Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:18–27
7:18Page 152
قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٨
[Allāh] said, "Depart from it [i.e., Paradise], reproached and expelled. Whoever follows you among them - I will surely fill Hell with you, all together."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٨] ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾
﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا﴾ " بِالهَمْزَةِ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، مِن (ذَأمَهُ)، إذا حَقَّرَهُ وذَمَّهُ، وقُرِئَ " مَذُومًا " بِذالٍ مَضْمُومَةٍ وواوٍ ساكِنَةٍ، وهي تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ المَهْمُوزِ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى السّاكِنِ ثُمَّ حَذْفِها، وأنْ تَكُونَ مِنَ المُعْتَلِّ، وكانَ قِياسُهُ (مَذِيمٌ) كَمَبِيعٍ، إلّا أنَّهُ أُبْدِلَتِ الواوُ مِنَ الياءِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ (مَكُولٌ) في مَكِيلٍ، و(مَشُوبٌ) في مَشِيبٍ.
﴿مَدْحُورًا﴾ " مَقْصِيًّا مَطْرُودًا ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ " اللّامُ فِيهِ، لِتَوْطِئَةِ القَسَمِ، وجَوابُهُ ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ "، أيْ: لَمَن أطاعَكَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِن كُفّارِكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣]
قالَ الجَشْمِيُّ: وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَكُونُ في جَهَنَّمَ إلّا إبْلِيسُ وحِزْبَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، وكُفّارُ الإنْسِ وفُسّاقُهُمُ، الَّذِينَ انْقادُوا لَهُ وتَرَكُوا أمْرَ اللَّهِ لِأمْرِهِ، فَجَمَعَهم في الخِطابِ، ومَتى قِيلَ: لِمَ ضَيَّقَ جَهَنَّمَ ووَسَّعَ الجَنَّةَ؟ قُلْنا: لِأنَّ جَهَنَّمَ حَبْسٌ، والجَنَّةَ دارُ مُلْكٍ. ومَتى قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ﴾ قُلْنا: لُطْفًا لِيَكُونَ المُكَلَّفُ تَبَعًا لِلْأنْبِياءِ دُونَ الشَّياطِينِ، ولُطْفًا لِإبْلِيسَ وحِزْبِهِ، لِأنَّهُ غايَةٌ في الزَّجْرِ والنَّهْيِ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى الوَعِيدِ لِمَن تَبِعَ إبْلِيسَ، وأنَّهُ يَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنهم. ولا بُدَّ فِيهِ مِن شَرْطٍ، وهو أنْ لا يَتُوبَ، أوْ لا يَكُونَ مَعَهُ طاعَةٌ أعْظَمُ. وتَدُلُّ عَلى إذْلالِ إبْلِيسَ وطَرْدِهِ ولَعْنِهِ بِسَبَبِ عِصْيانِهِ، تَحْذِيرًا عَنْ مِثْلِ حالِهِ.
(p-٢٦٣٩)
7:19Page 152
وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩
And "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat from wherever you will but do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١٩] ﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويا آدَمُ﴾ " أيْ: وقُلْنا يا آدَمُ ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ " أيْ جَنَّةَ الخُلْدِ، أوْ جَنَّةً في الأرْضِ.
قالَ الجَشْمِيُّ: وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ، والفائِدَةُ في إعادَتِها أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، والعَوارِضُ تَعَرِضُ، والوُفُودُ تَقْدَمُ، فَكانَتِ القِصَّةُ تُعادُ، لِيَسْمَعَ مَن لَمْ يَسْمَعِ، اسْتِصْلاحًا ولُطْفًا. لِأنَّ في إعادَةِ قِصَّةٍ واحِدَةٍ، في مَواضِعَ بِألْفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، كُلُّ واحِدٍ مِنها في نِهايَةِ الحُسْنِ، مِن إعْجازِ القُرْآنِ. ﴿فَكُلا مِن حَيْثُ﴾ " أيْ: مِن كُلِّ مَكانٍ ﴿شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ " أيْ فَتَصِيرا مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم.
7:20Page 152
فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ ٢٠
But Satan whispered to them to make apparent to them that which was concealed from them of their private parts. He said, "Your Lord did not forbid you this tree except that you become angels or become of the immortal."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٠] ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾
﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ " أيْ: إبْلِيسُ بِأكْلِ الشَّجَرَةِ مُخَيِّلًا لَهُما النَّفْعَ ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما﴾ " أيْ: يُظْهِرُ لَهُما ﴿ما وُورِيَ﴾ " أيْ: سُتِرَ ﴿عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ " أيْ: عَوْراتِهِما واللّامُ في ﴿لِيُبْدِيَ﴾ " إمّا لِلْعاقِبَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ صُدُورَهُ مِنهُما، أيْ: فَكانَ عاقِبَةُ وسْوَسَتِهِ أنْ أظْهَرَ سَوْآتِهِما، أوْ لِلتَّعْلِيلِ والغَرَضِ، وهو الأصْلُ فِيها، بِناءً عَلى حَدْسِهِ أوْ عِلْمِهِ بِطَرِيقٍ ما.
تَنْبِيهٌ:
فِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ، وأنَّهُ مُسْتَهْجَنٌ في الطِّباعِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ سَوْأةً، لِأنَّهُ يَسُوءُ صاحِبَها..
(p-٢٦٤٠)قالَ الحاكِمُ: وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ، وأنَّهُ كانَ في شَرِيعَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
قالَ القاضِي: لا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى الوُجُوبِ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها إلّا أنَّهُما فَعَلا ذَلِكَ.
قالَ الأصَمُّ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُما كَرِها التَّعَرِّيَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُما ثالِثٌ، فَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى قُبْحِ التَّعَرِّي، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ المُتَعَرِّي أحَدٌ، إلّا لِحاجَةٍ.
﴿وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا﴾ أيْ: إلّا كَراهَةَ أنْ تَكُونا ﴿مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ ويَبْقُونَ في الجَنَّةِ ساكِنِينَ.
وقَدَ اسْتَدَلَّ بِهَذا مَن رَأى تَفْضِيلَ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، لِارْتِكابِهِما ذَلِكَ طَمَعًا في نَيْلِ ما ذُكِرَ، وأجابَ، مَن لَمْ يَرَ هَذا، بِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الواقِعَةُ قَبْلَ نُبُوَّةِ آدَمَ. ولَئِنْ كانَتْ بَعْدَها، فَلَعَلَّ آدَمَ رَغِبَ في المِلْكِيَّةِ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ والقُدْرَةِ، أوْ لِخِلْقَةِ الذّاتِ، بِأنْ يَصِيرَ جَوْهَرًا نُورانِيًّا -أشارَ لَهُ الرّازِيُّ -.
وقالَ النّاصِرُ: لا يَلْزَمُ مِنِ اعْتِقادِ إبْلِيسَ لِذَلِكَ ووَسْوَسَتِهِ بِأنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ، أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في عِلْمِهِ تَعالى، ألا تَرى إبْلِيسَ قَدْ أخْبَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَهُما مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى لا يَخْلُدا أوْ لا يَكُونا مَلَكَيْنِ، وهو في ذَلِكَ كاذِبٌ مُبْطِلٌ فَلا دَلِيلَ فِيهِ إذًا، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُوجِبُ تَقْرِيرَ اللَّهِ تَعالى لِإبْلِيسَ عَلى ذَلِكَ، ولا تَصْدِيقَهُ فِيهِ، بَلْ خُتِمَتِ الآيَةُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كَذَبَ لَهُما وغَرَّهُما، إذْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢] " فَلَعَلَّ تَفْضِيلَهُ المَلائِكَةَ عَلى النُّبُوَّةِ مِن جُمْلَةِ غُرُورِهِ -انْتَهى.
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): وأنا أقُولُ: لا أزالُ أتَعَجَّبُ مِمَّنْ أخَذَ يَسْتَدِلُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ. والكَلامُ الَّذِي فِيها، حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْلِ إبْلِيسَ في مَعْرِضِ المُناداةِ عَلَيْهِ بِالكَذِبِ والغُرُورِ والزُّورِ والتَّدْلِيسِ، وإنَّما يُسْتَدَلُّ مِن كَلامِهِ تَعالى، أوْ مِن كَلامٍ حَكاهُ عَنْ بَعْضِ أنْبِيائِهِ. وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، فَكَلامٌ حَكاهُ راضِيًا بِهِ مُقِرًّا لَهُ -انْتَهى.
عَلى أنَّهُ قُرِئَ (مَلِكَيْنِ) بِكَسْرِ اللّامِ، كانَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ ويَحْيى بْنُ أبِي (p-٢٦٤١)كَثِيرٍ. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّما أتاهُما إبْلِيسُ مِن جِهَةِ المُلْكِ. ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] انْتَهى.
والقِراءَةُ الشّاذَّةُ قَدْ تَكُونُ تَفْسِيرًا لِلْمُتَواتِرَةِ، كَما لا يَخْفى، وبِهِ يَنْدَفِعُ ما لِلرّازِيِّ هُنا.
7:21Page 152
وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢١
And he swore [by Allāh] to them, "Indeed, I am to you from among the sincere advisors."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢١] ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾
﴿وقاسَمَهُما﴾ " أيْ: أقْسَمَ لَهُما ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ " أيْ: في هَذا الأمْرِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ حَلَفَ لَهُما بِاللَّهِ عَلى ذَلِكَ حَتّى خَدَعَهُما. وقَدْ يُخْدَعُ المُؤْمِنُ بِاللَّهِ. انْتَهى.
وعَنْ قَتادَةَ: إنَّما يُخْدَعُ المُؤْمِنُ بِاللَّهِ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ إذا رَأى مِن عَبْدِهِ طاعَةً وحُسْنَ صَلاةٍ، أعْتَقَهُ، فَكانَ عَبِيدُهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلْعِتْقِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم يَخْدَعُونَكَ، فَقالَ: مَن خَدَعَنا بِاللَّهِ انْخَدَعْنا لَهُ.
7:22Page 152
فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٢
So he made them fall, through deception. And when they tasted of the tree, their private parts became apparent to them, and they began to fasten together over themselves from the leaves of Paradise. And their Lord called to them, "Did I not forbid you from that tree and tell you that Satan is to you a clear enemy?"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٢] ﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ " أيْ: أطْمَعَهُما، وأصْلُهُ: الرَّجُلُ العَطْشانُ يُدَلِّي في البِئْرِ لِيَرْوِيَ مِن مائِها، فَلا يَجِدُ فِيها ماءً، فَيَكُونُ مُدَلِّيًا فِيها بِغُرُورٍ، فَوُضِعَتِ التَّدْلِيَةُ مَوْضِعَ الإطْماعِ فِيما لا يُجْدِي نَفْعًا، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ أهْبَطَهُما بِذَلِكَ مِن دَرَجَةٍ عالِيَةٍ، إلى رُتْبَةٍ سافِلَةٍ. فَإنَّ (p-٢٦٤٢)التَّدْلِيَةَ والإدْلاءَ إرْسالُ الشَّيْءِ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ. وقِيلَ: مَعْنى دَلّاهُما جَرَّأهُما بِغُرُورِهِ، والأصْلُ فِيهِ (دَلَّلَهُما)، والدَّلُّ والدّالَّةُ الجُرْأةُ كَما قالَ:
؎أظُنُّ الحُلْمَ دَلَّ عَلَيَّ قَوْمِي وقَدْ يُسْتَجْهَلُ الرَّجُلُ الحَلِيمُ
فَأبْدَلَ أحَدَ حَرْفَيِ التَّضْعِيفِ ياءً:
﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أيْ: أخَذَتْهُما العُقُوبَةُ وشُؤْمُ المَعْصِيَةِ فَتَهافَتَ عَنْهُما اللِّباسُ، فَظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما.
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهم عَلى أنَّ مَن ذاقَ الخَمْرَ عَصى –انْتَهى-
وهَذا وُقُوفٌ مَعَ ظاهِرِ ما هَهُنا، فَإنَّ الذَّوْقَ وُجُودُ الطَّعْمِ بِالفَمِ، وظاهِرٌ أنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الأكْلِ اليَسِيرِ، وهو المُرادُ هُنا، لِأنَّهُ وقَعَ في آيَةٍ أُخْرى مُصَرَّحًا بِالأكْلِ فِيها ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ﴾ أيْ: أخَذا يُرَقِّعانِ ويَلْزِقانِ ورَقَةً فَوْقَ ورَقَةٍ ﴿عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ " أيْ: لِيَسْتَتِرا بِهِ.
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ عَلى أنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ كانَ مِن شَرِيعَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ السَّتْرِ.
قالَ القاضِي: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُوجِبُ الوُجُوبَ، إذْ لَيْسَ فِيها أكْثَرُ مِن أنَّهُما فَعَلا ذَلِكَ.
قالَ الأصَمُّ: وتَدُلُّ عَلى أنَّ السَّتْرَ مِن خُلُقِ آدَمَ وحَوّاءَ، وأنَّهُما كَرِها العُرْيَ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُما ثالِثٌ، فَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى قُبْحِ التَّعَرِّي إلّا عِنْدَ الحاجَةِ.
﴿وناداهُما رَبُّهُما﴾ " أيْ يُذَكِّرُهُما النَّهْيَ السّابِقَ والأمْرَ والتَّجَنُّبَ عَنِ الشَّيْطانِ ﴿ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ " أيْ: عَنِ الأكْلِ مِنها: ﴿وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
(p-٢٦٤٣)
7:23Page 153
قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣
They said, "Our Lord, we have wronged ourselves, and if You do not forgive us and have mercy upon us, we will surely be among the losers."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٣] ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
" ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ أيْ أضْرَرْناها بِالمَعْصِيَةِ ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا﴾ " أيْ ما سَلَفَ ﴿وتَرْحَمْنا﴾ " أيْ بِالتَّوْبَةِ وقَبُولِها ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ " أيْ لَنَصِيرَنَّ مِمَّنْ خَسِرَ جَمِيعَ ما حَصَلَ لَهُ مِنَ الكَمالاتِ. قالَ الضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ في قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا﴾ " الآيَةَ: هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّاها آدَمُ مِن رَبِّهِ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: يُقالُ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَعِدَ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: اعْتَرَفَ بِالذَّنْبِ، ونَدِمَ عَلَيْهِ، ولامَ نَفْسَهُ، وسارَعَ إلى التَّوْبَةِ، ولَمْ يَقْنَطْ مِنَ الرَّحْمَةِ. وشَقِيَ إبْلِيسُ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: لَمْ يُقِرَّ بِالذَّنْبِ، ولَمْ يَنْدَمْ، ولَمْ يَلُمْ نَفْسَهُ بَلْ أضافَ إلى رَبِّهِ فَلَمْ يَتُبْ، وقَنَطَ مِنَ الرَّحْمَةِ.
7:24Page 153
قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٢٤
[Allāh] said, "Descend, being to one another enemies. And for you on the earth is a place of settlement and enjoyment [i.e., provision] for a time."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤] ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾
﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ " أيْ: مِنَ الجَنَّةِ إلى ما عَداها، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ اذْهَبُوا. وهو خِطابٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والعُمْدَةُ في العَداوَةِ آدَمُ وإبْلِيسُ، ولِهَذا قالَ في سُورَةِ طَهَ: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] الآيَةَ، وحَوّاءُ تَبَعٌ لِآدَمَ، والحَيَّةُ إنْ كانَ ذِكْرُها صَحِيحًا فَهي تَبَعٌ لِإبْلِيسَ.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ الأماكِنَ الَّتِي هَبَطَ فِيها كُلٌّ مِنهم. ويَرْجِعُ حاصِلُ تِلْكَ الأخْبارِ إلى الإسْرائِيلِيّاتِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، ولَوْ كانَ في تَعْيِينِ تِلْكَ (p-٢٦٤٤)البِقاعِ فائِدَةٌ، تَعُودُ عَلى المُكَلَّفِينَ، في أمْرِ دِينِهِمْ أوْ دُنْياهُمْ، لَذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، أوْ رَسُولُهُ ﷺ. انْتَهى.
﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ أيِ: اسْتِقْرارٌ أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ ﴿ومَتاعٌ﴾ " أيْ: تَمَتُّعٌ ومَعِيشَةٌ ﴿إلى حِينٍ﴾ " أيْ: إلى تَقَضِّي آجالِكم.
7:25Page 153
قَالَ فِيهَا تَحۡيَوۡنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ ٢٥
He said, "Therein you will live, and therein you will die, and from it you will be brought forth."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٥] ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾
﴿قالَ فِيها﴾ " أيِ الأرْضِ ﴿تَحْيَوْنَ﴾ " تَعِيشُونَ ﴿وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ " أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥]
ثُمَّ ذَكَّرَهم سُبْحانَهُ بِنِعْمَتِهِ في تَبْوِئَةِ الدّارِ والمُسْتَقَرِّ في الأرْضِ وكُسُوَتِهِمْ لِباسًا يَسْتُرُونَ بِهِ سَوْءاتِهِمْ، بَعْدَما نَزَعَ عَنْهُما لِباسَ الجَنَّةِ، وذَلِكَ لِما هُمْ، بَعْدَ الإهْباطِ، مِنَ الحاجَةِ إلى اللِّباسِ والمَعاشِ. فَقالَ سُبْحانَهُ:
7:26Page 153
يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٢٦
O children of Adam, We have bestowed upon you clothing to conceal your private parts and as adornment. But the clothing of righteousness - that is best. That is from the signs of Allāh that perhaps they will remember.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٦] ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْـزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾
" ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْـزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ يَعْنِي ما يُلْبَسُ مِنَ الثِّيابِ وغَيْرِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ ما في الأرْضِ مُنَزَّلًا مِنَ السَّماءِ، لِأنَّهُ قَضى ثَمَّةَ وكَتَبَ، أيْ: قَضى وقَسَمَ لَكُمْ، وقَضاياهُ وقِسْمُهُ تُوصَفُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ، حَيْثُ كُتِبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: لَمّا كانَ الرِّيشُ واللِّباسُ يَنْبُتانِ بِالمَطَرِ، والمَطَرُ يَنْزِلُ، جَعَلَ ما هو المُسَبِّبُ بِمَنزِلَةِ السَّبَبِ. انْتَهى.
(p-٢٦٤٥)وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في فَتْوًى لَهُ في مَعْنى النُّزُولِ: لا حاجَةَ إلى إخْراجِ اللَّفْظِ عَنْ مَعْناهُ المَعْرُوفِ لُغَةً، فَإنَّ اللِّباسَ يَنْزِلُ مِن ظُهُورِ الأنْعامِ فامْتَنَّ سُبْحانَهُ بِما يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنَ الأنْعامِ في اللِّباسِ والأثاثِ، وهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - مَعْنى إنْزالِهِ، فَإنَّهُ يُنْزِلُهُ مِن ظُهُورِ الأنْعامِ، وهو كِسْوَةُ الأنْعامِ مِنَ الأصْوافِ والأوْبارِ والأشْعارِ، ويَنْتَفِعُ بِهِ بَنُو آدَمَ في اللِّباسِ والرِّياشِ، فَقَدْ أنْزَلَها عَلَيْهِمْ، وأكْثَرُ أهْلِ الأرْضِ كُسْوَتُهم مِن جُلُودِ الدَّوابِّ، فَهي لِدَفْعِ الحَرِّ والبَرْدِ، وأعْظَمُ مِمّا يُصْنَعُ مِنَ القُطْنِ والكِتّانِ.
﴿يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ " أيْ يَسْتُرُ عَوْراتِكُمُ الَّتِي قَصَدَ إبْلِيسُ إبْداءَها مِن أبَوَيْكم حَتّى اضْطَرّا إلى خَصْفِ الأوْراقِ، وأنْتُمْ مُسْتَغْنُونَ عَنْ ذَلِكَ ﴿ورِيشًا﴾ " عَطْفُهُ إمّا مِن عَطْفِ الصِّفاتِ، فَوَصَفَ اللِّباسَ بِشَيْئَيْنِ: مُواراةِ السَّوْأةِ والزِّينَةِ. فالرِّيشُ بِمَعْنى الزِّينَةِ، لِأنَّهُ زِينَةُ الطَّيْرِ فاسْتُعِيرَ مِنهُ. وإمّا مِن عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ، أيْ: أنْزَلْنا لِباسَيْنِ: لِباسَ مُواراةٍ، ولِباسَ زِينَةٍ، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ فِيهِ المَوْصُوفُ، أيْ: لِباسًا رِيشًا، أيْ ذا رِيشٍ، والرِّيشُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الِاسْمِ والمَصْدَرِ.
ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وحَكاهُ البُخارِيُّ عَنْهُ: الرِّيشُ المالُ. وحَكاهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ أطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ المالِ، والمُرادُ بِهِ مالٌ مَخْصُوصٌ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَمالًا. وقُرِئَ رِيشًا. قالَ (p-٢٦٤٦)ابْنُ السِّكِّيتِ: الرِّياشُ هو الأثاثُ مِنَ المَتاعِ، ما كانَ مِن لِباسٍ أوْ حَشْوٍ مِن فِراشٍ أوْ دِثارٍ، والرِّيشُ: المَتاعُ والأمْوالُ، وقَدْ يَكُونُ في الثِّيابِ دُونَ الأمْوالِ. وإنَّهُ لَحَسَنُ الرِّيشِ، أيِ: الثِّيابِ. انْتَهى.
ويُقالُ: راشَ فُلانٌ، أيْ: جَمَعَ الرِّيشَ، وهو المالُ والأثاثُ. وراشَ الصَّدِيقَ أطْعَمَهُ وسَقاهُ وكَساهُ، وأصْلُهُ مِنَ الرِّيشِ، كَأنَّ الفَقِيرَ المُمْلِقَ لا نُهُوضَ لَهُ، كالمَقْصُوصِ مِنهُ الجَناحُ وكُلُّ مَن أوْلَيْتَهُ خَيْرًا، فَقَدْ رِشْتَهُ -كَذا في تاجِ العَرُوسِ-.
فائِدَةٌ:
رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَنِ اسْتَجَدَّ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ، فَقالَ حِينَ يَبْلُغُ تَرْقُوَتَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسانِي ما أُوارِي بِهِ عَوْرَتِي، وأتَجَمَّلُ بِهِ في حَياتِي. ثُمَّ عَمَدَ إلى الثَّوْبِ الَّذِي أخْلَقَ فَتَصَدَّقَ بِهِ، كانَ في ذَمِّهِ اللَّهِ تَعالى وفي جِوارِ اللَّهِ، وفي كَنَفِ اللَّهِ حَيًّا ومَيِّتًا»» . ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ، ورَوى (p-٢٦٤٧)الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ أبِي مَطَرٍ أنَّهُ رَأى عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أتى غُلامًا حَدَثًا، فاشْتَرى مِنهُ قَمِيصًا بِثَلاثَةِ دَراهِمَ، ولَبَسَهُ إلى ما بَيْنَ الرُّسْغَيْنِ إلى الكَعْبَيْنِ، يَقُولُ ولَبَسَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي مِنَ الرِّياشِ ما أتَجَمَّلُ بِهِ في النّاسِ، وأُوارِي بِهِ عَوْرَتِي. فَقِيلَ: هَذا شَيْءٌ تَرْوِيهِ عَنْ نَفْسِكَ أوْ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ؟ قالَ: هَذا شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الكُسْوَةِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي مِنَ الرِّياشِ ما أتَجَمَّلُ بِهِ في النّاسِ وأُوارِي بِهِ عَوْرَتِي» .
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ساتِرَ الظّاهِرِ وزِينَتَهُ، أشارَ إلى ساتِرِ عُيُوبِ الباطِنِ وزِينَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ " أيْ: خَشْيَةُ اللَّهِ، أوِ الإيمانُ، أوِ السَّمْتُ الحَسَنُ، والكُلُّ مُتَقارِبٌ، ورَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ خَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ " أوْ خَيْرٌ، وذَلِكَ صِفَتُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولِباسُ التَّقْوى المُشارُ إلَيْهِ خَيْرٌ.
قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ الظّاهِرَ مَحَلُّ نَظَرِ الخَلْقِ، والباطِنَ مَحَلُّ نَظَرِ الحَقِّ، والعُيُوبُ الباطِنَةُ أفْحَشُ مِنَ العَوْراتِ الظّاهِرَةِ.
وقالَ القاشانِيُّ: لِباسُ التَّقْوى صِفَةُ الوَرَعِ والحَذَرِ مِن صِفَةِ النَّفْسِ، ذَلِكَ خَيْرٌ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ أرْكانِ الشَّرائِعِ، لِأنَّهُ أصْلُ الدِّينِ وأساسُهُ، كالحَمِيَّةِ في العِلاجِ. انْتَهى.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: ولِباسُ التَّقْوى خَيْرٌ لِصاحِبِهِ إذا أخَذَ بِهِ، وأقْرَبُ لَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، مِمّا خَلَقَ مِنَ اللِّباسِ والرِّياشِ الَّذِي يَتَجَمَّلُ بِهِ، قالَ: وأُضِيفَ اللِّباسُ إلى التَّقْوى، كَما أُضِيفَ إلى الجُوعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] –انْتَهى-
(p-٢٦٤٨)أيْ: فَهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ بِأنْ يَتَوَهَّمَ لِلتَّقْوى حالَةً شَبِيهَةً بِاللِّباسِ، تَشْتَمِلُ عَلى جَمِيعِ بَدَنِهِ، بِحَسَبِ الوَرَعِ والخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ، اشْتِمالُ اللِّباسِ عَلى اللّابِسِ، أوْ مِن قَبِيلِ (لُجَيْنِ الماءِ). وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ﴿ولِباسُ التَّقْوى﴾ " بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى ﴿لِباسًا﴾ " .
﴿ذَلِكَ﴾ " أيْ:إنْزالُ اللِّباسِ ﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ " الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَلى عِبادِهِ ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ " أيْ: نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ فَيَعْرِفُونَ عَظَمَتَها فَيَشْكُرُونَها.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ وارِدَةٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ عَقِيبَ ذِكْرِ بُدُوِّ السَّوْآتِ، وخَصْفِ الأوْراقِ عَلَيْها، إظْهارًا لِلْمِنَّةِ فِيما خَلَقَ مِنَ اللِّباسِ، ولِما في العُرْيِ، وكَشْفِ العَوْرَةِ مِنَ المَهانَةِ والفَضِيحَةِ، وإشْعارًا بِأنَّ التَّسَتُّرَ بابٌ عَظِيمٌ مِن أبْوابِ التَّقْوى.
تَنْبِيهٌ:
قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى عَظِيمِ نِعَمِهِ تَعالى بِهَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّها. وذَهَبَ عَلِيُّ بْنُ مُوسى القَمْيُّ إلى أنَّها تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ. وقالَ آخَرُونَ: لا تَدُلُّ، ولَيْسَ في الظّاهِرِ إلّا الإنْعامُ بِهِ مِن حَيْثُ نَفْيُ الحَرِّ والبَرْدِ وسَتْرِ العَوْرَةِ والتَّجَمُّلِ بِهِ، فَأمّا أنَّهُ واجِبٌ، فَبَعِيدٌ.
ولَوْ ثَبَتَ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ، احْتَجْنا إلى وُجُوبِهِ في شَرِيعَتِنا إلى دَلِيلٍ مُسْتَأْنِفٍ. وقَدْ ثَبَتَ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وُجُوبُهُ بِالخَبَرِ المُسْتَفِيضِ والإجْماعِ، فَلا حاجَةَ إلى الرُّجُوعِ إلى شَرِيعَةٍ أُخْرى.
وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى، كَما أنْعَمَ بِنِعَمِ الدُّنْيا، أنْعَمَ بِنِعَمِ الدِّينِ، فَإنَّ الأقْرَبَ أنَّ لِباسَ التَّقْوى العِلْمُ والعَمَلُ الصّالِحُ، فَكَأنَّهُ ضَمَّ إلى نِعَمِ الدُّنْيا نِعَمِ الدِّينِ الَّتِي بِها يَحْصُلُ الفَوْزُ بِالثَّوابِ، فَتَحْصُلُ نِعْمَةُ الدّارَيْنِ.
7:27Page 153
يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٧
O children of Adam, let not Satan tempt you as he removed your parents from Paradise, stripping them of their clothing1 to show them their private parts. Indeed, he sees you, he and his tribe, from where you do not see them. Indeed, We have made the devils allies to those who do not believe.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٧] ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْـزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهم إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾
﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ " أيْ لا يَخْدَعَنَّكم عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ، بِنَزْعِ لِباسِ (p-٢٦٤٩)الشَّرِيعَةِ والتَّقْوى عَنْكُمْ، فَيُخْرِجُكم مِن نَظَرِ اللَّهِ بِالرَّحْمَةِ إلَيْكُمْ: ﴿كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ لا يَفْتِنَنَّكم فِتْنَةً مِثْلَ إخْراجِ أبَوَيْكم. ﴿يَنْـزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما﴾ " أيِ الظّاهِرُ بِسَبَبِ نَزْعِ لِباسِ التَّقْوى ﴿لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ " أيِ الظّاهِرَةُ الدّالَّةُ عَلى السَّوْأةِ الباطِنَةِ. وجُمْلَةُ ﴿يَنْـزِعُ﴾ " حالٌ مِن ﴿أبَوَيْكُمْ﴾ " أوْ مِن فاعِلِ " أخْرَجَ "، أيْ: أخْرَجَهُما نازِعًا لِباسَهُما، بِأنْ كانَ سَبَبًا في أنْ نَزَعَ عَنْهُما، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): اَسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَتَيْنِ مَن قالَ: إنَّ العَوْرَةَ هي السَّوْأتانِ خاصَّةً -انْتَهى.
الثّانِي: قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حُصُولُ العِبْرَةِ لِمَن يَسْمَعُها، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ، وبَيَّنَ فِيها شِدَّةَ عَداوَةِ الشَّيْطانِ لِآدَمَ وأوْلادِهِ، أتْبَعَها بِأنْ حَذَّرَ أوْلادَهُ مِن قَبُولِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، فَقالَ: ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] " الآيَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ لَمّا بَلَغَ أثَرُ كَيْدِهِ، ولُطْفُ وسْوَسَتِهِ، وشِدَّةُ اهْتِمامِهِ، إلى أنْ قَدَرَ عَلى إلْقاءِ آدَمَ في الزَّلَّةِ المُوجِبَةِ لِإخْراجِهِ مِنَ الجَنَّةِ - فَبِأنْ يَقْدِرَ عَلى أمْثالِ هَذِهِ المَضارِّ في حَقِّ بَنِي آدَمَ أوْلى.
فَبِهَذا الطَّرِيقِ حَذَّرَ تَعالى بَنِي آدَمَ بِالِاحْتِرازِ عَنْ وسْوَسَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ﴾ أيْ: جُنُودُهُ مِنَ الشَّياطِينِ: ﴿مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ أيْ مِن مَكانٍ لا تَرَوْنَهم فِيهِ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ، وتَأْكِيدِ التَّحْذِيرِ مِن فِتْنَتِهِ بِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ العَدُوِّ المُداجِي، يَكِيدُكم ويَغْتالُكم مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُونَ. عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ: إنَّ عَدُوًّا يَراكَ ولا تَراهُ، لَشَدِيدُ المُؤْنَةِ، إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): قالَ ابْنُ الفَرَسِ: اسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى أنَّ الجِنَّ لا يُرَوْنَ وأنَّ مَن قالَ إنَّهم يُرَوْنَ فَهو كافِرٌ –انْتَهى-
ومُرادُهُ بِالبَعْضِ، المُعْتَزِلَةُ، ولِذا (p-٢٦٥٠)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ أنَّ الجِنَّ لا يُرَوْنَ ولا يَظْهَرُونَ لِلْإنْسِ، وأنَّ إظْهارَهم أنْفُسَهم لَيْسَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، وأنَّ زَعْمَ مَن يَدَّعِي رُؤْيَتَهم زُورٌ ومَخْرَقَةٌ. انْتَهى.
وقالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ العامَّةِ إنَّ الشَّيْطانَ يُتَصَوَّرُ لَنا ونَراهُ. ثُمَّ قالَ: ومَتى قِيلَ: ألَيْسَ يُرَوْنَ زَمَنَ الأنْبِياءِ، ويَرى المُعايِنُ المَلَكَ؟ فَجَوابُنا: أنَّهُ يَزْدادُ قُوَّةُ الشُّعاعِ أوْ تَتَكاثَفُ أبْدانُهُمْ، فَيَكُونُ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ -انْتَهى.
وأجابَ أهْلُ السُّنَّةِ كَما في (العِنايَةِ): بِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُمْ، بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المَشْهُورَةِ، وهي لا تُعارِضُ ما في الآيَةِ لِأنَّ المَنفِيَّ فِيها رُؤْيَتُهم إذا لَمْ يَتَمَثَّلُوا لَنا.
وقالَ في فَتْحِ البَيانِ: وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ رُؤْيَةَ الشَّيْطانِ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ. وغايَةُ ما فِيها أنَّهُ يَرانا مِن حَيْثُ لا نَراهُ ولَيْسَ فِيها أنّا لا نَراهُ أبَدًا، فَإنَّ انْتِفاءَ الرُّؤْيَةِ مِنّا لَهُ، في وقْتِ رُؤْيَتِهِ لَنا، لا يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَها مُطْلَقًا.
والحَقُّ جَوازُ رُؤْيَتِهِمْ كَما هو ظاهِرُ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وتَكُونُ الآيَةُ مَخْصُوصَةً بِها، فَيَكُونُونَ مَرْئِيِّينَ في بَعْضِ الأحْيانِ لِبَعْضِ النّاسِ دُونَ بَعْضٍ –انْتَهى-.
وقَدْ أوْضَحَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ رُؤْيا الجِنِّ والشَّياطِينِ بِرُؤْيا المَلائِكَةِ حَيْثُ قالَ في (الرُّكْنِ الثّانِي): المَلائِكَةُ والجِنُّ والشَّياطِينُ جَواهِرُ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها مُخْتَلِفَةٌ بِالحَقائِقِ اخْتِلافًا يَكُونُ بَيْنَ الأنْواعِ. ثُمَّ قالَ: ويُمْكِنُ أنْ تُشاهَدَ هَذِهِ الجَواهِرُ - أعْنِي جَواهِرَ المَلائِكَةِ- وإنْ كانَتْ غَيْرَ مَحْسُوسَةٍ.
وهَذِهِ المُشاهَدَةُ عَلى ضَرْبَيْنِ: إمّا عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] وكَما كانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، يَرى جِبْرِيلَ في صُورَةِ دَحْيَةَ الكَلْبِيِّ.
(p-٢٦٥١)والقِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ لِبَعْضِ المَلائِكَةِ بَدَنٌ مَخْصُوصٌ، كَما أنَّ نُفُوسَنا غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ ولَها بَدَنٌ مَحْسُوسٌ هو مَحَلُّ تَصَرُّفِها وعالَمُها الخاصُّ بِها، فَكَذَلِكَ بَعْضُ المَلائِكَةِ، ورُبَّما كانَ هَذا البَدَنُ المَحْسُوسُ مَوْقُوفًا عَلى إشْراقِ نُورِ النُّبُوَّةِ، كَما أنَّ مَحْسُوساتِ عالَمِنا هَذا مَوْقُوفَةٌ عِنْدَ الإدْراكِ عَلى إشْراقِ نُورِ الشَّمْسِ، وكَذا في الجِنِّ والشَّياطِينِ -انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي سَلَّطْناهم عَلَيْهِمْ، يَزِيدُونَ في غَيِّهِمُ –انْتَهى- والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ آخَرُ لِلنَّهْيِ، وفِيهِ تَحْذِيرٌ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences