Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:3
5:3Page 107
حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣
Prohibited to you are dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh, and [those animals] killed by strangling or by a violent blow or by a head-long fall or by the goring of horns, and those from which a wild animal has eaten, except what you [are able to] slaughter [before its death], and those which are sacrificed on stone altars,2 and [prohibited is] that you seek decision through divining arrows. That is grave disobedience. This day those who disbelieve have despaired of [defeating] your religion; so fear them not, but fear Me. This day I have perfected for you your religion and completed My favor upon you and have approved for you Islām as religion. But whoever is forced by severe hunger with no inclination to sin - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْـزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ إلا ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ذَلِكم فِسْقٌ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ وهي ما فارَقَهُ الرُّوحُ بِغَيْرِ سَبَبٍ خارِجِيٍّ. لِأنَّها تَنَجَّسَتْ بِمُفارَقَتِهِ مِن غَيْرِ مُطَهِّرٍ، مِن ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَحْقِيقًا أوْ تَقْدِيرًا، كَإسْلامِ الذّابِحِ. كَذا في "التَّبْصِيرِ". وقَدْ خُصَّ مِنَ (المَيْتَةِ) السَّمَكُ بِالسُّنَّةِ: فَإنَّهُ حَلالٌ. ماتَ بِتَذْكِيَةٍ أوْ غَيْرِها. لِما رَواهُ مالِكٌ في مُوَطَّئِهِ، والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ في مَسْنَدَيْهِما، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِمْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِيهِما، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى (p-١٨١٢)اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ ماءِ البَحْرِ؟ فَقالَ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ»» . وهَكَذا الجَرادُ. لِما سَيَأْتِي. قالَ الرّازِيُّ: تَحْرِيمُ المَيْتَةِ مُوافِقٌ لِما في العُقُولِ. لِأنَّ الدَّمَ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ جِدًّا. فَإذا ماتَ الحَيَوانُ حَتْفَ أنْفِهِ احْتَبَسَ الدَّمُ في عُرُوقِهِ، وتَعَفَّنَ وفَسَدَ، وحَصَلَ مِن أكْلِهِ مَضارُّ عَظِيمَةٌ. انْتَهى.
أخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ في كِتابِ (الصَّحابَةِ) مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ حِبّانَ بْنِ حَجَرٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ حِبّانَ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنا أُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ فِيها لَحْمُ مَيْتَةٍ. فَأُنْزِلَ تَحْرِيمُ المَيْتَةِ فَأكْفَأْتُ القِدْرَ:» والدَّمَ أيِ: المَسْفُوحَ مِنهُ. لِقَوْلِهِ تَعالى في الأنْعامِ: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الطِّحالِ؟ فَقالَ: كُلُوهُ. فَقالُوا: إنَّهُ دَمٌ. فَقالَ: إنَّما حُرِّمَ عَلَيْكُمُ الدَّمُ المَسْفُوحُ. وكَذا رَواهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدِ بْنِ القاسِمِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّما نُهِيَ عَنِ الدَّمِ السّافِحِ.
قالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشّافِعِيُّ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أحِلُّ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ. فَأمّا المَيْتَتانِ فالسَّمَكُ والجَرادُ. وأمّا الدَّمانِ فالكَبِدُ والطِّحالُ»» . وكَذا رَواهُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (p-١٨١٣)وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ. وهو ضَعِيفٌ. قالَ الحافِظُ البَيْهَقِيُّ: ورَواهُ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي إدْرِيسَ، عَنْ أُسامَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَرْفُوعًا. قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وثَلاثَتُهم كُلُّهم ضُعَفاءُ. ولَكِنَّ بَعْضَهم أصْلَحُ مِن بَعْضٍ. وقَدْ رَواهُ سُلَيْمانُ بْنُ بِلالٍ، أحَدُ الأثْباتِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَوَقَفَهُ بَعْضُهم عَلَيْهِ، قالَ الحافِظُ أبُو زُرْعَةَ الرّازِيُّ: وهو أصَحُّ. نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
أقُولُ: أقْوى مِمّا ذُكِرَ في الحُجَّةِ، ما في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ ابْنِ أبِي أوْفى قالَ: «غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَواتٍ نَأْكُلُ الجَرادَ». وفِيهِما أيْضًا مِن حَدِيثِ جابِرٍ، «إنَّ البَحْرَ ألْقى حُوتًا مَيِّتًا فَأكَلَ مِنهُ الجَيْشُ. فَلَمّا قَدِمُوا قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: كُلُوا رِزْقًا أخْرَجَ اللَّهُ لَكم. أطْعِمُونا مِنهُ إنْ كانَ مَعَكم. فَأتاهُ بَعْضُهم بِشَيْءٍ». وفي البُخارِيِّ عَنْ عُمَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] قالَ: صَيْدُهُ ما اصْطِيدَ. وطَعامُهُ ما رُمِيَ بِهِ. وفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: طَعامُهُ مِيتَتُهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ أبِي أُمامَةَ وهو صُدَيُّ بْنُ عَجْلانَ قالَ: بَعَثَنِي (p-١٨١٤)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْمِي أدْعُوهم إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، وأعْرِضُ عَلَيْهِمْ شَرائِعَ الإسْلامِ، فَأتَيْتُهم. فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ، إذْ جاءُوا بِقَصْعَةٍ مِن دَمٍ فاجْتَمَعُوا عَلَيْها يَأْكُلُونَها. فَقالُوا: هَلُمَّ، يا صُدَيُّ! فَكُلْ. قالَ قُلْتُ: ويْحَكُمْ، إنَّما أتَيْتُكم مِن عِنْدِ مَن يُحَرِّمُ هَذا عَلَيْكُمْ، فَأقْبَلُوا عَلَيْهِ، قالُوا: وما ذاكَ؟ فَتَلَوْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ الآيَةَ. ورَواهُ الحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ. وزادَ بَعْدَ هَذا السِّياقِ قالَ: فَجَعَلْتُ أدْعُوهم إلى الإسْلامِ ويَأْبَوْنَ عَلَيَّ. فَقُلْتُ: ويْحَكُمْ! اسْقُونِي شَرْبَةً مِن ماءٍ فَإنِّي شَدِيدُ العَطَشِ. قالَ: وعَلَيَّ عَباءَتِي. فَقالُوا: لا. ولَكِنْ نَدَعُكَ حَتّى تَمُوتَ عَطَشًا. قالَ: فاغْتَمَمْتُ وضَرَبْتُ بِرَأْسِي في العَباءِ. ونِمْتُ عَلى الرَّمْضاءِ في حَرٍّ شَدِيدٍ. قالَ: فَأتانِي آتٍ في مَنامِي بِقَدَحٍ مِن زُجاجٍ. لَمْ يَرَ النّاسُ أحْسَنَ مِنهُ. وفِيهِ شَرابٌ لَمْ يَرَ النّاسُ ألَذَّ مِنهُ. فَأمْكَنَنِي مِنهُ فَشَرِبْتُهُ. فَلَمّا فَرَغْتُ مِن شَرابِي اسْتَيْقَظْتُ، فَلا، واللَّهِ! ما عَطِشْتُ ولا عَرِبْتُ (عَرِبَ كَفَرِحَ فَسَدَتْ مَعِدَتُهُ. قامُوسٍ) بَعْدَ تِيكَ الشَّرْبَةِ.
ورَواهُ الحاكِمُ في مُسْتَدْرِكِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَمّادٍ، عَنْ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِسَنَدِهِ إلى أبِي أُمامَةَ. وزادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: (بَعْدَ تِيكَ الشَّرْبَةِ): فَسَمِعْتُهم يَقُولُونَ: أتاكم رَجُلٌ مِن سُراةِ قَوْمِكم فَلَمْ تُمْجِعُوهُ بِمَذْقَةٍ؟ فَأتَوْنِي بِمَذْقَةٍ فَقُلْتُ: لا حاجَةَ لِي فِيها. إنَّ اللَّهَ أطْعَمَنِي وسَقانِي. وأرَيْتُهم بَطْنِي، فَأسْلَمُوا عَنْ آخِرِهِمْ». انْتَهى.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ هَذِهِ المُحَرَّماتِ: البَهِيمَةَ الَّتِي تَمُوتُ حَتْفَ أنْفِها. والفَصِيدَ، وهو الدَّمُ في المَباعِرِ، يَشْوُونَها ويَقُولُونَ: لَمْ يُحْرَمْ مَن فُزْدَ لَهُ.
(p-١٨١٥)وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ [البقرة: ١٧٣] الآيَةَ.
قالَ المَهايِمِيُّ: حُرِّمَ الدَّمُ لِأنَّهُ مُتَعَلِّقُ الرُّوحِ بِلا واسِطَةٍ. فَأشْبَهَ النَّجِسَ بِالذّاتِ، لا يُؤَثِّرُ فِيهِ المُطَهِّرُ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ لِأنَّهُ نَجِسٌ في حَياتِهِ بِصِفاتِهِ الذَّمِيمَةِ وهي -وإنْ زالَتْ بِالمَوْتِ- فَهو مُنَجَّسٌ ولَمْ يَقْبَلِ التَّطْهِيرَ. لِأنَّهُ لَمّا كانَ نَجِسًا حالَ الحَياةِ والمَوْتِ، أشْبَهَ النَّجِسَ بِالذّاتِ، فَكَأنَّهُ زِيدَ تَنْجِيسُهُ بِالمَوْتِ. وإنَّما ذَكَرَ اللَّحْمَ إشارَةً إلى أنَّهُ -وإنْ لَمْ يَكُنْ مَوْصُوفًا في الحَياةِ بِالصِّفاتِ المُنَجِّسَةِ لِرُوحِهِ- كانَ مُتَنَجِّسًا بِنَجاسَةِ رُوحِهِ، ثُمَّ بِزَوالِ الرُّوحِ. انْتَهى.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَحْمُ الخِنْـزِيرِ﴾ يَعْنِي إنْسِيَّهُ ووَحْشِيَّهُ، واللَّحْمُ يَعُمُّ جَمِيعَ أجْزائِهِ حَتّى الشَّحْمِ، كَما هو المَفْهُومُ مِن لُغَةِ العَرَبِ ومِنَ العُرْفِ المُطَّرِدِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الحُصَيْبِ الأسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ««مَن لَعِبَ بالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأنَّما صَبَغَ يَدَهُ بِلَحْمِ الخِنْزِيرِ ودَمِهِ»»، فَإذا كانَ هَذا التَّنْفِيرُ لِمُجَرَّدِ اللَّمْسِ، فَكَيْفَ يَكُونُ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ الأكِيدُ عَلى أكْلِهِ والتَّغَذِّي بِهِ؟ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى شُمُولِ اللَّحْمِ لِجَمِيعِ الأجْزاءِ مِنَ الشَّحْمِ وغَيْرِهِ. وفي الصَّحِيحَيْنِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ (p-١٨١٦)والمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ والأصْنامِ: فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أرَأيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ فَإنَّها تُطْلى بِها السُّفُنُ وتُدْهَنُ بِها الجُلُودُ ويَسْتَصْبِحُ بِها النّاسُ؟ فَقالَ: لا؛ هو حَرامٌ»» .
﴿وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أيْ: نُودِيَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ، كَما في "الصِّحاحِ" وأصْلُ الإهْلالِ رَفْعُ الصَّوْتِ، وكانَ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ يَذْكُرُونَ أسْماءَ أصْنامِهِمْ عِنْدَ الذَّبْحِ، فَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في الآيَةِ: أيْ: ما ذُبِحَ فَذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ، فَهو حَرامٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ أنْ تُذْبَحَ مَخْلُوقاتُهُ عَلى اسْمِهِ العَظِيمِ. فَمَن عَدَلَ بِها عَنْ ذَلِكَ، وذَكَرَ عَلَيْها اسْمَ غَيْرِهِ مِن صَنَمٍ أوْ طاغُوتٍ أوْ وثَنٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن سائِرِ المَخْلُوقاتِ، فَإنَّها حَرامٌ بِالإجْماعِ. وإنَّما اخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ، إمّا عَمْدًا أوْ نِسْيانًا، كَما سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الجارُودِ بْنِ أبِي سَبْرَةَ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن بَنِي رِياحٍ يُقالُ لَهُ: ابْنُ نائِلٍ. وكانَ شاعِرًا. نافَرَ غالِبًا، جَدَّ الفَرَزْدَقِ بِماءٍ بِظَهْرِ الكُوفَةِ. عَلى أنْ يَعْقِرَ هَذا مِائَةً مِن إبِلِهِ، إذا ورَدَتِ الماءَ. قاما بِسَيْفَيْهِما فَجَعَلا يَكْشِفانِ عَراقِيبَها. قالَ: فَخَرَجَ النّاسُ عَلى الحُمُراتِ والبِغالِ يُرِيدُونَ اللَّحْمَ. وعَلِيٌّ بِالكُوفَةِ. قالَ: فَخَرَجَ عَلِيٌّ. عَلى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ البَيْضاءِ، وهو يُنادِي: يا أيُّها النّاسُ! لا تَأْكُلُوا مِن لُحُومِها. فَإنَّما أُهِلَّ بِها لِغَيْرِ اللَّهِ. هَذا أثَرٌ غَرِيبٌ.
(p-١٨١٧)يَشْهَدُ لَهُ بِالصِّحَّةِ ما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مُعاقَرَةِ الأعْرابِ»» . ثُمَّ أسْنَدَ عَنْ عِكْرِمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ طَعامِ المُتَبارِيَيْنِ أنْ يُؤْكَلَ». أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وفِي "القامُوسِ وشَرْحِهِ": وعاقَرَهُ: فاخَرَهُ وكارَمَهُ في عَقْرِ الإبِلِ. ويُقالُ: تَعاقَرا إذا عَقَرا إبِلَهُما، يَتَبارَيانِ بِذَلِكَ، لِيُرى أيُّهُما أعْقَرُ لَها. ومِن ذَلِكَ مُعاقَرَةُ غالِبِ بْنِ صَعْصَعَةَ. أبِي الفَرَزْدَقِ وسُحَيْمِ بْنِ وثِيلٍ الرِّياحِيِّ لَمّا تَعاقَرا بِصَوْأرٍ. فَعَقَرَ سُحَيْمٌ خَمْسًا ثُمَّ بَدا لَهُ. وعَقَرَ غالِبٌ مِائَةً.
وفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: «لا تَأْكُلُوا مِن تَعاقُرِ الأعْرابِ. فَإنِّي لا آمَنُ أنْ يَكُونَ مِمّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ».
قالَ ابْنُ الأثِيرِ: هو عَقْرُهُمُ الإبِلَ، كانَ الرَّجُلانِ يَتَبارَيانِ في الجُودِ والسَّخاءِ. فَيَعْقِرُ هَذا وهَذا. حَتّى يُعْجِزَ أحَدُهُما الآخَرَ. وكانُوا يَفْعَلُونَهُ رِياءً وسُمْعَةً وتَفاخُرًا. ولا يَقْصِدُونَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى. فَشَبَّهَهُ بِما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى.
ورَوى الإمامُ مُسْلِمٌ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ: «لَعَنَ اللَّهُ مَن ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ. لَعَنَ اللَّهُ مَن لَعَنَ والِدَيْهِ. لَعَنَ اللَّهُ مَن آوى مُحْدِثًا. لَعَنَ اللَّهُ مَن غَيَّرَ مَنارَ الأرْضِ»» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (p-١٨١٨)««دَخَلَ الجَنَّةَ رَجُلٌ في ذُبابٍ، ودَخَلَ النّارَ رَجُلٌ في ذُبابٍ. قالُوا: وكَيْفَ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟! قالَ: مَرَّ رَجُلانِ عَلى قَوْمٍ لَهم صَنَمٌ لا يَجُوزُهُ أحَدٌ حَتّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا. فَقالُوا لِأحَدِهِما: قَرِّبْ. قالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أُقَرِّبُ. قالُوا لَهُ: قَرِّبْ ولَوْ ذُبابًا. فَقَرَّبَ ذُبابًا، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ النّارَ. وقالُوا لِلْآخَرِ: قَرِّبْ. فَقالَ: ما كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فَضَرَبُوا عُنُقَهُ. فَدَخَلَ الجَنَّةَ»» . وفي هَذِهِ القِصَّةِ تَرْهِيبٌ مِن وُجُوهٍ: مِنها كَوْنُهُ دَخَلَ النّارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذُّبابِ الَّذِي لَمْ يَقْصِدْهُ، بَلْ فَعَلَهُ تَخَلُّصًا مِن شَرِّهِمْ. ومِنها مَعْرِفَةُ قَدْرِ الشِّرْكِ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، كَيْفَ صَبَرَ ذَلِكَ عَلى القَتْلِ ولَمْ يُوافِقْهم عَلى طُلْبَتِهِمْ. مَعَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَطْلُبُوا إلّا العَمَلَ الظّاهِرَ. ومِنها أنَّ في هَذا شاهِدًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««الجَنَّةُ أقْرَبُ إلى أحَدِكم مِن شِراكِ نَعْلِهِ والنّارُ مِثْلُ ذَلِكَ»» . كَذا في كِتابِ "التَّوْحِيدِ".
والمُنْخَنِقَةُ وهي الَّتِي تَمُوتُ بِالخَنْقِ إمّا قَصْدًا وإمّا اتِّفاقًا. بِأنْ تَتَخَبَّلَ في وثاقِها فَتَمُوتَ بِهِ. قالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: هي الَّتِي تَخْتَنِقُ بِحَبْلِ الصّائِدِ أوْ غَيْرِهِ. وبِأيِّ وجْهٍ اخْتَنَقَتْ فَهي حَرامٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتِ الجاهِلِيَّةُ يَخْنُقُونَ الشّاةَ. حَتّى إذا ماتَتْ أكَلُوها. والمُنْخَنِقَةُ مِن جِنْسِ المَيْتَةِ، لِأنَّها لَمّا ماتَتْ، وما سالَ دَمُها، كانَتْ كالمَيِّتِ حَتْفَ أنْفِهِ. إلّا أنَّها فارَقَتِ المَيْتَةَ بِكَوْنِها تَمُوتُ بِسَبَبِ انْعِصارِ الحَلْقِ بِالخَنْقِ، بِخِلافِ المَيْتَةِ فَإنَّها بِلا سَبَبٍ.
قالَ المَهايِمِيُّ: المُنْخَنِقَةُ، وإنْ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْها فَقَدْ عارَضَهُ سَرَيانُ خَباثَةِ الخانِقِ إلَيْها، مَعَ تَنَجُّسِها بِالمَوْتِ: والمَوْقُوذَةُ يَعْنِي المَقْتُولَةُ بِالخَشَبِ. وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَضْرِبُونَ الشّاةَ بِالعِصِيِّ. حَتّى إذا ماتَتْ أكَلُوها. وفي "القامُوسِ وشَرْحِهِ" الوَقْذُ شِدَّةُ الضَّرْبِ. وقَذَهُ يَقِذُهُ وقْذًا: ضَرَبَهُ حَتّى اسْتَرْخى وأشْرَفَ عَلى المَوْتِ. وشاةٌ وقِيذٌ ومَوْقُوذَةٌ قُتِلَتْ بِالخَشَبِ. وقالَ أبُو سَعِيدٍ: الوَقْذُ الضَّرْبُ عَلى فَأْسِ القَفا. فَيَصِيرُ هَدَّتُها إلى الدِّماغِ، فَيَذْهَبُ (p-١٨١٩)العَقْلُ. فَيُقالُ: رَجُلٌ مَوْقُوذٌ. وفي الصَّحِيحِ أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ قالَ: ««قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي أرْمِي بِالمِعْراضِ الصَّيْدَ، فَأُصِيبَ. قالَ: إذا رَمَيْتَ بِالمِعْراضِ فَخَرَقَ فَكُلْهُ. وإنْ أصابَ بِعَرْضِهِ فَإنَّما هو وقِيذٌ. فَلا تَأْكُلْهُ»» .
والمُتَرَدِّيَةُ هي السّاقِطَةُ مِن جَبَلٍ أوْ في بِئْرٍ، فَتَمُوتُ. والتَّرَدِّي السُّقُوطُ فَهي مِهْواةٍ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ في مَعْنى المَيْتَةِ. فَإنَّها ماتَتْ ولَمْ يَسِلْ دَمُها والنَّطِيحَةُ هي الَّتِي نَطَحَتْها أُخْرى فَماتَتْ. فَهي حَرامٌ. وإنْ جَرَحَها القَرْنُ وخَرَجَ مِنها الدَّمُ ولَوْ مِن مَذْبَحِها. وإنْ أرْسَلَ إنْسانٌ النّاطِحَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الصَّيْدِ المَشْرُوعِ، لَمْ تَخْلُ مِن خَباثَةٍ.
فائِدَةٌ:
قالَ التَّبْرِيزِيُّ في "تَهْذِيبِهِ" وابْنُ قُتَيْبَةَ في "أدَبِ الكاتِبِ": ما كانَ عَلى فَعِيلٍ، نَعْتًا لِلْمُؤَنَّثِ وهو في تَأْوِيلِ مَفْعُولٍ، كانَ بِغَيْرِ هاءٍ. نَحْوَ: كَفٌّ خَضِيبٌ. ومِلْحِفَةٌ غَسِيلٌ. ورُبَّما جاءَتْ بِالهاءِ يَذْهَبُ بِها مَذْهَبَ الأسْماءِ. نَحْوَ النَّطِيحَةِ والذَّبِيحَةِ والفَرِيسَةِ وأكِيلَةِ السَّبُعِ... وقالُوا: مِلْحَفَةٌ جَدِيدَةٌ. لِأنَّها في تَأْوِيلِ مَجْدُودَةٍ أيْ: مَقْطُوعَةٍ. وإذا لَمْ يَجُزْ فِيهِ مَفْعُولٌ فَهو بِالهاءِ. نَحْوَ مَرِيضَةٍ وظَرِيفَةٍ وكَبِيرَةٍ وصَغِيرَةٍ. وجاءَتْ أشْياءُ شاذَّةٌ. فَقالُوا: رِيحٌ خَرِيقٌ وناقَةٌ سَدِيسٌ وكَتِيبَةٌ خَصِيفٌ.
وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: قَدْ تَأْتِي فَعِيلَةُ بِالهاءِ وهي في تَأْوِيلِ مَفْعُولٍ بِها. تُخَرَّجُ مَخْرَجَ الأسْماءِ ولا يُذْهَبُ بِها مَذْهَبَ النُّعُوتِ. نَحْوَ النَّطِيحَةِ والذَّبِيحَةِ والفَرِيسَةِ وأكِيلَةِ السَّبُعِ، ومَرَرْتُ بِقَتِيلَةِ بَنِي فُلانٍ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّما جاءَتِ النَّطِيحَةُ بِالهاءِ، لِغَلَبَةِ الِاسْمِ عَلَيْها. وكَذَلِكَ الفَرِيسَةُ والأكِيلَةُ والرَّمِيَّةُ. لِأنَّهُ لَيْسَ هو (نَطْحَتْها، فَهي مَنطُوحَةٌ) وإنَّما هو الشَّيْءُ في نَفْسِهِ مِمّا يُنْطَحُ والشَّيْءُ مِمّا يُفْرَسُ ويُؤْكَلُ.
(p-١٨٢٠)وما أكَلَ السَّبُعُ أيْ: ما عَدا عَلَيْها فَأكَلَ بَعْضَها. قالَ قَتادَةُ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، إذا جَرَحَ السَّبُعُ شَيْئًا فَقَتَلَهُ أوْ أكَلَ مِنهُ، أكَلُوا ما بَقِيَ مِنهُ. فَحَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى.
قالَ المَهايِمِيُّ: هُوَ، وإنْ أشْبَهَ الصَّيْدَ، لَكِنَّهُ لَمّا أكَلَهُ قَصَدَ بِذَلِكَ نَفْسَهُ، فَسَرَتْ خَباثَتُهُ فِيها. انْتَهى.
و(السَّبُعُ) بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِها وسُكُونِها: المُفْتَرِسُ مِنَ الحَيَوانِ. مِثْلَ الأسَدِ والذِّئْبِ والنَّمِرِ والفَهْدِ. وما أشْبَهَها مِمّا لَهُ نابٌ، ويَعْدُو عَلى النّاسِ والدَّوابِّ فَيَفْتَرِسُها. وسُمِّيَ ذَلِكَ لِتَمامِ قُوَّتِهِ. وذَلِكَ أنَّ (السَّبُعَ) مِنَ الأعْدادِ التّامَّةِ، وفي الآيَةِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وما أكَلَ السَّبُعُ بَعْضَهُ. كَما ذَكَرْنا. لِأنَّ ما أكَلَهُ فَقَدْ فُقِدَ، فَلا حُكْمَ لَهُ، إنَّما الحُكْمُ لِلْباقِي مِنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ أيْ: ما أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ مِن هَذِهِ المَذْكُوراتِ: المُنْخَنِقَةِ فَما بَعْدَها. بِحَيْثُ يُنْسَبُ مَوْتُها إلى الذَّبْحِ دُونَ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ يَتَحَقَّقُ فِيهِ المُطَهِّرُ، ولا يُؤَثِّرُ فِيهِ السّابِقُ. لِأنَّ اللّاحِقَ يَنْسَخُهُ. بَلْ هو واقِعٌ قَبْلَ تَأْثِيرِ السّابِقِ. إذْ لا يَتِمُّ التَّأْثِيرُ إلّا بِالمَوْتِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أيْ: إلّا ما ذَبَحْتُمْ مِن هَؤُلاءِ وفِيهِ رُوحٌ، فَكُلُوهُ فَهو ذَكِيٌّ. وكَذا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ والسُّدِّيِّ. ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ، في الآيَةِ قالَ: إنْ مَصَعَتْ بِذَنَبِها، أوْ رَكَضَتْ بِرِجْلِها، أوْ طَرَفَتْ بِعَيْنِها، فَكُلْ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحارِثِ عَنْ عَلِيٍّ أيْضًا قالَ: إذا أدْرَكْتَ ذَكاةَ المَوْقُوذَةِ والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ، وهي تُحَرِّكُ يَدًا أوْ رِجْلًا، فَكُلْهُ. وهَكَذا رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ والضَّحّاكِ وغَيْرِ واحِدٍ؛ أنَّ المُذَكّاةَ مَتى تَحَرَّكَتْ بِحَرَكَةٍ تَدُلُّ عَلى بَقاءِ الحَياةِ فِيها بَعْدَ الذَّبْحِ، فَهي حَلالٌ. وهَذا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ. أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
وفِي "المُوَطَّأِ": سُئِلَ مالِكٌ عَنْ شاةٍ تَرَدَّتْ فَتَكَسَّرَتْ، فَأدْرَكَها صاحِبُها فَذَبَحَها، (p-١٨٢١)فَسالَ الدَّمُ مِنها ولَمْ تَتَحَرَّكْ؟ فَقالَ مالِكٌ: إذا كانَ ذَبَحَها ونَفَسُها يَجْرِي وهي تَطْرِفُ، فَلْيَأْكُلْها.
والتَّذْكِيَةُ الذَّبْحُ، كالذَّكا والذَّكاةِ. قالَ الرّاغِبُ: حَقِيقَةُ التَّذْكِيَةِ إخْراجُ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ. ولَكِنْ خُصَّ في الشَّرْعِ بِإبْطالِ الحَياةِ عَلى وجْهٍ دُونَ وجْهٍ. أيْ: وهو قَطْعُ الحُلْقُومِ والمَرِيءِ. بِمُنْهِرٍ لِلدَّمِ: مِن سِكِّينٍ وسَيْفٍ وزُجاجٍ وحَجَرٍ وقَصَبٍ، لَهُ حَدٌّ يَقْطَعُ كَما السِّلاحِ المُحَدَّدِ. ما لَمْ يَكُنْ سِنًّا أوْ ظُفْرًا. لِحَدِيثِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما قالَ: ««قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنّا لاقُو العَدُوِّ غَدًا. ولَيْسَ مَعَنا مُدًى. أفَنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟ فَقالَ: ما أنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ لَيْسَ السَّنَّ والظُّفُرَ، وسَأُحَدِّثُكم عَنْ ذَلِكَ: أمّا السِّنُّ فَعَظْمٌ. وأمّا الظُّفُرُ فَمُدى الحَبَشَةِ»» .
وأمّا حَدِيثُ أبِي العُشَراءِ عَنْ أبِيهِ: ««قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أما تَكُونُ الذَّكاةُ إلّا في الحَلْقِ واللَّبَّةِ؟ قالَ: لَوْ طَعَنْتَ في فَخِذِها لَأجْزَأكَ»» . أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ - فَفي إسْنادِهِ مَجْهُولُونَ.
(p-١٨٢٢)وأبُو العُشَراءِ لا يُعْرَفُ مَن أبَوْهُ. ولَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ. فَهو مَجْهُولٌ. كَذا في "الرَّوْضَةِ".
وقالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "التَّلْخِيصِ": أبُو العُشَراءِ مُخْتَلَفٌ في اسْمِهِ وفي اسْمِ أبِيهِ. وقَدْ تَفَرَّدَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِالرِّوايَةِ عَنْهُ عَلى الصَّحِيحِ. ولا يُعْرَفُ حالُهُ.
وقالَ في "التَّقْرِيبِ": أعْرابِيٌّ مَجْهُولٌ.
قالَ التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ، بَعْدَ سَوْقِهِ لِهَذا الحَدِيثِ: قالَ أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ: قالَ يَزِيدُ بْنُ هارُونَ: هَذا في الضَّرُورَةِ. وفي البابِ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الحَدِيثُ صَحِيحٌ. ولَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى ما لا يُقْدَرُ عَلى ذَبْحِهِ في الحَلْقِ واللَّبَّةِ. انْتَهى.
وتَصْحِيحُهُ لَهُ، مَعَ جَهالَةِ راوِيهِ المَذْكُورِ، فِيهِ نَظَرٌ. فَإنَّ حَدَّ الصَّحِيحِ كَما في "التَّقْرِيبِ" ما اتَّصَلَ إسْنادُهُ بِالعُدُولِ الضّابِطِينَ مِن غَيْرِ شُذُوذٍ ولا عِلَّةٍ. قالَ (شارِحُهُ السُّيُوطِيُّ): فَخَرَجَ بِقَيْدِ (العُدُولِ) ما نَقَلَهُ مَجْهُولٌ عَيْنًا أوْ حالًا. أيْ: فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ ضَعِيفٌ.
وفِي "النُّخْبَةِ" أنَّ خَبَرَ الآحادِ مَقْبُولٌ ومَرْدُودٌ، والثّانِي إمّا لِسَقْطٍ مِن إسْنادٍ أوْ طَعْنٍ في راوٍ. والطَّعْنُ إمّا لِكَذِبٍ أوْ تُهْمَتِهِ بِذَلِكَ. إلى أنْ قالَ: أوْ جَهالَتِهِ بِأنْ لا يُعْرَفَ فِيهِ تَعْدِيلٌ ولا تَجْرِيحٌ مُعَيَّنٌ. فَتَبَصَّرْ.
وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَتْ لَهم حِجارَةٌ مَنصُوبَةٌ حَوْلَ البَيْتِ. يَذْبَحُونَ عَلَيْها ويَشْرَحُونَ اللَّحْمَ عَلَيْها. يُعَظِّمُونَها بِذَلِكَ ويَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلَيْها. تُسَمّى الأنْصابُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَنَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ هَذا الصَّنِيعِ وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ أكْلَ هَذِهِ الذَّبائِحِ، حَتّى ولَوْ كانَ يُذْكَرُ عَلَيْها اسْمُ اللَّهِ. لِما في الذَّبْحِ عِنْدَ النُّصُبِ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ. انْتَهى.
وقَدْ ورَدَ النَّهْيُ عَنِ الذَّبْحِ لِلَّهِ بِمَكانٍ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيْرِهِ تَعالى. فَرَوى أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ (p-١٨٢٣)عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، عَنْ ثابِتِ بْنِ الضَّحّاكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ««نَذَرَ رَجُلٌ أنْ يَنْحَرَ إبِلًا بِبُوانَةَ. فَسَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: هَلْ كانَ فِيها وثَنٌ مِن أوْثانِ الجاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَهَلْ كانَ فِيها عِيدٌ مِن أعْيادِهِمْ؟ قالُوا لا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أوْفِ بِنَذْرِكَ. فَإنَّهُ لا وفاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. ولا فِيما لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ»» .
فَفِيهِ: أنَّ المَعْصِيَةَ قَدْ تُؤَثِّرُ في الأرْضِ. وكَذَلِكَ الطّاعَةُ. وفِيهِ المَنعُ مِنَ النَّذْرِ إذا كانَ فِيهِ وثَنٌ مِن أوْثانِ الجاهِلِيَّةِ، ولَوْ بَعْدَ زَوالِهِ. أوْ عِيدٌ مِن أعْيادِهِمْ، ولَوْ بَعْدَ زَوالِهِ أيْضًا. وإنَّهُ لا يَجُوزُ الوَفاءُ بِما نُذِرَ في تِلْكَ البُقْعَةِ لِأنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ وفِيهِ الحَذَرُ مِن مُشابَهَةِ المُشْرِكِينَ في أعْيادِهِمْ، ولَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ. كَذا في "كِتابِ التَّوْحِيدِ".
لَطِيفَةٌ:
(النُّصُبُ) بِضَمَّتَيْنِ، وضَمٍّ فَسُكُونٍ، إمّا جَمْعٌ، واحِدُهُ نِصابٌ. كَكِتابٍ وكُتُبٍ. أوْ مُفْرَدٌ جَمْعُهُ أنْصابٌ كَعُنُقٍ وأعْناقٍ. وقُفْلٍ وأقْفالٍ. وفي "القامُوسِ وشَرْحِهِ": النُّصُبُ: كُلُّ ما نُصِبَ وجُعِلَ عَلَمًا. وكُلُّ ما نُصِبَ فَعُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى. والأنْصابُ حِجارَةٌ كانَتْ حَوْلَ الكَعْبَةِ تُنْصَبُ فَيُهَلُّ عَلَيْها ويُذْبَحُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ القُتَيْبِيُّ: النُّصُبُ صَنَمٌ أوْ حَجَرٌ. وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَنْصِبُهُ تَذْبَحُ عِنْدَهُ، فَيَحْمَرُّ بِالدَّمِ. ومِنهُ حَدِيثُ أبِي ذَرٍّ في إسْلامِهِ قالَ: (p-١٨٢٤)فَخَرَجْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ ثُمَّ ارْتَفَعْتُ كَأنِّي نُصُبٌ أحْمَرُ -يُرِيدُ أنَّهم ضَرَبُوهُ حَتّى أدْمَوْهُ- فَصارَ كالنُّصُبِ المُحْمَرِّ بِدَمِ الذَّبائِحِ. انْتَهى.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتِ النُّصُبُ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ نُصُبًا. وكانُوا يَذْبَحُونَ عِنْدَها ويَنْضَحُونَ ما أقْبَلَ مِنها إلى البَيْتِ، بِدِماءِ تِلْكَ الذَّبائِحِ. ويَشْرَحُونَ اللَّحْمَ ويَضَعُونَهُ عَلى النُّصُبِ.
﴿وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ أيْ: وحَرَّمَ عَلَيْكُمْ، أيُّها المُؤْمِنُونَ، الِاسْتِقْسامَ بِالأزْلامِ، أيْ: طَلَبَ القَسَمِ والحُكْمِ بِها. والأزْلامُ جَمْعُ زَلَمٍ (مُحَرَّكَةً). و(كَصَرَدٍ) وهِيَ: قِداحٌ ثَلاثَةٌ كانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ. مَكْتُوبٌ عَلى أحَدِها: (افْعَلْ) وعَلى الآخَرِ (لا تَفْعَلْ) والثّالِثُ غُفْلٌ، لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وقَدْ زُلِّمَتْ وسُوِّيَتْ ووُضِعَتْ في الكَعْبَةِ. يَقُومُ بِها سَدَنَةُ البَيْتِ، فَإذا أرادَ رَجُلٌ سَفَرًا أوْ نِكاحًا. أتى السّادِنَ وقالَ: أخْرِجْ لِي زَلَمًا. فَيُجِيلُها ثُمَّ يُخْرِجُ زَلَمًا مِنها. فَإذا خَرَجَ قَدَحُ الأمْرِ، مَضى عَلى ما عَزَمَ عَلَيْهِ. أوِ النَّهْيِ قَعَدَ عَمّا أرادَهُ. أوِ الفارِغُ أعادَ.
قالَ الزُّهْرِيُّ (فِي مَعْنى الآيَةِ): أيْ: تَطْلُبُوا مِن جِهَةِ الأزْلامِ ما قُسِمَ لَكم مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ. فَمَعْنى الِاسْتِقْسامِ هو طَلَبُ مَعْرِفَةِ ما قُسِمَ لَهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، مِمّا لَمْ يُقْسَمُ لَهُ بِواسِطَةِ ضَرْبِ القِداحِ. وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ؛ أنَّ أعْظَمَ أصْنامِ قُرَيْشٍ، صَنَمٌ كانَ يُقالُ لَهُ هُبَلُ. مَنصُوبٌ عَلى بِئْرٍ داخِلَ الكَعْبَةِ، فِيها تُوضَعُ الهَدايا، وأمْوالُ الكَعْبَةِ فِيهِ. وكانَ عِنْدَهُ سَبْعَةُ أزْلامٍ مَكْتُوبٌ فِيها ما يَتَحاكَمُونَ فِيهِ مِمّا أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ. فَما خَرَجَ لَهم مِنها رَجَعُوا إلَيْهِ ولَمْ يَعْدِلُوا عَنْهُ. وفي "اللُّبابِ": كانَتْ أزْلامُهم سَبْعَ قِداحٍ مُسْتَوِيَةً مَكْتُوبٌ عَلى واحِدٍ مِنها: (أمَرَنِي رَبِّي) وعَلى واحِدٍ: (نَهانِي) وعَلى واحِدٍ: (مِنكُمْ) وعَلى واحِدٍ: (مِن غَيْرِكُمْ) وعَلى واحِدٍ: (مُلْصَقٌ) وعَلى واحِدٍ: (العَقْلُ) وعَلى واحِدٍ غُفْلٌ. أيْ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وكانَتِ العَرَبُ، في الجاهِلِيَّةِ، إذا أرادُوا سَفَرًا أوْ تِجارَةً أوْ نِكاحًا، أوِ اخْتَلَفُوا في نَسَبٍ أوْ أمْرِ قَتِيلٍ، أوْ تَحَمُّلِ عَقْلٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العِظامِ - جاءُوا إلى هُبَلَ. وكانَتْ أعْظَمَ صَنَمٍ لِقُرَيْشٍ بِمَكَّةَ. وجاءُوا بِمِائَةِ (p-١٨٢٥)دِرْهَمٍ. وأعْطَوْها صاحِبَ القِداحِ حَتّى يُجِيلَها لَهم. فَإنْ خَرَجَ: (أمَرَنِي رَبِّي) فَعَلُوا ذَلِكَ الأمْرَ. وإنْ خَرَجَ: (نَهانِي رَبِّي) لَمْ يَفْعَلُوهُ. وإنْ أجالُوا عَلى نَسَبٍ، فَإنْ خَرَجَ: (مِنكُمْ) كانَ وسَطًا مِنهم. وإنْ خَرَجَ: (مِن غَيْرِكُمْ) كانَ حِلْفًا فِيهِمْ. وإنْ خَرَجَ: (مُلْصَقٌ) كانَ عَلى حالِهِ. وإنِ اخْتَلَفُوا في العَقْلِ. وهو الدَّيْنُ، مَن خَرَجَ عَلَيْهِ قَدَحُ العَقْلِ تَحَمَّلَهُ. وإنْ خَرَجَ غُفْلٌ أجالُوا ثانِيًا. حَتّى يَخْرُجَ المَكْتُوبُ عَلَيْهِ. فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وحَرَّمَهُ وسَمّاهُ فِسْقًا، كَما يَأْتِي. وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا دَخَلَ الكَعْبَةَ، وجَدَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ مُصَوَّرَيْنِ فِيها. وفي أيْدِيهِما الأزْلامُ. فَقالَ: «قاتَلَهُمُ اللَّهُ، لَقَدْ عَلِمُوا أنَّهُما لَمْ يَسْتَقْسِما بِهِما أبَدًا»» . وفي الصَّحِيحِ أنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكِ بْنِ جَعْشَمَ، لَمّا خَرَجَ في طَلَبِ النَّبِيِّ ﷺ وأبِي بَكْرٍ، وهُما ذاهِبانِ إلى المَدِينَةِ. مُهاجِرَيْنِ، قالَ: فاسْتَقْسَمْتُ بِالأزْلامِ: هَلْ أضُرُّهم أمْ لا؟ فَخَرَجَ الَّذِي أكْرَهُ: لا تَضُرُّهم. قالَ: فَعَصَيْتُ الأزْلامَ واتَّبَعْتُهم. ثُمَّ اسْتَقْسَمَ بِها ثانِيَةً وثالِثَةً. كُلُّ ذَلِكَ يَخْرُجُ الَّذِي يَكْرَهُ: لا تَضُرُّهم. وكانَ كَذَلِكَ. وكانَ سُراقَةُ لَمْ يُسْلِمْ إذْ ذاكَ. ثُمَّ أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ.
ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَنْ يَلِجَ الدَّرَجاتِ مَن تَكَهَّنَ أوِ اسْتَقْسَمَ أوْ رَجَعَ مِن سَفَرٍ طائِرًا»» .
﴿ذَلِكم فِسْقٌ﴾ أيْ: خُرُوجٌ عَنِ الأخْذِ بِالطَّرِيقِ المَشْرُوعِ. والإشارَةُ إلى الِاسْتِقْسامِ. أوْ إلى تَناوُلِ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ. لِأنَّ المَعْنى: حُرِّمَ عَلَيْكم تَناوُلُ المَيْتَةِ وكَذا وكَذا. فَإنْ قُلْتَ: لِمَ كانَ اسْتِقْسامُ المُسافِرِ وغَيْرِهِ بِالأزْلامِ، لِتَعَرُّفِ الحالِ - فِسْقًا؟ قُلْتُ: لِأنَّهُ دُخُولٌ في عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ عَلّامُ الغُيُوبِ. (p-١٨٢٦)وقالَ: قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ.
واعْتِقادُ أنَّ إلَيْهِ طَرِيقًا وإلى اسْتِنْباطِهِ. وقَوْلُهُ: أمَرَنِي رَبِّي ونَهانِي رَبِّي - افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ. وما يَدْرِيهِ أنَّهُ أمَرَهُ أوْ نَهاهُ؟ والكَهَنَةُ والمُنَجِّمُونَ بِهَذِهِ المَثابَةِ. وإنْ كانَ أرادَ بِالرَّبِّ الصَّنَمَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم كانُوا يُجِيلُونَها عِنْدَ أصْنامِهِمْ - فَأمْرُهُ ظاهِرٌ. كَذا في الكَشّافِ.
تَنْبِيهٌ:
فِي "الإكْلِيلِ": اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ القِمارِ والتَّنْجِيمِ والرَّمْلِ وكُلِّ ما شاكَلَ ذَلِكَ. وعَدّاهُ بَعْضُهم إلى مَنعِ القُرْعَةِ في الأحْكامِ، وهو مَرْدُودٌ. انْتَهى. أيْ: لِتُبايِنِ القَصْدِ فِيهِما. فَإنَّ القُرْعَةَ في قِسْمَةِ الغَنائِمِ وإخْراجِ النِّساءِ ونَحْوِها، لِتَطِيبَ نُفُوسُهم والبَراءَةِ مِنَ التُّهْمَةِ في إيثارِ البَعْضِ. ولَوِ اصْطَلَحُوا عَلى ذَلِكَ جازَ مِن غَيْرِ قُرْعَةٍ. كَما "فِي العِنايَةِ".
قالَ الحاكِمُ: وتَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ التَّمَسُّكِ بِالفَأْلِ والزَّجْرِ والتَّطَيُّرِ والنُّجُومِ. فَأمّا التَّفاؤُلُ بِالخَيْرِ فَمُباحٌ. قالَ الأصَمُّ: ومِن هَذا قَوْلُ المُنَجِّمِ: إذا طَلَعَ نَجْمُ كَذا فاخْرُجْ، وإنْ لَمْ يَطْلُعْ فَلا تَخْرُجْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences