Al-QasimiAn‑Najm · 53:21–41

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

An-Najm 53:21–41

53:21–22Page 526

أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلۡأُنثَىٰ ٢١

Is the male for you and for Him the female?

تِلۡكَ إِذٗا قِسۡمَةٞ ضِيزَىٰٓ ٢٢

That, then, is an unjust division.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١ - ٢٢] ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢]

﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ وهَذِهِ الأصْنامَ بَناتُ اللَّهِ، وكانُوا يَعْبُدُونَهم ويَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ وأْدِهِمُ البَناتِ، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ إناثٌ، (p-٥٥٧٤)وقَدْ جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ، ومِن شَأْنِكم أنْ تَحْتَقِرُوا الإناثَ، وتَسْتَنْكِفُوا مِن أنْ يُولَدْنَ لَكُمْ، ويُنْسَبْنَ إلَيْكُمْ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ هَؤُلاءِ الإناثَ أنْدادًا لِلَّهِ، وتُسَمُّونَهُنَّ آلِهَةً؟ انْتَهى.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الشِّهابُ: قَدْ مَرَّ مِرارًا الكَلامُ في (أرَأيْتَ) وأنَّها بِمَعْنى (أخْبَرَنِي)، وفي كَيْفِيَّةِ دَلالَتِها عَلى ذَلِكَ، واخْتِلافِ النُّحاةِ في فِعْلِ الرُّؤْيَةِ فِيهِ، هَلْ هو بَصَرِيٌّ؟ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ بَعْدَها مُسْتَأْنِفَةً لِبَيانِ المُسْتَخْبَرِ عَنْهُ. وهو الَّذِي اخْتارَهُ الرَّضِيُّ. أوْ عِلْمِيَّةٌ، فَتَكُونُ في مَحَلِّ المَفْعُولِ الثّانِي، فالرّابِطُ حِينَئِذٍ أنَّها في تَأْوِيلِ: أهِيَ بَناتُ اللَّهِ؟

قالَ السَّمِينُ: وكَأنَّ أصْلَ التَّرْكِيبِ: ألْكُمُ الذَّكَرُ، ولَهُ هُنَّ، أيْ: تِلْكَ الأصْنامُ. وإنَّما أُوثِرَ هَذا الِاسْمُ الظّاهِرُ لِوُقُوعِهِ رَأْسَ فاصِلَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

﴿تِلْكَ﴾ [النجم: ٢٢] إشارَةٌ إلى القِسْمَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ ﴿إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢] أيْ: جائِرَةٌ، غَيْرُ مُسْتَوِيَةٍ، ناقِصَةٌ غَيْرُ تامَّةٍ، لِأنَّكم جَعَلْتُمْ لِرَبِّكم مِنَ الوَلَدِ والنِّدِّ ما تَكْرَهُونَ لِأنْفُسِكُمْ، وآثَرْتُمْ أنْفُسَكم بِما تَرْضَوْنَهُ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والعَرَبُ تَقُولُ: (ضِزْتُهُ حَقَّهُ) بِكَسْرِ الضّادِ، و(ضُزْتُهُ) بِضَمِّها، فَأنا أضِيزُهُ وأضُوزُهُ، وذَلِكَ إذا نَقَصْتَهُ حَقَّهُ ومَنَعْتَهُ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ السَّمِينُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ضِئْزى بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، والباقُونَ بِياءٍ مَكانَها. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ضَيْزى بِفَتْحِ الضّادِ والياءُ ساكِنَةٌ. فَأمّا قِراءَةُ العامَّةِ فَتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مِن (ضازَهُ يَضِيزُهُ) إذا ضامَهُ وجارَ عَلَيْهِ، فَمَعْنى (ضِيزى) جائِرَةٌ. وعَلى هَذا فَتَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ صِفَةً عَلى (فُعْلى) بِضَمِّ الفاءِ، وإنَّما كُسِرَتِ الفاءُ لِتَصِحَّ الياءُ (p-٥٥٧٥)كَبَيْضٍ.

فَإنْ قِيلَ: وأيُّ ضَرُورَةٍ إلى أنْ يُقَدَّرَ أصْلُها ضَمَّ الفاءِ، ولِمَ لا قِيلَ (فِعْلى) بِالكَسْرِ؟

فالجَوابُ: أنَّ سِيبَوَيْهِ حَكى أنَّهُ لَمْ يَرِدْ في الصِّفاتِ (فِعْلى) بِكَسْرِ الفاءِ، وإنَّما ورَدَ بِضَمِّها، نَحْوَ حُبْلى وأُنْثى ورُبّى وما أشْبَهَهُ، إلّا أنَّ غَيْرَهُ حَكى في الصِّفاتِ ذَلِكَ. حَكى ثَعْلَبٌ: مِشْيَةٌ حِيكى، ورَجُلٌ كِيسى. وحَكى غَيْرُهُ: امْرَأةٌ عِزْهى وامْرَأةٌ سِعْلى. وهَذا لا يَنْقَضُّ عَلى سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ في (حِيكى وكِيسى) كَقَوْلِهِ في (ضِيزى) لِتَصِحَّ الياءُ، وأمّا عِزْهى وسِعْلى فالمَشْهُورُ فِيهِما عِزْهاةُ سِعْلاةُ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كَذِكْرى. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ ضازَ يَضِيزُ ضِيزى، كَذَكَرَ يَذْكُرُ ذِكْرى. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن (ضَأزَهُ) بِالهَمْزِ كَقِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، إلّا أنَّهُ خَفَّفَ هَمْزَها، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أُصُولِ القُرّاءِ كُلِّهِمْ إبْدالُ مِثْلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ ياءً، لَكِنَّها لُغَةٌ التُزِمَتْ، فَقَرَؤُوا بِها. ومَعْنى ضَأزَهُ يَضْأزُهُ بِالهَمْزَةِ، نَقَصَهُ ظُلْمًا وجَوْرًا، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ. و(ضِيزى) في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، ولا يَكُونُ وصْفًا أصْلِيًّا؛ لِما تَقَدَّمَ عَنْ سِيبَوَيْهِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا قِيلَ في (ضِئْزى) بِالكَسْرِ والهَمْزِ، أنَّ أصْلَهُ ضِيزى بِالضَّمِّ فَكُسِرَتِ الفاءُ، لِما قِيلَ فِيها مَعَ الياءِ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ لا مُوجِبَ هُنا لِلتَّغْيِيرِ، إذِ الضَّمُّ مَعَ الهَمْزِ لا يُسْتَثْقَلُ اسْتِثْقالَهُ مَعَ الياءِ السّاكِنَةِ وسُمِعَ مِنهُمْ: (ضُؤُزى) بِضَمِّ الضّادِ مَعَ الواوِ والهَمْزَةِ.

وأمّا قِراءَةُ زَيْدٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ، كَدَعْوى، وأنْ تَكُونَ صِفَةً كَكِسْرى وعَطْشى. انْتَهى.

(p-٥٥٧٦)

53:23Page 526

إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ ٢٣

They are not but [mere] names you have named them - you and your forefathers - for which Allāh has sent down no authority. They follow not except assumption and what [their] souls desire, and there has already come to them from their Lord guidance.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٣] ﴿إنْ هي إلا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْـزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾

﴿إنْ هِيَ﴾ أيِ: الأصْنامُ المَذْكُورَةُ بِاعْتِبارِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي يَدْعُونَها لَهم ﴿إلا أسْماءٌ﴾ أيْ: مَحْضَةٌ لَيْسَ تَحْتَها مِمّا تُنْبِئُ هي عَنْهُ مِن مَعْنى الأُلُوهِيَّةِ، شَيْءٌ ما أصْلًا. أيْ: لَيْسَ لَها نَصِيبٌ مِنها إلّا إطْلاقَ تِلْكَ الأسْماءِ عَلَيْها.

قالَ الشِّهابُ: والمُرادُ لا نَصِيبَ لَها أصْلًا، ولا وجْهَ لِتَسْمِيَتِها بِذَلِكَ، ولَوْ كانَتِ الأُلُوهِيَّةُ مُتَحَقِّقَةً بِمُجَرَّدِ التَّسْمِيَةِ كانَتْ آلِهَةً، فَهو مِن نَفْيِ الشَّيْءِ بِإثْباتِهِ، أوْ هو ادِّعاءٌ مَحْضٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ.

﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ أيْ: جَعَلْتُمُوها أسْماءً مَعَ خُلُوِّها عَنِ المُسَمَّياتِ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ أيْ: بِمُقْتَضى أهْوائِكُمْ، وتَقْلِيدِ التّابِعِ لِلْمَتْبُوعِ، ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: بُرْهانٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ، ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ أيْ: إلّا تَوَهَّمَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ، ﴿وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ أيْ: تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لِأنَّهم لَمْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ عَنْ وحْيٍ جاءَهم مِنَ اللَّهِ، ولا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أخْبَرَهم بِهِ، وإنَّما هو اخْتِلاقٌ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ، أوْ أخَذُوهُ عَنْ آبائِهِمُ الَّذِينَ كانُوا مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ عَلى مِثْلِ ما هم عَلَيْهِ مِنهُ، ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ أيِ: الدَّلِيلُ الواضِحُ، والبَيانُ بِالوَحْيِ، أنَّ عِبادَتَها لا تَنْبَغِي وأنَّهُ لا تَصْلُحُ العِبادَةُ إلّا لَهُ تَعالى وحْدَهُ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ يَتَّبِعُونَ أوِ اعْتِراضٌ. وأيًّا ما كانَ، فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِبُطْلانِ اتِّباعِ الظَّنِّ، وهَوى النَّفْسِ، وزِيادَةِ تَقْبِيحٍ لِحالِهِمْ، فَإنَّ اتِّباعَهُما مِن أيِّ شَخْصٍ كانَ، قَبِيحٌ، ومِمَّنْ هَداهُ اللَّهُ تَعالى بِإرْسالِ الرَّسُولِ ﷺ وإنْزالِ الكُتُبِ، أقْبَحُ.

(p-٥٥٧٧)تَنْبِيهٌ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلا أسْماءٌ﴾ إلَخْ عَلى أنَّ اللُّغاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ، ووَجْهُهُ أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم عَلى تَسْمِيَةِ بَعْضِ الأشْياءِ بِما سَمَّوْها بِهِ، ولَوْلا أنَّ تَسْمِيَةَ غَيْرِها مِنَ اللَّهِ تَوْقِيفٌ، لَما صَحَّ هَذا الذَّمُّ، لِكَوْنِ الكُلِّ اصْطِلاحًا مِنهم.

واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ إلَخْ عَلى إبْطالِ التَّقْلِيدِ في العَقائِدِ واسْتَدَلَّ بِهِ الظّاهِرِيَّةُ عَلى إبْطالِهِ مُطْلَقًا، أوْ إبْطالِ القِياسِ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ قالَ: احْذَرُوا هَذا الرَّأْيَ عَلى الدِّينِ، فَإنَّما كانَ الرَّأْيُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُصِيبًا لِأنَّ اللَّهَ كانَ يُرِيهِ، وإنَّما هو مِنّا تَكَلُّفٌ وظَنٌّ، ﴿وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] . انْتَهى.

53:24Page 526

أَمۡ لِلۡإِنسَٰنِ مَا تَمَنَّىٰ ٢٤

Or is there for man whatever he wishes?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٤] ﴿أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى﴾

﴿أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ أيْ: لَيْسَ ما يَشْتَهِيهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِنها طَمَعُهُ الفارِغُ في شَفاعَةِ الأنْدادِ، وتَعَنُّتُهُ في دِفاعِ اليَقِينِ بِالظَّنِّ، وتَرْكُهُ نَفْسَهُ وهَواها بِلا شَرْعٍ يُقَيِّدُهُ ولا مُهَيْمِنٍ يَزَعُهُ. فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُحالاتِ في نَظَرِ العَقْلِ السَّلِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٢٣]

53:25Page 526

فَلِلَّهِ ٱلۡأٓخِرَةُ وَٱلۡأُولَىٰ ٢٥

Rather, to Allāh belongs the Hereafter and the first [life].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥] ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾

﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ أيْ: فَمَصِيرُ الأمْرِ فِيهِما لَهُ تَعالى، لا لِلْإنْسانِ حَسَبَ ما تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ، كَما قالَ: ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ (p-٥٥٧٨)والأرْضُ﴾ [المؤمنون: ٧١] ولِذا أرْسَلَ لَهُ الرُّسُلَ، وأنْزَلَ الكُتُبَ، قَطْعًا لِلْمَعاذِيرِ، ونَبَّهَهُ بِالعَقْلِ عَلى سُبُلِ السَّعادَةِ الَّتِي لا تَخْفى عَلى بَصِيرٍ.

53:26Page 526

۞ وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ ٢٦

And how many angels there are in the heavens whose intercession will not avail at all except [only] after Allāh has permitted [it] to whom He wills and approves.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦] ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾

﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ هَذا تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعَبَدَةِ الأوْثانِ، بِإقْناطِهِمْ عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهم مِن شَفاعَةِ أوْثانِهِمْ، بِأنَّ مَلائِكَتَهُ الكِرامَ لا يَتَفَوَّهُونَ بِالشَّفاعَةِ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ورِضاهُ. فَأنّى لِهَذِهِ الطَّواغِيتِ أنْ تَفْتاتَ عَلى هَذا المَقامِ، ولَها مِنَ الذِّلَّةِ والصِّغارِ ما يُبْعِدُها عَنْهُ بِألْفِ مَنزِلٍ.

ثُمَّ أشارَ إلى طُغْيانٍ آخَرَ لِلْمُشْرِكِينَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

53:27Page 527

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ تَسۡمِيَةَ ٱلۡأُنثَىٰ ٢٧

Indeed, those who do not believe in the Hereafter name the angels female names,

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٧] ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ أيْ: تَسْمِيَةَ الإناثِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: هم بَناتُ اللَّهِ. فالأُنْثى بِمَعْنى الإناثِ، لِأنَّهُمُ اسْمُ جِنْسٍ يَتَناوَلُ الكَثِيرَ والقَلِيلَ. وقِيلَ: بِمَعْنى الطّائِفَةِ الأُنْثى. وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ عَلى التَّشْبِيهِ، فَلا تَمَسُّ الحاجَةُ إلى الجَمْعِيَّةِ. وقِيلَ: أُفْرِدَ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ. وقِيلَ: المَلائِكَةُ في مَعْنى اسْتِغْراقِ المُفْرَدِ، أيْ: لَيُسَمُّونَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم بِنْتًا، وهي تَسْمِيَةُ الأُنْثى، عَلى وزْنِ كَسانا الأمِيرُ حُلَّةً، أيْ: كَسا كُلَّ واحِدٍ مِنّا حُلَّةً، والإفْرادُ لِعَدَمِ اللَّبْسِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وفي تَعْلِيقِها بِعَدَمِ الإيمانِ بِالآخِرَةِ، إشْعارٌ بِأنَّها في الشَّناعَةِ والفَظاعَةِ، واسْتِتْباعِ العُقُوبَةِ في الآخِرَةِ، بِحَيْثُ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْها إلّا مَن لا يُؤْمِنُ بِها رَأْسًا.

(p-٥٥٧٩)

53:28–29Page 527

وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا ٢٨

And they have thereof no knowledge. They follow not except assumption, and indeed, assumption avails not against the truth at all.

فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكۡرِنَا وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٢٩

So turn away from whoever turns his back on Our message and desires not except the worldly life.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٨ - ٢٩] ﴿وما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النجم: ٢٩]

﴿وما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يُفِيدُ فائِدَتَهُ، ولا يَقُومُ مَقامَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ وما هو عَلَيْهِ، إنَّما تُدْرَكُ إدْراكًا مُعْتَدًّا بِهِ، إذا كانَ عَنْ يَقِينٍ، لا عَنْ ظَنٍّ وتَوَهُّمٍ.

﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النجم: ٢٩] أيْ: مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يَرَوْنَ غايَةَ سَعادَتِهِمُ التَّنَعُّمَ بِلَذائِذِها، لِقِصَرِ نَظَرِهِمْ عَلى المَحْسُوساتِ. والمُرادُ مِنَ (الإعْراضِ) هَجْرُهم هَجْرًا جَمِيلًا، وتَرْكُ إيذائِهِمْ. وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: أيْ: أعْرِضْ عَنْ دَعْوَةِ مَن رَأيْتَهُ مُعْرِضًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ... إلَخْ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الصَّدْعَ بِالحَقِّ لا تَسامُحَ فِيهِ، لا سِيَّما والدَّعْوَةُ لِلْمُعْرِضِينَ، وهي تَسْتَلْزِمُ أنْ يُحاجُّوا بِهِ بِمُنْتَهى الطّاقَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] وإنَّما مَعْنى الآيَةِ: فاصْفَحْ عَنْهم ودَعْ أذاهُمْ، في مُقابَلَةِ ما يَجْهَلُونَ بِهِ عَلَيْكَ، كَما بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ، والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

53:30Page 527

ذَٰلِكَ مَبۡلَغُهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱهۡتَدَىٰ ٣٠

That is their sum of knowledge. Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of who is guided.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٠] ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾

﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ يَعْنِي أمْرَ الدُّنْيا مُنْتَهى عِلْمِهِمْ، لا عِلْمَ لَهم فَوْقَهُ. ومَن كانَ هَذا أقْصى مَعارِفِهِ، فَما عَلى داعِيهِ إلّا الصَّفْحُ عَنْهُ، والصَّبْرُ عَلى جَهْلِهِ.

(p-٥٥٨٠)و(مَبْلَغَ) اسْمُ مَكانٍ مَجازًا، كَأنَّهُ مَحَلٌّ وقَفَ فِيهِ عِلْمُهُمُ ادِّعاءً -كَما حَقَّقَهُ الشِّهابُ - والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِن قَصْرِ الإرادَةِ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالإعْراضِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ أيْ: ولا بُدَّ أنْ يُعامِلَهم بِمُوجِبِ عِلْمِهِ فِيهِمْ، فَيَجْزِي كُلًّا بِما يَقْتَضِيهِ عَمَلُهُ، وتَقْدِيمُ العِلْمِ بِمَن ضَلَّ، لِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ مِنَ الخِطابِ، والسِّياقُ فِيهِمْ. وقَوْلُهُ:

53:31Page 527

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى ٣١

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth - that He may recompense those who do evil with [the penalty of] what they have done and recompense those who do good with the best [reward] -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣١] ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى سِعَةِ مُلْكِهِ، وعَظَمَةِ قُدْرَتِهِ، وأنَّ ما فِيهِما مِن قَبْضَتِهِ، فَلا يُعْجِزُهُ جَزاءُ هَؤُلاءِ الفَجَرَةِ، كَما قالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ أيْ: بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى، وهي الجَنَّةُ ثُمَّ بَيَّنَ صِفاتِ هَؤُلاءِ المُحْسِنِينَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

53:32Page 527

ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِۚ هُوَ أَعۡلَمُ بِكُمۡ إِذۡ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَإِذۡ أَنتُمۡ أَجِنَّةٞ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡۖ فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ ٣٢

Those who avoid the major sins and immoralities, only [committing] slight ones. Indeed, your Lord is vast in forgiveness. He was most knowing of you when He produced you from the earth and when you were fetuses in the wombs of your mothers. So do not claim yourselves to be pure; He is most knowing of who fears Him.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٢] ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلا اللَّمَمَ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ هو أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ يَعْنِي ما كَبُرَ الوَعِيدُ عَلَيْهِ مِنَ المَناهِي والفَواحِشِ يَعْنِي ما فَحُشَ مِنها. والعَطْفُ إمّا مِن عَطْفِ أحَدِ المُتَرادِفَيْنِ أوِ الخاصِّ عَلى العامِّ ﴿إلا اللَّمَمَ﴾ أيِ: الصَّغائِرَ مِنَ الذُّنُوبِ. ومَثَّلَهُ أبُو هُرَيْرَةَ بِالقُبْلَةِ والغَمْزَةِ والنَّظْرَةِ، فِيما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، (p-٥٥٨١)وأصْلُ مَعْناهُ: ما قَلَّ قَدْرُهُ. ومِنهُ: لَمَّةُ الشَّعْرِ، لِأنَّها دُونَ الوَفْرَةِ. وقِيلَ: مَعْناهُ الدُّنُوُّ مِنَ الشَّيْءِ دُونَ ارْتِكابٍ لَهُ. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ عَلى ما ذُكِرَ. وقِيلَ: اللَّمَمُ بِما دُونَ الكَبائِرِ والفَواحِشِ، فَإنَّهُ عَفْوٌ. وقِيلَ: مُتَّصِلٌ، والمُرادُ مُطْلَقُ الذُّنُوبِ. وقِيلَ: إنَّهُ لا اسْتِثْناءَ فِيهِ أصْلًا. وإلّا صِفَةٌ بِمَعْنى غَيْرَ وتَفْصِيلُهُ في (العِنايَةِ).

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، أنَّ مَعْنى اللَّمَمِ ما قَدْ سَلَفَ لَهم مِمّا ألَمُّوا بِهِ مِنَ الفَواحِشِ والكَبائِرِ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ الإسْلامِ، وغَفَرَها لَهم حِينَ أسْلَمُوا.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا قالَ: هو الرَّجُلُ يُلِمُّ بِالفاحِشَةِ ثُمَّ يَتُوبُ ولا يَعُودُ. قالَ: وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:

««إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا»»

وقالَ الحَسَنُ:

﴿اللَّمَمَ﴾ أنْ يَقَعَ الوَقْعَةَ ثُمَّ يَنْتَهِي. وكُلُّ هَذا يَتَناوَلُهُ اللَّفْظُ الكَرِيمُ والأقْوى في مَعْناهُ هو الأوَّلُ؛ ولِذا اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]

﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: واسِعُ عَفْوِهِ لِلْمُذْنِبِينَ الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْ ذُنُوبُهُمُ الفَواحِشَ وكَبائِرَ الإثْمِ ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: أحْدَثَكم مِنها بِخَلْقِ أبِيكم آدَمَ مِنها ﴿وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ أيْ: حَيْثُما يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ، ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: تَشْهَدُوا لَها بِأنَّها زَكِيَّةٌ بَرِيئَةٌ مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، والمُرادُ بِهِ الثَّناءُ تَمَدُّحًا أوْ رِياءً ﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ أيْ: بِمَنِ اتَّقاهُ (p-٥٥٨٢)فَعَمِلَ بِطاعَتِهِ، واجْتَنَبَ مَعاصِيَهُ وأصْلَحَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: ٤٩]

وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: «مَدَحَ رَجُلٌ رَجُلًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ويْلَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صاحِبِكَ» مِرارًا «إذا كانَ أحَدُكم مادِحًا صاحِبَهُ لا مَحالَةَ، فَلْيَقُلْ: أحْسَبُ فُلانًا، واللَّهُ حَسِيبُهُ، ولا أُزَكِّي عَلى اللَّهِ أحَدًا، أحْسَبُهُ: كَذا وكَذا إنْ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ»» .

53:33–35Page 527

أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ ٣٣

Have you seen the one who turned away

وَأَعۡطَىٰ قَلِيلٗا وَأَكۡدَىٰٓ ٣٤

And gave a little and [then] refrained?

أَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡغَيۡبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ ٣٥

Does he have knowledge of the unseen, so he sees?1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٣ - ٣٥] ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ ﴿وأعْطى قَلِيلا وأكْدى﴾ [النجم: ٣٤] ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ [النجم: ٣٥]

﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ أيْ: عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢]

﴿وأعْطى قَلِيلا وأكْدى﴾ [النجم: ٣٤] أيْ: قَطَعَ العَطاءَ بُخْلًا وشُحًّا.

﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ [النجم: ٣٥] أيْ: يَراهُ حَتّى يَحْكُمَ عَلى نَفْسِهِ بِالتَّزْكِيَةِ والنَّجاةِ والفَوْزِ؟

(p-٥٥٨٣)

53:36–37Page 527

أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ٣٦

Or has he not been informed of what was in the scriptures of Moses

وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ ٣٧

And [of] Abraham, who fulfilled [his obligations] -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٦ - ٣٧] ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧]

﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] أيْ: بالَغَ في الوَفاءِ بِما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]

53:38Page 527

أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ ٣٨

That no bearer of burdens will bear the burden of another

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٨] ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾

﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ: لا تُؤاخَذُ نَفْسٌ بِذَنْبِ غَيْرِها، بَلْ كُلُّ آثِمَةٍ فَإنَّ إثْمَها عَلَيْها.

قالَ القاشانِيُّ: لِأنَّ العِقابَ يَتَرَتَّبُ عَلى هَيْئاتٍ مُظْلِمَةٍ رَسَخَتْ في النَّفْسِ بِتَكْرارِ الأفاعِيلِ والأقاوِيلِ السَّيِّئَةِ الَّتِي هي الذُّنُوبُ، وكَذَلِكَ الذُّنُوبُ. وكَذَلِكَ الثَّوابُ، إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى أضْدادِها مِن هَيْئاتِ الفَضائِلِ، كَما قالَ تَعالى:

53:39Page 527

وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩

And that there is not for man except that [good] for which he strives

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٩] ﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾

﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ أيْ: إلّا سَعْيَهُ وكَسْبَهُ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [النجم: ٣٨] الَّذِي (p-٥٥٨٤)ضَمِنَ لِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ! يَقُولُ: ألَمْ يُخْبِرْ قائِلُ هَذا القَوْلِ، وضامِنُ هَذا الضَّمانِ، بِالَّذِي في صُحُفِ مُوسى وإبْراهِيمَ مَكْتُوبٌ: أنْ لا تَأْثَمَ آثِمَةٌ إثْمَ أُخْرى غَيْرِها، ﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ أيْ: وأنَّهُ لا يُجازى عامِلٌ إلّا بِعَمَلِهِ، خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. انْتَهى.

وظاهِرُ السِّياقِ يُشْعِرُ بِنُزُولِ الآياتِ رَدًّا عَلى ما كانُوا يَتَخَرَّصُونَهُ ويَتَمَنَّوْنَهُ، ويَتَحَكَّمُونَ فِيهِ عَلى الغَيْبِ لِجاجًا وجَهْلًا. ومَعَ ذَلِكَ فَمَفْهُومُها الشُّمُولِيُّ جَلِيٌّ.

الثّانِي: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى عَدَمِ دُخُولِ النِّيابَةِ في العِباداتِ عَنِ الحَيِّ والمَيِّتِ. واسْتَدَلَّ بِهِ الشّافِعِيُّ عَلى أنَّ ثَوابَ القِراءَةِ لا يَلْحَقُ الأمْواتَ. انْتَهى.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ومِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ اسْتَنْبَطَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ومَن تَبِعَهُ، أنَّ القِراءَةَ لا يَصِلُ إهْداءُ ثَوابِها إلى المَوْتى، لِأنَّهُ لَيْسَ مِن عَمَلِهِمْ ولا كَسْبِهِمْ، ولِهَذا لَمْ يَنْدُبْ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّتَهُ، ولا حَثَّهم عَلَيْهِ، ولا أرْشَدَهم إلَيْهِ بِنَصٍّ ولا إيماءٍ، ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ولَوْ كانَ خَيْرًا لَسَبَقُونا إلَيْهِ. وبابُ القُرُباتِ يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلى النُّصُوصِ ولا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِأنْواعِ الأقْيِسَةِ والآراءِ، فَأمّا الدُّعاءُ والصَّدَقَةُ فَذاكَ مُجْمَعٌ عَلى وُصُولِهِما، ومَنصُوصٌ مِنَ الشّارِعِ عَلَيْهِما.

وأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا ماتَ الإنْسانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلّا مِن ثَلاثٍ: مِن ولَدٍ صالِحٍ يَدْعُو لَهُ، أوْ صَدَقَةٍ جارِيَةٍ مِن بَعْدِهِ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ»» فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ في الحَقِيقَةِ هي مِن سَعْيِهِ وكَدِّهِ وعَمَلِهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: ««إنَّ أطْيَبَ ما أكَلَ الرَّجُلُ مِن كَسْبِهِ، وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ»»، والصَّدَقَةُ الجارِيَةُ -كالوَقْفِ (p-٥٥٨٥)ونَحْوِهِ- هي مِن آثارِ عَمَلِهِ ووَقْفِهِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] والعِلْمُ الَّذِي نَشَرَهُ في النّاسِ، فاقْتَدى بِهِ النّاسُ بَعْدَهُ، هو أيْضًا مِن سَعْيِهِ وعَمَلِهِ.

وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ: ««مَن دَعا إلى هُدًى كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُمْ، مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا»» . انْتَهى.

الثّالِثُ: قالَ الرّازِيُّ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ بَيانُ ثَوابِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، أوْ بَيانُ كُلِّ عَمَلٍ. نَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّها لِكُلِّ عَمَلٍ، فالخَيْرُ مُثابٌ عَلَيْهِ، والشَّرُّ مُعاقَبٌ بِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لِبَيانِ الخَيْراتِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: " لِلْإنْسانِ " فَإنَّ اللّامَ لِعَوْدِ المَنافِعِ، وعَلى لِعَوْدِ المَضارِّ، تَقُولُ: هَذا لَهُ، وهَذا عَلَيْهِ، ويَشْهَدُ لَهُ، ويَشْهَدُ عَلَيْهِ، في المَنافِعِ والمَضارِّ. ولِلْقائِلِ الأوَّلِ أنْ يَقُولَ بِأنَّ الأمْرَيْنِ إذا اجْتَمَعا غَلَبَ الأفْضَلُ، كَجُمُوعِ السَّلامَةِ تُذَكَّرُ، إذا اجْتَمَعَتِ الإناثُ مَعَ الذُّكُورِ. وأيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ [النجم: ٤١] و(الأوْفى) لا يَكُونُ إلّا في مُقابَلَةِ الحَسَنَةِ، وأمّا في السَّيِّئَةِ فالمِثْلُ أوْ دُونَهُ، أوِ العَفْوُ بِالكُلِّيَّةِ. انْتَهى.

53:40–41Page 527

وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ ٤٠

And that his effort is going to be seen -

ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ ٤١

Then he will be recompensed for it with the fullest recompense -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٠ - ٤١] ﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ [النجم: ٤١]

﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ أيْ: يَراهُ، ويُعْرَضُ عَلَيْهِ، ويُكْشَفُ لَهُ. مِن (أُرِيتُ الشَّيْءَ)، أوْ يُرى لِلْخَلْقِ ولِلْمَلائِكَةِ؛ فَفِيهِ بِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، وإفْراحٌ لَهُ، ونِذارَةٌ لِلْكافِرِ، وإرْهابٌ لَهُ، أوْ هو مِن (رَأى) المُجَرَّدِ، أيْ: يَراهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى (p-٥٥٨٦)اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥] ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ [النجم: ٤١] أيْ: يُجْزى سَعْيَهُ جَزاءً وافِرًا لا يُبْخَسُ مِنهُ شَيْئًا.

قالَ الشِّهابُ: أصْلُهُ يَجْزِي اللَّهُ الإنْسانَ سَعْيَهُ، فَـ (الجَزاءَ) مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، و(سَعْيَهُ) هو المَفْعُولُ الثّانِي، وهو يَتَعَدّى لَهُ بِنَفْسِهِ، نَحْوَ: جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا. وجَزاؤُهُ سَعْيُهُ بِمَعْنى جَزائِهِ بِمِثْلِهِ، أوْ هو مَجازٌ. وقِيلَ: المَنصُوبُ بِنَزْعِ الخافِضِ الضَّمِيرُ، والتَّقْدِيرُ: بِسَعْيِهِ أوْ عَلى سَعْيِهِ- كَما في (الكَشّافِ).

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском