Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:38–44
6:38Page 132
وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ ٣٨
And there is no creature on [or within] the earth or bird that flies with its wings except [that they are] communities like you. We have not neglected in the Register1 a thing. Then unto their Lord they will be gathered.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٨] ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾
﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ﴾ أيْ: مُسْتَقِرَّةٌ فِيها، لا تَرْتَفِعُ عَنْها: ﴿ولا طائِرٍ﴾ يَرْتَفِعُ عَنْها إذْ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ أيْ: أصْنافٌ مُصَنَّفَةٌ في ضَبْطِ أحْوالِها، وعَدَمِ إهْمالِ شَيْءٍ مِنها، وتَدْبِيرِ شُؤُونِها، وتَقْدِيرِ أرْزاقِها.
(p-٢٢٩٧)﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ﴾ أيْ: ما تَرَكْنا، وما أغْفَلْنا، في لَوْحِ القَضاءِ المَحْفُوظِ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: جَلِيلٍ أوْ دَقِيقٍ، فَإنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى ما يَجْرِي في العالَمِ، لَمْ يُهْمَلْ فِيهِ أمْرُ شَيْءٍ: والمَعْنى: أنَّ الجَمِيعَ عِلْمُهم عِنْدَ اللَّهِ، لا يَنْسى واحِدًا مِنها مِن رِزْقِهِ وتَدْبِيرِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] أيْ: مُفْصِحٌ بِأسْمائِها وأعْدادِها ومَظانِّها، وحاصِرٌ لِحَرَكاتِها وسَكَناتِها ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ يَعْنِي: الأُمَمُ كُلُّها، مِنَ الدَّوابِّ والطَّيْرِ، فَيُنْصِفُ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، حَتّى يَبْلُغَ مِن عَدْلِهِ أنْ يَأْخُذَ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ. وإيرادُ ضَمِيرِها عَلى صِيغَةِ جَمْعِ العُقَلاءِ. لِإجْرائِها مَجْراهم.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ قُلْتَ: فَما الغَرَضُ في ذِكْرِ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: الدَّلالَةُ عَلى عِظَمِ قُدْرَتِهِ، ولُطْفِ عِلْمِهِ، وسِعَةِ سُلْطانِهِ، وتَدْبِيرِهِ تِلْكَ الخَلائِقَ المُتَفاوِتَةَ الأجْناسِ، المُتَكاثِرَةَ الأصْنافِ، وهو حافِظٌ لِما لَها وما عَلَيْها، مُهَيْمِنٌ عَلى أحْوالِها، لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وأنَّ المُكَلَّفِينَ لَيْسُوا بِمَخْصُوصِينَ بِذَلِكَ دُونَ مَن عَداهم مِن سائِرِ الحَيَوانِ. وقالَ الرّازِيُّ: المَقْصُودُ أنَّ عِنايَةَ اللَّهِ حاصِلَةٌ لِهَذِهِ الحَيَواناتِ، فَلَوْ كانَ إظْهارُ آيَةٍ مُلْجِئَةٍ مَصْلَحَةً، لَأظْهَرَها، فَيَكُونُ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً.
وقالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ الكُفّارِ، وبَيَّنَ أنَّهم يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ ويُحْشَرُونَ، بَيَّنَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما مِن دابَّةٍ﴾ إلَخْ، أنَّ البَعْثَ حاصِلٌ في حَقِّ البَهائِمِ أيْضًا.
الثّانِي: زِيادَةُ (مِن) في قَوْلِهِ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ﴾ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ. و(فِي) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو وصْفٌ لِ: دابَّةٍ مُفِيدٌ لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ. كَأنَّهُ قِيلَ: وما فَرْدٌ مِن (p-٢٢٩٨)أفْرادِ الدَّوابِّ يَسْتَقِرُّ في قُطْرٍ مِن أقْطارِ الأرْضِ. وكَذا زِيادَةُ الوَصْفِ في قَوْلِهِ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾
قالَ في "الِانْتِصافِ": في وجْهِ زِيادَةِ التَّعْمِيمِ، أنَّ مَوْقِعَ قَوْلِهِ: في الأرْضِ و: يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ مَوْقِعَ الوَصْفِ العامِّ - وصِفَةُ العامِّ عامَّةٌ - ضَرُورَةَ المُطابَقَةِ، فَكَأنَّهُ مَعَ زِيادَةِ الصِّفَةِ، تَضافَرَتْ صِفَتانِ عامَّتانِ.
الثّالِثُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ قُلْتَ: كَيْفَ قِيلَ (الأُمَمُ) مَعَ إفْرادِ الدّابَّةِ والطّائِرِ؟ قُلْتُ: لَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ﴾ دالًّا عَلى مَعْنى الِاسْتِغْراقِ، ومُغْنِيًا عَنْ أنْ يُقالَ: وما مِن دَوابَّ ولا طَيْرٍ، حُمِلَ قَوْلُهُ: إلّا أُمَمٌ عَلى المَعْنى.
الرّابِعُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ صِنْفٍ مِنَ البَهائِمِ أُمَّةٌ، وجاءَ في الحَدِيثِ: ««لَوْلا أنَّ الكِلابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، لَأمَرْتُ بِقَتْلِها»» - رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الخامِسُ: ما ذَكَرْناهُ في مَعْنى مُماثَلَةِ الأُمَمِ لَنا، مِن تَدْبِيرِهِ تَعالى لِأُمُورِها، وتَكَفُّلِهِ بِرِزْقِها، وعَدَمِ إغْفالِ شَيْءٍ مِنها مِمّا يُبَيِّنُ شُمُولَ القُدْرَةِ، وسِعَةَ العِلْمِ - هو الأظْهَرُ. مُوافَقَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ﴾ [هود: ٦] الآيَةَ. - والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. ونَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُماثَلَةَ هي في مَعْرِفَتِهِ تَعالى، وتَوْحِيدِهِ وتَسْبِيحِهِ وتَحْمِيدِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وقَوْلِهِ: (p-٢٢٩٩)﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] .
وعَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: أُبْهِمَتْ عُقُولُ البَهائِمِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ إلّا عَنْ أرْبَعَةِ أشْياءَ: مَعْرِفَةُ الإلَهِ، وطَلَبُ الرِّزْقِ، ومَعْرِفَةُ الذَّكَرِ والأُنْثى، وتَهَيُّؤُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم لِصاحِبِهِ.
وقِيلَ: المُماثَلَةُ في أنَّها تُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ كالنّاسِ.
أقُولُ: لا شَكَّ في صِحَّةِ الوَجْهَيْنِ بِذاتِهِما، وصِدْقِ المِثْلِيَّةِ فِيهِما، ولَكِنَّ الحَمْلَ عَلَيْهِما يُبْعِدُهُ عَدَمُ مُلاقاتِهِ لِلْآيَةِ الأُخْرى. فالأمَسُّ، تَأْيِيدًا لِلنَّظائِرِ، ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا. واللَّهُ أعْلَمُ.
السّادِسُ: ما بَيَّنّاهُ في مَعْنى (الكِتابِ) مِن أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ في العَرْشِ، وعالَمُ السَّماواتِ المُشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ - هو الأظْهَرُ، لِمُلاقاتِهِ لِلْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْناها تَأْيِيدًا لِلنَّظائِرِ القُرْآنِيَّةِ. ولَمْ يَذْكُرِ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ سِواهُ، عَلى تَوَسُّعِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ القُرْآنُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَـزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] قالَ الخَفاجِيُّ: قِيلَ: حَمْلُهُ عَلى القُرْآنِ لا يُلائِمُ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ويُدْفَعُ بِأنَّ المَعْنى: لَمْ نَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الحُجَجِ وغَيْرِها إلّا ذَكَرْناهُ، فَكَيْفَ يُحْتاجُ إلى آيَةٍ أُخْرى مِمّا اقْتَرَحُوهُ، ويُكَذَّبُ بِآياتِنا؟ فالكَلامُ بَعْضُهُ آخِذٌ بِحُجُزِ بَعْضٍ بِلا شُبْهَةٍ.
وقالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: ما تَرَكْنا في القُرْآنِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ المُهِمَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها بَيانُ أنَّهُ تَعالى مُراعٍ لِمَصالِحِ جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ.
قالَ الشِّهابُ في قَوْلِ البَيْضاوِيِّ (فَإنَّهُ قَدْ دَوَّنَ فِيهِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ مُفَصَّلًا (p-٢٣٠٠)أوْ مُجْمَلًا): يُشِيرُ إلى أنَّ ما ثَبَتَ بِالأدِلَّةِ الثَّلاثَةِ ثابِتٌ بِالقُرْآنِ، لِإشارَتِهِ بِنَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] إلى القِياسِ. وقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] إلى السُّنَّةِ. بَلْ قِيلَ: إنَّهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ يُمْكِنُ اسْتِنْباطُ جَمِيعِ الأشْياءِ مِنهُ. كَما سَألَ بَعْضُ المُلْحِدِينَ بَعْضَهم عَنْ طَبْخِ الحَلْوى، أيْنَ ذُكِرَ في القُرْآنِ؟ فَقالَ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] انْتَهى.
واسْتَظْهَرَ الرّازِيُّ أنَّ المُرادَ (بِالكِتابِ) القُرْآنُ. واحْتَجَّ بِأنَّ الألِفَ واللّامَ إذا دَخَلا عَلى الِاسْمِ المُفْرَدِ، انْصَرَفَ إلى المَعْهُودِ السّابِقِ، والمَعْهُودُ السّابِقُ مِنَ الكِتابِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ هو القُرْآنُ. فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن (الكِتابِ) في هَذِهِ الآيَةِ القُرْآنَ. إذا ثَبَتَ هَذا، فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ قالَ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَفاصِيلُ عِلْمِ (p-٢٣٠١)الطِّبِّ، وتَفاصِيلُ عِلْمِ الحِسابِ، ولا تَفاصِيلُ كَثِيرٍ مِنَ المَباحِثِ والعُلُومِ. ولَيْسَ فِيهِ أيْضًا تَفاصِيلُ مَذاهِبِ النّاسِ ودَلائِلِهِمْ في عِلْمِ الأُصُولِ والفُرُوعِ؟
والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِبَيانِ الأشْياءِ الَّتِي يَجِبُ مَعْرِفَتُها، والإحاطَةُ بِها، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ (التَّفْرِيطِ) لا يُسْتَعْمَلُ نَفْيًا ولا إثْباتًا، إلّا فِيما يَجِبُ أنْ يُبَيَّنَ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يُنْسَبُ إلى التَّفْرِيطِ والتَّقْصِيرِ في أنْ لا يَفْعَلَ ما لا حاجَةَ إلَيْهِ، وإنَّما يُذْكَرُ هَذا اللَّفْظُ فِيما إذا قَصَّرَ فِيما يُحْتاجُ إلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّ جَمِيعَ آياتِ القُرْآنِ، أوِ الكَثِيرِ مِنها، دالَّةٌ بِالمُطابَقَةِ أوِ التَّضْمِينِ أوِ الِالتِزامِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن إنْزالِ هَذا الكِتابِ بَيانُ الدِّينِ، ومَعْرِفَةُ اللَّهِ، ومَعْرِفَةُ أحْكامِ اللَّهِ. وإذا كانَ هَذا التَّقْيِيدُ مَعْلُومًا مِن كُلِّ القُرْآنِ، كانَ المُطْلَقُ هَهُنا مَحْمُولًا عَلى ذَلِكَ المُقَيَّدِ. أمّا قَوْلُهُ: إنَّ هَذا الكِتابَ غَيْرُ مُشْتَمِلٍ عَلى جَمِيعِ عُلُومِ الأُصُولِ والفُرُوعِ، فَنَقُولُ: أمّا عِلْمُ الأُصُولِ فَإنَّهُ بِتَمامِهِ حاصِلٌ فِيهِ؛ لِأنَّ الدَّلائِلَ الأصْلِيَّةَ مَذْكُورَةٌ فِيهِ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ. فَأمّا رِواياتُ المَذاهِبِ، وتَفاصِيلُ الأقاوِيلِ، فَلا حاجَةَ إلَيْها. وأمّا تَفاصِيلُ عِلْمِ الفُرُوعِ، فَقالَ العُلَماءُ: إنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الإجْماعَ، وخَبَرَ الواحِدِ، والقِياسَ، حُجَّةٌ في الشَّرِيعَةِ. فَكُلُّ ما دَلَّ عَلَيْهِ أحَدُ هَذِهِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ، كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ مَوْجُودًا في القُرْآنِ.
وذَكَرَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِهَذا المَعْنى أمْثِلَةٌ ثَلاثَةٌ:
المِثالُ الأوَّلُ: رُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كانَ يَقُولُ: ما لِيَ لا ألْعَنُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ؟ (p-٢٣٠٢)يَعْنِي: الواشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ؛ والواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ.
ورُوِيَ أنَّ امْرَأةً قَرَأتِ القُرْآنَ، ثُمَّ أتَتْهُ، فَقالَتْ: يا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ! تَلَوْتُ البارِحَةَ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ، فَلَمْ أجِدْ فِيهِ لَعْنَ الواشِمَةِ والمُسْتَوْشِمَةِ! فَقالَ. لَوْ تَلُوتِيهِ لَوَجَدَتِّيهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وإنَّ مِمّا آتانا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: لَعَنَ اللَّهُ الواشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ.
قالَ الرّازِيُّ: وأقُولُ: يُمْكِنُ وِجْدانُ هَذا المَعْنى في كِتابِ اللَّهِ بِطَرِيقٍ أوْضَحَ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١٨] فَحَكَمَ (p-٢٣٠٣)عَلَيْهِ بِاللَّعْنِ، ثُمَّ عَدَّدَ بَعْدَهُ قَبائِحَ أفْعالِهِ، وذَكَرَ مِن جُمْلَتِها قَوْلَهُ: ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ. وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ تَغْيِيرَ الخَلْقِ يُوجِبُ اللَّعْنَ. انْتَهى.
قُلْتُ: وتَتِمَّةُ الحَدِيثِ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا. ولَفْظُهُ: «لَعَنَ اللَّهُ الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ والنّامِصاتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ». رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والشَّيْخانِ وأصْحابُ السُّنَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
ثُمَّ قالَ الرّازِيُّ:
المِثالُ الثّانِي: ذُكِرَ أنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ كانَ جالِسًا في المَسْجِدِ الحَرامِ فَقالَ: لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إلّا أجَبْتُكم فِيهِ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى. فَقالَ رَجُلٌ: ما تَقُولُ في المُحْرِمِ إذا قَتَلَ الزُّنْبُورَ؟ فَقالَ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَقالَ: أيْنَ هَذا في كِتابِ اللَّهِ؟ فَقالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] ثُمَّ ذَكَرَ إسْنادًا إلى النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «عَلَيْكم بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِي». ثُمَّ ذَكَرَ إسْنادًا إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ الزُّنْبُورِ. قالَ الواحِدِيُّ: فَأجابَهُ مِن كِتابِ اللَّهِ مُسْتَنْبِطًا بِثَلاثِ دَرَجاتٍ.
وأقُولُ هاهُنا طَرِيقٌ آخَرُ أقْرَبُ مِنهُ، وهو أنَّ الأصْلَ في أمْوالِ المُسْلِمِينَ العِصْمَةُ. قالَ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقالَ: ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] (p-٢٣٠٤)وقالَ: ﴿لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَنَهى عَنْ أكْلِ أمْوالِ النّاسِ. إلّا بِطَرِيقِ التِّجارَةِ، فَعِنْدَ عَدَمِ التِّجارَةِ وجَبَ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ الحُرْمَةِ. وهَذِهِ العُمُوماتُ تَقْتَضِي أنْ لا يَجِبَ عَلى المُحْرِمِ الَّذِي قَتَلَ الزُّنْبُورَ شَيْءٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ العُمُوماتِ يُوجِبُ الحُكْمَ بِمَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ. المِثالُ الثّالِثُ: قالَ الواحِدِيُّ: رُوِيَ في حَدِيثِ العَسِيفِ الزّانِي «أنَّ أباهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اقْضِ بَيْنَنا بِكِتابِ اللَّهِ. فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ. (p-٢٣٠٥)ثُمَّ قَضى بِالجَلْدِ والتَّغْرِيبِ عَلى العَسِيفِ، وبِالرَّجْمِ عَلى المَرْأةِ إنِ اعْتَرَفَتْ». قالَ الواحِدِيُّ: ولَيْسَ لِلْجَلْدِ والتَّغْرِيبِ ذِكْرٌ في نَصِّ الكِتابِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَهو عَيْنُ كِتابِ اللَّهِ. قالَ الرّازِيُّ: وهَذا حَقٌّ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ، وكُلُّ ما بَيَّنَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ داخِلًا تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ. انْتَهى.
وبِالجُمْلَةِ، فالقُرْآنُ الكَرِيمُ كُلِّيَّةُ الشَّرِيعَةِ، والمَجْمُوعِ فِيهِ أُمُورٌ كُلِّيّاتٌ؛ لِأنَّ الشَّرِيعَةَ تَمَّتْ بِتَمامِ نُزُولِهِ، فَإذا نَظَرْنا إلى رُجُوعِ الشَّرِيعَةِ إلى كُلِّيّاتِها، وجَدْناها قَدْ تَضَمَّنَها القُرْآنُ عَلى الكَمالِ. وقَدْ جَوَّدَ البَحْثَ في هَذِهِ المَسْألَةِ المُهِمَّةِ، العَلّامَةُ الشّاطِبِيُّ في "المُوافَقاتِ" في الطَّرَفِ الثّانِي، في الأدِلَّةِ عَلى التَّفْصِيلِ. فارْجِعْ إلَيْهِ.
وقَدْ نَقَلْنا شَذْرَةً مِنهُ في مُقَدِّمَةِ هَذا التَّفْسِيرِ. فَتَذَكَّرْ!.
السّابِعُ: قالَ أبُو البَقاءِ: مِن في قَوْلِهِ تَعالى: مِن شَيْءٍ زائِدَةٌ. و(شَيْءٍ) هُنا واقِعٌ مَوْقِعَ المَصْدَرِ. أيْ: تَفْرِيطًا. وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ لا يَبْقى في الآيَةِ حُجَّةٌ لِمَن ظَنَّ أنَّ الكِتابَ يَحْتَوِي عَلى ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ صَرِيحًا. ونَظِيرُ ذَلِكَ: لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا أيْ: (p-٢٣٠٦)ضَرَرًا. وقَدْ ذَكَرْنا لَهُ نَظائِرَ. ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: شَيْئًا مَفْعُولًا بِهِ؛ لِأنَّ: فَرَّطْنا تَتَعَدّى بِنَفْسِها، بَلْ بِحَرْفِ الجَرِّ، وقَدْ عُدِّيَتْ بِ (فِي) إلى: الكِتابِ، فَلا تَتَعَدّى بِحَرْفٍ آخَرَ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما تَرَكْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى خِلافِهِ، فَبانَ أنَّ التَّأْوِيلَ ما ذَكَرْنا. انْتَهى.
وقالَ الخَفاجِيُّ: التَّفْرِيطُ التَّقْصِيرُ. وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِ (فِي) وقَدْ ضُمِّنَ هُنا مَعْنى (أغْفَلْنا وتَرَكْنا). فَ: مِن شَيْءٍ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ، و: مِن زائِدَةٌ. والمَعْنى: ما تَرَكْنا في الكِتابِ شَيْئًا يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن دَلائِلِ الأُلُوهِيَّةِ والتَّكالِيفِ.
هَذا ما ارْتَضاهُ أبُو حَيّانَ والزَّمَخْشَرِيُّ، وعَدَلَ عَنْهُ البَيْضاوِيُّ؛ لِأنَّهُ لا يَتَعَدّى. فَجَعَلَ التَّقْدِيرَ (تَفْرِيطًا) فَحُذِفَ المَصْدَرُ، وأُقِيمَ: شَيْئًا مَقامَهُ، وتَبِعَ فِيهِ أبا البَقاءِ، إذِ اخْتارَ هَذا، وأوْرَدَ عَلَيْهِ في "المُلْتَقَطِ" أنَّهُ لَيْسَ كَما ذَكَرْنا؛ لِأنَّهُ إذا تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلى المَصْدَرِ، كانَ مَنفِيًّا عَلى جِهَةِ العُمُومِ، ويَلْزَمُهُ نَفْيُ أنْواعِ المَصْدَرِ، ونَفْيُ جَمِيعِ أفْرادِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ: أنَّ جَمِيعَ أنْواعِ التَّفْرِيطِ مَنفِيَّةٌ عَنِ القُرْآنِ، وهو مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ، ولا يَلْزَمُهُ أنْ يُذْكَرَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ كَما لَزِمَ عَلى الوَجْهِ الآخَرِ، حَتّى يَحْتاجَ إلى التَّأْوِيلِ. كَما أنَّ نَفْيَ تَعَدِّيهِ لا يَضُرُّ مَن قالَ إنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلى التَّضْمِينِ، كَما مَرَّ، وأمّا ما قِيلَ: إنَّ (فَرَّطَ) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لِما وقَعَ في القامُوسِ (فَرَّطَ الشَّيْءَ، وفَرَّطَ فِيهِ تَفْرِيطًا ضَيَّعَهُ وقَدَّمَ العَجْزَ فِيهِ وقَصَّرَ) فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وتَفَرُّدُ صاحِبِ القامُوسِ بِأمْرٍ، لا يُسْمَعُ في مُقابَلَةِالزَّمَخْشَرِيِّ وغَيْرِهِ. مَعَ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ تَعْدِيَتَهُ المَذْكُورَةَ فِيهِ لَيْسَتْ وضْعِيَّةً، بَلْ مَجازِيَّةً، أوْ بِطَرِيقِ التَّضْمِينِ. انْتَهى كَلامُ الشِّهابِ.
أقُولُ: ما لِلْمَجْدِ في القامُوسِ، لَيْسَ مِن تَفَرُّداتِهِ وعِنْدِيّاتِهِ، إذِ اللُّغَةُ مَرْجِعُها السَّماعُ، (p-٢٣٠٧)لا الِاجْتِهادُ. ومُوازَنَتُهُ بَيْنَ الزَّمَخْشَرِيِّ وغَيْرِهِ، مِن بابِ مَعْرِفَةِ الحَقِّ بِالرِّجالِ، الَّذِي الصَّوابُ عَكْسُهُ، عَلى أنَّهُ لَيْسَ في "الكَشّافِ"
ما يَقْتَضِي ما زَعَمَهُ. وقَدِ اسْتَشْهَدَ شارِحُ القامُوسِ، الزُّبَيْدِيُّ شاهِدًا عَلى تَعْدِيَتِهِ بِنَفْسِهِ، تَأْيِيدًا لِكَلامِ المَجْدِ، قَوْلَ صَخْرِ الغَيِّ:
؎ذَلِكَ بَزِّي فَلَنْ أُفَرِّطَهُ أخافَ أنْ يُنْجِزُوا الَّذِي وعَدُوا
قالَ ابْنُ سِيدَهْ: يَقُولُ. لا أُضَيِّعُهُ، وقَوْلُهُ: بَزِّي، أرادَ سِلاحِي. ثُمَّ قالَ الزُّبَيْدِيُّ: وقالَ أبُو عَمْرٍو: فَرَطْتُكَ في كَذا وكَذا، أيْ: تَرَكْتُكَ. وبِهِ فُسِّرَ أيْضًا قَوْلُ صَخْرٍ. انْتَهى. وأنْشَدَ أبُو السُّعُودِ قَوْلَ ساعِدَةَ بْنِ جُؤَيَّةَ:
؎مَعَهُ سِقاءٌ لا يُفَرِّطُ حَمْلَهُ
أيْ: لا يَتْرُكُهُ. وبِهِ يُعْلَمُ سُقُوطُ ما لِأبِي البَقاءِ، وسُقُوطُ دَعْوى أنَّ أصْلَهُ أنْ يَتَعَدّى بِ (فِي) ودَعْوى التَّضْمِينِ السّابِقَةِ، وتَكْلِيفُ كَوْنِ: شَيْءٍ واقِعًا مَوْقِعَ المَصْدَرِ.
هَذا وقُرِئَ: "فَرَطْنا" بِالتَّخْفِيفِ، وهو بِمَعْنى المُشَدَّدِ، وإنَّما تَوَسَّعْنا فِيما رُوِيَ عَلى القَوْلِ الثّانِي في مَعْنى الكِتابِ، لِشُهْرَةِ الآيَةِ في هَذا المَعْنى، وإنْ كانَ الأظْهَرُ الأوَّلَ، لِما ذَكَرْناهُ، ولِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، والأحْكامُ فِيها لَمْ تَتِمَّ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّامِنُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى حَشْرِ الدَّوابِّ والبَهائِمِ والطَّيْرِ كُلِّها، أيْ: بَعْثِها يَوْمَ القِيامَةِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥]
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى شاتَيْنِ (p-٢٣٠٨)تَنْتَطِحانِ، فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ! هَلْ تَدْرِي فِيمَ تَنْتَطِحانِ؟ قالَ: لا. قالَ: لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي، وسَيَقْضِي بَيْنَهُما»» . ورَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ، وزادَ: «ولَقَدْ تَرَكَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وما يَقْلِبُ طائِرٌ جَناحَيْهِ في السَّماءِ إلّا ذَكَرَ لَنا مِنهُ عِلْمًا».
ورَوى عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الإمامِ أحْمَدَ في مُسْنَدِ أبِيهِ عَنْ عُثْمانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ الجَمّاءَ لَتُقَصُّ مِنَ القَرْناءِ يَوْمَ القِيامَةِ»» .
ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: «يُحْشَرُ الخَلْقُ كُلُّهم يَوْمَ القِيامَةِ: الدَّوابُّ والبَهائِمُ والطَّيْرُ وكُلُّ شَيْءٍ، فَيَبْلُغُ مِن عَدْلِ اللَّهُ يَوْمَئِذٍ أنْ يَأْخُذَ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، ثُمَّ يَقُولُ: كُونِي تُرابًا! فَلِذَلِكَ يَقُولُ الكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا» . وقَدْ رُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا في حَدِيثِ الصُّورِ. أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
قُلْتُ: رَوى الإمامُ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في "الأدَبِ المُفْرَدِ" ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إلى أهْلِها يَوْمَ القِيامَةِ، حَتّى يُقادَ لِلشّاةِ الجَلْحاءِ، مِنَ الشّاةِ القَرْناءِ، تَنْطَحُها»» .
(p-٢٣٠٩)ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: حَشَرَها المَوْتُ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ مِثْلُهُ. والأوَّلُ أظْهَرُ.
التّاسِعُ: "فِي الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مَسْألَةٍ أُخْرى، أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ سُئِلَ: مَن يَقْبِضُ أرْواحَ البَهائِمِ؟ قالَ: مَلَكُ المَوْتِ. فَبَلَغَ الحَسَنَ فَقالَ: صَدَقَ! وإنَّ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
6:39Page 132
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا صُمّٞ وَبُكۡمٞ فِي ٱلظُّلُمَٰتِۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضۡلِلۡهُ وَمَن يَشَأۡ يَجۡعَلۡهُ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٣٩
But those who deny Our verses are deaf and dumb within darknesses. Whomever Allāh wills - He sends astray; and whomever He wills - He puts him on a straight path.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣٩] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ﴾ أيْ: مِثْلَهم في جَهْلِهِمْ، وعَدَمِ فَهْمِهِمْ، وسُوءِ حالِهِمُ الصُّمُّ (جَمْعُ أصَمَّ وهو الَّذِي لا يَسْمَعُ) والبُكْمُ (جَمْعُ أبْكَمَ وهو الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ). وهو مَعَ ذَلِكَ في الظُّلُماتِ لا يُبْصِرُونَ، فَكَيْفَ يَهْتَدِي مِثْلُهم إلى الطَّرِيقِ، أوْ يَخْرُجُ مِمّا هو فِيهِ؟ وقَدْ كَثُرَ تَشْبِيهُهم بِذَلِكَ في التَّنْزِيلِ، إعْلامًا بِبَيانِ كَمالِ عَراقَتِهِمْ في الجَهْلِ، وانْسِدادِ بابِ الفَهْمِ والتَّفْهِيمِ بِالكُلِّيَّةِ.
ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهم مِن أهْلِ الطَّبْعِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: فَهو المُتَصَرِّفُ في خَلْقِهِ بِما يَشاءُ، فَمَن أحَبَّ هِدايَتَهُ، وفَّقَهُ بِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ لِلْإيمانِ. ومَن شاءَ ضَلالَتَهُ تَرَكَهُ عَلى كُفْرِهِ ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى رَسُولَهُ بِأنْ يُبَكِّتَهم بِما لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِهِ. بِبَيانِ أنَّهم إذا نَزَلَتْ بِهِمْ شِدَّةٌ، فَإنَّهم يَفْزَعُونَ إلَيْهِ تَعالى، لا إلى الأصْنامِ، فَقالَ تَعالى:
6:40Page 132
قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوۡ أَتَتۡكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَدۡعُونَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٠
Say, "Have you considered:1 if there came to you the punishment of Allāh or there came to you the Hour - is it other than Allāh you would invoke, if you should be truthful?"
(p-٢٣١٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٠] ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي: ﴿إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ أيْ: مِثْلَ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ الكافِرَةِ ﴿أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ يَعْنِي القِيامَةَ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ أيْ: في كَشْفِ العَذابِ عَنْكُمْ، وهَذا مَحَطُّ التَّبْكِيتِ. أيْ: أتَخُصُّونَ آلِهَتَكم بِالدَّعْوَةِ إلى رَفْعِ تِلْكَ الشِّدَّةِ، بَلْ لا تَدْعُونَها مَعَ اللَّهِ أيْضًا: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ: أرَأيْتَكم مُؤَكِّدٌ لِلتَّبْكِيتِ، كاشِفٌ عَنْ كَذِبِهِمْ.
6:41Page 132
بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ ٤١
No, it is Him [alone] you would invoke, and He would remove that for which you invoked Him if He willed, and you would forget what you associate [with Him].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤١] ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾
﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ أيْ: تَخُصُّونَ بِالدَّعْوَةِ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ أيْ: إنْ شاءَ كَشْفَهُ. والتَّقْيِيدُ بِالمَشِيئَةِ لِبَيانِ أنَّ إجابَتَهم غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ، بَلْ هي تابِعَةٌ لِمَشِيئَتِهِ تَعالى، المَبْنِيَّةِ عَلى حِكَمٍ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها: ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ أيْ: تَتْرُكُونَ ما تُشْرِكُونَ تَرْكًا كُلِّيًّا لِعِلْمِكم بِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ. عَطْفٌ عَلى: تَدْعُونَ، وتَوْسِيطُ الكَشْفِ بَيْنَهُما مَعَ تَقارُنِهِما، وتَأخُّرِ الكَشْفِ عَنْهُما، لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ الكَشْفِ والإيذانِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى الدُّعاءِ خاصَّةً.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن كُفّارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَن بَلَغُوا في القَسْوَةِ إلى أنْ أُخِذُوا بِالشَّدائِدِ لِيَخْضَعُوا ويَلْتَجِئُوا إلى اللَّهِ تَعالى، فَلَمْ يَفْعَلُوا. تَسْلِيَةً لِنَبِيِّهِ ﷺ فَقالَ:
6:42Page 132
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ ٤٢
And We have already sent [messengers] to nations before you, [O Muḥammad]; then We seized them with poverty and hardship that perhaps they might humble themselves [to Us].
(p-٢٣١١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٢] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ: رُسُلًا، فَكَذَّبُوهم ولَمْ يُبالُوا، لِكَوْنِهِمْ في الرَّخاءِ ﴿فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ﴾ أيِ: الشِّدَّةِ والقَحْطِ ﴿والضَّرّاءِ﴾ أيِ: المَرَضِ ونُقْصانِ الأنْفُسِ والأمْوالِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ أيْ: يَتَذَلَّلُونَ ويَتَخَشَّعُونَ لِرَبِّهِمْ ويَتُوبُونَ إلَيْهِ مِن كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، فالنُّفُوسُ تَتَخَشَّعُ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدائِدِ.
6:43Page 132
فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٤٣
Then why, when Our punishment came to them, did they not humble themselves? But their hearts became hardened, and Satan made attractive to them that which they were doing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٣] ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ أيْ: بِالتَّوْبَةِ والتَّمَسْكُنِ. ومَعْناهُ. نَفْيُ التَّضَرُّعِ.
كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا. وجِيءَ بِ (لَوْلا) لِيُفِيدَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم عُذْرٌ في تَرْكِ التَّضَرُّعِ إلّا عِنادُهُمْ، كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فَلَمْ يَكُنْ فِيها لِينٌ يُوجِبُ التَّضَرُّعَ، ولَمْ يَنْزَجِرُوا وإنَّما ابْتُلُوا بِهِ ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِنَ الشِّرْكِ. فالِاسْتِدْراكُ عَلى المَعْنى لِبَيانِ الصّارِفِ لَهم عَنِ التَّضَرُّعِ. وأنَّهُ لا مانِعَ لَهم إلّا قَساوَةُ قُلُوبِهِمْ، وإعْجابُهم بِأعْمالِهِمُ المُزَيَّنَةِ لَهم.
لَطِيفَةٌ:
إنْ قُلْتَ: قَدْ أسْنَدَ تَعالى هُنا التَّزْيِينَ إلى الشَّيْطانِ، وأسْنَدَهُ إلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهم. فَهَلْ هو حَقِيقَةٌ فِيهِما. أوْ في أحَدِهِما؟ قُلْتُ: وقَعَ التَّزْيِينُ (p-٢٣١٢)فِي مَواقِعَ كَثِيرَةٍ: فَتارَةً أسْنَدَهُ إلى الشَّيْطانِ، كالآيَةِ الأُولى، وتارَةً إلى نَفْسِهِ كالثّانِيَةِ، وتارَةً إلى البَشَرِ كَقَوْلِهِ: وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم - في قِراءَةٍ - وتارَةً مَجْهُولًا غَيْرَ مَذْكُورٍ فاعِلُهُ كَقَوْلِهِ: زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ؛ لِأنَّ التَّزْيِينَ لَهُ مَعانٍ يَشْهَدُ بِها الِاسْتِعْمالُ واللُّغَةُ: أحَدُها: إيجادُ الشَّيْءِ حَسَنًا مُزَيَّنًا في نَفْسِ الأمْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ [الصافات: ٦] والثّانِي: جَعْلُهُ مُزَيَّنًا مِن غَيْرِ إيجادٍ، كَتَزْيِينِ الماشِطَةِ العَرُوسَ، والثّالِثُ: جَعْلُهُ مَحْبُوبًا لِلنَّفْسِ، مُشْتَهًى لِلطَّبْعِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ. فَهَذا إنْ كانَ بِمَعْنى خَلْقِ المَيْلِ في النَّفْسِ والطَّبْعِ لا يُسْنَدُ إلّا إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ الفاعِلُ لَهُ حَقِيقَةً، لِإيجادِهِ لَهُ، ولُغَةً ونَحْوًا لاتِّصافِهِ بِخَلْقِهِ. وإنْ كانَ بِمُجَرَّدِ تَزْوِيرِهِ وتَرْوِيجِهِ بِالقَوْلِ وما يُشْبِهُهُ، كالوَسْوَسَةِ والإغْواءِ، (p-٢٣١٣)فَهَذا لا يُسْنَدُ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةً، وإنَّما يُسْنَدُ إلى البَشَرِ أوِ الشَّيْطانِ، وإذا لَمْ يُذْكَرْ فاعِلُهُ، يُقَدَّرُ في كُلِّ مَكانٍ ما يَلِيقُ بِهِ. كَذا في "العِنايَةِ".
6:44Page 132
فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ ٤٤
So when they forgot that by which they had been reminded,1 We opened to them the doors of every [good] thing until, when they rejoiced in that which they were given, We seized them suddenly, and they were [then] in despair.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤٤] ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾
﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ: مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ، أيْ: تَرَكُوا الِاتِّعاظَ بِهِ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ النِّعَمِ، كالصِّحَّةِ والسِّعَةِ وراحَةِ البالِ والأمْنِ، وصُنُوفِ رَغائِبِهِمْ، اسْتِدْراجًا وإمْلاءً ومَكْرًا بِهِمْ، عِياذًا بِاللَّهِ مِن مَكْرِهِ ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا﴾ مِن مَطالِبِهِمْ ورَغائِبِهِمْ، مَعَ الشِّرْكِ: ﴿أخَذْناهُمْ﴾ أيْ: بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: فَجْأةً بِلا تَقْدِيمٍ مُذَكِّرٍ، إذْ لَمْ يُفِدْهم في المَرَّةِ الأُولى ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ مُتَحَسِّرُونَ، يَئِسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences