Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
الأنعام
Al-An'am
The Cattle · Meccan · 165 ayahs
6:1Page 128
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ١
[All] praise is [due] to Allāh, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.
(p-٢٢٢٩)سُورَةُ الأنْعامِ
(p-٢٢٣٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٦- سُورَةُ الأنْعامِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وهي مِائَةٌ وخَمْسٌ وسِتُّونَ آيَةً.
رَوى العَوْفِيُّ وعِكْرِمَةُ وعَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ بِمَكَّةَ.
رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً، نَزَلَتْ لَيْلًا وكَتَبُوها مِن لَيْلَتِهِمْ، غَيْرَ سِتِّ آياتٍ مِنها، فَإنَّها مَدَنِيّاتٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخِرِ الثَّلاثِ آياتٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] (p-٢٢٣١)الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٩٣] إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ.
وذَكَرٌ مُقاتِلٌ نَحْوَ هَذا وزادَ آيَتَيْنِ، وهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِن رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤] الآيَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [الأنعام: ٢٠] الآيَةَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، قَوْلُهُ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] الآيَةَ.
(p-٢٢٣٢)قالَ البَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ): في بَعْضِ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ بِمَكَّةَ آياتٌ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، فَأُلْحِقَتْ بِها. وكَذا قالَ ابْنُ الحَصّارِ: كُلُّ نَوْعٍ مِنَ المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ، مِنهُ آياتٌ مُسْتَثْناةٌ. قالا: إلّا أنَّ مِنَ النّاسِ مَنِ اعْتَمَدَ في الِاسْتِثْناءِ عَلى الِاجْتِهادِ دُونَ النَّقْلِ. ثُمَّ ناقَشَ هَذِهِ الآياتِ، قالَ: ولا يَصِحُّ بِهِ نَقْلٌ، خُصُوصًا ما ورَدَ أنَّها نَزَلَتْ جُمْلَةً.
ورَدَّ عَلَيْهِ السُّيُوطِيُّ بِأنَّهُ صَحَّ النَّقْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، بِاسْتِثْناءِ: ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ [الأنعام: ١٥١] الآياتُ الثَّلاثُ، والبَواقِي: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] لِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّها نَزَلَتْ في مالِكِ بْنِ الصَّيْفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٩٣] نَزَلَتا في مُسَيْلِمَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [الأنعام: ٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤]
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الكَلْبِيِّ قالَ: نَزَلَتِ الأنْعامُ كُلُّها بِمَكَّةَ، إلّا آيَتَيْنِ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ في رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ، وهو الَّذِي قالَ: ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] - كَذا في (اللُّبابِ) و(الإتْقانِ). ومِن خَصائِصِ هَذِهِ السُّورَةِ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ بِمَكَّةَ لَيْلًا، جُمْلَةً واحِدَةً، حَوْلَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، يَجْأرُونَ بِالتَّسْبِيحِ.
(p-٢٢٣٣)ورَوى السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ يُشَيِّعُها سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ. ورُوِيَ نَحْوُهُ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أيْضًا.
رَوى الحاكِمُ في (مُسْتَدْرَكِهِ) عَنْ جابِرٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: لَقَدْ شَيَّعَ هَذِهِ السُّورَةَ مِنَ المَلائِكَةِ ما سَدَّ الأُفُقَ». . ثُمَّ قالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ مَعَها مَوْكِبُ المَلائِكَةِ سَدَّ ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ، والأرْضُ بِهِمْ تَرْتَجُّ، ورَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ؟ سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ!»
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ: قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الأنْعامِ جُمْلَةً واحِدَةً، وشَيَّعَها سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ».
قالَ الرّازِيُّ: قالَ الأُصُولِيُّونَ: هَذِهِ السُّورَةُ اخْتُصَّتْ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الفَضِيلَةِ:
أحَدُهُما: - أنَّها نَزَّلَتْ دُفْعَةً واحِدَةً.
والثّانِي: أنَّها شَيَّعُها سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ. والسَّبَبُ فِيهِ أنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والعَدْلِ، والنُّبُوَّةِ، والمَعادِ، وإبْطالِ مَذاهِبِ المُبْطِلِينَ والمُلْحِدِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِلْمَ الأُصُولِ في غايَةِ الجَلالَةِ والرِّفْعَةِ. وأيْضًا فَإنْزالُ ما يَدُلُّ عَلى الأحْكامِ، قَدْ تَكُونُ المَصْلَحَةُ أنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ تَعالى قَدْرَ حاجَتِهِمْ، وبِحَسْبِ الحَوادِثِ والنَّوازِلِ. وأمّا ما يَدُلُّ عَلى عِلْمِ الأُصُولِ، فَقَدْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى جُمْلَةً واحِدَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَعَلُّمَ عِلْمِ الأُصُولِ واجِبٌ عَلى الفَوْرِ، لا عَلى التَّراخِي.
وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ في (مُسْنَدِهِ) عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: الأنْعامُ مِن نَواجِبِ القُرْآنِ.
وفِي القامُوسِ: نَجائِبُ القُرْآنِ: أفْضَلُهُ ومَحْضُهُ. ونَواجِبُهُ لُبابُهُ. انْتَهى.
وسُمِّيَتْ بِ (سُورَةِ الأنْعامِ)، لِأنَّ أكْثَرَ أحْكامِها، وجَهالاتِ المُشْرِكِينَ فِيها، وفي التَّقَرُّبِ بِها إلى أصْنامِهِمْ - مَذْكُورَةٌ فِيها.
(p-٢٢٣٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيْ: جَمِيعُ المَحامِدِ، بِما حَمِدَ بِهِ نَفْسَهُ أوْ خَلْقُهُ، أوْ حَمِدَ بِهِ الخَلْقُ رَبَّهُمْ، أوْ بَعْضُهُمْ، مَخْصُوصٌ بِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ قُدْرَتِهِ الكامِلَةِ، الواجِبَةِ لِاسْتِحْقاقِهِ لِجَمِيعِ المَحامِدِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ خَصَّهَما بِالذِّكْرِ، لِأنَّهُما أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، فِيما يَرى العِبادُ، وفِيهِما العِبَرُ والمَنافِعُ؛ لِأنَّ السَّماواتِ بِأوْضاعِها وحَرَكاتِها أسْبابُ الكائِناتِ والفاسِداتِ الَّتِي هي مَظاهِرُ الكَمالاتِ الإلَهِيَّةِ. والأرْضُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى قَوابِلِ الكَوْنِ والفَسادِ الَّتِي هي المُسَبِّباتُ.
﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ أيْ: أوْجَدَهُما مَنفَعَةً لِعِبادِهِ، في لَيْلِهِمْ ونَهارِهِمْ.
وهَهُنا لَطائِفُ:
الأُولى: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُنْعِمَ بِهَذِهِ النِّعَمِ الجِسامِ هو الحَقِيقُ بِالحَمْدِ والعِبادَةِ، دُونَ ما سِواهُ.
الثّانِيَةُ: لَفْظُ (جَعَلَ) يَتَعَدّى إلى واحِدٍ إذا كانَ بِمَعْنى أحْدَثَ وأنْشَأ، كَما هُنا؛ وإلى مَفْعُولَيْنِ إذا كانَ بِمَعْنى (صَيَّرَ) كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] والفَرْقُ بَيْنَ (الخَلْقِ) و(الجَعْلِ) أنَّ الخَلْقَ فِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ، وفي (الجَعْلِ) مَعْنى التَّضْمِينِ، كَإنْشاءِ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ أوْ تَصْيِيرِ شَيْءٍ شَيْئًا، أوْ نَقْلِهِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ. ومِن ذَلِكَ: (p-٢٢٣٥)﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ [الأعراف: ١٨٩] ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] وإنَّما حَسُنَ لَفْظُ (الجَعْلِ) هَهُنا؛ لِأنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ لَمّا تَعاقَبا، صارَ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما إنَّما تَوَلَّدَ مِنَ الآخَرِ - قالَهُ الرّازِيُّ - وسَبَقَهُ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ. قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": وقَدْ ورَدَتْ: جَعَلَ و: خَلَقَ مَوْرِدًا واحِدًا. فَوَرَدَ: وخَلَقَ مِنها زَوْجَها. ووَرَدَ: وجَعَلَ مِنها زَوْجَها. وذَلِكَ ظاهِرٌ في التَّرادُفِ. إلّا أنَّ لِلْخاطِرِ مَيْلًا إلى الفَرْقِ الَّذِي أبْداهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ويُؤَيِّدُهُ أنَّ: جَعَلَ لَمْ يَصْحَبِ السَّماواتِ والأرْضَ، وإمّا لَزِمَتْهُما: خَلَقَ. وفي إضافَةِ (الخَلْقِ) في هَذِهِ الآيَةِ إلى السَّماواتِ والأرْضِ، و(الجَعْلِ) إلى الظُّلُماتِ والنُّورِ، مِصْداقٌ لِلْمَيْزِ بَيْنَهُما، واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: لِمَ جُمِعَتِ السَّماواتُ دُونَ الأرْضِ مَعَ أنَّها مِثْلُهُنَّ لِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٢٣٦)﴿ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] وفي الحَدِيثِ: ««هَلْ تَدْرُونَ ما هَذِهِ؟ قالُوا: هَذِهِ أرْضٌ. هَلْ تَدْرُونَ ما تَحْتَها؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ؟ قالَ: أرْضٌ أُخْرى، وبَيْنَهُما مَسِيرُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، حَتّى عَدَّ سَبْعَ أرْضِينَ، بَيْنَ كُلِّ أرْضِينَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ»». - أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(p-٢٢٣٧)فالجَوابُ: لِأنَّ السَّماواتِ طَبَقاتٌ مُتَفاضِلَةٌ بِالذّاتِ، مُخْتَلِفَةٌ بِالحَقِيقَةِ، بِخِلافِ الأرْضِينَ، كَما قالَهُ البَيْضاوِيُّ.
وقالَ الرّازِيُّ: إنَّ السَّماءَ جارِيَةٌ مَجْرى الفاعِلِ. والأرْضَ مَجْرى القابِلِ. فَلَوْ كانَتِ السَّماءُ واحِدَةً لَتَشابَهَ الأثَرُ، وذَلِكَ يُخِلُّ بِمَصالِحِ هَذا العالَمِ. أمّا لَوْ كانَتْ كَثِيرَةً اخْتَلَفَتِ الِاتِّصالاتُ الكَوْكَبِيَّةُ، فَحَصَلَ بِسَبَبِها الفُصُولُ الأرْبَعَةُ، وسائِرُ الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ، وحَصَلَ بِسَبَبِ تِلْكَ الِاخْتِلافاتِ مَصالِحُ هَذا العالَمِ. أمّا الأرْضُ فَهي قابِلَةٌ لِلْأثَرِ، والقابِلُ الواحِدُ كافٍ في القَبُولِ. انْتَهى.
وقَدَّمَ السَّماواتِ لِشَرَفِها وعُلُوِّ مَكانِها.
الرّابِعَةُ: الظّاهِرُ في (الظُّلُماتِ والنُّورِ) أنَّ المُرادَ مِنهُما الأمْرانِ المَحْسُوسانِ بِحِسِّ البَصَرِ. والَّذِي يُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ فِيهِما. والأصْلُ اللَّفْظُ عَلى حَقِيقَتِهِ. ولِأنَّ (الظُّلُماتِ والنُّورَ) إذا قُرِنا بِالسَّماواتِ والأرْضِ، لَمْ يُفْهَمْ مِنهُما إلّا الأمْرانِ المَحْسُوسانِ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ عَنى بِهِما الكُفْرَ والإيمانَ.
ورَجَّحَ الرّازِيُّ الأوَّلَ لِما ذُكِرَ.
ووَجَّهَ بَعْضُهُمُ الثّانِيَ بِأنَّ المَعْنى: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، فَقَدْ نَصَبَ الأدِلَّةَ عَلى مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ طَرِيقَ الضَّلالِ، وطَرِيقَ الهُدى، بِإنْزالِ الشَّرائِعِ والكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ فَناسَبَ المَقامَ (ثُمَّ) الِاسْتِبْعادِيَّةُ إذْ يَبْعُدُ مِنَ العاقِلِ النّاظِرِ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ، اخْتِيارُ الباطِلِ. انْتَهى.
وعَلَيْهِ فَجَمْعُ (الظُّلُماتِ) وتَوْحِيدُ (النُّورِ) ظاهِرٌ؛ لِأنَّ الهُدى واحِدٌ، والضَّلالَ مُتَعَدِّدٌ، كَما قالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]
(p-٢٢٣٨)وعَلى الأوَّلِ، فَجَمْعُها لِظُهُورِ كَثْرَةِ أسْبابِها ومَحالِّها عِنْدَ النّاسِ، فَإنَّ لِكُلِّ جِرْمٍ ظُلْمَةً، ولَيْسَ لِكُلِّ جِرْمٍ نُورٌ. وأمّا تَقْدِيمُهُما فَلِسَبْقِها في التَّقْدِيرِ والتَّحَقُّقِ، عَلى النُّورِ.
وفِي الأثَرِ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ في ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ النّاطِقَةِ بِما مَرَّ مِن مُوجِباتِ اخْتِصاصِهِ تَعالى، بِالحَمْدِ المُسْتَدْعِي لِاقْتِصارِ العِبادَةِ عَلَيْهِ. مَسُوقٌ لِإنْكارِ ما عَلَيْهِ الكَفَرَةُ، واسْتِبْعادِهِ مِن مُخالَفَتِهِمْ لِمَضْمُونِها، واجْتِرائِهِمْ عَلى ما يَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَدِيهَةُ (p-٢٢٣٩)العُقُولِ. والمَعْنى أنَّهُ تَعالى مُخْتَصٌّ بِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ والعِبادَةِ، بِاعْتِبارِ ذاتِهِ، وبِاعْتِبارِ ما فُصِّلَ مِن شُؤُونِهِ العَظِيمَةِ الخاصَّةِ بِهِ، المُوجِبَةِ لِقَصْرِ الحَمْدِ والعِبادَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ لا يَعْمَلُونَ بِمُوجِبِهِ، ويَعْدِلُونَ بِهِ سُبْحانَهُ. أيْ: يُسَوُّونَ بِهِ غَيْرَهُ في العِبادَةِ الَّتِي هي أقْصى غاياتِ الشُّكْرِ، الَّذِي رَأسُهُ الحَمْدُ، مَعَ كَوْنِ كُلِّ ما سِواهُ مَخْلُوقًا لَهُ، غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِشَيْءٍ مِن مَبادِئِ الحَمْدِ. وكَلِمَةُ (ثُمَّ) لِاسْتِبْعادِ الشِّرْكِ بَعْدَ وُضُوحِ ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ، القاضِيَةِ بِبُطْلانِهِ. و(الباءُ) مُتَعَلِّقَةٌ بِ (يَعْدِلُونَ) ووُضِعَ (الرَّبُّ) مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ تَعالى، لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ والتَّقْبِيحِ. والتَّقْدِيمُ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ والمُسارَعَةِ إلى تَحْقِيقِ مَدارِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، والمُحافَظَةِ عَلى الفَواصِلِ، وتُرِكَ المَفْعُولُ لِظُهُورِهِ، أوْ لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ، بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، إيذانًا بِأنَّهُ المَدارُ في الِاسْتِبْعادِ، لا خُصُوصِيَّةُ المَفْعُولِ. هَذا هو الحَقِيقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ؛ أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
ثُمَّ ناقَشَ ما وقَعَ لِلْمُفَسِّرِينَ هُنا مِمّا يُخالِفُهُ. فانْظُرْهُ.
وأصْلُ (العَدْلِ) مُساواةُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ. والمَعْنى: أنَّهم يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا مِن خَلْقِهِ، مِمّا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فَيَعْبُدُونَ الحِجارَةَ، مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ.
وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: (الباءُ) بِمَعْنى (عَنْ) أيْ: عَنْ رَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ويَنْحَرِفُونَ، مِنَ العُدُولِ عَنِ الشَّيْءِ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (ثُمَّ) دالَّةٌ عَلى قُبْحِ فِعْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّ خَلْقَهُ السَّماواتِ قَدْ تَقَرَّرَ، وآياتُهُ قَدْ سَطَعَتْ، وإنْعامُهُ بِذَلِكَ قَدْ تَبَيَّنَ، ثُمَّ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ قَدْ عَدَلُوا بِرَبِّهِمْ. فَهَذا كَما تَقُولُ: أعْطَيْتُكَ وأحْسَنْتُ إلَيْكَ، ثُمَّ تَشْتُمُنِي؟ ولَوْ وقَعَ العَطْفُ في هَذا ونَحْوِهِ بِ (الواوِ) لَمْ يَلْزَمِ التَّوْبِيخُ كَلُزُومِهِ بِ (ثُمَّ). انْتَهى. أيْ: فَفِيها الدَّلالَةُ عَلى التَّوْبِيخِ والإنْكارِ، كالتَّعْجِيبِ أيْضًا.
(p-٢٢٤٠)قالَ أبُو حَيّانَ: هَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن أنْ (ثُمَّ) لِلتَّوْبِيخِ. والزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّها لِلِاسْتِبْعادِ - مَفْهُومٌ مِن سِياقِ الكَلامِ، لا مِن مَدْلُولِ (ثُمَّ). انْتَهى.
وإنَّما لَمْ تَحْمِلْ (ثُمَّ) عَلى التَّراخِي، مَعَ اسْتِقامَتِهِ، لِكَوْنِ الِاسْتِبْعادِ أوْفَقُ بِالمَقامِ؛ لِأنَّ التَّراخِيَ الزَّمانِيَّ مَعْلُومٌ فِيهِ، فَلا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ.
6:2Page 128
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٖ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلٗاۖ وَأَجَلٞ مُّسَمًّى عِندَهُۥۖ ثُمَّ أَنتُمۡ تَمۡتَرُونَ ٢
It is He who created you from clay and then decreed a term1 and a specified time [known] to Him;2 then [still] you are in dispute.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بُطْلانِ كُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ، مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِما يُوجِبُ الإيمانَ بِهِ، إثْرَ بَيانِ بُطْلانِ إشْراكِهِمْ بِهِ تَعالى، مَعَ مُعايَنَتِهِمْ لِمُوجِباتِ تَوْحِيدِهِ. وتَخْصِيصِ خَلْقِهِمْ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ دَلائِلِ صِحَّةِ البَعْثِ، مَعَ أنَّ ما ذَكَرَهُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مِن أوْضَحِها وأظْهَرِها، كَما ورَدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] لِما أنَّ مَحَلَّ النِّزاعِ بَعْثُهم. فَدَلالَةُ بَدْءِ خَلْقِهِمْ عَلى ذَلِكَ أظْهَرُ، وهم بِشُؤُونِ أنْفُسِهِمْ أعْرَفُ، والتَّعامِي عَنِ الحُجَّةِ النَّيِّرَةِ أقْبَحُ. والِالتِفاتُ لِمَزِيدِ التَّشْنِيعِ والتَّوْبِيخِ. أيِ: ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنهُ، فَإنَّهُ المادَّةُ الأُولى لِلْكُلِّ، لِما أنَّهُ مَنشَأُ آدَمَ الَّذِي هو أبُو البَشَرِ. وإنَّما نُسِبَ هَذا الخَلْقُ إلى المُخاطَبِينَ، لا إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو المَخْلُوقُ مِنهُ حَقِيقَةً. بِأنْ يُقالَ: هو الَّذِي خَلَقَ أباكم... إلَخْ. مَعَ كِفايَةِ عِلْمِهِمْ بِخَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ، في إيجابِ الإيمانِ بِالبَعْثِ، وبُطْلانِ الِامْتِراءِ - لِتَوْضِيحِ مِنهاجِ القِياسِ، ولِلْمُبالَغَةِ في إزاحَةِ الِاشْتِباهِ والِالتِباسِ. مَعَ ما فِيهِ مِن تَحْقِيقِ الحَقِّ والتَّنْبِيهِ عَلى حِكْمَةٍ خَفِيَّةٍ: هي أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن إنْشائِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنهُ (p-٢٢٤١)حَيْثُ لَمْ تَكُنْ فِطْرَتُهُ البَدِيعَةُ مَقْصُورَةً عَلى نَفْسِهِ، بَلْ كانَتْ أنَمُوذَجًا مُنْطَوِيًا عَلى فِطْرَةِ سائِرِ آحادِ الجِنْسِ، انْطِواءً إجْمالِيًّا، مُسْتَتْبِعًا لِجَرَيانِ آثارِها عَلى الكُلِّ. فَكانَ خَلْقُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الطِّينِ خَلْقًا لِكُلِّ أحَدٍ مِن فُرُوعِهِ مِنهُ. ولَمّا كانَ خَلْقُهُ عَلى هَذا النَّمَطِ السّارِي إلى جَمِيعِ أفْرادِ ذُرِّيَّتِهِ، أبْدَعَ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلى نَفْسِهِ، كَما هو المَفْهُومُ مِن نِسْبَةِ الخَلْقِ المَذْكُورِ إلَيْهِ، وأدُلَّ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ الخَلّاقِ العَلِيمِ، وكَمالِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، وكانَ ابْتِداءُ حالِ المُخاطَبِينَ أوْلى بِأنْ يَكُونَ مِعْيارًا لِانْتِهائِها - فَعَلَ ما فَعَلَ. ولِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ! وعَلى هَذا السِّرِّ مَدارُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] إلَخْ. وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] كَما سَيَأْتِي.
وقِيلَ: المَعْنى خَلَقَ أباكم مِنهُ، عَلى حَذْفِ المُضافِ. وقِيلَ: مَعْنى خَلَقَهم مِنهُ، خَلَقَهم مِنَ النُّطْفَةِ الحاصِلَةِ مِنَ الأغْذِيَةِ المُتَكَوِّنَةِ مِنَ الأرْضِ. وأيًّا ما كانَ، فَفِيهِ مِن وُضُوحِ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى البَعْثِ، ما لا يَخْفى؛ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ ما لَمْ يَشَمَّ رائِحَةَ الحَياةِ قَطُّ، كانَ عَلى إحْياءِ ما قارَنَها مُدَّةً أظْهَرَ قُدْرَةً. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
وفِي "العِنايَةِ": أنَّ في الآيَةِ التِفاتًا؛ لِأنَّ الخِطابَ - وإنْ صَحَّ كَوْنُهُ عامًّا - لَكِنَّهُ خاصٌّ بِالَّذِينِ كَفَرُوا، كَما يَقْتَضِيهِ: ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ. ونُكْتَتُهُ أنَّ دَلِيلَ الأنْفُسِ أقْرَبُ إلى النّاظِرِ مِن دَلِيلِ الآفاقِ الَّذِي في الآيَةِ السّابِقَةِ، والشُّكْرُ عَلَيْهِ أوْجَبُ. وقَدْ أُشِيرَ في كُلٍّ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ إلى المَبْدَأِ والمَعادِ، وما بَيْنَهُما. انْتَهى.
(p-٢٢٤٢)أخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِن قَبْضَةٍ قَبَضَها مِن جَمِيعِ الأرْضِ، فَجاءَ بَنُو آدَمَ عَلى قَدْرِ الأرْضِ. جاءَ مِنهم. الأحْمَرُ والأبْيَضُ والأسْوَدُ، وبَيْنَ ذَلِكَ. والسَّهْلُ والحَزْنُ، والخَبِيثُ والطَّيِّبُ»» .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلا﴾ أيْ: كَتَبَ لِمَوْتِ كُلِّ واحِدٍ مِنكم أجَلًا خاصًّا بِهِ. أيْ: حَدًّا مُعَيَّنًا مِنَ الزَّمانِ يَفْنى عِنْدَ حُلُولِهِ. أوْ كَتَبَ، لِما بَيْنَ أنْ يُولَدَ كُلٌّ مِنكم إلى يَوْمِ أنْ يَمُوتَ، أجَلًا.
﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ أيْ: وحَدٌّ مُعَيَّنٌ لِبَعْثِكم جَمِيعًا، مُثْبَتٌ مُعَيَّنٌ في عِلْمِهِ، لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ، ولا يَقِفُ عَلى وقْتِ حُلُولِهِ أحَدٌ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] فَمَعْنى: عِنْدَهُ أنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِعِلْمِهِ. و: وأجَلٌ مُبْتَدَأٌ لِتَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ، ولِوُقُوعِهِ في مَوْقِعِ التَّفْصِيلِ. وتَنْوِينُهُ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ، وتَهْوِيلِ أمْرِهِ، ولِذَلِكَ أُوثِرَ تَقْدِيمُهُ عَلى الخَبَرِ الَّذِي هُوَ: عِنْدَهُ، مَعَ أنَّ الشّائِعَ في مِثْلِهِ التَّأْخِيرُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ أجَلٍ مُعَيَّنٍ في عِلْمِهِ لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ لا مُجْمَلًا ولا مُفَصَّلًا. أمّا أجَلُ المَوْتِ فَمَعْلُومٌ إجْمالًا وتَقْرِيبًا، بِناءً عَلى ظُهُورِ أمارَتِهِ، أوْ عَلى ما هو المُعْتادُ في أعْمارِ الإنْسانِ.
﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ اسْتِبْعادٌ واسْتِنْكارٌ لِامْتِرائِهِمْ في البَعْثِ، بَعْدَ مُعايَنَتِهِمْ لِما ذُكِرَ (p-٢٢٤٣)مِنَ الحُجَجِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ. أيْ: تَمْتَرُونَ في وُقُوعِهِ وتَحَقُّقِهِ في نَفْسِهِ، مَعَ مُشاهَدَتِكم في أنْفُسِكم ما يَقْطَعُ مادَّةَ الِامْتِراءِ؛ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ المَوادِّ وجَمْعِها وإبْداعِ الحَياةِ فِيها، وإبْقائِها ما يَشاءُ، كانَ أقْدارَ عَلى جَمْعِ تِلْكَ المَوادِّ وإحْيائِها ثانِيًا.
6:3Page 128
وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ ٣
And He is Allāh, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٣] ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾
﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ أيِ: المَعْبُودُ فِيهِما ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الأقْوالِ أوِ الدَّواعِي والصَّوارِفِ القَلْبِيَّةِ وأعْمالِ الجَوارِحِ ﴿ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ أيْ: ما تَفْعَلُونَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَيُثِيبُ عَلَيْهِ ويُعاقِبُ. وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ، مَعَ انْدِراجِهِ فِيما سَبَقَ، عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِلسِّرِّ والجَهْرِ - لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ. وهو السِّرُّ في إعادَةِ يَعْلَمُ.
قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": وما هاتانِ الآيَتانِ الكَرِيمَتانِ - يَعْنِي هَذِهِ الآيَةَ وآيَةَ الزُّخْرُفِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ﴾ [الزخرف: ٨٤] - إلّا تَوْأمَتانِ. فَإنَّ التَّمَدُّحَ في آيَةِ الزُّخْرُفِ، وقَعَ بِما وقَعَ التَّمَدُّحُ بِهِ هاهُنا مِنَ القُدْرَةِ عَلى الإعادَةِ والِاسْتِئْثارِ بِعِلْمِ السّاعَةِ والتَّواجُدِ في الأُلُوهِيَّةِ، وفي كَوْنِهِ تَعالى المَعْبُودَ في السَّماواتِ والأرْضِ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ أقْوالٌ، بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى إنْكارِ قَوْلِ الجَهْمِيَّةِ الأوَّلِ، القائِلِينَ - تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا - بِأنَّهُ في كُلِّ مَكانٍ؛ حَيْثُ حَمَلُوا الآيَةَ عَلى ذَلِكَ. فَلِأصَحِّ مِنَ الأقْوالِ أنَّهُ المَدْعُوُّ في السَّماواتِ والأرْضِ، أيْ: (p-٢٢٤٤)يَعْبُدُهُ ويُوَحِّدُهُ ويُقِرُّ لَهُ بِالآلِهِيَّةِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، ويُسَمُّونَهُ اللَّهَ، ويَدْعُونَهُ: ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا. إلّا مَن كَفَرَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ. وهَذِهِ الآيَةُ - عَلى هَذا القَوْلِ - كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] أيْ: هو إلَهُ مَن في السَّماءِ وإلَهُ مَن في الأرْضِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم خَبَرًا أوْ حالًا.
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ أنَّهُ اللَّهُ الَّذِي يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن سِرٍّ وجَهْرٍ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ: يَعْلَمُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: في السَّماواتِ وفي الأرْضِ تَقْدِيرُهُ: وهو اللَّهُ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَّماواتِ.... إلَخْ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ قَوْلَهُ: وهو اللَّهُ في السَّماواتِ وقْفٌ تامٌّ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الخَبَرَ فَقالَ: وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ جَرِيرٍ. انْتَهى.
ورَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ في الآيَةِ: أنَّهُ الَّذِي يُقالُ لَهُ: اللَّهُ فِيهِما. قالَ: وهَذا عِنْدِي أفْضَلُ الأقْوالِ، وأكْثَرُها إحْرازًا لِفَصاحَةِ اللَّفْظِ، وجَزالَةِ المَعْنى، وإيضاحُهُ: أنَّهُ أرادَ أنَّ يَدُلَّ عَلى خَلْقِهِ، وآياتِ قُدْرَتِهِ، وإحاطَتِهِ واسْتِيلائِهِ، ونَحْوِ هَذِهِ الصِّفاتِ. فَجَمَعَ هَذِهِ كُلَّها في قَوْلِهِ: وهو اللَّهُ - الَّذِي لَهُ هَذِهِ كُلُّها -: في السَّماواتِ والأرْضِ كَأنَّهُ قالَ: وهو الخالِقُ والرّازِقُ والمُحْيِي والمُمِيتُ فِيهِما.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الرّازِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِ الإنْسانِ مُكْتَسِبًا لِلْفِعْلِ، والكَسْبُ هو الفِعْلُ المُفْضِي إلى اجْتِلابِ نَفْعٍ، أوْ دَفْعِ ضُرٍّ. ولِهَذا السَّبَبِ لا يُوصَفُ فِعْلُ اللَّهِ بِأنَّهُ كَسْبٌ، لِكَوْنِهِ تَعالى مُنَزَّهًا عَنْ جَلْبِ النَّفْعِ، ودَفْعِ الضُّرِّ. واللَّهُ أعْلَمُ.
6:4Page 128
وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤
And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.
(p-٢٢٤٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٤] ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾
﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي: ما يَظْهَرُ لِكُفّارِ مَكَّةَ دَلِيلٌ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي يَجِبُ فِيها النَّظَرُ والِاعْتِبارُ، أوْ مُعْجِزَةٌ مِنَ المُعْجِزاتِ، أوْ آيَةٌ مِن آياتِ القُرْآنِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ السّالِفَةُ، النّاطِقَةُ بِبَدائِعِ صُنْعِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ: ﴿إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، لِقِلَّةِ خَوْفِهِمْ وتَدَبُّرِهِمْ، في العَواقِبِ.
6:5Page 128
فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٥
For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.1
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٥] ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي: القُرْآنَ الَّذِي تُحُدُّوا بِهِ، فَعَجَزُوا عَنْهُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: مِصْداقُ أنْباءِ الحَقِّ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ. وأنْباؤُهُ عِبارَةٌ عَمّا سَيَحِيقُ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ العاجِلَةِ. فَهو وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم بِأنَّهُ لا بُدَّ لَهم أنْ يَذُوقُوا وبالَهُ. وقَدْ ذاقُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ وغَيْرِهِ.
6:6Page 128
أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٦
Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٦] ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾
﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا عِلْمًا يُشْبِهُ الرُّؤْيَةَ بِالبَصَرِ، لَمّا سَمِعُوا بِالتَّواتُرِ مِن إتْيانِ المُسْتَهْزِئِينَ قَبْلَهم. أنْباءَهم مِرارًا كَثِيرَةً: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ أيْ: مِن أُمَّةٍ، فَلَمْ نُبْقِ مِنها (p-٢٢٤٦)أحَدًا، مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، والقُرُونِ الخالِيَةِ ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ أيْ: قَرَرْناهم وثَبَّتْناهم في الأرْضِ ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ أيْ: ما لَمْ نَجْعَلْ لَكم مِنَ السِّعَةِ والرَّفاهِيَةِ وطُولِ الأعْمارِ، يا أهْلَ مَكَّةَ! ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ﴾ أيِ: المَطَرَ. قالَ المَهايِمِيُّ: هو أبْلَغُ مِن: أنْزَلْنا في الدَّلالَةِ عَلى الكَثْرَةِ ﴿عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ أيْ: كَثِيرًا ﴿وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ أشْجارِهِمْ، فَعاشُوا في الخِصْبِ بَيْنَ الأنْهارِ والثِّمارِ، وسُقْيا الغَيْثِ المِدْرارِ ﴿فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُمْ، وجَعَلْناهم أحادِيثَ، فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا فِيهِ. أيْ: وسَيَحِلُّ بِهَؤُلاءِ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أيْ: بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، يَعْنِي: فَلا يَتَعاظَمُهُ تَعالى أنْ يُهْلِكَ هَؤُلاءِ، ويُخْلِيَ دِيارَهم مِنهُمْ، ويُنْشِئَ أُمَّةً سِواهُمْ، فَما هم بِأعَزَّ عَلى اللَّهِ مِنهم. والرَّسُولُ الَّذِي كَذَّبُوهُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِن رُسُلِهِمْ. فَهم أوْلى بِالعَذابِ، ومُفاجَأةِ العُقُوبَةِ، لَوْلا لُطْفُهُ وإحْسانُهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى شِدَّةَ مُكابَرَتِهِمْ، إثْرَ إعْراضِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences