ أرْغِفَةٍ. فَأكَلَ مِنها آخِرُ النّاسِ كَما أكَلَ مِنها أوَّلُهم.

وقَدْ ساقَ ابْنُ كَثِيرٍ آثارًا في نُزُولِها لا تَخْلُو عَنْ غُرْبَةٍ ونَكارَةٍ في سِياقِها، كَما لا يَخْفى.

رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««قالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ادْعُ لَنا رَبَّكَ أنْ يَجْعَلَ لَنا الصَّفا ذَهَبًا ونُؤْمِنَ بِكَ. قالَ: وتَفْعَلُونَ؟ قالُوا: نَعَمْ: قالَ: فَدَعاهُ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ (p-٢٢١٩)فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ ويَقُولُ لَكَ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنهم عَذَّبْتُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ. وإنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهم بابَ التَّوْبَةِ والرَّحْمَةِ. قالَ: بَلْ بابُ التَّوْبَةِ والرَّحْمَةِ»» .

ورَواهُ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском