Al-QasimiAl‑An'am · 6:26–32

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:26–32

6:26Page 130

وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٢٦

And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦] ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾

﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ: لا يَقْنَعُونَ بِما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِهِ، بَلْ يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ اسْتِماعِهِ.

قالَ المَهايِمِيُّ: وهُمْ، لِرُؤْيَتِهِمْ حَلاوَةَ نَظْمِهِ فَوْقَ نَثِرِهِمْ وشِعْرِهِمْ، مَعَ مَتانَةِ مَعانِيهِ، يَعْرِفُونَ أنَّ التَّدَبُّرَ فِيهِ يُفِيدُ التَّطَلُّعَ عَلى إعْجازِهِ. فَيَخافُونَ تَأْثِيرَهُ في قُلُوبِ الخَلائِقِ. لِذَلِكَ يَنْهَوْنَ عَنْهُ. أيْ: عَنْ قِراءَتِهِ واسْتِماعِهِ؛ لِئَلّا يَدْعُوهم إلى التَّدَبُّرِ فِيهِ، فَيُفْسِدَ عَلَيْهِمْ أغْراضَهُمُ الفاسِدَةَ.

﴿ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ: يَتَباعَدُونَ عَنْهُ بِأنْفُسِهِمْ، إظْهارًا لِغايَةِ نُفُورِهِمْ عَنْهُ، وتَأْكِيدًا لِنَهْيِهِمْ عَنْهُ. فَإنَّ اجْتِنابَ النّاهِي عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ، مِن مُتَمِّماتِ النَّهْيِ. ولَعَلَّ ذَلِكَ هو السِّرُّ في تَأْخِيرِ (النَّأْيِ) عَنْ (النَّهْيِ) . أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

ولَمّا أشْعَرَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِمْ يَبْغُونَ الغَوائِلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ، خَوْفًا مِن قُوَّةِ تَأْثِيرِ التَّنْزِيلِ في القُلُوبِ، أتْبَعَهُ بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهم هَذا المَطْلُوبُ؛ لِأنَّ اللَّهَ مُتِمُّ نُورِهِ، ومُظْهِرُ دِينِهِ، وإنَّ الدّائِرَةَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَعْرِيضِها لِأشَدِّ العَذابِ عاجِلًا وآجِلًا: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: بِذَلِكَ.

تَنْبِيهٌ:

رَوى الحاكِمُ وغَيْرُهُ، عَنْ ثُلَّةٍ مِنَ التّابِعِينَ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ، كانَ يَنْهى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُؤْذى، ويَنْأى عَنْهُ فَلا يُؤْمِنُ بِهِ، وجَمْعِيَّتُهُ حِينَئِذٍ، بِاعْتِبارِ اسْتِتْباعِهِ لِأتْباعِهِ.

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّها نَزَلَتْ في عُمُومَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وكانُوا عَشَرَةً. (p-٢٢٧٨)فَكانُوا أشَدَّ النّاسِ مَعَهُ في العَلانِيَةِ، وأشَدَّهم عَلَيْهِ في السِّرِّ، ولا يَخْفى أنَّ لَفْظَ التَّنْزِيلِ مِمّا يَصْدُقُ عَلى ما ذُكِرَ ولا يُنافِيهِ، وهو المُرادُ بِالنُّزُولِ - كَما أسْلَفْنا مِرارًا - وقَدْ قالَ أبُو طالِبٍ يُخاطِبُ النَّبِيَّ ﷺ:

؎واللَّهِ لَنْ يُصْلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ حَتّى أُوَسَّدَ في التُّرابِ دَفِينا

؎فاصْدَعْ بِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ ∗∗∗ وابْشِرْ بِذاكَ وقَّرَ مِنهُ عُيُونا

؎ودَعَوْتَنِي وزَعَمْتَ أنَّكَ ناصِحٌ ∗∗∗ ولَقَدْ صَدَقْتَ وكُنْتَ ثَمَّ أمِينا

؎وعَرَضْتَ دِينًا لا مَحالَةَ أنَّهُ ∗∗∗ مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينا

؎لَوْلا المَلامَةُ أوْ حَذارِي سُبَّةً ∗∗∗ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذاكَ مُبِينا

وفِي (يَنْهَوْنَ) و(يَنْأوْنَ) تَجْنِيسٌ بَدِيعٌ.

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ، شَرَحَ كَيْفِيَّتَهُ مَعَ بَيانِ ما سَيَصْدُرُ عَنْهم في الآخِرَةِ. مِنَ القَوْلِ المُناقِضِ لِعَقْدِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

6:27Page 130

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يَٰلَيۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٧

If you could but see when they are made to stand before the Fire and will say, "Oh, would that we could be returned [to life on earth] and not deny the signs of our Lord and be among the believers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٧] ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾

﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ أيِ: اطَّلَعُوا عَلَيْها فَعايَنُوها. يُقالُ: وقَفَ فُلانًا عَلى ذَنْبِهِ: أطْلَعَهُ عَلَيْهِ. أوْ أُدْخِلُوها فَعَرَفُوا ما فِيها مِنَ العَذابِ. يُقالُ: وقَفْتُ عَلى ما عِنْدَ فُلانٍ، تُرِيدُ: فَهِمْتُهُ وتَبَيَّنْتُهُ. والوَقْفُ عَلَيْهِ مَجازِيٌّ، أوْ هو حَقِيقِيٌّ بِمَعْنى القِيامِ. و(عَلى) إمّا عَلى حَقِيقَتِها. أيْ: أُقِيمُوا واقِفِينَ فَوْقَ النّارِ عَلى الصِّراطِ، وهو جِسْرٌ فَوْقَ جَهَنَّمَ. أوْ هي بِمَعْنى (فِي)، أيْ: أُقِيمُوا في جَوْفِ النّارِ وغاصُوا فِيها، وهي مُحِيطَةٌ بِهِمْ. وصَحَّحَ مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ حِينَئِذٍ كَوْنُ النّارِ دَرَكاتٍ وطَبَقاتٍ، بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.

(p-٢٢٧٩)﴿فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ تَمَنَّوُا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا، حِينَ لا رُجُوعَ، واعِدِينَ أنْ لا يُكَذِّبُوا بِما جاءَهُمْ، وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ: بِآياتِهِ، العامِلِينَ بِمُقْتَضاها، حَتّى لا نَرى هَذا المَوْقِفَ الهائِلَ. أوْ مِن فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ النّاجِينَ مِنَ العَذابِ، الفائِزِينَ بِحُسْنِ المَآبِ.

تَنْبِيهٌ:

جَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ، تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ، وتَعْظِيمًا لِلشَّأْنِ، وجازَ حَذْفُهُ لِعِلْمِ المُخاطَبِ بِهِ. وأشْباهُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ والشِّعْرِ. ولَوْ قَدَّرْتَ الجَوابَ. كانَ التَّقْدِيرُ: لَرَأيْتَ سُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ. وحَذْفُ الجَوابِ في ذَلِكَ أبْلَغُ في المَعْنى مِن إظْهارِهِ؛ ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ لِغُلامِكَ: واللَّهِ لَئِنْ قُمْتُ إلَيْكَ. وسَكَتَّ عَنِ الجَوابِ، ذَهَبَ بِفِكْرِهِ إلى أنْواعِ المَكْرُوهِ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ والكَسْرِ، وعَظُمَ الخَوْفُ، ولَمْ يَدْرِ أيَّ الأقْسامِ تَبْغِي. ولَوْ قُلْتَ: لِأضْرِبَنَّكَ، فَأتَيْتَ بِالجَوابِ لِأمِنَ غَيْرَ الضَّرْبِ، ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ نَوْعٌ مِنَ المَكْرُوهِ سِواهُ. فَثَبَتَ أنَّ حَذْفَ الجَوابِ أقْوى تَأْثِيرًا في حُصُولِ الخَوْفِ - أفادَهُ الرّازِيُّ - ومُلَخَّصُهُ: أنَّ حَذْفَ الجَوابِ ثِقَةً بِظُهُورِهِ، وإيذانًا بِقُصُورِ العِبارَةِ عَنْ تَفْصِيلِهِ.

6:28Page 131

بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٢٨

But what they concealed before has [now] appeared to them. And even if they were returned, they would return to that which they were forbidden; and indeed, they are liars.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٨] ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾

﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ إضْرابٌ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَمَنِّيهِمُ الباطِلُ مِنَ الوَعْدِ، بِالتَّصْدِيقِ والإيمانِ، أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ عَنْ عَزْمٍ صَحِيحٍ، وخُلُوصِ اعْتِقادٍ، بَلْ هو بِسَبَبٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ ظَهَرَ لَهم ما كانُوا يَكْتُمُونَ في أنْفُسِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والشِّرْكِ، بِقَوْلِهِمْ: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ، وعَرَفُوا أنَّهم هالِكُونَ بِشِرْكِهِمْ، فَتَمَنَّوْا لِذَلِكَ. (p-٢٢٨٠)أوْ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، أوْ ما كانُوا يَكْتُمُونَ في أنْفُسِهِمْ في الدُّنْيا مِن صِدْقِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وإنْ كانُوا يُظْهِرُونَ لِأتْباعِهِمْ خِلافَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ مُوسى أنَّهُ قالَ لِفِرْعَوْنَ: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْـزَلَ هَؤُلاءِ إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] الآيَةَ. - وقَوْلِهِ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] أوْ هَذِهِ الآيَةُ إخْبارٌ عَنْ حالِ المُنافِقِينَ، وأنَّهُ يَظْهَرُ نِفاقُهُمُ الَّذِي كانُوا يُسِرُّونَهُ. ولا يُنافِي هَذا كَوْنَ السُّورَةِ مَكِّيَّةً، والنِّفاقُ إنَّما كانَ مِن بَعْضِ أهْلِ المَدِينَةِ، ومَن حَوْلَها مِنَ الأعْرابِ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ وُقُوعَ النِّفاقِ في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ وهي (العَنْكَبُوتُ) فَقالَ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ [العنكبوت: ١١] هَذا ما ذَكَرُوهُ مِمّا يُمْكِنُ تَنْزِيلُ اللَّفْظِ الكَرِيمِ عَلَيْهِ لِعُمُومِهِ. وقَدْ ناقَشَ في ذَلِكَ كُلِّهِ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ، واعْتَمَدَ أنَّ المُرادَ بِ (ما كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُّنْيا) النّارُ الَّتِي وُقِفُوا عَلَيْها؛ إذْ هي الَّتِي سِيقَ الكَلامُ لِتَهْوِيلِ أمْرِها، والتَّعْجِيبِ مِن فَظاعَةِ حالِ المَوْقُوفِينَ عَلَيْها، و(بِإخْفائِها) تَكْذِيبُهم بِها، فَإنَّ التَّكْذِيبَ بِالشَّيْءِ كُفْرٌ بِهِ، وإخْفاءٌ لَهُ لا مَحالَةَ. وإيثارٌ عَلى صَرِيحِ التَّكْذِيبِ الوارِدِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] مَعَ كَوْنِهِ أنْسَبَ بِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِمْ: (p-٢٢٨١)﴿ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ [الأنعام: ٢٧] لِمُراعاةِ ما في مُقابَلَتِهِ مِنَ البُدُوِّ. هَذا هو الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ.

ثُمَّ قالَ في الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ: إنَّهُ بَعْدَ الإغْضاءِ عَمّا في كُلٍّ مِنها مِنَ الِاعْتِسافِ والِاخْتِلالِ، لا سَبِيلَ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا. لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ سَوْقَ النَّظْمِ الشَّرِيفِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ النّارِ، وتَفْظِيعِ حالِ أهْلِها، وقَدْ ذُكِرَ وُقُوفُهم عَلَيْها، وأُشِيرَ إلى أنَّهُ اعْتَراهم عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الخَوْفِ والخَشْيَةِ والحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ. ورَتَّبَ عَلَيْهِ تَمَنِّيَهُمُ المَذْكُورَ بِ (الفاءِ) القاضِيَةِ بِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها، فَإسْقاطُ النّارِ بَعْدَ ذَلِكَ مِن تِلْكَ السَّبَبِيَّةِ، وهي نَفْسُها أدْهى الدَّواهِي، وأزْجَرُ الزَّواجِرِ، وإسْنادُها إلى شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ الَّتِي دُونَها في الهَوْلِ والزَّجْرِ، مَعَ عَدَمِ جَرَيانِ ذِكْرِها، ثَمَّةَ - أمْرٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ جَزاءُ ما كانُوا يُخْفُونَ، فَمِن قَبِيلِ دُخُولِ البُيُوتِ مِن ظُهُورِها، وأبْوابُها مَفْتُوحَةٌ. فَتَأمَّلْ.

أقُولُ: لا رَيْبَ في بَلاغَةِ ما قَرَّرَهُ ونَفاسَتِهِ، لَوْلا تَكَلُّفُهُ حَمْلَ الإخْفاءِ عَلى ما ذَكَرَهُ، مِمّا هو غَيْرُ ظاهِرٍ فِيهِ، ولَيْسَ لَهُ نَظائِرُ في التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ. فَمَجازِيَّتُهُ حِينَئِذٍ مِن قِبَلِ المُعَمّى. وفي الوُجُوهِ الأُوَلِ إبْقاؤُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ بِلا تَكَلُّفٍ، وشُمُولُهُ لَها - غَيْرُ بَعِيدٍ؛ لِأنَّ في كُلٍّ مِنها ما يُؤَيِّدُهُ، كَما بَيَّنّاهُ. غايَةُ الأمْرِ أنَّ ما قَرَّرَهُ وجْهٌ مِنها بَدِيعٌ. وأمّا كَوْنُهُ المُرادَ لا غَيْرُ، فَدُونَهُ خَرْطُ القَتادِ - واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ -.

﴿ولَوْ رُدُّوا﴾ أيْ: عَنْ مَوْقِفِهِمْ ذَلِكَ إلى الدُّنْيا كَما تَمَنَّوْهُ، وغابَ عَنْهم ما شاهَدُوهُ مِنَ الأهْوالِ: ﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ مِنَ الكُفْرِ والشِّرْكِ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في وعْدِهِمْ بِالإيمانِ، أوْ دَيْدَنُهُمُ الكَذِبُ في أحْوالِهِمْ.

6:29Page 131

وَقَالُوٓاْ إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٢٩

And they say, "There is none but our worldly life, and we will not be resurrected."

(p-٢٢٨٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٩] ﴿وقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾

﴿وقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى (لَعادُوا) أوِ اسْتِئْنافٌ ﴿إنْ هِيَ﴾ أيْ: ما الحَياةُ، فالضَّمِيرُ لِما بَعْدَهُ ﴿إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ لِأيَّ: لَيْسَتِ الحَياةُ الَّتِي يُتَوَهَّمُ فِيها البَعْثُ، والَّتِي يُتَوَهَّمُ فِيهِ الرَّدُّ إلّا حَياتُنا الأُولى: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أيْ: بَعْدَ مُفارَقَتِنا هَذِهِ الحَياةَ.

6:30Page 131

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ قَالَ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٠

If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment for what you used to deny."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٠] ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾

﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ قالَ الجَلالُ: أيْ: عُرِضُوا عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وُقِفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿قالَ ألَيْسَ هَذا﴾ أيِ: المَعادُ: ﴿بِالحَقِّ﴾ تَقْرِيعًا لَهُمْ، ورَدًّا لِما يَتَوَهَّمُونَ عِنْدَ الرَّدِّ: ﴿قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ أيْ: إنَّهُ لَحَقٌّ، ولَيْسَ بِباطِلٍ، كَما كُنّا نَظُنُّ. أكَّدُوا اعْتِرافَهم بِاليَمِينِ إظْهارًا لِكَمالِ يَقِينِهِمْ بِحَقِّيَّتِهِ، وإيذانًا بِصُدُورِ ذَلِكَ عَنْهم بِالرَّغْبَةِ والنَّشاطِ، طَمَعًا في نَفْعِهِ ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾

6:31Page 131

قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١

Those will have lost who deny the meeting with Allāh, until when the Hour [of resurrection] comes upon them unexpectedly, they will say, "Oh, [how great is] our regret over what we neglected concerning it [i.e., the Hour]," while they bear their burdens [i.e., sins] on their backs. Unquestionably, evil is that which they bear.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣١] ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِبُلُوغِ الآخِرَةِ وما يَتَّصِلُ بِها، أوْ هو مُجْرًى عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ مُنْكِرَ البَعْثِ مُنْكِرٌ لِلرُّؤْيَةِ - قالَهُ النَّسَفِيُّ - والثّانِي هو الصَّوابُ، وإنِ (p-٢٢٨٣)اقْتَصَرَ كَثِيرُونَ عَلى الأوَّلِ، وجَعَلُوهُ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً لِحالِهِمْ بِحالِ عَبْدٍ قَدِمَ عَلى سَيِّدِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ، وقَدِ اطَّلَعَ السَّيِّدُ عَلى أحْوالِهِ. فَإمّا أنْ يَلْقاهُ بِبِشْرٍ لِما يَرْضى مِن أفْعالِهِ، أوْ بِسُخْطٍ لِما يَسْخَطُ مِنها - فَإنَّهُ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، ولا عُدُولَ إلى المَجازِ ما أمْكَنَتِ الحَقِيقَةُ.

وفِي كَلامِ النَّسَفِيِّ إشْعارٌ بِأنَّ اللِّقاءَ مَعْناهُ الرُّؤْيَةُ، وهو ما في القامُوسِ. قالَ شارِحُهُ الزُّبَيْدِيُّ: وهو مِمّا نَقَدُوهُ، وأطالُوا فِيهِ البَحْثَ، ومَنَعُوهُ. وقالُوا: لا يَلْزَمُ مِنَ الرُّؤْيَةِ اللُّقِيُّ، كالعَكْسِ.

وقالَ الرّاغِبُ: هو مُقابَلَةُ الشَّيْءِ ومُصادَفَتُهُ مَعًا، ويُعَبَّرُ بِهِ عَنْ كُلٍّ مِنهُما. ويُقالُ ذَلِكَ في الإدْراكِ بِالحِسِّ والبَصَرِ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الخَفاجِيُّ في "العِنايَةِ": قِيلَ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ نَظَمَ أبْياتًا عَلى وفْقِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي مَعْناها وهِيَ:

؎زَعَمَ المُنَجِّمُ والطَّبِيبُ، كِلاهُما لا تُحْشَرُ الأجْسادُ قُلْتُ إلَيْكُما

؎إنْ صَحَّ قَوْلُكُما فَلَسْتُ بِخاسِرٍ ∗∗∗ أوْ صَحَّ قَوْلِي، فالخَسارُ عَلَيْكُما

قالَ الخَفاجِيُّ: لا أدْرِي مِن أيِّهِما أعْجَبُ؟ الرِّوايَةُ أمِ الدِّرايَةُ؟ فَإنَّ هَذا الشِّعْرَ لِأبِي العَلاءِ المَعَرِّيِّ في دِيوانِهِ وهُوَ:

؎قالَ المُنَجِّمُ والطَّبِيبُ، كِلاهُما: ∗∗∗ لا تُحْشَرُ الأجْسادُ. قُلْتُ: إلَيْكُما

؎إنْ صَحَّ قَوْلُكُما فَلَسْتُ بِخاسِرٍ ∗∗∗ أوْ صَحَّ قَوْلِي، فالخَسارُ عَلَيْكُما

؎أضْحى التُّقى والشَّرُّ يَصْطَرِعانِ في الدُّ ∗∗∗ نْيا. فَأيُّهُما أبَرُّ لَدَيْكُما

؎طَهَّرْتُ ثَوْبِي لِلصَّلاةِ وقَبْلَهُ ∗∗∗ جَسَدِي فَأيْنَ الطُّهْرُ مِن جَسَدَيْكُما

؎وذَكَرْتُ رَبِّي في الضَّمائِرِ مُؤْنِسًا ∗∗∗ خَلَدِي بِذاكَ، فَأوْحِشا خَلَدَيْكُما

؎(p-٢٢٨٤)وبَكَرْتُ في البَرْدَيْنِ أبْغِي رَحْمَةً ∗∗∗ مِنهُ، ولا تَرِعانِ في بَرْدَيْكُما

؎إنْ لَمْ تَعُدْ بِيَدِي مَنافِعُ بِالَّذِي ∗∗∗ آتِي، فَهَلْ مِن عائِدٍ بِيَدَيْكُما

؎بُرْدُ التَّقِيِّ، وإنْ تَهَلْهَلَ نَسْجُهُ ∗∗∗ خَيْرٌ، بِعِلْمِ اللَّهِ، مِن بُرْدَيْكُما

قالَ ابْنُ السَّيِّدِ في "شَرْحِهِ". هَذا مَنظُومٌ مِمّا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ قالَ لِبَعْضٍ مَن تَشَكَّكَ في البَعْثِ والآخِرَةِ: إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ مِن أنَّهُ لا قِيامَةَ، فَقَدْ تَخَلَّصْنا جَمِيعًا، وإنْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَما تَقُولُ، فَقَدْ تَخَلَّصْنا وهَلَكْتَ. فَذَكَرُوا أنَّهُ ألْزَمَهُ فَرَجَعَ عَنِ اعْتِقادِهِ. وهَذا الكَلامُ، وإنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الشَّكِّ. فَإنَّما هو تَقْرِيرٌ لِلْمُخاطَبِ عَلى خِطابِهِ، وقِلَّةِ أخْذِهِ بِالنَّظَرِ والِاحْتِياطِ لِنَفْسِهِ. مَعَ أنَّ المُناظِرَ عَلى ثِقَةٍ مِن أمْرِهِ، وهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ الجَدَلِ.

وقَوْلُهُ: (إلَيْكُما) كَلِمَةٌ يُرادُ بِها الرَّدْعُ والزَّجْرُ. ومَعْناها: كُفّا عَمّا تَقُولانِ، وحَقِيقَتُهُ: قَوْلُكُما مَصْرُوفٌ لَكُما، لا حاجَةَ لِي بِهِ. انْتَهى.

ومَن لَهُ مَعْرِفَةٌ بِقَرْضِ الشِّعْرِ، يَعْلَمُ أنَّهُ شِعْرٌ مُوَلَّدٌ.

ثُمَّ نَبَّهَ الخَفاجِيُّ عَلى أنَّ هَذا النَّوْعَ يُسَمّى اسْتِدْراجًا.

قالَ في "المَثَلِ السّائِرِ": الِاسْتِدْراجُ نَوْعٌ مِنَ البَلاغَةِ اسْتَخْرَجْتُهُ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وهو مُخادَعاتُ الأقْوالِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ مُخادَعاتِ الأفْعالِ، يُسْتَدْرَجُ الخَصْمُ حَتّى يَنْقادَ ويُذْعِنَ، (p-٢٢٨٥)وهُوَ قَرِيبٌ مِنَ المُغالَطَةِ، ولَيْسَ مِنها. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكم وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] ألا تَرى لُطْفَ احْتِجاجِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّقْسِيمِ بِقَوْلِهِ: [ إنْ يَكُ كاذِبًا فَكَذِبُهُ عائِدٌ عَلَيْهِ، وإنْ يَصْدُقْ يُصِبْكم بَعْضُ ما وعَدَكم بِهِ ]، فَفِيهِ مِنَ الإنْصافِ والأدَبِ ما لا يَخْفى. فَإنَّهُ نَبِيٌّ صادِقٌ، فَلا بُدَّ أنْ يُصِيبَهم كُلُّ ما وعَدَ بِهِ، لا بَعْضُهُ، لَكِنَّهُ أتى بِما هو أذْعَنُ لِتَسْلِيمِهِمْ وتَصْدِيقِهِمْ، لِما فِيهِ مِنَ المُلاطَفَةِ في النُّصْحِ، بِكَلامٍ مُنْصِفٍ غَيْرِ مُشْتَطٍّ مُشَدَّدٍ. أراهم أنَّهُ لَمْ يُعْطِهِ حَقَّهُ، ولَمْ يَتَعَصَّبْ لَهُ، ويُحامِ عَنْهُ، حَتّى لا يَنْفِرُوا عَنْهُ. ولِذا قَدَّمَ قَوْلَهُ: كاذِبًا، ثُمَّ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي إلَخْ، يَعْنِي: أنَّهُ نَبِيٌّ عَلى الهُدى، ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ما آتاهُ اللَّهُ النُّبُوَّةَ وعَضَّدَهُ. وفِيهِ مِن خِداعِ الخَصْمِ واسْتِدْراجِهِ ما لا يَخْفى. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أيْ: جاءَتْهُمُ القِيامَةُ فَجْأةً. وسُمِّيَتِ القِيامَةُ (ساعَةً)؛ لِأنَّها تَفْجَأُ النّاسَ بَغْتَةً في ساعَةٍ لا يَعْلَمُها أحَدٌ إلّا هو تَعالى. والمَعْنى: جاءَتْهم مَنِيَّتُهم. عَلى أنَّ المُرادَ بِالسّاعَةِ، الصُّغْرى. قالَ الرّاغِبُ: السّاعَةُ الكُبْرى بَعْثُ النّاسِ لِلْمُحاسَبَةِ، والصُّغْرى مَوْتُ الإنْسانِ، فَساعَةُ كُلِّ إنْسانٍ مَوْتُهُ، وهي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ الحَشْرَ يَنالُ الإنْسانَ عِنْدَ مَوْتِهِ. انْتَهى. (وبَغْتَةً) مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُباغَتَةً، أوْ مَصْدَرٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ: تَبْغَتُهم. أوْ لِلْمَذْكُورِ. فَإنَّ (جاءَتْهُمْ)، بِمَعْنى (بَغَتَتْهُمْ).

(p-٢٢٨٦)﴿قالُوا﴾ يَعْنِي: مُنْكِرِي البَعْثِ، وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ، ومَن سَلَكَ سَبِيلَهم في الكُفْرِ والِاعْتِقادِ: ﴿يا حَسْرَتَنا﴾ أيْ: يا نَدامَتَنا! والحَسْرَةُ: التَّلَهُّفُ عَلى الشَّيْءِ الفائِتِ. وذُكِرَتْ عَلى وجْهِ النِّداءِ لِلْمُبالَغَةِ. والمُرادُ: تَنْبِيهُ المُخاطَبِينَ عَلى ما وقَعَ بِهِمْ مِنَ الحَسْرَةِ ﴿عَلى ما فَرَّطْنا﴾ أيْ: قَصَّرْنا: ﴿فِيها﴾ أيْ: في الحَياةِ الدُّنْيا. أُضْمِرَتْ وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُها، لِلْعِلْمِ بِها، أيْ: عَلى ما ضَيَّعْنا فِيها؛ إذْ لَمْ نَكْتَسِبْ مِنَ الِاعْتِقاداتِ والأخْلاقِ والأعْمالِ ما يُنْجِينا، أوِ الضَّمِيرُ لِلسّاعَةِ، أيْ: عَلى ما فَرَّطْنا في شَأْنِها، ومُراعاةِ حَقِّها، والِاسْتِعْدادِ لَها، وبِالإيمانِ بِها، واكْتِسابِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الصَّفْقَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: قَدْ خَسِرَ إلَخْ. إذِ الخُسْرانُ لا يَكُونُ إلّا في صَفْقَةِ بَيْعٍ قَدْ جَرَتْ. قالَ: والمَعْنى قَدْ وُكِسَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ، بِبَيْعِهِمُ الإيمانَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مِنَ اللَّهِ رِضْوانَهُ وجَنَّتَهُ، بِالكُفْرِ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مِنهُ سُخْطَهُ وعُقُوبَتَهُ. ولا يَشْعُرُونَ ما عَلَيْهِمْ مِنَ الخُسْرانِ في ذَلِكَ. حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ. فَإذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً، فَرَأوْا ما لَحِقَهم مِنَ الخُسْرانِ في بَيْعِهِمْ، قالُوا حِينَئِذٍ تَنَدُّمًا: يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ: قالُوا، فائِدَتُهُ الإيذانُ بِأنَّ عَذابَهم لَيْسَ مَقْصُورًا عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الحَسْرَةِ عَلى ما فاتَ وزالَ، بَلْ يُقاسُونَ -مَعَ ذَلِكَ- تَحَمُّلَ الأوْزارِ الثِّقالِ. والإيماءُ إلى أنَّ تِلْكَ الحَسْرَةَ مِنَ الشِّدَّةِ، بِحَيْثُ لا تَزُولُ ولا تُنْسى بِما يُكابِدُونَهُ مِن فُنُونِ العُقُوباتِ. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.

والأوْزارُ: جَمْعُ وِزْرٍ، وهو في الأصْلِ: الحِمْلُ الثَّقِيلُ، سُمِّيَ بِهِ الذَّنْبُ لِثِقَلِهِ عَلى صاحِبِهِ. قِيلَ: جَعَلَها مَحْمُولَةً عَلى الظُّهُورِ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً، مِثْلَ لُزُومِها لَهُمْ، عَلى وجَهٍ لا يُفارِقُهُمْ، بِذَلِكَ. وخَصَّ الظَّهْرَ؛ لِأنَّهُ المَعْهُودُ حَمْلُ الأثْقالِ عَلَيْهِ. كَما عُهِدَ الكَسْبُ بِالأيْدِي.

(p-٢٢٨٧)وقِيلَ: هو حَقِيقَةٌ، لِما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ مِن رَجُلٍ ظالِمٍ يَمُوتُ فَيَدْخُلُ قَبْرَهُ، إلّا جاءَهُ رَجُلٌ قَبِيحُ الوَجْهِ، أسْوَدُ اللَّوْنِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، عَلَيْهِ ثِيابٌ دَنِسَةٌ، حَتّى يَدْخُلَ مَعَهُ قَبْرَهُ. فَإذا رَآهُ قالَ لَهُ: ما أقْبَحَ وجْهَكَ! قالَ: كَذَلِكَ كانَ عَمَلُكَ قَبِيحًا. قالَ: ما أنْتَنَ رِيحَكَ! قالَ: كَذَلِكَ كانَ عَمَلُكَ مُنْتِنًا. قالَ: ما أدْنَسَ ثِيابَكَ! قالَ فَيَقُولُ: إنَّ عَمَلَكَ كانَ دَنِسًا. قالَ مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا عَمَلُكَ. قالَ: فَيَكُونُ مَعَهُ في قَبْرِهِ. فَإذا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ قالَ لَهُ: إنِّي كُنْتُ أحْمِلُكَ في الدُّنْيا بِاللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، وأنْتَ اليَوْمُ تَحْمِلُنِي. قالَ: فَيَرْكَبُ عَلى ظَهْرِهِ فَيَسُوقُهُ، حَتّى يُدْخِلَهُ النّارَ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم يَحْمِلُونَ﴾ الآيَةَ..

قالَ الخَفاجِيُّ: ولَعَلَّ هَذا تَمْثِيلٌ أيْضًا. وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: مَن قالَ بِالمِيزانِ، واعْتَقَدَ وزْنَ الأعْمالِ، لا يَقُولُ إنَّهُ تَمْثِيلٌ. انْتَهى.

﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ أيْ: بِئْسَ ما يَحْمِلُونَهُ.

6:32Page 131

وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٣٢

And the worldly life is not but amusement and diversion; but the home of the Hereafter is best for those who fear Allāh, so will you not reason?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٢] ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ﴾ أيْ: هَزْلٌ، وعَمَلٌ لا يُجْدِي نَفْعًا: ﴿ولَهْوٌ﴾ أيِ: اشْتِغالٌ بِهَوًى وطَرَبٍ، وما لا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وما يَشْغَلُ الإنْسانَ عَمّا يُهِمُّهُ مِمّا يَلْتَذُّ بِهِ ثُمَّ يَنْقَضِي.

﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ لِدَوامِها، وخُلُوصِ مَنافِعِها ولَذّاتِها عَنِ المَضارِّ والآلامِ.

﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ذَلِكَ حَتّى تَتَّقُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، ولا تُؤْثِرُونَ الأدْنى الفانِيَ، عَلى الأعْلى الباقِي.

وهَهُنا (p-٢٢٨٨)لَطائِفُ:

الأُولى: قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ تَعْظُمُ رَغْبَتُهم في الدُّنْيا، وتَحْصِيلِ لَذّاتِها. فَذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ تَنْبِيهًا عَلى خَساسَتِها ورَكاكَتِها. واعْلَمْ أنَّ نَفْسَ هَذِهِ الحَياةِ لا يُمْكِنُ ذَمُّها؛ لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ العاجِلَةَ، لا يَصِحُّ اكْتِسابُ السِّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ إلّا فِيها. فَلِهَذا السَّبَبِ حَصَلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ حَياةُ الكافِرِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حَياةَ أهْلِ الشِّرْكِ والنِّفاقِ. والسَّبَبُ في وصْفِ حَياةِ هَؤُلاءِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، أنَّ حَياةَ المُؤْمِنِ يَحْصُلُ فِيها أعْمالٌ صالِحَةٌ، فَلا تَكُونُ لَعِبًا ولَهْوًا.

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ هَذا عامٌّ في حَياةِ المُؤْمِنِ والكافِرِ. والمُرادُ مِنهُ: اللَّذّاتُ الحاصِلَةُ في هَذِهِ الحَياةِ، والطَّيِّباتُ المَطْلُوبَةُ في هَذِهِ الحَياةِ، وإنَّما سَمّاها (اللَّعِبَ واللَّهْوَ) لِأنَّ الإنْسانَ، حالَ اشْتِغالِهِ بِاللَّعِبِ واللَّهْوِ، يَلْتَذُّ بِهِ. ثُمَّ عِنْدَ انْقِراضِهِ وانْقِضائِهِ لا يَبْقى مِنهُ إلّا النَّدامَةُ. فَذَلِكَ هَذِهِ الحَياةُ، لا يَبْقى عِنْدَ انْقِراضِها إلّا الحَسْرَةُ والنَّدامَةُ.

الثّانِيَةُ: قالَ الخَفاجِيُّ: جَمَعَ اللَّهْوَ واللَّعِبَ في آياتٍ. فَتارَةً يُقَدِّمُ اللَّعِبَ، كَما هُنا. وتارَةً قَدَّمَ اللَّهْوَ كَما في العَنْكَبُوتِ. ولِهَذا التَّفَنُّنِ نُكْتَةٌ مَذْكُورَةٌ في "دُرَّةِ التَّأْوِيلِ" مُلَخَّصًا: أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ، مَعَ اشْتِراكِهِما في أنَّهُما الِاشْتِغالُ بِما لا يَعْنِي العاقِلَ ويُهِمُّهُ مِن هَوٍى أوْ طَرَبٍ، سَواءٌ كانَ حَرامًا أمْ لا، أنَّ اللَّهْوَ أعَمُّ مِنَ اللَّعِبِ، فَكُلُّ لَعِبٍ لَهْوٌ، ولا عَكْسَ. فاسْتِماعُ المَلاهِي لَهْوٌ، ولَيْسَ بِلَعِبٍ. وقَدْ فَرَّقُوا بِبَيْنِهِما أيْضًا بِأنَّ اللَّعِبَ ما قُصِدَ بِهِ تَعْجِيلُ المَسَرَّةِ، والِاسْتِرْواحُ بِهِ، واللَّهْوُ كُلُّ ما شَغَلَ مِن هَوًى وطَرَبٍ، وإنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ (p-٢٢٨٩)ذَلِكَ، كَما نُقِلَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ، قالُوا: واللَّهْوُ، إذا أُطْلِقَ، فَهو اجْتِلابُ المَسَرَّةِ بِالنِّساءِ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

؎ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي كَبِرْتُ وأنْ لا يُحْسِنَ اللَّهْوَ أمْثالِي

وقالَ قَتادَةُ: اللَّهْوُ، في لُغَةِ اليَمَنِ (المَرْأةُ). وقِيلَ: اللَّعِبُ طَلَبُ: المَسَرَّةِ والفَرَحِ بِما لا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَبَ بِهِ. واللَّهْوُ: صَرْفُ الهَمِّ بِما لا يَصْلُحُ أنْ يُصْرَفَ بِهِ.

ولَمّا كانَتِ الآيَةُ رَدًّا عَلى الكَفَرَةِ في إنْكارِ الآخِرَةِ، وحَصْرِ الحَياةِ في الحَياةِ الدُّنْيا، ولَيْسَ في اعْتِقادِهِمْ إلّا ما عُجِّلَ مِنَ المَسَرَّةِ بِزُخْرُفِ الدُّنْيا الفانِيَةِ - قَدَّمَ اللَّعِبَ الدّالَّ عَلى ذَلِكَ، وتَمَّمَ بِاللَّهْوِ. وأمّا في العَنْكَبُوتِ فالمَقامُ لِذِكْرِ قِصَرِ مُدَّةِ الحَياةِ وتَحْقِيرِها، بِالقِياسِ إلى الآخِرَةِ. ولِذا ذُكِرَ بِاسْمِ الإشارَةِ المُشْعِرِ بِالتَّحْقِيرِ. والِاشْتِغالُ بِاللَّهْوِ، مِمّا يَقْصُرُ بِهِ الزَّمانُ، وهو أدْخُلُ مِنَ اللَّعِبِ فِيهِ. وأيّامُ السُّرُورِ قِصارٌ، كَما قالَ:

؎ولَيْلَةٍ إحْدى اللَّيالِي الزُّهْرِ ∗∗∗ لَمْ تَكُ غَيْرَ شَفَقٍ وفَجْرِ

(p-٢٢٩٠)الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما لَيْسَ مِن أعْمالِ المُتَّقِينَ، لَعِبٌ ولَهْوٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском