Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:85–88
5:85Page 122
فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٥
So Allāh rewarded them for what they said1 with gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of doers of good.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٥] ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾
﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ أيْ: بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: رَبَّنا آمَنّا الصّادِرِ عَنِ اعْتِقادٍ وإخْلاصٍ واعْتِرافٍ بِالحَقِّ: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾ أيْ: مِن تَحْتِ شَجَرِها ومَساكِنِها: ﴿الأنْهارُ﴾ يَعْنِي أنْهارَ الماءِ واللَّبَنِ والعَسَلِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: مُقِيمِينَ في الجَنَّةِ لا يَمُوتُونَ ولا يُخْرَجُونَ مِنها: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ المُوَحِّدِينَ المُخْلِصِينَ في إيمانِهِمْ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآياتِ الأرْبَعَ نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وأبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالُوا: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وكَتَبَ مَعَهُ كِتابًا إلى النَّجاشِيِّ. فَقَدِمَ (p-٢١٢١)عَلى النَّجاشِيِّ. فَقَرَأ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ثُمَّ دَعا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ والمُهاجِرِينَ مَعَهُ وأرْسَلَ إلى الرُّهْبانِ والقِسِّيسِينَ. ثُمَّ أمَرَ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ. فَآمَنُوا بِالقُرْآنِ وفاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ. فَهُمُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ [المائدة: ٨٢] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]»
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «بَعَثَ النَّجاشِيُّ ثَلاثِينَ رَجُلًا مِن خِيارِ أصْحابِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ (يس) فَبَكَوْا، فَنَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ».
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْـزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ [المائدة: ٨٣]
ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ونَحْوِهِ، بِأبْسَطَ مِنهُ.
- كَذا في "أسْبابِ النُّزُولِ لِلسُّيُوطِيِّ" -
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ، الَّذِينَ، حِينَ تَلا عَلَيْهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ بِالحَبَشَةِ القُرْآنَ، بَكَوْا حَتّى أخْضَبُوا لِحاهم.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا القَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وقِصَّةُ جَعْفَرٍ مَعَ النَّجاشِيِّ قَبْلَ الهِجْرَةِ. انْتَهى.
أقُولُ: إنَّ نَظَرَهُ مَدْفُوعٌ؛ فَإنَّهُ حَكى في هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ ما وقَعَ قَبْلَها، ونَظائِرُهُ في التَّنْزِيلِ كَثِيرَةٌ، ولا إشْكالَ فِيهِ. وظاهِرٌ أنَّ المَقْصُودَ بِهَذِهِ الآيَةِ التَّعْرِيضُ بِعِنادِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ. وهم يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. وبِعِنادِ المُشْرِكِينَ أيْضًا، وقَساوَةِ قُلُوبِ الفَرِيقَيْنِ، وأنَّهُ كانَ الأجْدَرُ بِهِما أنْ يَعْتَرِفُوا بِالحَقِّ كَما اعْتَرَفَ بِهِ النَّجّاشِيُّ وأصْحابُهُ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا الصِّنْفُ مِنَ النَّصارى هُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٢١٢٢)﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآيَةَ. وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣] إلى قَوْلِهِ -: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] انْتَهى.
وكانَ سَبَبُ هِجْرَةِ الصَّحابَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ؛ «أنَّ قُرَيْشًا ائْتَمَرَتْ أنْ يَفْتِنُوا المُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ، فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلى مَن آمَنَ مِنهم فَآذَوْهم وعَذَّبُوهُمْ، فافْتُتِنَ مَنِ افْتُتِنَ مِنهُمْ، وعَصَمَ اللَّهُ مَن شاءَ مِنهم.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما يُصِيبُ أصْحابَهُ مِنَ البَلاءِ، وما هو فِيهِ مِنَ العافِيَةِ، بِمَكانِهِ مِنَ اللَّهِ ومِن عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَمْنَعَهم مِمّا هم فِيهِ مِنَ البَلاءِ - قالَ لَهُمْ: «لَوْ خَرَجْتُمْ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ؛ فَإنَّ بِها مَلِكًا لا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أحَدٌ، وهي أرْضُ صِدْقٍ، حَتّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكم فَرَجًا مِمّا أنْتُمْ فِيهِ» .
فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ المُسْلِمُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مَخافَةَ الفِتْنَةِ. وفَرُّوا إلى اللَّهِ بِدِينِهِمْ». فَكانَتْ أوَّلَ هِجْرَةٍ كانَتْ في الإسْلامِ.
(p-٢١٢٣)فَكانَ جَمِيعُ مَن لَحِقَ بِأرْضِ الحَبَشَةِ وهاجَرَ إلَيْها مِنَ المُسْلِمِينَ - سِوى أبْنائِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا بِهِمْ مَعَهم صِغارًا ووُلِدُوا بِها - ثَلاثَةً وثَمانِينَ رَجُلًا، إنْ كانَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ فِيهِمْ، وهو يَشُكُّ فِيهِ.
ثُمَّ رَوى ابْنُ إسْحاقَ بِسَنَدِهِ إلى أُمِّ سَلَمَةَ - زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ - قالَتْ: لَمّا نَزَلْنا بِأرْضِ الحَبَشَةِ جاوَرْنا بِها خَيْرَ جارٍ النَّجاشِيِّ. أمِنّا عَلى دِينِنا، وعَبَدْنا اللَّهَ تَعالى لا نُؤْذى ولا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ. فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا ائْتَمَرُوا بَيْنَهم أنْ يَبْعَثُوا إلى النَّجاشِيِّ فِينا رَجُلَيْنِ مِنهم جَلْدَيْنِ. وأنْ يُهْدُوا لِلنَّجاشِيِّ هَدايا مِمّا يُسْتَطْرَفُ مِن مَتاعِ مَكَّةَ. وكانَ مِن أعْجَبِ ما يَأْتِيهِ مِنها الأدَمُ. فَجَمَعُوا لَهُ أدَمًا كَثِيرًا. ولَمْ يَتْرُكُوا مِن بَطارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إلّا أهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً. ثُمَّ بَعَثُوا بِذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ وعَمْرَو بْنَ العاصِ. وأمَرُوهُما بِأمْرِهِمْ، وقالُوا لَهُما: ادْفَعا إلى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أنْ تُكَلِّما النَّجاشِيَّ فِيهِمْ. ثُمَّ قَدِّما إلى النَّجاشِيِّ هَداياهُ. ثُمَّ سَلاهُ أنْ يُسْلِمَهم إلَيْكُما قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَهم. قالَتْ: فَخَرَجا حَتّى قَدِما عَلى النَّجاشِيِّ - ونَحْنُ عِنْدُهُ بِخَيْرِ دارٍ، عِنْدَ خَيْرِ جارٍ - فَلَمْ يَبْقَ مِن بَطارِقَتِهِ بِطْرِيقٌ إلّا دَفَعا إلَيْهِ هَدَيْتَهُ قَبْلَ أنْ يُكَلِّما النَّجاشِيَّ، وقالا لِكُلِّ بِطْرِيقٍ مِنهُمْ: إنَّهُ قَدْ ضَوى - أيْ: لَجَأ - إلى بَلَدِ المَلِكِ مِنّا، غِلْمانٌ سُفَهاءُ، فارَقُوا دِينَ قَوْمِهِ، ولَمْ يَدْخُلُوا في دِينِكُمْ، وجاءُوا بَدِينٍ مُبْتَدَعٍ، لا نَعْرِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتُمْ، وقَدْ بَعَثْنا إلى المَلِكِ فِيهِمْ أشْرافَ قَوْمِهِمْ لِيَرُدَّهم إلَيْهِمْ، فَإذا كَلَّمْنا المَلِكَ فِيهِمْ فَأشِيرُوا عَلَيْهِ بِأنْ يُسْلِمَهم إلَيْنا ولا يُكَلِّمَهم. فَإنَّ قَوْمَهم أعْلى بِهِمْ عَيْنًا. (أيْ: أبْصَرُ بِهِمْ) وأعْلَمُ بِما عابُوا عَلَيْهِمْ. فَقالُوا لَهُما: نَعَمْ. (p-٢١٢٤)ثُمَّ إنَّهُما قَدَّما هَداياهُما إلى النَّجاشِيِّ فَقَبِلَها مِنهُما، ثُمَّ كَلَّماهُ بِما كَلَّما كُلَّ بِطْرِيقٍ.
قالَتْ: ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أبْغَضَ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ وعَمْرِو بْنِ العاصِ مِن أنْ يَسْمَعَ كَلامَهُمُ النَّجاشِيُّ. قالَتْ: فَقالَتْ بَطارِقَتُهُ حَوْلَهُ: صَدَقا. أيُّها المَلِكُ! قَوْمُهم أعْلى بِهِمْ عَيْنًا وأعْلَمُ بِما عابُوا عَلَيْهِمْ. فَأسْلِمْهم إلَيْهِما فَلْيَرُدّاهم إلى بِلادِهِمْ وقَوْمِهِمْ. فَقالَتْ: فَغَضِبَ النَّجاشِيُّ ثُمَّ قالَ: لاها اللَّهُ! إذًا لا أُسْلِمُهم إلَيْهِما. ولا يَكادُ قَوْمٌ جاوَرُونِي ونَزَلُوا بِلادِي واخْتارُونِي عَلى مَن سِوايَ، حَتّى أدْعُوَهم فَأسْألَهم عَمّا يَقُولُ هَذانِ في أمْرِهِمْ. فَإنْ كانُوا كَما يَقُولانِ أسْلَمْتُهم لَهُما ورَدَدْتُهم إلى قَوْمِهِمْ. وإنْ كانُوا عَلى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتُهم مِنهم وأحْسَنْتُ جِوارَهم ما جاوَرُونِي.
قالَتْ: ثُمَّ أرْسَلَ إلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعاهُمْ، فَلَمّا جاءَهم رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا. ثُمَّ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إذا جِئْتُمُوهُ؟ قالُوا نَقُولُ واللَّهِ! ما عَلِمْنا. وما أمَرَنا بِهِ نَبِيُّنا، كائِنًا في ذَلِكَ ما هو كائِنٌ. فَلَمّا جاءُوا - وقَدْ دَعا النَّجاشِيُّ أساقِفَتَهُ فَنَشَرُوا مَصاحِفَهم حَوْلَهُ، سَألَهم فَقالَ لَهُمْ: ما هَذا الدِّينُ الَّذِي قَدْ فارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكم ولَمْ تَدْخُلُوا بِهِ في دِينِي ولا في دِينِ أحَدٍ مِن هَذِهِ المِلَلِ؟ قالَتْ: فَكانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقالَ لَهُ: أيُّها المَلِكُ؟ كُنّا قَوْمًا أهْلَ جاهِلِيَّةٍ. نَعْبُدُ الأصْنامَ، ونَأْكُلُ المَيْتَةَ، ونَأْتِي الفَواحِشَ، ونَقْطَعُ الأرْحامَ ونُسِئِ الجِوارَ. ويَأْكُلُ القَوِيُّ مِنّا الضَّعِيفَ، فَكُنّا عَلى ذَلِكَ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ إلَيْنا رَسُولًا مِنّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وصِدْقَهُ وأمانَتَهُ وعَفافَهُ. فَدَعا إلى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ ونَعْبُدَهُ، ونَخْلَعَ ما كُنّا نَعْبُدُ نَحْنُ وآباؤُنا مِن دُونِهِ مِنَ الحِجارَةِ والأوْثانِ. وأمَرَنا بِصِدْقِ الحَدِيثِ وأداءِ الأمانَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ وحُسْنِ الجِوارِ والكَفِّ عَنِ المَحارِمِ والدِّماءِ، ونَهانا عَنِ الفَواحِشِ وقَوْلِ الزُّورِ وأكْلِ مالِ اليَتِيمِ وقَذْفِ المُحْصَناتِ، وأمَرَنا أنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ لا نَشْرُكَ بِهِ شَيْئًا، وأمَرَنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ - قالَتْ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الإسْلامِ - فَصَدَّقْناهُ وآمَنّا بِهِ واتَّبَعْناهُ عَلى ما جاءَ بِهِ مِنَ اللَّهِ. فَعَبَدْنا اللَّهَ وحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، (p-٢١٢٥)وحَرَّمْنا ما حَرَّمَ عَلَيْنا، وأحْلَلْنا ما أحَلَّ لَنا، فَعَدا عَلَيْنا قَوْمُنا، فَعَذَّبُونا وفَتَنُونا عَنْ دِينِنا لِيَرُدُّونا إلى عِبادَةِ الأوْثانِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وأنْ نَسْتَحِلَّ ما كُنّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الخَبائِثِ فَلَمّا قَهَرُونا وظَلَمُونا وضَيَّقُوا عَلَيْنا وحالُوا بَيْنَنا وبَيْنَ دِينِنا، خَرَجْنا إلى بِلادِكَ، واخْتَرْناكَ عَلى سِواكَ، ورَغِبْنا في جِوارِكَ، ورَجَوْنا أنْ لا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أيُّها المَلِكُ! قالَ: فَقالَ لَهُ النَّجاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمّا جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ؟ قالَتْ: فَقالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ! فَقالَ لَهُ النَّجاشِيُّ: فاقْرَأْهُ عَلَيَّ. قالَتْ: فَقَرَأ عَلَيْهِ صَدْرًا مِن (كهيعص) قالَتْ: فَبَكى –واللَّهِ- النَّجاشِيُّ حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وبَكَتْ أساقِفَتُهُ حَتّى أخْضَلُوا مَصاحِفَهم حِينَ سَمِعُوا ما تَلا عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قالَ النَّجاشِيُّ: إنَّ هَذا، والَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى، لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. انْطَلَقا، فَلا، واللَّهِ! لا أُسْلِمُهم إلَيْكُما ولا يُكادُونَ.
قالَتْ: فَلَمّا خَرَجا مِن عِنْدِهِ قالَ عَمْرُو بْنُ العاصِ: واللَّهِ! لَآتِيَنَّهُ غَدًا عَنْهم بِما أسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْراءَهم (أيْ: شَجَرَتَهُمُ الَّتِي مِنها تَفَرَّعُوا).
قالَتْ: فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ - وكانَ أتْقى الرَّجُلَيْنِ فِينا -: لا تَفْعَلْ؛ فَإنَّ لَهم أرْحامًا وإنْ كانُوا قَدْ خالَفُونا. قالَ: واللَّهِ! لَأُخْبِرَنَّهُ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدٌ.
قالَتْ: ثُمَّ غَدا عَلَيْهِ مِنَ الغَدِ فَقالَ: أيُّها المَلِكُ! إنَّهم يَقُولُونَ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا. فَأرْسِلْ إلَيْهِمْ فَسَلْهم عَمّا يَقُولُونَ فِيهِ. قالَتْ: فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ لِيَسْألَهم عَنْهُ.
قالَتْ: ولَمْ يَنْزِلْ بِنا مِثْلُها قَطُّ. فاجْتَمَعَ القَوْمُ. ثُمَّ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ماذا تَقُولُونَ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ إذا سَألَكم عَنْهُ؟ قالُوا نَقُولُ –واللَّهِ- ما قالَ اللَّهُ وما جاءَنا بِهِ نَبِيُّنا كائِنًا في ذَلِكَ ما هو كائِنٌ. قالَ: فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالَ لَهُمْ: ماذا تَقُولُونَ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ؟ قالَتْ: فَقالَ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ: نَقُولُ فِيهِ الَّذِي جاءَنا نَبِيُّنا ﷺ: هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ العَذْراءِ البَتُولِ. قالَتْ: فَضَرَبَ النَّجاشِيُّ بِيَدِهِ إلى (p-٢١٢٦)الأرْضِ فَأخَذَ مِنها عُودًا، ثُمَّ قالَ: -واللَّهِ- ما عَدا عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، مِمّا قُلْتَ هَذا العُودَ. قالَتْ: فَتَناخَرَتْ بَطارِقَتُهُ حَوْلَهُ حِينَ قالَ ما قالَ. فَقالَ: وإنْ نَخَرْتُمْ، واللَّهِ! اذْهَبُوا فَأنْتُمْ شِيُومٌ بِأرْضِي - والشُّيُومُ الآمِنُونَ - مَن سَبَّكُمْ، غَرِمَ. قالَها ثَلاثًا.
ثُمَّ قالَ: ما أحَبَّ أنَّ لِي دَبْرًا - والدَّبْرَ الجَبَلُ- مِن ذَهَبٍ وأنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنكم. رُدُّوا عَلَيْهِما هَداياهُما فَلا حاجَةَ لِي بِها.
قالَتْ: فَخَرَجا مِن عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِما ما جاءا بِهِ، وأقَمْنا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دارٍ مَعَ خَيْرِ جارٍ.
ثُمَّ رَوى ابْنُ إسْحاقَ في قِصَّتِهِ: أنَّ النَّجاشِيَّ عَمَدَ إلى كِتابٍ فَكَتَبَ فِيهِ: هو يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ. ويَشْهَدُ أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ. انْتَهى.
وإسْلامُ النَّجاشِيِّ مَعْرُوفٌ. وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، لَمّا ماتَ صَلّى عَلَيْهِ مَعَ تَباعُدِ الدِّيارِ.
وذَكَرَ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ القَيِّمِ في "زادِ المَعادِ": أنَّهُ كانَ مَخْرَجُهم إلى الحَبَشَةِ في السَّنَةِ الخامِسَةِ مِنَ المَبْعَثِ.
التَّنْبِيهُ الثّانِي:
فِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَشْرُوعَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ الخُشُوعُ والبُكاءُ. وفي الخَبَرِ: ابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا بُكاءً فَتَباكَوْا. أخْرَجَهُ المُنْذِرِيُّ في "التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. وقالَ: رَواهُ الحاكِمُ مَرْفُوعًا وصَحَّحَهُ. والمُرادُ إشْرابُ القَلْبِ والخَوْفُ المَهابَةُ لِلَّهِ تَعالى.
الثّالِثُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ [المائدة: ٨٣] وقَوْلُهُ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإقْرارَ داخِلٌ في الإيمانِ كَما هو مَذْهَبُ الفُقَهاءِ. وتَعَلَّقَتِ الكَرّامِيَّةُ في أنَّ الإيمانَ مُجَرَّدُ القَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: بِما قالُوا، لَكِنَّ الثَّناءَ بِفَيْضِ الدَّمْعِ في السِّباقِ، وبِالإحْسانِ في السِّياقِ، يَدْفَعُ (p-٢١٢٧)ذَلِكَ؛ وأنّى يَكُونُ مُجَرَّدُ القَوْلِ إيمانًا وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] ؟ نَفى الإيمانَ عَنْهُمْ، مَعَ قَوْلِهِمْ: آمَنّا بِاللَّهِ لِعَدَمِ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ.
وقالَ أهْلُ المَعْرِفَةِ: المَوْجُودُ مِنهم ثَلاثَةُ أشْياءَ: البُكاءُ عَلى الجَفاءِ، والدُّعاءُ عَلى العَطاءِ، والرِّضا بِالقَضاءِ. فَمَنِ ادَّعى المَعْرِفَةَ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ هَذِهِ الثَّلاثَةُ فَلَيْسَ بِصادِقٍ في دَعْواهُ..! أفادَهُ النَّسَفِيُّ.
وقالَ الخازِنُ: إنَّما عَلَّقَ الثَّوابَ بِمُجَرَّدِ القَوْلِ؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ وصْفُهم بِما يَدُلُّ عَلى إخْلاصِهِمْ فِيما قالُوا. وهو المَعْرِفَةُ والبُكاءُ المُؤْذِنانِ بِحَقِيقَةِ الإخْلاصِ واسْتِكانَةِ القَلْبِ؛ لِأنَّ القَوْلَ إذا اقْتَرَنَ بِالمَعْرِفَةِ فَهو الإيمانُ الحَقِيقِيُّ المَوْعُودُ عَلَيْهِ بِالثَّوابِ.
وقالَ الرّازِيُّ: لَمّا حَصَلَتِ المَعْرِفَةُ والإخْلاصُ وكَمالُ الِانْقِيادِ، ثُمَّ انْضافَ إلَيْهِ القَوْلُ، لا جَرَمَ كَمُلَ الإيمانُ.
الرّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: وما جاءَنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَرٍّ، أيْ: وبِما جاءَنا، و: مِنَ الحَقِّ حالٌ مِنَ الفاعِلِ المُسْتَتِرِ، أوْ لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِ: جاءَ أيْ: وبِما جاءَنا مِن عِنْدِ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً و: مِنَ الحَقِّ الخَبَرُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ونَطْمَعُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى: نُؤْمِنُ أيْ: وما لَنا لا نَطْمَعُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ونَحْنُ نَطْمَعُ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ فِي: نُؤْمِنُ - أفادَهُ أبُو البَقاءِ.
5:86Page 122
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٨٦
But those who disbelieved and denied Our signs - they are the companions of Hellfire.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٦] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ أيِ: الَّذِينَ جَحَدُوا الحَقَّ الَّذِي جاءَهم وكَذَّبُوا بِحُجَجِ اللَّهِ وبَراهِينِهِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ، أيِ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الحَرارَةِ. جَزاءً وِفاقًا.
5:87Page 122
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٨٧
O you who have believed, do not prohibit the good things which Allāh has made lawful to you and do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.
(p-٢١٢٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ: ما طابَ ولَذَّ مِنهُ. كَأنَّهُ - لَمّا تَضَمَّنَ ما سَلَفَ مَدْحَ النَّصارى عَلى التَّرْهِيبِ، والحَثَّ عَلى كَسْرِ النَّفْسِ. ورَفْضِ الشَّهَواتِ - عَقَّبَهُ النَّهْيَ عَنِ الإفْراطِ في ذَلِكَ بِتَحْرِيمِ اللَّذائِذِ مِنَ المُباحاتِ الشَّرْعِيَّةِ. ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهُ اعْتِداءٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ أيْ: عَمّا حَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِجَعْلِ الحَلالِ حَرامًا. أوْ: ولا تَعْتَدُوا في تَناوُلِ الحَلالِ فَتُجاوِزُوا الحَدَّ فِيهِ إلى الإسْرافِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] وقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] أوْ: ولا تَعْتَدُوا عَلى النَّفْسِ والأهْلِ بِمَنعِ الحُقُوقِ. أوْ: ولا تَعْتَدُوا حُدُودَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم إلى ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ في كُلِّ ما ذُكِرَ، وهو تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ.
5:88Page 122
وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ٨٨
And eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And fear Allāh, in whom you are believers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٨٨] ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾
﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾ أيْ: كُلُوا ما حَلَّ لَكم وطابَ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ. فَيَكُونُ: حَلالًا مَفْعُولَ: وكُلُوا و: مِمّا حالٌ مِنهُ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِ: كُلُوا، أوْ هو المَفْعُولُ و: حَلالًا حالٌ مِن: ما أوْ مِن عائِدِهِ المَحْذُوفِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: (p-٢١٢٩)أكْلًا حَلالًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلتَّوْصِيَةِ بِما أمَرَ بِهِ، وزادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّ الإيمانَ بِهِ يُوجِبُ التَّقْوى، في الِانْتِهاءِ إلى ما أمَرَ بِهِ وعَمّا نَهى عَنْهُ.
قالَ المَهايِمِيُّ: مُقْتَضى إيمانِكم أنْ لا تُغَيِّرُوا شَيْئًا مِن أحْكامِ دِينِكُمْ، وأنْ لا تُعارِضُوا في أحْكامِهِ ولَوْ بِكَراهَةٍ مِن أنْفُسِكُمْ، وأنْ تَتَّقُوهُ في وضْعِ قَواعِدَ تَخالُفِ قَواعِدَ الشَّرْعِ، بَلْ غايَةُ ما يَجُوزُ أخْذُ مَعانٍ مِن عِلْمِ الشَّرِيعَةِ مُؤَكِّدَةٍ لِمُقْتَضاهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: فِيما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها:
أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنِّي إذا أصَبْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنِّساءِ وأخَذَتْنِي شَهْوَتِي فَحَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا﴾ [المائدة: ٨٧] الآيَةَ».
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَهْطٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، قالُوا: نَقْطَعُ مَذاكِيرَنا ونَتْرُكُ شَهَواتِ الدُّنْيا ونَسِيحُ في الأرْضِ كَما تَفْعَلُ الرُّهْبانُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ. فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ، فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ، فَقالُوا: نَعَمْ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأنامُ، وأنْكِحُ النِّساءَ. فَمَن أخَذَ بِسُنَّتِي فَهو مِنِّي ومَن لَمْ يَأْخُذْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ.
وفِي "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، «أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ (p-٢١٣٠)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَألُوا أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ في السِّرِّ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا آكُلُ اللَّحْمَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: لا أتَزَوَّجُ النِّساءَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: لا أنامُ عَلى فِراشٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «ما بالُ أقْوامٍ يَقُولُ أحَدَهم كَذا وكَذا؟ لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأنامُ وأقُومُ، وآكُلُ اللَّحْمَ. وأتَزَوَّجُ النِّساءَ. فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»» .
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ جاءَهُ مَعْقِلُ بْنُ مُقَرِّنٍ فَقالَ: إنِّي حَرَّمْتُ فِراشِي. فَتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. فَجِيءَ بِضَرْعٍ فَتَنَحّى رَجُلٌ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ادْنُ. فَقالَ: إنِّي حَرَّمْتُ أنْ آكُلَهُ. فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ادْنُ فاطْعَمْ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ. وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. ورَواهُ الحاكِمُ أيْضًا.
(p-٢١٣١)الثّانِي: قالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ مِنَ الحَلالِ. وذَكَرَ الحاكِمُ: أنَّ هَذا النَّهْيَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا لا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى جَمِيعِها: أحَدُهُما لا تَعْتَقِدُوا التَّحْرِيمَ. ومِنها: لا تُحَرِّمُوا عَلى غَيْرِكم بِالفَتْوى والحُكْمِ. ومِنها: لا تُجْرُوهُ مَجْرى الحُرُماتِ في شِدَّةِ الِاجْتِنابِ. ومِنها: لا تَلْتَزِمُوا تَحْرِيمَهُ بِنَذْرٍ أوْ غَيْرِهِ.
وقالَ القاضِي: لا تُحَرِّمُوا الحَلالَ بِفِعْلٍ يَصْدُرُ مِنكُمْ، كالبِياعاتِ الرِّبَوِيَّةِ وخَلْطِ الحَلالِ بِالمَغْصُوبِ والطّاهِرِ بِالنَّجِسِ.
ثُمَّ قالَ: ويَتَعَلَّقُ بِهَذا أمْرانِ: الأوَّلُ إذا حَرَّمَ الحَلالَ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الحِنْثُ والرُّجُوعُ؟ قُلْنا: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ويَلْزَمُ مَعَ ذَلِكَ التَّوْبَةُ.
الأمْرُ الثّانِي: هَلْ يَلْزَمُهُ في ذَلِكَ كَفّارَةٌ؟ قُلْنا: هَذِهِ الآيَةُ قَدْ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى اللُّزُومِ؛ لِأنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسادَ المَنهِيِّ عَنْهُ. وهَذِهِ المَسْألَةُ فِيها خِلافٌ بَيْنِ العُلَماءِ. انْتَهى.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَهَبَ الشّافِعِيُّ إلى أنَّهُ مَن حَرَّمَ مَأْكَلًا أوْ مَلْبَسًا أوْ شَيْئًا، ما عَدا النِّساءَ، أنَّهُ لا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، ولا كَفّارَةَ عَلَيْهِ أيْضًا. لِإطْلاقِ هَذِهِ الآيَةِ. ولِأنَّ الَّذِي حَرَّمَ اللَّحْمَ عَلى نَفْسِهِ - كَما في الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ - لَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفّارَةٍ.
وذَهَبَ آخَرُونَ - مِنهُمُ الإمامُ أحْمَدُ - إلى أنَّ مَن حَرَّمَ شَيْئًا - مِمّا ذُكِرَ - فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، كَما إذا التَزَمَ تَرْكَهُ بِاليَمِينِ. فَكَذَلِكَ يُؤاخَذُ بِمُجَرَّدِ تَحْرِيمِهِ عَلى نَفْسِهِ إلْزامًا لَهُ بِما التَزَمَهُ، كَما أفْتى بِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، وكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١] ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] الآيَةَ. وكَذَلِكَ هُنا. لَمّا ذَكَرَ هَذا الحُكْمَ عَقَّبَهُ بِالآيَةِ المُبَيِّنَةِ لِتَكْفِيرِ اليَمِينِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ هَذا مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اليَمِينِ في اقْتِضاءِ التَّفْكِيرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٢١٣٢)وفِي "زادِ المَعادِ" لِابْنِ القَيِّمِ فَصْلٌ مُهِمٌّ في حُكْمِ مَن حَرَّمَ أمَتَهُ أوْ زَوْجَتَهُ أوْ مَتاعَهُ؛ تَنْبَغِي مُراجَعَتُهُ.
الثّالِثُ: هَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في تَرْكِ التَّنَطُّعِ والتَّشَدُّدِ في التَّعَبُّدِ - كَذا في "الإكْلِيلِ".
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا يَجُوزُ لِأحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ تَحْرِيمُ شَيْءٍ، مِمّا أحَلَّ اللَّهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، عَلى نَفْسِهِ مِن طَيِّباتِ المَطاعِمِ والمَلابِسِ والمُناكَحِ، ولِذَلِكَ رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ التَّبَتُّلَ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ. فَثَبَتَ أنَّهُ لا فَضْلَ في تَرْكِ شَيْءٍ مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ. وأنَّ الفَضْلَ والبِرَّ إنَّما هو في فِعْلِ ما نَدَبَ اللَّهُ إلَيْهِ عِبادَهُ، وعَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وسَنَّهُ لِأُمَّتِهِ، واتَّبَعَهُ عَلى مِنهاجِهِ الأئِمَّةُ الرّاشِدُونَ. إذْ كانَ خَيْرُ الهَدْيِ هَدْيُ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ.. فَإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ تَبَيَّنَ خَطَأُ مَن آثَرَ لِباسَ الشَّعْرِ والصُّوفِ عَلى لِباسِ القُطْنِ والكَتّانِ، إذا قَدَرَ عَلى لِباسِ ذَلِكَ مِن حِلِّهِ. وآثَرَ أكْلَ الخَشِنِ مِنَ الطَّعامِ وتَرَكَ اللَّحْمَ وغَيْرَهُ حَذَرًا مِن عارِضِ الحاجَةِ إلى النِّساءِ.
قالَ: فَإنْ ظَنَّ ظانٌّ أنَّ الفَضْلَ في غَيْرِ الَّذِي قُلْنا - في لِباسِ الخَشِنِ وأكْلِهِ مِنَ المَشَقَّةِ عَلى النَّفْسِ وصَرْفِ ما فَضُلَ مِنهُما مِنَ القِيمَةِ إلى أهْلِ الحاجَةِ - فَقَدْ ظَنَّ خَطَأً. وذَلِكَ أنَّ الأوْلى بِالإنْسانِ صَلاحُ نَفْسِهِ وعَوْنُهُ لَها عَلى طاعَةِ رَبِّها، ولا شَيْءَ أضَرُّ عَلى الجِسْمِ مِنَ المَطاعِمِ الرَّدِيئَةِ؛ لِأنَّها مُفْسِدَةٌ لِعَقْلِهِ ومُضْعِفَةٌ لِأدَواتِهِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ سَبَبًا إلى طاعَتِهِ.. انْتَهى.
ولِلرّازِيِّ هُنا مَبْحَثٌ جَيِّدٌ في حِكْمَةِ هَذا النَّهْيِ. مُؤَيِّدٌ لِما ذُكِرَ. فَلْيُراجَعْ؛ فَإنَّهُ نَفِيسٌ.
وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ يُحِبُّ الحَلْواءَ والعَسَلَ». ولَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إلَيْهِ الذِّراعُ - وكانَتْ تُعْجِبُهُ – (p-٢١٣٣)فَنَهَشَ مِنها. قالَتْ عائِشَةُ: ما كانَ الذِّراعُ أحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَكِنْ كانَ لا يَجِدُ اللَّحْمَ إلّا غِبًّا، وكانَ يُعَجَّلُ إلَيْهِ الذِّراعُ؛ لِأنَّهُ أعْجَلُها نُضْجًا». أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ دُعِيَ إلى طَعامٍ ومَعَهُ فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ وأصْحابُهُ. فَقَعَدُوا عَلى المائِدَةِ - وعَلَيْها الألْوانُ مِنَ الدَّجاجِ المُسَمَّنِ والفالُوذِ وغَيْرِ ذَلِكَ - فاعْتَزَلَ فَرْقَدٌ ناحِيَةً، فَسَألَ الحَسَنُ: أهُوَ صائِمٌ؟ قالُوا: لا، ولَكِنَّهُ يَكْرَهُ هَذِهِ الألْوانَ، فَأقْبَلَ الحَسَنُ عَلَيْهِ وقالَ: يا فُرَيْقَدُ! أتَرى لُعابَ النَّحْلِ، بِلُبابِ البُرِّ، بِخالِصِ السَّمْنِ، يَعِيبُهُ مُسْلِمٌ؟
وعَنْهُ: أنَّهُ قِيلَ لَهُ: فُلانٌ لا يَأْكُلُ الفالُوذَ ويَقُولُ: لا أُؤَدِّي شُكْرَهُ. قالَ: أفَيَشْرَبُ الماءَ البارِدَ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: إنَّهُ جاهِلٌ. إنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ في الماءِ البارِدِ أكْثَرُ مِن نِعْمَتِهِ في الفالُوذِ.
وعَنْهُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أدَّبَ عِبادَهُ فَأحْسَنَ أدَبَهم قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] ما عابَ اللَّهُ قَوْمًا وسَّعَ عَلَيْهِمُ الدُّنْيا فَتَنَعَّمُوا وأطاعُوا. ولا عَذَرَ قَوْمًا زَواها عَنْهم فَعَصَوْهُ.
الرّابِعُ: قالَ الرّازِيُّ: لَمْ يَقُلْ تَعالى: كُلُوا ما رَزَقَكُمْ، ولَكِنْ قالَ: مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وكَلِمَةُ: "مِن" لِلتَّبْعِيضِ. فَكَأنَّهُ قالَ: اقْتَصِرُوا في الأكْلِ عَلى البَعْضِ واصْرِفُوا البَقِيَّةَ إلى الصَّدَقاتِ والخَيْراتِ؛ لِأنَّهُ إرْشادٌ إلى تَرْكِ الإسْرافِ كَما قالَ: ولا تُسْرِفُوا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences