Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:3, continued
قالَ الرّاضِي بِاللَّهِ: ومَن عَمِلَ بِالأيّامِ في السَّعْدِ والنَّحْسِ، مُعْتَقِدًا أنَّ لَها تَأْثِيرًا، كَفَرَ. وإنْ لَمْ يَعْتَقِدْ أثِمَ. وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ عَنْ قَطَنِ بْنِ قَبِيصَةَ، عَنْ أبِيهِ، أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّ العِيافَةَ والطَّرْقَ والطِّيرَةَ مِنَ الجِبْتِ»» .
قالَ عَوْفٌ أحَدُ رُواتِهِ: العِيافَةُ زَجْرُ الطَّيْرِ، والطَّرْقُ الخَطُّ يُخَطُّ بِالأرْضِ. وفي "القامُوسِ" عِفْتُ الطَّيْرَ عِيافَةً: زَجَرْتَها. وهو أنْ تَعْتَبِرَ بِأسْمائِها ومَساقِطِها، فَتَتَسَعَّدَ أوْ تَتَتَشَأَّمَ، وهو مِن عادَةِ العَرَبِ كَثِيرًا.
(p-١٨٢٧)وقالَ أبُو زَيْدٍ: الطَّرْقُ أنْ يَخُطَّ الرَّجُلُ في الأرْضِ بِإصْبَعَيْنِ ثُمَّ بِإصْبَعٍ.
وقالَ ابْنُ الأثِيرِ: الطَّرْقُ الضَّرْبُ بِالحَصى الَّذِي تَفْعَلُهُ النِّساءُ. وقِيلَ: هو الخَطُّ بِالرَّمْلِ. والجِبْتُ: كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، عَنْ بَعْضِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مَن أتى عَرّافًا فَسَألَهُ عَنْ شَيْءٍ فَصَدَّقَهُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ يَوْمًا»» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مَن أتى عَرّافًا أوْ كاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِما يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ»» . وعَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا: ««لَيْسَ مِنّا مَن تَطَيَّرَ أوْ تُطِيَّرَ لَهُ، أوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أوْ سَحَرَ أوْ سُحِرَ لَهُ. ومَن أتى كاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِما يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ»» . رَواهُ البَزّارُ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ. ورَواهُ الطَّبَرانِيُّ في "الأوْسَطِ" بِإسْنادٍ حَسَنٍ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. دُونَ قَوْلِهِ: ومَن أتى... إلَخْ.
قالَ البَغَوِيُّ: العَرّافُ الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الأُمُورِ بِمُقَدِّماتٍ يَسْتَدِلُّ بِها عَلى المَسْرُوقِ ومَكانِ الضّالَّةِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وقِيلَ: هو الكاهِنُ. والكاهِنُ هو الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّباتِ في المُسْتَقْبَلِ. وقِيلَ: الَّذِي يُخْبِرُ عَمّا في الضَّمِيرِ. وقالَ أبُو العَبّاسِ بْنُ تَيْمِيَةَ: العَرّافُ اسْمٌ لِلْكاهِنِ والمُنَجِّمِ والرَّمّالِ ونَحْوِهِمْ، مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ في مَعْرِفَةِ الأُمُورِ بِهَذِهِ الطُّرُقِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ (فِي قَوْمٍ يَكْتُبُونَ أبا جادٍ ويَنْظُرُونَ في النُّجُومِ): ما أرى مَن فَعَلَ ذَلِكَ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِن خَلاقٍ. وفي الأحادِيثِ السّابِقَةِ مِنَ التَّرْهِيبِ ما فِيها مِنَ التَّصْرِيحِ بِأنَّهُ لا يَجْتَمِعُ تَصْدِيقُ الكاهِنِ مَعَ (p-١٨٢٨)الإيمانِ بِالقُرْآنِ، والتَّصْرِيحُ بِأنَّهُ كُفْرٌ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. ««الطِّيرَةُ شِرْكٌ. الشِّرْكُ الطِّيرَةُ. ما مَنّا إلّا... ولَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ»» . رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ. وجَعَلَ آخِرَهَ مِن قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
ولِأحْمَدَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو: «مَن رَدَّتْهُ الطِّيرَةُ عَنْ حاجَتِهِ فَقَدْ أشْرَكَ. قالُوا: فَما كَفّارَةُ ذَلِكَ؟ قالَ: أنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ! لا خَيْرَ إلّا خَيْرُكَ، ولا طَيْرَ إلّا طَيْرُكَ، ولا إلَهَ غَيْرُكَ». وعَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا عَدْوى ولا طِيرَةَ ويُعْجِبُنِي الفَأْلُ. قالُوا: وما الفَأْلُ؟ قالَ: الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ»» . رَواهُ الشَّيْخانِ.
ولِأبِي داوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «ذُكِرَتِ الطِّيرَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «أحْسَنُها الفَأْلُ ولا تَرُدُّ مُسْلِمًا. فَإذا رَأى أحَدُكم ما يَكْرَهُ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ! لا يَأْتِي بِالحَسَناتِ إلّا أنْتَ. ولا يَدْفَعُ السَّيِّئاتِ إلّا أنْتَ. ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِكَ»» .
فائِدَةٌ:
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدْ أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ، إذا تَرَدَّدُوا في أُمُورِهِمْ، أنْ يَسْتَخِيرُوهُ، بِأنْ يَعْبُدُوهُ ثُمَّ يَسْألُوهُ الخِيَرَةَ في الأمْرِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ. كَما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ (p-١٨٢٩)وأهْلُ السُّنَنِ مِن طُرُقٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنا الِاسْتِخارَةَ في الأُمُورِ، كَما السُّورَةِ مِنَ القُرْآنِ: ويَقُولُ: «إذا هَمَّ أحَدُكم بِالأمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِن غَيْرِ الفَرِيضَةِ ثُمَّ لْيَقُلْ: اللَّهُمَّ! إنِّي أسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وأسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وأسْألُكَ مِن فَضْلِكَ العَظِيمِ. فَإنَّكَ تَقْدِرُ ولا أقْدِرُ، وتَعْلَمُ ولا أعْلَمُ، وأنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ. اللَّهُمَّ! إنَّ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الأمْرَ (ويُسَمِّيهِ بِاسْمِهِ) خَيْرٌ لِي في دِينِي ودُنْيايَ ومَعاشِي وعاقِبَةِ أمْرِي (أوْ قالَ: عاجِلِ أمْرِي) وآجِلِهِ فاقْدُرْهُ لِي، ويَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بارِكْ لِي فِيهِ. وإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ شَرٌّ لِي في دِينِي ودُنْيايَ، ومَعاشِي، وعاقِبَةِ أمْرِي، فاصْرِفْنِي عَنْهُ واصْرِفْهُ عَنِّي، واقْدُرْ لِيَ الخَيْرَ حَيْثُ كانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ»» . هَذا لَفْظُ الإمامِ أحْمَدَ.
﴿اليَوْمَ يَئِسَ﴾ أيْ: قَنِطَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، يَعْنِي: يَئِسُوا أنْ يُراجِعُوا دِينَهم. وكَذا رُوِيَ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ والسُّدِّيِّ ومُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ. وعَلى هَذا المَعْنى يَرِدُ الحَدِيثُ الثّابِتُ في الصَّحِيحِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ ولَكِنْ بِالتَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ»» . نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وعَلَيْهِ فَ (مِن) تَعْلِيلِيَّةٌ. أيْ: يَئِسُوا مِن مُراجَعَةِ دِينِهِمْ لِأجْلِ دِينِكُمُ الَّذِي ضَمَّ إلَيْهِ جُمْهُورَ الأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ مِن أدْناها إلى أقْصاها. ودَخَلُوا فِيهِ أفْواجًا. ولِلزَّمَخْشَرِيِّ تَأْوِيلٌ بَدِيعٌ، تابَعَهُ عَلَيْهِ مَن بَعْدَهُ، ونَحْنُ نَسُوقُهُ أيْضًا. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: اليَوْمَ يَوْمٌ بِعَيْنِهِ. وإنَّما أُرِيدَ بِهِ الزَّمانُ الحاضِرُ، وما يَتَّصِلُ بِهِ ويُدانِيهِ مِنَ الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ والآتِيَةِ. كَقَوْلِكَ: كُنْتَ بِالأمْسِ شابًّا وأنْتَ اليَوْمَ أشْيَبُ. فَلا تُرِيدُ (بِالأمْسِ) اليَوْمَ الَّذِي قَبْلَ يَوْمِكَ ولا (بِاليَوْمِ) يَوْمَكَ. وقِيلَ: أُرِيدُ يَوْمُ نُزُولِها. وقَدْ نَزَلَتْ يَوْمَ الجُمْعَةِ، وكانَ يَوْمَ عَرَفَةَ، بَعْدَ العَصْرِ في حَجَّةِ الوَداعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: يَئِسَ. إلَخْ. أيْ: يَئِسُوا مِنهُ أنْ يُبْطِلُوهُ وأنْ تَرْجِعُوا مُحَلِّلِينَ لِهَذِهِ الخَبائِثِ، بَعْدَ ما حُرِّمَتْ عَلَيْكم. وقِيلَ: (p-١٨٣٠)يَئِسُوا مِن دِينِكم أنْ يَغْلِبُوهُ. لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وفى بِوَعْدِهِ مِن إظْهارِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ.
﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ بَعْدَ إظْهارِ الدِّينِ، وزَوالِ الخَوْفِ مِنَ الكُفّارِ، وانْقِلابِهِمْ مَغْلُوبِينَ مَقْهُورِينَ، بَعْدَما كانُوا غالِبِينَ: ﴿واخْشَوْنِ﴾ وأخْلِصُوا لِيَ الخَشْيَةَ. انْتَهى كَلامُهُ.
وأوْضَحَ الوَجْهَ الأوَّلَ، الرّازِيُّ فَقالَ: لَيْسَ المُرادُ بِاليَوْمِ هو ذَلِكَ اليَوْمَ بِعَيْنِهِ، حَتّى يُقالَ: إنَّهم ما يَئِسُوا قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ، وإنَّما هو كَلامٌ خارِجٌ عَلى عادَةِ أهْلِ اللِّسانِ مَعْناهُ: لا حاجَةَ بِكُمُ الآنَ إلى مُداهَنَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، لِأنَّكُمُ الآنَ صِرْتُمْ حَيْثُ لا يَطْمَعُ أحَدٌ مِن أعْدائِكم في تَوْهِينِ أمْرِكم.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أكْبَرَ نِعَمِهِ وأعْظَمَ مِنَنِهِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ وهُوَ: إكْمالُهُ لَهم دِينَهُمْ، فَلا يَحْتاجُونَ إلى دِينٍ غَيْرِهِ، ولا إلى نَبِيٍّ غَيْرِ نَبِيِّهِمْ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ. ولِهَذا جَعَلَهُ تَعالى خاتَمَ الأنْبِياءِ، وبَعَثَهُ إلى الإنْسِ والجِنِّ، فَلا حَلالَ إلّا ما أحَلَّهُ، ولا حَرامَ إلّا ما حَرَّمَهُ، ولا دِينَ إلّا ما شَرَعَهُ. فَلَمّا أكْمَلَ لَهُمُ الدِّينَ تَمَّتْ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةُ. ولِهَذا قالَ: اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم يَعْنِي أحْكامَهُ وفَرائِضَهُ، فَلا زِيادَةَ بَعْدَهُ، ولَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَلالٌ ولا حَرامٌ. هَذا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ: مَعْنى (الإكْمالِ) أنَّهُ لَمْ يَحُجَّ مَعَهم مُشْرِكٌ. وخِلالَ المَوْسِمِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِلْمُسْلِمِينَ. وقِيلَ: مَعْناهُ كِفايَتُهم أمْرَ العَدُوِّ، وجَعَلَ اليَدَ العُلْيا لَهُمْ، كَما تَقُولُ المُلُوكُ: اليَوْمَ كَمُلَ لَنا المُلْكُ وكَمُلَ لَنا ما نُرِيدُ، إذا كَفُّوا مَن يُنازِعُهم. وبِما ذَكَرْنا أوَّلًا - مِن أنَّ المُرادَ بِالإكْمالِ عَدَمُ الزِّيادَةِ - يَنْدَفِعُ ما يُتَوَهَّمُ مِن ثُبُوتِ النَّقْصِ أوَّلًا. ولِذا قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ (فِي الآيَةِ): اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم شَرائِعَ الإسْلامِ عَلى غَيْرِ نُقْصانٍ كانَ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يَتَعَبَّدُ خَلْقَهُ بِالشَّيْءِ في وقْتٍ ثُمَّ يَزِيدُ عَلَيْهِ في وقْتٍ آخَرَ. فَيَكُونُ الوَقْتُ الأوَّلُ تامًّا في وقْتِهِ. وكَذَلِكَ الوَقْتُ الثّانِي تامًّا في وقْتِهِ. فَهو كَما يَقُولُ القائِلُ: عِنْدِي عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ العِشْرِينَ أكْمَلُ مِنها. (p-١٨٣١)والشَّرائِعُ الَّتِي تَعَبَّدَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِها عِبادَهُ، في الأوْقاتِ المُخْتَلِفَةِ، مُخْتَلِفَةٌ.
وكُلُّ شَرِيعَةٍ مِنها كامِلَةٌ في وقْتِ التَّعَبُّدِ بِها. فَكَمَّلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الشَّرائِعَ في اليَوْمِ الَّذِي ذَكَرَهُ - وهو يَوْمُ عَرَفَةَ - ولَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ، أنَّ الدِّينَ كانَ ناقِصًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ.
ولِلْإمامِ القَفّالِ نَحْوُ ذَلِكَ، نَقَلَهُ عَنْهُ الرّازِيُّ واخْتارَهُ. قالَ: إنَّ الدِّينَ ما كانَ ناقِصًا البَتَّةَ، بَلْ كانَ أبَدًا كامِلًا. يَعْنِي: كانَتِ الشَّرائِعُ النّازِلَةُ مِن عِنْدِ اللَّهِ في كُلِّ وقْتٍ كافِيَةً في ذَلِكَ الوَقْتِ، إلّا أنَّهُ تَعالى كانَ عالِمًا في أوَّلِ وقْتِ المَبْعَثِ بِأنَّ ما هو كامِلٌ في هَذا اليَوْمِ لَيْسَ بِكامِلٍ في الغَدِ ولا صَلاحَ فِيهِ. فَلا جَرَمَ كانَ يُنْسَخُ بَعْدَ الثُّبُوتِ. وكانَ يَزِيدُ بَعْدَ العَدَمِ. وأمّا في آخِرِ زَمانِ المَبْعَثِ فَأنْزَلَ اللَّهُ شَرِيعَةً كامِلَةً، وحَكَمَ بِبَقائِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ. فالشَّرْعُ أبَدًا كانَ كامِلًا. إلّا أنَّ الأوَّلَ كَمالٌ إلى زَمانٍ مَخْصُوصٍ. والثّانِي كَمالٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. فَلِأجْلِ هَذا قالَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ يَعْنِي بِإكْمالِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ. لِأنَّهُ لا نِعْمَةَ أتَمُّ مِن نِعْمَةِ الإسْلامِ. أوْ بِفَتْحِ مَكَّةَ ودُخُولِها آمِنِينَ ظاهِرِينَ. وهَدْمِ مَنارِ الجاهِلِيَّةِ ومَناسِكِهِمْ، وأنْ لَمْ يَحُجَّ مَعَكم مُشْرِكٌ، ولَمْ يَطُفْ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ. أوْ بِإنْجازِ ما وعَدَهم بِقَوْلِهِ: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم. فَكانَ مِن تَمامِ النِّعْمَةِ فَتْحُ مَكَّةَ وما ذَكَرْنا ﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ يَعْنِي: اخْتَرْتُهُ لَكم مِن بَيْنِ الأدْيانِ، وآذَنْتُكم بِأنَّهُ هو الدِّينُ المَرْضِيُّ وحْدَهُ ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ، أوْ مَعْناهُ: الِانْقِيادُ لِأمْرِي فِيما شَرَعْتُ لَكم مِنَ الفَرائِضِ والأحْكامِ والحُدُودِ ومَعالِمِ الدِّينِ الَّذِي أكْمَلْتُهُ لَكم. ومَعْلُومٌ أنَّ الإسْلامَ لَمْ يَزَلْ مَرْضِيًّا لِلْحَقِّ تَعالى مُنْذُ القِدَمِ، إلّا أنَّ المَعْنِيَّ بِهِ، في الآيَةِ، الصِّفَةُ الَّتِي هو اليَوْمَ بِها. وهي نِهايَةُ الكَمالِ والبُلُوغِ بِهِ أقْصى دَرَجاتِهِ. أيْ: فالزَمُوهُ ولا تُفارِقُوهُ: إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ ..!
(p-١٨٣٢)رَوى البَغَوِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««قالَ جِبْرِيلُ: قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: هَذا دِينٌ ارْتَضَيْتُهُ لِنَفْسِي ولَنْ يُصْلِحَهُ إلّا السَّخاءُ وحُسْنُ الخُلُقِ فَأكْرِمُوهُ بِهِما ما صَحِبْتُمُوهُ»» .
فَوائِدُ:
الأُولى: رَوى الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ وغَيْرُهم عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! إنَّكم تَقْرَءُونَ آيَةً في كِتابِكُمْ، لَوْ عَلَيْنا، مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قالَ: وأيُّ آيَةٍ؟ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ فَقالَ عُمَرُ: واللَّهِ! إنِّي لَأعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والسّاعَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ (p-١٨٣٣)عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ في يَوْمِ جُمُعَةٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدْ رُوِيَ هَذا مِن غَيْرِ وجْهٍ عَنْ عُمَرَ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ أبِي ذِئْبٍ قالَ: قالَ كَعْبٌ: لَوْ أنَّ غَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةُ لَنَظَرُوا اليَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ عَلَيْهِمْ فاتَّخَذُوهُ عِيدًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ. فَقالَ عُمَرُ: أيُّ آيَةٍ يا كَعْبُ؟ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ فَقالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ اليَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ، والمَكانَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ. نَزَلَتْ في يَوْمِ جُمُعَةٍ ويَوْمِ عَرَفَةَ. وكِلاهُما بِحَمْدِ اللَّهِ لَنا عِيدٌ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ القِصَّةَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ يَوْمَ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ. يَوْمَ عِيدٍ ويَوْمَ جُمُعَةٍ... ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو قائِمٌ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾» . ورَواهُ أيْضًا عَنْ سَمُرَةَ. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ نَحْوَهُ عَنْ مُعاوِيَةَ. ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ عَرَفَةَ، ولَمْ يَنْزِلْ بَعْدَها حَلالٌ ولا حَرامٌ. ورَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَماتَ. فَقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الرّاحِلَةِ. فَلَمْ تُطِقِ الرّاحِلَةُ مِن ثِقَلِ ما عَلَيْها مِنَ القُرْآنِ. فَنَزَلَتْ. فَأتَيْتُهُ فَسَجَّيْتُ عَلَيْهِ بُرْدًا كانَ عَلَيَّ».
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ يَوْمِ عَرَفَةَ بِأحَدٍ وثَمانِينَ يَوْمًا.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ وكِيعٍ: حَدَّثَنا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ - وذَلِكَ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ - بَكى عُمَرُ. فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: أبْكانِي أنّا كُنّا في زِيادَةٍ مِن دِينِنا.
فَأمّا إذْ كَمُلَ، فَإنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ شَيْءٌ إلّا نَقَصَ. فَقالَ: صَدَقْتَ».
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى الحَدِيثُ الثّابِتُ: ««إنَّ الإسْلامَ بَدَأ غَرِيبًا وسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبى لِلْغُرَباءِ»» . انْتَهى.
قُلْتُ: والحَدِيثُ المَذْكُورُ رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. (p-١٨٣٤)وابْنُ ماجَهْ عَنْهُما أيْضًا وعَنْ أنَسٍ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ سَلْمانَ وسَهْلٍ وابْنِ عَبّاسٍ.
هَذا، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ النّاسِ. ومِن طَرِيقِ أبِي جَعْفَرٍ الرّازِيِّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مَسِيرِهِ إلى حَجَّةِ الوَداعِ. ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي هارُونَ العَبْدِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ أنَّها نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ.
حِينَ قالَ لِعَلِيٍّ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ». ثُمَّ رَواهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وفِيهِ: إنَّهُ اليَوْمُ الثّامِنَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ - يَعْنِي مَرْجِعَهُ ﷺ مِن حَجَّةِ الوَداعِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولا يَصِحُّ لا هَذا ولا هَذا. بَلِ الصَّوابُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا مِرْيَةَ، أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ وكانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، كَما قَدَّمْنا عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وسَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وعَنْ ثُلَّةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، عَلى أنَّ القِياسَ باطِلٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ نَصَّ عَلى الحُكْمِ في جَمِيعِ الوَقائِعِ، إذْ لَوْ بَقِيَ بَعْضُها غَيْرَ مُبَيِّنٍ الحُكْمَ لَمْ يَكُنِ الدِّينُ كامِلًا، وإذا حَصَلَ النَّصُّ في جَمِيعِ الوَقائِعِ، فالقِياسُ - إنْ كانَ عَلى وفْقِ ذَلِكَ النَّصِّ - كانَ عَبَثًا وإنْ كانَ عَلى خِلافِهِ كانَ باطِلًا.
وأجابَ عَنْهُ مُثْبِتُو القِياسِ بِما بَسَطَهُ الرّازِيُّ. فانْظُرْهُ.
الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ "فَتْحِ البَيانِ": لا مَعْنى لِلْإكْمالِ في الآيَةِ إلّا وفاءَ النُّصُوصِ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ الشَّرْعُ. إمّا بِالنَّصِّ عَلى كُلِّ فَرْدٍ، أوْ بِانْدِراجِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ تَحْتَ العُمُوماتِ الشّامِلَةِ. ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقَوْلُهُ: (p-١٨٣٥)﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««تَرَكْتُكم عَلى الواضِحَةِ، لَيْلُها كَنَهارِها»» . وجاءَتْ نُصُوصُ الكِتابِ العَزِيزِ بِإكْمالِ الدِّينِ. وبِما يُفِيدُ هَذا المَعْنى، ويُصَحِّحُ دَلالَتَهُ، ويُؤَيِّدُ بُرْهانَهُ، ويَكْفِي في دَفْعِ الرَّأْيِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الدِّينِ - قَوْلُ اللَّهِ تَعالى هَذا؛ فَإنَّهُ إذا كانَ اللَّهُ قَدْ أكْمَلَ دِينَهُ قَبْلَ أنْ يَقْبِضَ إلَيْهِ نَبِيَّهُ ﷺ، فَما هَذا الرَّأْيُ الَّذِي أحْدَثَهُ أهْلُهُ بَعْدَ أنْ أكْمَلَ اللَّهُ دِينَهُ لِأنَّهُ إنْ كانَ مِنَ الدِّينِ - في اعْتِقادِهِمْ - فَهو لَمْ يَكْمُلْ عِنْدَهم إلّا بِرَأْيِهِمْ، وهَذا فِيهِ رَدٌّ لِلْقُرْآنِ. وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الدِّينِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في الِاشْتِغالِ بِما لَيْسَ مِنهُ؟ وما لَيْسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ بِنَصِّ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ. كَما ثَبَتَ في "الصَّحِيحِ" - وهَذِهِ حُجَّةٌ قاهِرَةٌ ودَلِيلٌ باهِرٌ لا يُمْكِنُ أهْلَ الرَّأْيِ أنْ يَدْفَعُوهُ بِدافِعٍ أبَدًا. فاجْعَلْ هَذِهِ الآيَةَ الشَّرِيفَةَ أوَّلَ ما تَصُكُّ بِهِ وُجُوهَ أهْلِ الرَّأْيِ، وتُرْغِمُ بِهِ آنافَهُمْ، وتَدْحَضُ بِهِ حُجَّتَهم. فَقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ في مُحْكَمِ كِتابِهِ أنَّهُ أكْمَلَ دِينَهُ. ولَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا بَعْدَ أنْ أخْبَرَنا بِهَذا الخَبَرِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فَمَن جاءَ بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ (p-١٨٣٦)وزَعَمَ أنَّهُ مِن دِينِنا قُلْنا لَهُ: إنَّ اللَّهَ أصْدَقُ مِنكَ: ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا. اذْهَبْ لا حاجَةَ لَنا في رَأْيِكَ. ولَيْتَ المُقَلِّدَةَ فَهِمُوا هَذِهِ الآيَةَ حَقَّ الفَهْمِ حَتّى يَسْتَرِيحُوا ويُرِيحُوا. وقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ في مُحْكَمِ كِتابِهِ أنَّ القُرْآنَ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ فَقالَ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقالَ: ﴿تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً﴾ [النحل: ٨٩] ثُمَّ أمَرَ عِبادَهُ بِالحُكْمِ بِكِتابِهِ فَقالَ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْـزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] وقالَ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وقالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧] (p-١٨٣٧)وقالَ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وفي آيَةٍ: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] وفي أُخْرى: ﴿هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] وأمَرَ عِبادَهُ أيْضًا في مُحْكَمِ كِتابِهِ بِاتِّباعِ ما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ فَقالَ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وهَذِهِ أعَمُّ آيَةٍ في القُرْآنِ، وأبْيَنُها في الأخْذِ بِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، وقالَ: (أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ) . وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا في مَواضِعَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ. (p-١٨٣٨)وقالَ: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] وقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]
والِاسْتِكْثارُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُوبِ طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ لا يَأْتِي بِعائِدَةٍ. ولا فائِدَةٍ زائِدَةٍ، فَلَيْسَ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُخالِفُ في ذَلِكَ. ومَن أنْكَرَهُ فَهو خارِجٌ عَنْ حِزْبِ المُسْلِمِينَ. وإنَّما أوْرَدْنا هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةَ، والبَيِّناتِ العَظِيمَةَ تَلْيِينًا لِقَلْبِ المُقَلِّدِ الَّذِي قَدْ جَمُدَ، وصارَ كالجَلْمَدِ. فَإنَّهُ إذا سَمِعَ مِثْلَ هَذِهِ الأوامِرِ القُرْآنِيَّةِ، رُبَّما امْتَثَلَها وأخَذَ دِينَهُ مِن كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، طاعَةً لِأوامِرِهِ. فَإنَّ هَذِهِ الطّاعَةَ، وإنْ كانَتْ مَعْلُومَةً لِكُلِّ مُسْلِمٍ، لَكِنَّ الإنْسانَ قَدْ يُذْهَلُ عَنِ القَوارِعِ الفُرْقانِيَّةِ والزَّواجِرِ المُحَمَّدِيَّةِ، فَإذا ذُكِّرَ بِها ذَكَرَ. ولا سِيَّما مَن نَشَأ عَلى التَّقْلِيدِ وأدْرَكَ سَلَفَهُ ثابِتِينَ عَلَيْهِ غَيْرَ مُتَزَحْزِحِينَ عَنْهُ. فَإنَّهُ يَقَعُ في قَلْبِهِ، أنَّ دِينَ الإسْلامِ هو هَذا الَّذِي هو عَلَيْهِ. وما كانَ مُخالِفًا لَهُ فَلَيْسَ مِنَ الإسْلامِ في شَيْءٍ. فَإذا راجَعَ نَفْسَهُ رَجَعَ.
ولِهَذا تَجِدُ الرَّجُلَ إذا نَشَأ عَلى مَذْهَبٍ مِن هَذِهِ المَذاهِبِ، ثُمَّ سَمِعَ - قَبْلَ أنْ يَتَمَرَّدَ بِالعِلْمِ ويَعْرِفَ ما قالَهُ النّاسُ - خِلافَ ذَلِكَ المَأْلُوفِ، اسْتَنْكَرَهُ وأباهُ قَلْبُهُ، ونَفَرَ عَنْهُ طَبْعُهُ. وقَدْ رَأيْنا وسَمِعْنا مِن هَذا الجِنْسِ ما لا يَأْتِي عَلَيْهِ الحَصْرُ. ولَكِنْ إذا وازَنَ العاقِلُ بِعَقْلِهِ، بَيْنَ مَنِ اتَّبَعَ أحَدَ أئِمَّةِ المَذاهِبِ في مَسْألَةٍ مِن مَسائِلِهِ الَّتِي رَواها عَنْهُ المُقَلِّدُ - ولا مُسْتَنَدَ لِذَلِكَ العالِمِ فِيها، بَلْ قالَها بِمَحْضِ الرَّأْيِ لِعَدَمِ وُقُوفِهِ عَلى الدَّلِيلِ - وبَيْنَ مَن تَمَسَّكَ في تِلْكَ المَسْألَةِ بِخُصُوصِها بِالدَّلِيلِ الثّابِتِ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ؛ أفادَهُ العَقْلُ بِأنَّ بَيْنَهُما مَسافاتٍ تَنْقَطِعُ فِيها أعْناقُ الإبِلِ، لا جامِعَ بَيْنَهُما، لِأنَّ مَن تَمَسَّكَ بِالدَّلِيلِ أخَذَ بِما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الأخْذَ بِهِ، واتَّبَعَ ما شَرَعَهُ الشّارِعُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ: أوَّلِها وآخِرِها، (p-١٨٣٩)وحَيِّها ومَيِّتِها...! والعالِمُ يُمْكِنُهُ الوُقُوفُ عَلى الدَّلِيلِ مِن دُونِ أنْ يَرْجِعَ إلى غَيْرِهِ. والجاهِلُ يُمْكِنُهُ الوُقُوفُ عَلى الدَّلِيلِ بِسُؤالِ عُلَماءِ الشَّرِيعَةِ، واسْتِرْواءِ النَّصِّ، وكَيْفَ حَكَمَ اللَّهُ في مُحْكَمِ كِتابِهِ أوْ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ في تِلْكَ المَسْألَةِ. فَيُفِيدُونَهُ النَّصَّ إنْ كانَ مِمَّنْ يَعْقِلُ الحُجَّةَ إذا دُلَّ عَلَيْها، أوْ يُفِيدُونَهُ مَضْمُونَ النَّصِّ بِالتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِعِبارَةٍ يَفْهَمُها. فَهم رُواةٌ وهو مُسْتَرْوٍ، وهَذا عامِلٌ بِالرِّوايَةِ لا بِالرَّأْيِ؛ والمُقَلِّدُ عامِلٌ بِالرَّأْيِ لا بِالرِّوايَةِ. لِأنَّهُ يَقْبَلُ قَوْلَ الغَيْرِ مِن دُونِ أنْ يُطالِبَهُ بِحُجَّةٍ. وذَلِكَ في سُؤالِهِ يُطالِبُ بِالحُجَّةِ لا بِالرَّأْيِ، فَهو قابِلٌ لِرِوايَةِ الغَيْرِ لا لِرَأْيِهِ. وهُما مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ مُتَقابِلانِ، فانْظُرْ كَمِ الفَرْقُ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ؟ والكَلامُ في ذَلِكَ يَطُولُ ويَسْتَدْعِي اسْتِغْراقَ الأوْراقِ الكَثِيرَةِ. وهو مَبْسُوطٌ في مَواطِنِهِ، وفِيما ذَكَرْناهُ مُقْنِعٌ وبَلاغٌ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. انْتَهى كَلامُهُ.
الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ تَعْظِيمُ هَذا اليَوْمِ المَذْكُورِ، وأنَّهُ يَلْزَمُ الشُّكْرُ لِلَّهِ تَعالى عَلى التَّمَسُّكِ بِمِلَّةِ الإسْلامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ المُحَرَّماتِ. وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ بِما يُوجِبُ أنْ يُجْتَنَبَ عَنْهُ. وهو أنَّ تَناوُلَها فُسُوقٌ، وحُرْمَتُها مِن جُمْلَةِ الدِّينِ الكامِلِ، والنِّعْمَةِ التّامَّةِ، والإسْلامِ المَرْضِيِّ. ومَعْناهُ: فَمَنِ اضْطُرَّ إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ: المَيْتَةُ وما بَعْدَها، أيْ: أُصِيبَ بِالضُّرِّ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ الِامْتِناعُ مَعَهُ مِنَ المَيْتَةِ وما بَعْدَها: في مَخْمَصَةٍ أيْ: مَجاعَةٍ يَخافُ مَعَها المَوْتَ أوْ مَبادِئَهُ - و(المَخْمَصَةُ): مَصْدَرٌ مِثْلُ المَغْضَبَةِ والمَعْتَبَةِ. يُقالُ: خَمَصَهُ الجُوعُ خَمْصًا ومَخْمَصَةً، وخَمَصَ البَطْنُ (مُثَلَّثَةُ المِيمِ) خَلا غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ أيْ: غَيْرَ مُنْحَرِفٍ إلَيْهِ بِالأكْلِ فَوْقَ الضَّرُورَةِ، أوِ العِصْيانِ بِالسَّفَرِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] (p-١٨٤٠)﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِتَناوُلِهِ الحَرامَ - فَلا يُؤاخِذُهُ بِهِ: رَحِيمٌ أيْ: بِإعْطائِهِ الرُّخْصَةَ فِيهِ لِعِلْمِهِ بِحاجَةِ عَبْدِهِ المُضْطَرِّ، وافْتِقارِهِ إلى ذَلِكَ، فَيَتَجاوَزُ عَنْهُ ويَغْفِرُ لَهُ. وفي "المُسْنَدِ" و"صَحِيحِ" ابْنِ حِبّانَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - مَرْفُوعًا - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أنْ تُؤْتى رُخْصُهُ كَما يَكْرَهُ أنْ تُؤْتى مَعْصِيَتُهُ»» . لَفْظُ ابْنِ حِبّانَ. وفي لَفْظٍ لِأحْمَدَ: ««مَن لَمْ يَقْبَلْ رُخْصَةَ اللَّهِ كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ مِثْلُ جِبالِ عَرَفَةَ»» ولِهَذا قالَ الفُقَهاءُ: قَدْ يَكُونُ تَناوُلُ المَيْتَةِ واجِبًا في بَعْضِ الأحْيانِ، وهو ما إذا خافَ عَلى نَفْسِهِ ولَمْ يَجِدْ غَيْرَها. وقَدْ يَكُونُ مَندُوبًا، وقَدْ يَكُونُ مُباحًا، بِحَسْبِ الأحْوالِ. واخْتَلَفُوا: هَلْ يَتَناوَلُ مِنها قَدْرَ ما يَسُدُّ بِهِ الرَّمَقَ، أوْ لَهُ أنْ يَشْبَعَ ويَتَزَوَّدَ؟ عَلى أقْوالٍ. ولَيْسَ مِن شَرْطِ تَناوُلِ المَيْتَةِ أنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ ثَلاثَةُ أيّامٍ لا يَجِدُ طَعامًا - كَما قَدْ يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنَ العَوامِّ وغَيْرِهِمْ - بَلْ مَتى اضْطُرَّ إلى ذَلِكَ جازَ لَهُ. وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي واقِدٍ اللِّيثِيِّ؛ «أنَّهم قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا بِأرْضٍ تُصِيبُنا بِها المَخْمَصَةُ. فَمَتى تَحِلُّ لَنا بِها (p-١٨٤١)المَيْتَةُ؟ فَقالَ: «إذا لَمْ تَصْطَبِحُوا ولَمْ تَغْتَبِقُوا ولَمْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا، فَشَأْنَكم بِها.»» . إسْنادُهُ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، والِاصْطِباحُ: شُرْبُ اللَّبَنِ بِالغَداةِ فَما دُونَ القائِلَةِ، وما كانَ مِنهُ بِالعَشِيِّ فَهو الِاغْتِباقُ، ومَعْنى لَمْ تَحْتَفِئُوا: أيْ: تَقْتَلِعُوا. وفي اللَّفْظَةِ عِدَّةُ رِواياتٍ، ورَوى أبُو داوُدَ عَنِ الفُجَيْعِ العامِرِيِّ: «أنَّهُ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «ما يَحِلُّ لَنا مِنَ المَيْتَةِ؟ قالَ: ما طَعامُكُمْ؟، قُلْنا: نَصْطَبِحُ ونَغْتَبِقُ! قالَ أبُو نُعَيْمٍ: فَسَّرَهُ لِي عُقْبَةُ: قَدَحٌ غُدْوَةً وقَدَحٌ عَشِيَّةً، قالَ: ذاكَ، وأبِي! الجُوعُ. فَأحَلَّ لَهُمُ المَيْتَةَ عَلى هَذِهِ الحالِ»» . تَفَرَّدَ بِهِ أبُو داوُدَ. وكَأنَّهم كانُوا يَصْطَبِحُونَ ويَغْتَبِقُونَ شَيْئًا لا يَكْفِيهِمْ. فَأحَلَّ لَهُمُ المَيْتَةَ لِتَمامِ كِفايَتِهِمْ. وقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَن يَرى جَوازَ الأكْلِ مِنها حَتّى يَبْلُغَ حَدَّ الشِّبَعِ، ولا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِسَدِّ الرَّمَقِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أنَّ رَجُلًا نَزَلَ الحَرَّةَ ومَعَهُ أهْلُهُ ووَلَدُهُ. فَقالَ رَجُلٌ: (p-١٨٤٢)إنَّ ناقَةً لِي ضَلَّتْ. فَإنْ وجَدْتَها فَأمْسِكْها، فَوَجَدَها فَلَمْ يَجِدْ صاحِبَها فَمَرِضَتْ. فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: انْحَرْها! فَأبى، فَنَفَقَتْ، فَقالَتِ اسْلُخْها حَتّى نُقَدِّدَ شَحْمَها ولَحْمَها ونَأْكُلَهُ، فَقالَ: حَتّى أسْألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَأتاهُ، «فَسَألَهُ، فَقالَ لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ غِنًى يُغْنِيكَ؟ قالَ: لا! قالَ: فَكُلُوها! قالَ: فَجاءَ صاحِبُها فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ فَقالَ: هَلّا كُنْتَ نَحَرْتَها؟ قالَ: اسْتَحْيَيْتُ مِنكَ!»» تَفَرَّدَ بِهِ.
وقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَن يُجَوِّزُ الأكْلَ والشِّبَعَ والتَّزَوُّدَ مِنها مُدَّةً، يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ الِاحْتِياجُ إلَيْها. واللَّهُ أعْلَمُ. أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وقَوْلُهُ: (فَنَفَقَتْ). أيْ: ماتَتْ. (مِن بابِ نَصَرَ وفَرِحَ) قالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: أنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
؎فَما أشْياءُ نَشْرِيها بِمالٍ فَإنْ نَفَقَتْ فَأكْسَدَ ما تَكُونُ؟
تَنْبِيهٌ:
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيانٌ لِتَقْدِيمِ أحَدِها. والفُقَهاءُ يَقُولُونَ: يُقَدَّمُ الأخَفُّ تَحْرِيمًا، فَمَيْتَةُ المَأْكُولِ عَلى مَيْتَةِ غَيْرِهِ. انْتَهى.
وفِي "رَحْمَةِ الأُمَّةِ" أنَّ المُضْطَرَّ إذا وجَدَ مَيْتَةً وطَعامَ الغَيْرِ، ومالِكُهُ غائِبٌ، أنَّ لَهُ أكْلَهُ بِشَرْطِ الضَّمانِ، دُونَ المَيْتَةِ. عِنْدَ مالِكٍ وأكْثَرِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ وجَماعَةٍ مِنَ الحَنَفِيَّةِ. وعِنْدَ أحْمَدَ وآخَرِينَ: يَأْكُلُ المَيْتَةَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَدِ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ﴾ مَن يَقُولُ بِأنَّ العاصِيَ بِسَفَرِهِ لا يَتَرَخَّصُ بِشَيْءٍ مِن رُخَصِ السَّفَرِ، لِأنَّ الرُّخْصَ لا تُنالُ بِالمَعاصِي. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences