Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:17–25
6:17Page 129
وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧
And if Allāh should touch you with adversity, there is no remover of it except Him. And if He touches you with good - then He is over all things competent.
(p-٢٢٦٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٧] ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أيْ: بِبَلِيَّةٍ، كَفَقْرٍ ومَرَضٍ ونَحْوِهِما. و(الضُّرُّ): اسْمٌ جامِعٌ لِما يَنالُ الإنْسانَ مِن مَكْرُوهٍ ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هُوَ﴾ أيْ: فَلا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ إلّا هو وحْدَهُ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ مِن عافِيَةٍ ورَخاءٍ ونَحْوَهُما: و(الخَيْرُ): اسْمٌ جامِعٌ لِما يَنالُ الإنْسانَ مِن مَحْبُوبٍ لَهُ ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: ومِن جُمْلَتِهِ ذَلِكَ، فَيَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَيُمْسِكُ بِهِ، ويَحْفَظُهُ عَلَيْكَ مِن غَيْرِ أنْ يَقْدِرَ عَلى دَفْعِهِ أوْ رَفْعِهِ أحَدٌ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢]
وفِي الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِما أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ»» .
(p-٢٢٦٣)وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «يا غُلامُ! إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجاهَكَ، إذا سَألْتَ فاسْألِ اللَّهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ. واعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلى أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إلّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعالى لَكَ، ولَوِ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إلّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ. رُفِعَتِ الأقْلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ»» - رَواهُ التِّرْمِذِيُّ - وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
6:18Page 129
وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١٨
And He is the subjugator over His servants. And He is the Wise,1 the Aware.2
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨] ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾
﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ أيْ: هو الغالِبُ بِقُدْرَتِهِ، المُسْتَعْلِي فَوْقَ عِبادِهِ، يُدَبِّرُ أمْرَهم بِما يُرِيدُ، فَيَقَعُ في ذَلِكَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ويَثْقُلُ ويَغُمُّ ويُحْزِنُ، فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنهم رَدَّ تَدْبِيرِهِ، والخُرُوجَ مِن تَحْتِ قَهْرِهِ وتَقْدِيرِهِ.
قالَ أبُو البَقاءِ: في (فَوْقَ) وجْهانِ:
أحَدُهُما: في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في القاهِرِ؛ أيْ: مُسْتَعْلِيًا وغالِبًا.
والثّانِي: في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ القاهِرِ أوْ خَبَرٌ ثانٍ.
6:19Page 130
قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ١٩
Say, "What thing is greatest in testimony?" Say, "Allāh is witness between me and you. And this Qur’ān was revealed to me that I may warn you thereby and whomever it reaches.1 Do you [truly] testify that with Allāh there are other deities?" Say, "I will not testify [with you]." Say, "Indeed, He is but one God, and indeed, I am free of what you associate [with Him]."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩] ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾
﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ أيْ: بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ مُعارَضَتُهُ بِما يُساوِيهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ (p-٢٢٦٤)أيْ: أكْبَرُ شَهادَةً؛ إذْ لا احْتِمالَ لِطُرُوِّ الكَذِبِ في خَبَرِهِ أصْلًا، جَلَّ شَأْنُهُ. وأمَرَهُ ﷺ بِأنْ يَتَوَلّى الجَوابَ بِنَفْسِهِ، إمّا لِلْإيذانِ بِتَعَيُّنِهِ، وعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى أنْ يُجِيبُوا بِغَيْرِهِ، أوْ لِأنَّهم رُبَّما يَتَلَعْثَمُونَ فِيهِ، لا لِتَرَدُّدِهِمْ في أنَّهُ تَعالى أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ في كَوْنِهِ شَهِيدًا في هَذا الشَّأْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، أوْ خَبَرٌ عَنْ لَفْظِ الجَلالَةِ. ودَلَّ عَلى جَوابِ (أيُّ) مِن طَرِيقِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ إذا كانَ تَعالى هو الشَّهِيدُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، كانَ أكْبَرُ شَيْءٍ شَهادَةً، شَهِيدًا لَهُ. فَيَكُونُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ؛ لِأنَّهُ عَدَلَ عَنِ الجَوابِ المُتَبادَرِ - إلَيْهِ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ أكْبَرَ شَهادَةِ شَهِيدٍ لِلرَّسُولِ، فَإنَّ اللَّهَ أكْبَرُ شَيْءٍ شَهادَةً، واللَّهُ شَهِيدٌ لَهُ، فَيَنْتِجُ الأكْبَرُ شَهادَةً لَهُ. والقِياسُ المَذْكُورُ مِنَ الشَّكْلِ الثّالِثِ؛ لِأنَّ الحَدَّ الأوْسَطَ مَوْضُوعٌ في المُقَدِّمَتَيْنِ، لا مِنَ الثّانِي، كَما وقَعَ لِلشِّهابِ في "العِنايَةِ" وهو مِن بَدِيهِيّاتِ المِيزانِ.
قالَ بَعْضُهُمُ: الغَرَضُ مِنَ السُّؤالِ بِ: أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً أنَّ شاهِدِي أكْبَرُ شَهادَةً. فَقَوْلُهُ: شَهِيدٌ إلَخْ تَنْصِيصٌ لَهُ، والسُّؤالُ المَذْكُورُ لا يَحْتاجُ إلى جَوابٍ؛ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا بَيِّنًا عِنْدَ الخَصْمِ، فَحاصِلُهُ أنَّ اللَّهَ الَّذِي هو أكْبَرُ شَهادَةً، شُهِرَ بِذَلِكَ. انْتَهى.
ومَعْنى (شَهِيدٌ) مُبالِغٌ في الشَّهادَةِ عَلى نُبُوَّتِي، بِحَيْثُ يَقْطَعُ النِّزاعَ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، إذْ شَهِدَ سُبْحانَهُ بِالقَوْلِ في الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى الأوَّلِينَ، وبِالفِعْلِ فِيما ظَهَرَ عَلى يَدِي مِنَ المُعْجِزاتِ، لا سِيَّما مُعْجِزَةُ القُرْآنِ، كَما قالَ تَعالى:
﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ﴾ أيِ: الجامِعُ لِلْعُلُومِ الَّتِي يُحْتاجُ إلَيْها في المَعارِفِ والشَّرائِعِ، في ألْفاظٍ يَسِيرَةٍ، في أقْصى مَراتِبِ الحُسْنِ والبَلاغَةِ، مُعْجِزَةً شاهِدَةً بِصِحَّةِ رِسالَتِي؛ لِأنَّكم أنْتُمُ الفُصَحاءُ والبُلَغاءُ، وقَدْ عَجَزْتُمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ: ﴿لأُنْذِرَكم بِهِ﴾ أيْ: بِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ ﴿ومَن بَلَغَ﴾ عَطْفٌ عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ: لِأُنْذِرَكم بِهِ، يا أهْلَ مَكَّةَ! وسائِرَ مَن بَلَغَهُ (p-٢٢٦٥)مِنَ النّاسِ كافَّةً، فَهو نَذِيرٌ لِكُلِّ مَن بَلَغَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]
﴿أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى﴾ تَقْرِيرٌ لَهم مَعَ إنْكارٍ واسْتِبْعادٍ.
﴿قُلْ لا أشْهَدُ﴾ بِما تَشْهَدُونَ ﴿قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: بَلْ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا هُوَ، لا يُشارَكُ في إلَهِيَّتِهِ، ولا في صِفاتِ كَمالِهِ: ﴿وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:
الأُولى: اسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعالى: قُلِ اللَّهُ في جَوابِ: أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً عَلى جَوازِ إطْلاقِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ تَعالى. وكَذا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فَإنَّ المُسْتَثْنى يَجِبُ أنْ يَدْخُلَ تَحْتَ المُسْتَثْنى مِنهُ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْءَ أعَمُّ العامِّ - كَما قالَ سِيبَوَيْهِ - لِوُقُوعِهِ عَلى كُلِّ ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ شُمُولَهُ حَتّى لِلْمُسْتَحِيلِ. وصَرَّحَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ بِأنَّهُ يَخْتَصُّ بِالمَوْجُودِ، وضَعَّفُوا مَن أطْلَقَهُ عَلى المَعْدُومِ، بِأنَّهُ مَحْجُوجٌ بِعَدَمِ اسْتِعْمالِ العَرَبِ ذَلِكَ، كَما عُلِمَ بِاسْتِقْراءِ كَلامِهِمْ، وبِنَحْوِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] (p-٢٢٦٦)إذِ المَعْدُومُ لا يَتَّصِفُ بِالهَلاكِ، وبِنَحْوِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] إذِ المَعْدُومُ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ التَّسْبِيحُ.
قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": هَذِهِ المَسْألَةُ مَعْدُودَةٌ مِن عِلْمِ الكَلامِ بِاعْتِبارِ ما، وأمّا هَذا البَحْثُ فَلُغَوِيٌّ، والتَّحاكُمُ فِيهِ لِأهْلِ اللُّغَةِ. وظاهِرُ قَوْلِهِمْ: غَضِبْتُ مِن لا شَيْءَ.
؎إذا رَأى غَيْرَ شَيْءٍ ظَنَّهُ رَجُلًا
أنَّ الشَّيْءَ لا يَنْطَلِقُ إلّا عَلى المَوْجُودِ، إذْ لَوْ كانَ الشَّيْءُ كُلَّ ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ عَدَمًا كانَ أوْ وُجُودًا، أوْ مُمْكِنًا أوْ مُسْتَحِيلًا، لَما صَدَقَ عَلى أمْرٍ ما أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والأمْرُ في ذَلِكَ قَرِيبٌ. انْتَهى.
(p-٢٢٦٧)هَذا، وتَمَسَّكَ مَن مَنَعَ إطْلاقَهُ عَلَيْهِ تَعالى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] والِاسْمُ إنَّما يَحْسُنُ لِحُسْنِ مُسَمّاهُ، وهو أنْ يَدُلَّ عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ، ونَعْتٍ مِن نُعُوتِ الجَلالِ. ولَفْظُ الشَّيْءِ أعَمُّ الأشْياءِ، فَيَكُونُ مُسَمّاهُ حاصِلًا في أحْسَنِ الأشْياءِ وفي أرْذَلِها. ومَتى كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنِ المُسَمّى بِهَذا اللَّفْظِ صِفَةً مِن صِفاتِ الكَمالِ، فَوَجَبَ أنْ لا نُجَوِّزَ دَعْوَةَ اللَّهِ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى، وقَدْ أمَرَ تَعالى بِأنْ يُدْعى بِها. وأُجِيبَ: بِأنَّ كَوْنَهُ لَيْسَ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى، لِكَوْنِها تَوْقِيفِيَّةً، وكَوْنَهُ لا يُدْعى بِهِ لِعَدَمِ وُرُودِهِ - لا يُنافِي شُمُولَهُ لِلَّذّاتِ العَلِيَّةِ، شُمُولَ العامِّ. والمُرادُ بِإطْلاقِهِ عَلَيْهِ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ شُمُولُهُ، لا تَسْمِيَتُهُ بِهِ. وبِالجُمْلَةِ: فَلا يَلْزَمُ أنَّ كَوْنَهُ لَيْسَ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى، أنْ لا يَشْمَلَ الذّاتَ المُقَدَّسَةَ شُمُولًا كُلِّيًّا، كَيْفَ؟ وهو المَوْضُوعاتُ العامَّةُ. والتَّحاكُمُ لِلُّغَوِيِّينَ في ذَلِكَ. كَما قَدَّمْنا.
الثّانِيَةُ: ما أسْلَفْناهُ مِن أنَّ المَعْنِيَّ بِالشَّهادَةِ هو شَهادَتُهُ تَعالى في ثُبُوتِ النُّبُوَّةِ لَهُ ﷺ، هو الَّذِي جَنَحَ إلَيْهِ الأكْثَرُ. وكَأنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ طَلَبُوا مِنهُ ﷺ شاهِدًا عَلى نُبُوَّتِهِ. فَقِيلَ لَهُمْ: أكْبَرُ شَيْءٍ شَهادَةً هو اللَّهُ تَعالى، وقَدْ شَهِدَ لِي بِالنُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ أوْحى إلَيَّ هَذا القُرْآنَ، وتَحَدّاكم بِمُعارَضَتِهِ، فَعَجَزْتُمْ، وأنْتُمْ أنْتُمْ في مَقامِ البَلاغَةِ. وإذْ كانَ مُعْجِزًا، كانَ إظْهارُهُ تَعالى إيّاهُ عَلى وفْقِ دَعْوايَ، شَهادَةً مِنهُ عَلى صِدْقِي في النُّبُوَّةِ.
ولِبَعْضِهِمْ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ المَعْنِيَّ، شَهادَتُهُ تَعالى في ثُبُوتِ وحْدانِيَّتِهِ، وتَنَزُّهِهِ عَنِ الأنْدادِ والأشْباهِ. ويُرَشِّحُهُ تَتِمَّةُ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ﴾ إلَخْ، وقَوْلُهُ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠]
(p-٢٢٦٨)مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّهادَةَ إنَّما عُنِيَ بِها -فِي مَوارِدِ التَّنْزِيلِ- ثُبُوتُ الوَحْدانِيَّةِ، والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّالِثَةُ: إنَّما اقْتَصَرَ عَلى الإنْذارِ في قَوْلِهِ: ﴿لأُنْذِرَكم بِهِ﴾ لِكَوْنِ الخِطابِ مَعَ كُفّارِ مَكَّةَ، ولَيْسَ فِيهِمْ مَن يُبَشَّرُ. أوِ اكْتَفى بِهِ عَنْ ذِكْرِ البِشارَةِ عَلى حَدِّ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]
الرّابِعَةُ: اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ عَلى أنَّهُ ﷺ مَبْعُوثٌ إلى النّاسِ كافَّةً، وإلى الجِنِّ.
الخامِسَةُ: اسْتُدِلَّ بِهِ أيْضًا عَلى أنَّ أحْكامَ القُرْآنِ تَعُمُّ المَوْجُودِينَ يَوْمَ نُزُولِهِ ومَن سَيُوجَدُ بَعْدُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، خَلا أنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ العِبارَةِ في الكُلِّ - عِنْدَ الحَنابِلَةِ - وبِالإجْماعِ عِنْدَنا في غَيْرِ المَوْجُودِينَ، وفي غَيْرِ المُكَلَّفِينَ يَوْمَئِذٍ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
السّادِسَةُ: رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن بَلَغَ﴾ مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ، فَكَأنَّما رَأى النَّبِيَّ ﷺ وكَلَّمَهُ. ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ فَقَدْ أبْلَغَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ.
(p-٢٢٦٩)ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««بَلِّغُوا عَنِ اللَّهِ، فَمَن بَلَغَتْهُ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ بَلَغَهُ أمْرُ اللَّهِ»» .
وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حُقَّ عَلى مَنِ اتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، أنْ يَدْعُوَ كالَّذِي دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأنْ يُنْذِرَ بِالَّذِي أنْذَرَ.
السّابِعَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ بِأعْظَمِ طُرُقِ البَيانِ، وأبْلَغِ وُجُوهِ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّ (إنَّما) تُفِيدُ الحَصْرَ، و(الواحِدُ) صَرِيحٌ في نَفْيِ الشُّرَكاءِ. ثُمَّ صَرَّحَ بِالبَراءَةِ عَنْ إثْباتِ الشُّرَكاءِ. وقَدِ اسْتَحَبَّ الشّافِعِيُّ لِمَن أسْلَمَ بَعْدَ إتْيانِهِ بِالشَّهادَتَيْنِ، أنْ يَتَبَرَّأ مَن كُلِّ دِينٍ سِوى دِينِ الإسْلامِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ عَقِبَ التَّصْرِيحِ بِالتَّوْحِيدِ.
6:20Page 130
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمُۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٠
Those to whom We have given the Scripture recognize it1 as they recognize their [own] sons. Those who will lose themselves [in the Hereafter] do not believe.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ والنَّصارى: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أيْ: يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِحِلْيَتِهِ ونَعْتِهِ الثّابِتِ في الكِتابَيْنِ: ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ بِحِلاهم ونُعُوتِهِمْ، لا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، ولا يَلْتَبِسُونَ بِغَيْرِهِمْ.
قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّهُ ﷺ ذُكِرَ في الكِتابِ نَعْتُهُ. وهُوَ، وإنْ لَمْ يُفِدْ تَعَيُّنَهُ بِاللَّوْنِ والشَّكْلِ والزَّمانِ والمَكانِ، تَعَيَّنَ بِقَرائِنِ المُعْجِزاتِ. فَبَقاءُ الِاحْتِمالِ البَعِيدِ فِيهِ، كَبَقائِهِ في الوَلَدِ، بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ ما ولَدَتْهُ امْرَأتُهُ، أوْ يَكُونُ مِنَ الفُجُورِ، مَعَ دَلالَةِ القَرائِنِ عَلى بَراءَتِها مِنَ التَّزْوِيرِ والفُجُورِ. فَهُوَ، كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم في ارْتِفاعِ الِاحْتِمالِ البَعِيدِ بِالقَرائِنِ عَلى بَراءَتِها.
(p-٢٢٧٠)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا اسْتِشْهادٌ لِأهْلِ مَكَّةَ بِمَعْرِفَةِ أهْلِ الكِتابِ، وبِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ إنْكارَهُ خُسْرانٌ لِما عَرَفُوهُ، ولِما أُمِرُوا بِالتَّدَيُّنِ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: بِهَذا الأمْرِ الجَلِيِّ الظّاهِرِ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ، ونَوَّهَتْ بِهِ؛ لِأنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ.
6:21Page 130
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢١
And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Indeed, the wrongdoers will not succeed.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ كَقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨]
(p-٢٢٧١)﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ أيِ: القُرْآنِ والمُعْجِزاتِ، حَيْثُ سَمَّوْها سِحْرًا. وإنَّما ذَكَرَ: أوْ مَعَ أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما وحْدَهُ بالِغٌ غايَةَ الإفْراطِ في الظُّلْمِ عَلى النَّفْسِ. فَكَيْفَ وهم وقَدْ جَمَعُوا بَيْنَهُما؟ فَأثْبَتُوا ما نَفاهُ اللَّهُ تَعالى، ونَفَوْا ما أثْبَتَهُ.
﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، ولا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ. وإذا كانَ حالُ الظّالِمِينَ هَذا، فَكَيْفَ بِمَن لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ؟
تَنْبِيهٌ:
ما ذَكَرْناهُ مِن كَوْنِ المَوْصُولِ كِنايَةً عَنِ المُشْرِكِينَ هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، والخِطابَ مَعَ مُشْرِكِي أهْلِها. وجَعَلَهُ البَيْضاوِيُّ لَهُمْ، ولِأهْلِ الكِتابِ، وُقُوفًا مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ، والمَهايِمِيُّ؛ لِأهْلِ الكِتابِ خاصَّةً، رَبْطًا لِلْآيَةِ بِما قَبْلَها. والظّاهِرُ الأوَّلُ، لِما قُلْنا. وعِبارَةُ المَهايِمِيِّ: الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِتَفْوِيتِ ما أُوتُوا مِنَ الكِتابِ، وما أُمِرُوا بِهِ، فَهم لا يُؤْمِنُونَ. وكَيْفَ لا يَخْسَرُونَ، وهم ظالِمُونَ، وكُلُّ ظالِمٍ خاسِرٌ؟ وإنَّما قُلْنا: إنَّهم ظالِمُونَ؛ لِأنَّهم يُحَرِّفُونَ كِتابَ اللَّهِ لَفْظًا أوْ مَعْنًى، فَيَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، ويُكَذِّبُونَ آياتِ اللَّهِ مِن كِتابِهِمْ، ومُعْجِزاتِ مُحَمَّدٍ ﷺ وكِتابَهُ. وقَدْ يَسْتُرُونَ بَعْضَ ما في كِتابِهِمْ، وهو أيْضًا تَكْذِيبٌ. فَعَلُوا جَمِيعَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَتَأتّى لَهم تَرْكُ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِدُونِ أحَدِ هَذِهِ الأُمُورِ.
وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ الآيَةَ. لِأنَّهم بِالتَّحْرِيفِ يَدَّعُونَ إلَهِيَّةَ أنْفُسِهِمْ، وبِالتَّكْذِيبِ يُرِيدُونَ تَعْجِيزَ اللَّهِ عَنْ تَصْدِيقِهِ الرُّسُلَ، ويَنْسُبُونَ إيجادَها إلى غَيْرِ اللَّهِ، مَعَ افْتِقارِها إلى القُدْرَةِ الكامِلَةِ. وإنَّما قُلْنا: كُلُّ ظالِمٍ خاسِرٌ؛ لِأنَّ كُلَّ ظالِمٍ لا يُفْلِحُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لا يُفْلِحُونَ في الدُّنْيا بِانْقِطاعِ الحُجَّةِ عَنْهُمْ، وظُهُورِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مُدَّعِيَ الرِّسالَةِ، لَوْ كانَ كاذِبًا كانَ مُفْتَرِيًا عَلى اللَّهِ، فَلا يَكُونُ مُفْلِحًا، فَلا يَكُونُ سَبَبًا لِصَلاحِ العالَمِ، ولا مَحَلًّا لِظُهُورِ المُعْجِزاتِ. انْتَهى.
6:22Page 130
وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَيۡنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٢٢
And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together; then We will say to those who associated others with Allāh, "Where are your 'partners' that you used to claim [with Him]?"
(p-٢٢٧٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أيِ: الإنْسَ والجِنَّ والشَّياطِينَ. مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ ﴿جَمِيعًا﴾ لِيَفْتَضِحَ مَن لا يُفْلِحُ مِنَ الظّالِمِينَ مَزِيدَ افْتِضاحٍ، ويَظْهَرُ المُفْلِحُونَ بِكَمالِ الإعْزازِ.
﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ أيْ: مَضَوْا عَلى الشِّرْكِ، بِأنْ ماتُوا عَلَيْهِ، وهُمُ الشّاهِدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ أيِ: الَّذِينَ جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَنا، وهم شُرَكاؤُكم في العُبُودِيَّةِ - كَذا قالَهُ المَهايِمِيُّ - وعَلَيْهِ، فالإضافَةُ عَلى بابِها.
وفِي "العِنايَةِ": الإضافَةُ فِيهِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ القاضِي بِقَوْلِهِ: أيْ: آلِهَتُكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ؛ لِأنَّهُ لا شَرِكَةَ بَيْنَهُمْ، وإنَّما سَمَّوْهم شُرَكاءَ، فَلِهَذِهِ المُلابَسَةِ أُضِيفُوا إلَيْهِمْ.
قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] يَقْتَضِي حُضُورَهم مَعَهم في المَحْشَرِ، و(أيْنَ) يُسْألُ بِها عَنْ غَيْرِ الحاضِرِ؟ أُجِيبَ بِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. أيْ: أيْنَ نَفْعُهم وشَفاعَتُهُمْ، أوْ أنَّهم بِمَنزِلَةِ الغُيَّبِ، لِعَدَمِ ما رَجَوْا مِنهم مِنَ الشَّفاعَةِ. وعَلى كُلٍّ، فالقَصْدُ مِنَ السُّؤالِ تَوْبِيخُهم وتَقْرِيعُهُمْ، وأنْ يُقَرَّرَ في نُفُوسِهِمْ أنَّ ما كانُوا يَرْجُونَهُ مَأْيُوسٌ مِنهُ. وذَلِكَ تَنْبِيهٌ لَهم في دارِ الدُّنْيا عَلى فَسادِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ: تَزْعُمُونَها شُرَكاءَ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم. أيْ: فَقَصَدْتُمْ بِذَلِكَ فِعْلَ الفاتِنِينَ في المَمْلَكَةِ بِجَعْلِها لِغَيْرِ مَن هي لَهُ.
6:23Page 130
ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ ٢٣
Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allāh, our Lord, we were not those who associated."
(p-٢٢٧٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣] ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أيْ: جَوابُ ما اعْتُرِضَ بِهِ عَلى فِتْنَتِهِمُ الَّتِي هي شَهادَةُ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى. وعَبَّرَ عَنْ جَوابِهِمْ بِالفِتْنَةِ؛ لِأنَّهُ كَذِبٌ. ﴿إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ اعْتَذَرُوا عَنْ أصْنامِهِمْ بِنَفْيِها مُؤَكَّدًا بِالقَسَمِ بِالِاسْمِ الجامِعِ، مَعَ نِسْبَةِ الرُّبُوبِيَّةِ إلَيْهِ تَعالى، لا إلى ما سِواهُ، مُبالَغَةً في التَّبَرُّؤِ مِنَ الإشْراكِ. فَكانَ هَذا العُذْرُ ذَنْبًا آخَرَ مُؤَكِّدًا لِافْتِرائِهِمْ بِالإشْراكِ الَّذِي نَفَوْهُ. كَما قالَ تَعالى:
6:24Page 130
ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤
See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤] ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: بِنَفْيِ الإشْراكِ عَنْها أمامَ عَلّامِ الغُيُوبِ، بِحَضْرَةِ مَن لا يَنْحَصِرُ مِنَ الشُّهُودِ: ﴿وضَلَّ﴾ أيْ: وكَيْفَ ضاعَ وغابَ: ﴿عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: مِنَ الشُّرَكاءِ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، فَفَقَدُوا ما رَجَوْا مِن شَفاعَتِها ونُصْرَتِها لَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ [الأعراف: ٣٧] فَ (ما) مَوْصُولَةٌ، كِنايَةً عَنِ الشُّرَكاءِ. وإيقاعِ الِافْتِراءِ عَلَيْها، مَعَ أنَّهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ عَلى أحْوالِها مِنَ الإلَهِيَّةِ، والشَّرِكَةِ والشَّفاعَةِ ونَحْوِها - لِلْمُبالَغَةِ في أمْرِها، كَأنَّها نَفْسُ المُفْتَرى.
(p-٢٢٧٤)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ جَوابِهِمْ بِالفِتْنَةِ هو الأظْهَرُ. فالمُرادُ: الجَوابُ بِما هو كَذِبٌ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ الفِتْنَةِ، فَتَجُوزُ بِها إطْلاقًا لِلْمُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ. وقِيلَ: الفِتْنَةُ بِمَعْنى العُذْرِ، لِأنَّها التَّخْلِيصُ مِنَ الغِشِّ لُغَةً، والعُذْرُ يُخَلِّصُ مِنَ الذَّنْبِ، فاسْتُعِيرَتْ لَهُ. وقِيلَ: بِمَعْنى الكُفْرِ؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ ما تَفْتَتِنُ بِهِ ويُعْجِبُكَ، وهم كانُوا مُعْجَبِينَ بِكُفْرِهِمْ مُفْتَخِرِينَ بِهِ، ويَظُنُّونَهُ شَيْئًا، فَلَمْ تَكُنْ عاقِبَتُهُ إلّا الخُسْرانَ، والتَّبَرُّؤَ مِنهُ، ولَيْسَ هَذا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، بَلْ جَعَلَ عاقِبَةَ الشَّيْءُ عَيْنَهُ، ادِّعاءً.
قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ حَسَنٌ في اللُّغَةِ، لا يَعْرِفُهُ إلّا مَن عَرَفَ مَعانِيَ الكَلامِ، وتَصَرُّفَ العَرَبِ في ذَلِكَ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَ المُشْرِكِينَ مَفْتُونِينَ بِشِرْكِهِمْ، مُتَهالِكِينَ عَلى حُبِّهِ، فَأعْلَمَ في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ لَمْ يَكُنِ افْتِتانُهم بِشِرْكِهِمْ، وإقامَتِهِمْ عَلَيْهِ، إلّا أنْ تَبَرَّؤُوا مِنهُ وتَباعَدُوا عَنْهُ، فَحَلَفُوا أنَّهم ما كانُوا مُشْرِكِينَ. ومِثالُهُ: أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا مَذْمُومَ الطَّرِيقَةِ، فَإذا وقَعَ في مِحْنَةٍ بِسَبَبِهِ تَبَرَّأ مِنهُ، فَيُقالُ: لَهُ ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنِ انْتَفَيْتَ مِنهُ.
قالَ الخَفاجِيُّ - بَعْدَ نَقْلِهِ ما ذُكِرَ -: ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ عِتابِكَ السَّيْفَ، ولا مِن تَقْدِيرِ المُضافِ، وإنْ صَحَّ فاحْفَظْهُ، فَإنَّهُ مِنَ البَدائِعِ الرَّوائِعِ.
الثّانِي: ما بَيَّناهُ مِن أنَّ (ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ، كِنايَةً عَنِ الشُّرَكاءِ، بِمَعْنى عَدَمِ إغْنائِها عَنْهم - هو المُوافِقُ لِلْآيَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي سُقْناها. وجُوِّزَ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً. أيِ: انْظُرْ كَيْفَ ذَهَبَ وزالَ عَنْهُمُ افْتِراؤُهم مِنَ الإشْراكِ، حَتّى نَفَوْا صُدُورَهُ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ، وتَبَرَّؤُوا مِنهُ بِالمَرَّةِ.
هَذا، وجَعَلَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": ضَلَّ بِمَعْنى سُلِبُوا عِلْمَهُ، فَكَأنَّهم نَسُوهُ وذَهَلُوهُ دَهَشًا. هو بَعِيدٌ لِعَدَمِ مُلاقاتِهِ لِلْآيَةِ الأُخْرى. والتَّنْزِيلُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وعِبارَتُهُ: (p-٢٢٧٥)فِي الآيَةِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ الإخْبارَ بِالشَّيْءِ عَلى خِلافِ ما هو بِهِ، كَذِبٌ، وإنْ لَمْ يَعْلَمِ المُخْبِرُ مُخالَفَةَ خَبَرِهِ بِمُخْبَرِهِ. ألا تَراهُ جَعَلَ إخْبارَهم وتَبِرِّيَهم كَذِبًا، مَعَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم ضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ. أيْ: سُلِبُوا عِلْمَهُ حِينَئِذٍ دَهَشًا وحَيْرَةً. فَلَمْ يَرْفَعْ ذَلِكَ إطْلاقَ الكَذِبِ عَلَيْهِمْ. انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُكَذِّبُوا حِينَ يَطَّلِعُونَ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ، وعَلى أنَّ الكَذِبَ والجُحُودَ لا وجْهَ لِمَنفَعَتِهِ؟
قُلْتُ: المُمْتَحَنُ يَنْطِقُ بِما يَنْفَعُهُ وبِما لا يَنْفَعُهُ، مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَهُما، حَيْرَةً ودَهَشًا، ألا تَراهم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ؟ وقَدْ أيَقْنُو بِالخُلُودِ، ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ.
وأمّا قَوْلُ مَن يَقُولُ: مَعْناهُ: ما كُنّا مُشْرِكِينَ عِنْدَ أنْفُسِنا، وما عَلِمْنا أنّا عَلى خَطَأٍ في مُعْتَقَدِنا، وحَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا - فَتَمَحُّلٌ وتَعَسُّفٌ وتَحْرِيفٌ لِأفْصَحِ الكَلامِ، إلى ما هو عِيٌّ وإفْحامٌ؛ لِأنَّ المَعْنى الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ، لَيْسَ هَذا الكَلامُ بِمُتَرْجِمٍ عَنْهُ، ولا مُنْطَبِقٍ عَلَيْهِ، وهو نابٍ عَنْهُ أشَدَّ النُّبُوِّ. وما أدْرِي ما يَصْنَعُ مَن ذَلِكَ تَفْسِيرُهُ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤] فَشُبِّهَ كَذِبُهم في الآخِرَةِ بِكَذِبِهِمْ في الدُّنْيا. انْتَهى.
والقَوْلُ المَذْكُورُ، والحَمْلُ الَّذِي ناقَشَ فِيهِ، أصْلُهُ لِأبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ والقاضِي. فَإنَّهُما (p-٢٢٧٦)ذَهَبا إلى أنَّ أهْلَ القِيامَةِ لا يَجُوزُ إقْدامُهم عَلى الكَذِبِ، واعْتَلّا بِوُجُوهٍ واهِيَةٍ ساقَها الرّازِيُّ. فَلْتُنْظَرْ ثَمَّتَ؛ فَإنّا لا نُسَوِّدُ وُجُوهَ صَحائِفِنا بِما فِيهِ تَحْكِيمُ العَقْلِ عَلى النَّقْلِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بَعْضَ ما كانَ يَصْدُرُ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ، مِمّا طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ:
6:25Page 130
وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٥
And among them are those who listen to you,1 but We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if they should see every sign, they will not believe in it. Even when they come to you arguing with you, those who disbelieve say, "This is not but legends of the former peoples."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾
﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ أيْ: يُصْغِي حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ، ولا يُجْزِئُ عَنْهُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ لا يَتَدَبَّرُ فِيهِ حَتّى يَطَّلِعَ عَلى إعْجازِهِ، ويُؤَثِّرَ فِيهِ الإرْشادُ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ: حِجابًا، جَمْعُ كِنانٍ، كَغِطاءٍ وأغْطِيَةٍ، لَفْظًا ومَعْنًى: ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: كَراهَةَ أنْ يَفْهَمُوا، بِبَواطِنِ قُلُوبِهِمْ، بَواطِنَهُ الَّتِي بِها إعْجازُهُ وإرْشادُهُ، بِإقامَةِ الدَّلائِلِ ورَفْعِ الشُّبَهِ. ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا في آذانِهِمْ، الَّتِي هي طَرِيقُ الوُصُولِ إلى بَواطِنِ القُلُوبِ، صَمَمًا مانِعًا مِن وُصُولِ السَّماعِ النّافِعِ. وقَدْ مَرَّ في أوَّلِ البَقَرَةِ تَحْقِيقُ ذَلِكَ. فَتَذَكَّرْ!
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَخْتَصُّ ما ذُكِرَ مِنهم بِالقُرْآنِ، لِرُؤْيَتِهِمْ قُصُورًا فِيهِ، بَلْ مَهْما يَرَوْا مِنَ الآياتِ والحُجَجِ مِمّا يَدُلُّ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ لا يُؤْمِنُوا بِها، وحَمَلُوها عَلى السِّحْرِ. لِفَرْطِ عِنادِهِمْ، واسْتِحْكامِ التَّقْلِيدِ فِيهِمْ، فَلا فَهْمَ عِنْدَهم ولا إنْصافَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]
﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ أيْ: بَلَغَ تَكْذِيبُهُمُ الآياتِ إلى أنَّهم إذا جاءُوكَ يُحاجُّونَكَ ويُناظِرُونَكَ في الحَقِّ بِالباطِلِ. ثُمَّ فَسَّرَ المُجادَلَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ (p-٢٢٧٧)أيْ: أباطِيلُهم وأحادِيثُهُمُ الَّتِي لا نِظامَ لَها. وعَدُّ أحْسَنِ الحَدِيثِ وأصْدَقِهِ، مِن قَبِيلِ الأباطِيلِ: لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ - رُتْبَةٌ مِنَ الكُفْرِ لا غايَةَ وراءَها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences