Al-QasimiAl‑A'raf · 7:32–39

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:32–39

7:32Page 154

قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣٢

Say, "Who has forbidden the adornment of [i.e., from] Allāh which He has produced for His servants and the good [lawful] things of provision?" Say, "They are for those who believed during the life of this world, exclusively [for them] on the Day of Resurrection." Thus do We detail the verses for a people who know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٢] ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

﴿قُلْ﴾ " أيْ: لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِي يُحَرِّمُونَ ما يُحَرِّمُونَ بِآرائِهِمُ الفاسِدَةِ وابْتِداعِهِمْ ﴿مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ " أيْ مِنَ الثِّيابِ وسائِرِ ما يَتَجَمَّلُ بِهِ ﴿الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ " مِنَ النَّباتِ كالقُطْنِ والكَتّانِ، والحَيَوانِ كالحَرِيرِ والصُّوفِ، والمَعادِنِ كالدُّرُوعِ، هَكَذا عَمَّمَ المُفَسِّرُونَ هُنا، ووَجْهُهُ أنَّ تَخْصِيصَهُ يُغْنِي عَنْهُ ما مَرَّ ﴿والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ " أيِ المُسْتَلَذّاتِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ.

قالَ المَهايِمِيُّ: يَعْنِي إنْ زَعَمُوا أنَّ التَّزَيُّنَ والتَّلَذُّذَ يُنافِيانِ التَّذَلُّلَ الَّذِي هو العِبادَةُ، فَيَحْرِمانِ مَعَها، فَأعْلَمَهم أنَّهُ قَدْ أخْرَجَها لِعِبادِهِ الَّذِينَ خَلَقَهم لِعِبادَتِهِ لِيَتَزَيَّنُوا بِها حالَ العِبادَةِ، فِعْلَ عَبِيدِ المُلُوكِ إذا حَضَرُوا خِدْمَتَهُمْ، ولا يُنافِي ذَلِكَ تَذَلُّلَهم لَهُمْ، وكَذَلِكَ الطَّيِّباتُ الَّتِي خَلَقَها لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ عِبادِهِ لِيَشْكُرُوهُ، والشُّكْرُ عِبادَةٌ، فَلا يُنافِي التَّلَذُّذُ العِبادَةَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ داعِيَةً إلَيْها. انْتَهى.

(p-٢٦٧١)تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: فُسِّرَتِ (الطَّيِّباتُ) بِ(الحَلالِ)، وفُسِّرَتْ بِ(اللَّحْمِ والدَّسَمِ) الَّذِي كانُوا يُحَرِّمُونَهُ أيّامَ الحَجِّ كَما تَقَدَّمَ، وفُسِّرَتْ بِ(البَحائِرِ والسَّوائِبِ) كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْـزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا﴾ [يونس: ٥٩] وظاهِرٌ أنَّ لَفْظَ الآيَةِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وإنْ كانَ يَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، لِأنَّها إنَّما ورَدَتْ نَعْيًا عَلَيْهِمْ فِيهِ، والعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ.

قالَ الرّازِيُّ: لَفْظُ (الزِّينَةِ) يَتَناوَلُ جَمِيعَ أنْواعِ التَّزَيُّنِ، ومِنهُ تَنْظِيفُ البَدَنِ، ومِنهُ المَرْكُوبُ، ومِنهُ أنْواعُ الحُلِيِّ (يَعْنِي لِلنِّساءِ). ثُمَّ قالَ: ويَدْخُلُ تَحْتَ (الطَّيِّباتِ)، كُلُّ ما يُسْتَلَذُّ ويُشْتَهى مِن أنْواعِ المَأْكُولاتِ والمَشْرُوباتِ، ويَدْخُلُ تَحْتَهُ التَّمَتُّعُ بِالنِّساءِ والطِّيبِ. وقَدْ «رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، ما هم بِهِ مِن الِاخْتِصاءِ والتَّبَتُّلِ» .

الثّانِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَطاعِمِ والمَلابِسِ وأنْواعِ التَّجَمُّلاتِ الإباحَةُ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ في " مَن " لِإنْكارِ تَحْرِيمِها عَلى وجْهٍ بَلِيغٍ، لِأنَّ إنْكارَ الفاعِلِ يُوجِبُ إنْكارَ الفِعْلِ لِعَدَمِهِ بِدُونِهِ.

الثّالِثُ: في الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن تَوَرَّعَ مِن أكْلِ المُسْتَلَذّاتِ ولُبْسِ المَلابِسِ الرَّقِيقَةِ، لِأنَّهُ لا زُهْدَ في تَرْكِ الطَّيِّبِ مِنها، ولِهَذا جاءَتِ الآيَةُ مُعَنْوَنَةً بِالِاسْتِفْهامِ المُتَضَمِّنِ لِلْإنْكارِ عَلى مَن حَرَّمَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، أوْ حَرَّمَهُ عَلى غَيْرِهِ. وما أحْسَنَ ما قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: لَقَدْ أخْطَأ (p-٢٦٧٢)مَن آثَرَ لِباسَ الشَّعَرِ والصُّوفِ، عَلى لِباسِ القُطْنِ والكِتّانِ، مَعَ وُجُودِ السَّبِيلِ إلَيْهِ مِن حِلِّهِ، ومَن أكَلَ البُقُولَ والعَدَسَ، واخْتارَهُ عَلى خَبَرِ البُرِّ، ومَن تَرَكَ أكْلَ اللَّحْمِ خَوْفًا مِن عارِضِ الشَّهْوَةِ. انْتَهى.

الرّابِعُ: قالَ ابْنُ الفُرْسِ: واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن أجازَ لُبْسَ الحَرِيرِ والخَزِّ لِلرِّجالِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سِنانِ بْنِ سَلَمَةَ أنَّهُ كانَ يَلْبَسُ الخَزَّ، فَقالَ لَهُ النّاسُ: مِثْلُكَ يَلْبَسُ هَذا؟ فَقالَ لَهُمْ: مَن ذا الَّذِي يُحَرِّمُ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ؟ ولَكِنْ أخْرَجَ عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: لَمْ يَأْمُرْهم بِالحَرِيرِ ولا الدِّيباجِ، ولَكِنَّهُ كانُوا إذا طافَ أحَدُهم وعَلَيْهِ ثِيابُهُ ضُرِبَ وانْتُزِعَتْ عَنْهُ. كَذا في (الإكْلِيلِ).

أقُولُ: عَدَمُ شُمُولِ الآيَةِ لِلْحَرِيرِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، لِأنَّ ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ لا يَتَناوَلُهُ العامُّ، والأحادِيثُ في تَحْرِيمِ الحَرِيرِ لا تُحْصى كَثْرَةً، فاسْتِنْباطُ حِلِّهِ مِنها مَرْدُودٌ عَلى زاعِمِهِ.

﴿قُلْ هِيَ﴾ " أيْ زِينَةُ اللَّهِ والطَّيِّباتُ، مَخْلُوقَةٌ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ " بِالأصالَةِ، والكَفَرَةُ وإنْ شارَكُوهم فِيها فَتَبَعٌ ﴿خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ " أيْ: لا يُشارِكُهم فِيها غَيْرُهُمْ، لِأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ. وانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، أيْ: عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ المَهايِمِيُّ: إنَّما خُلِقَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَعْلَمُوا بِها لَذّاتِ الآخِرَةِ، فَيَرْغَبُوا فِيها مَزِيدَ رَغْبَةٍ، لَكِنْ شارَكَهُمُ الكَفَرَةُ فِيها لِئَلّا يَكُونَ هَذا الفَرْقُ مُلْجِئًا لَهم إلى الإيمانِ.

فَإذا ذَهَبَ هَذا المَعْنى، تَصِيرُ خالِصَةً لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَلَوْ حَرُمَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ لَكانَتْ مَخْلُوقَةً لِلْكافِرِينَ، وهو خِلافُ مُقْتَضى الحِكْمَةِ. وإنْ خُلِقَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَأوْلى أوْقاتِ الِانْتِفاعِ بِها وقْتُ جَرَيانِها عَلى مُقْتَضى الإيمانِ، وهو العِبادَةُ والتَّقْوى، ولَكِنْ مِن غَيْرِ انْهِماكٍ في الشَّهَواتِ.

﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيِ الحِكْمَةَ في خَلْقِ الأشْياءِ، واسْتِعْمالَ (p-٢٦٧٣)الأشْياءِ عَلى نَهْجٍ يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ. فَإنْ زَعَمُوا أنَّهُ يُخافُ مِنَ التَّزَيُّنِ والتَّلَذُّذِ الوُقُوعُ في الكِبْرِ، والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ، فَيَحْرُمانِ عَلى أهْلِ العِبادَةِ.

7:33Page 154

قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٣

Say, "My Lord has only forbidden immoralities - what is apparent of them and what is concealed - and sin,1 and oppression without right, and that you associate with Allāh that for which He has not sent down authority, and that you say about Allāh that which you do not know."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٣] ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

﴿قُلْ﴾ " إنَّهُما مِنَ المَنافِعِ الخالِصَةِ في أنْفُسِهِما. والإفْضاءُ احْتِمالٌ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، فَإذا أفْضى، فالحَرامُ هو المُفْضى إلَيْهِ بِالذّاتِ لِأنَّهُ ﴿إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ﴾ " أيْ: ما تَفاحَشَ قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، أيْ: تَزايَدَ (وهِيَ الكَبائِرُ)، وهي ما يَتَعَلَّقُ بِالفُرُوجِ ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ " أيْ: ما جاهَرَ بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، وما سَتَرَهُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، وما ظَهَرَ مِن أفْعالِ الجَوارِحِ، وما بَطَنَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ ﴿والإثْمَ﴾ " أيْ: ما يُوجِبُ الإثْمَ، وهو عامٌّ لِكُلِّ ذَنْبٍ، وذَكَرَهُ لِلتَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، ويُقالُ: إنَّ الإثْمَ هو الخَمْرُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎نَهانا رَسُولُ اللَّهِ أنْ نَقْرُبَ الزِّنى وأنْ نَشْرَبَ الإثْمَ الَّذِي يُوجِبُ الوِزْرا

وأنْشَدَ الأخْفَشُ:

؎شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى ضَلَّ عَقْلِي ∗∗∗ كَذاكَ الإثْمُ تَذْهَبُ بِالعُقُولِ

وهُوَ مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ. وذَكَرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ كالأصْمَعِيِّ وغَيْرِهِ، قالَ الحَسَنُ: ويُصَدِّقُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمْ تُسَمِّ العَرَبُ الخَمْرَ (p-٢٦٧٤)إثْمًا في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ، والشِّعْرُ المَذْكُورُ مَوْضُوعٌ، ورُدَّ بِأنَّهُ مَجازٌ، لِأنَّهُ سَبَّبَهُ. وقالَ أبُو حَيّانَ: هَذا التَّفْسِيرُ غَيْرُ صَحِيحٍ هُنا، لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ تُحَرَّمُ الخَمْرُ إلّا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ وقَدْ سَبَقَهُ إلى هَذا غَيْرُهُ.

وأيْضًا، الحَصْرُ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، كَذا في (العِنايَةِ).

﴿والبَغْيَ﴾ " أيْ: الِاسْتِطالَةَ عَلى النّاسِ وظُلْمَهُمْ، إنَّما أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ، مَعَ دُخُولِهِ فِيما قَبْلَهُ، لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْهُ. وذَلِكَ لِأنَّ تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ يَقْتَضِي أنَّهُ تَمَيَّزَ مِن بَيْنِها حَتّى عُدَّ نَوْعًا مُسْتَقِلًّا. ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ " مُتَعَلِّقٌ بِ(البَغْيِ)، مُؤَكِّدٌ لَهُ مَعْنًى، وقِيلَ: البَغْيُ قَدْ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ ظُلْمًا إذا كانَ بِسَبَبٍ جائِزٍ في الشَّرْعِ كالقِصاصِ، إلّا أنَّ مِثْلَهُ لا يُسَمّى بَغْيًا حَقِيقَةً، بَلْ مُشاكَلَةً " و" قَدْ حَرَّمَ " أنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا " أيْ: بُرْهانًا أيْ: ما لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ تَهَكُّمٌ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُنَزِّلَ بُرْهانًا بِأنْ يُشْرَكَ بِهِ غَيْرُهُ.

وفِي (العِنايَةِ): إنَّما جاءَ التَّهَكُّمُ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُوهِمُ أنَّهُ لَوْ كانَ عَلَيْهِ سُلْطانٌ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، دَلالَةً عَلى تَقْلِيدِهِمْ في الغَيِّ، والمَعْنى عَلى نَفْيِ الإنْزالِ والسُّلْطانِ مَعًا عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ. انْتَهى.

قالَ الرّازِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ. وتَبِعَهُ القاضِي فَقالَ: في الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى تَحْرِيمِ اتِّباعِ ما لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بُرْهانٌ " و" قَدْ حَرَّمَ عَلَيْكم " أنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ " أيْ: تَتَقَوَّلُوا عَلَيْهِ، وتَفْتَرُوا الكَذِبَ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، أوْ في الشِّرْكِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ، لِأنَّ قَوْلَهُ " الفَواحِشَ والإثْمَ "، يَشْتَمِلُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، والأفْعالِ القَبِيحَةِ، والعُقُودِ المُخالِفَةِ لِلشَّرْعِ، والأقاوِيلِ الفاسِدَةِ، والِاعْتِقاداتِ الباطِلَةِ.

ودَخَلَ في قَوْلِهِ ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ أفْعالُ الجَوارِحِ، وأفْعالُ القُلُوبِ (p-٢٦٧٥)والخِياناتُ، والمَكْرُ، والخَدِيعَةُ، ودَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿والبَغْيَ﴾ " كُلُّ ظُلْمٍ يَتَعَدّى عَلى الغَيْرِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يَفْعَلُهُ البُغاةُ والخَوارِجُ، والأُمَراءُ إذا انْتَصَرُوا بِغَيْرِ حَقٍّ. ودَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿وأنْ تُشْرِكُوا﴾ " تَحْرِيمُ كُلِّ شِرْكٍ وعِبادَةٍ لِغَيْرِ اللَّهِ. ودَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿وأنْ تَقُولُوا﴾ " كُلُّ بِدْعَةٍ وضَلالَةٍ وفَتْوى بِغَيْرِ حَقٍّ، وشَهادَةِ زُورٍ ونَحْوَهُ.

فالآيَةُ جامِعَةٌ في المُحَرَّماتِ، كَما أنَّ ما قَبْلَها جامِعَةٌ في المُباحاتِ، وفِيهِ تَعْلِيمٌ لِلْآدابِ، دِينًا ودُنْيا، وتَدُلُّ عَلى بُطْلانِ التَّقْلِيدِ، لِأنَّهُ أوْجَبَ اتِّباعَ الحُجَّةِ، لِقَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ والسُّلْطانُ الحُجَّةُ.

وتَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ وقْتَ حَياةٍ، ووَقْتَ مَوْتٍ، لا يَجُوزُ فِيهِ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ، فَيَبْطُلُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: المَقْتُولُ ماتَ قَبْلَ أجَلِهِ. انْتَهى.

ثُمَّ أوْعَدَ تَعالى أهْلَ مَكَّةَ بِالعَذابِ النّازِلِ في أجَلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، كَما نَزَلَ بِالأُمَمِ، فَقالَ تَعالى:

7:34Page 154

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٤

And for every nation is a [specified] term. So when their time has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٤] ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾

﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ " أيْ: مُدَّةٌ أوْ وقْتٌ لِنُزُولِ العَذابِ بِهِمْ ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ " أيْ: مِيقاتُهُمُ المُقَدَّرُ لَهم ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ " أيْ: لا يُتْرَكُونَ بَعْدَ الأجَلِ شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ، ولا يُهْلَكُونَ قَبْلَهُ كَذَلِكَ، والسّاعَةُ مَثَلٌ في غايَةِ القِلَّةِ مِنَ الزَّمانِ.

لَطائِفُ:

١- وقَعَ هَذا التَّرْكِيبُ في مَوْضِعٍ مِنَ التَّنْزِيلِ، وفِيهِ بَحْثٌ مَشْهُورٌ: وهو أنَّهُ لَمّا كانَ الظّاهِرُ عَطْفَ (لا يَسْتَقْدِمُونَ) عَلى (لا يَسْتَأْخِرُونَ)، كَما أعْرَبَهُ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ فاسِدٌ، لِأنَّ (إذا)، إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الأُمُورُ المُسْتَقْبَلَةُ لا الماضِيَةُ، والِاسْتِقْدامُ حِينَئِذٍ بِالنِّسْبَةِ إلى مَحِلِّ الأجَلِ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَهُ؟ ويَصِيرُ بابُ الإخْبارِ (p-٢٦٧٦)بِالضَّرُورِيِّ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ، كَقَوْلِكَ: إذا قُمْتُ فِيما يَأْتِي، لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُكَ فِيما مَضى.

وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالمَجِيءِ الدُّنُوُّ، بِحَيْثُ يُمْكِنُ التَّقَدُّمُ في الجُمْلَةِ، كَمَجِيءِ اليَوْمِ الَّذِي ضُرِبَ لِهَلاكِهِمْ ساعَةٌ فِيهِ.

وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ " لا يَسْتَقْدِمُونَ " مُسْتَأْنَفَةٌ. وقِيلَ: إنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى الشَّرْطِ وجَوابِهِ، أوْ عَلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ، أوْ أنَّ مَجْمُوعَ " لا يَسْتَأْخِرُونَ ولا يَسْتَقْدِمُونَ "، كِنايَةٌ عَنْ أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ تَغْيِيرَهُ.

والتَّحْقِيقُ أنَّهُ عُطِفَ عَلى ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ " لَكِنْ لا لِبَيانِ انْتِفاءِ التَّقَدُّمِ، مَعَ إمْكانِهِ في نَفْسِهِ كالتَّأخُّرِ، كَما يُتَوَهَّمُ، بَلْ لِلْمُبالَغَةِ في انْتِفاءِ التَّأخُّرِ، يَعْنِي أنَّ التَّأخُّرَ مُساوٍ لِلتَّقَدُّمِ في الِاسْتِحالَةِ، ولِذا نَظَّمَهُ مَعَهُ في سِلْكٍ، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨] فَإنَّ مَن ماتَ كافِرًا مَعَ ظُهُورِ أنْ لا تَوْبَةَ لَهُ رَأْسًا، قَدْ نَظَّمَ في عَدَمِ القَبُولِ، في سِلْكِ مَن سَوَّفَها إلى حُضُورِ المَوْتِ. إيذانًا بِتَساوِي وُجُودِ التَّوْبَةِ حِينَئِذٍ وعَدَمِها بِالمَرَّةِ.

٢- تَقْدِيمُ بَيانِ انْتِفاءِ الِاسْتِئْخارِ، لِما أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ بَيانُ عَدَمِ خَلاصِهِمْ مِنَ العَذابِ. وأمّا (ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحجر: ٥] مِن سَبْقِ (السَّبْقِ) في الذِّكْرِ؛ فَلَمّا أنَّ المُرادَ هُناكَ بَيانُ سِرِّ تَأْخِيرِ إهْلاكِهِمْ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] فالأهَمُّ هُناكَ بَيانُ انْتِفاءِ السَّبْقِ.

٣- صِيغَةُ الِاسْتِفْعالِ لِلْإشْعارِ بِعَجْزِهِمْ وحِرْمانِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، مَعَ طَلَبِهِمْ لَهُ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

ثُمَّ أنْذَرَ تَعالى بَنِي آدَمَ بِأنَّهُ سَيَبْعَثُ إلَيْهِمْ رُسُلًا يَهْدُونَهم وبَشَّرَ وأنْذَرَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

(p-٢٦٧٧)

7:35Page 154

يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٥

O children of Adam, if there come to you messengers from among you relating to you My verses [i.e., scriptures and laws], then whoever fears Allāh and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٥] ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

" ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ شَرَطَ ذِكْرَهُ بِحَرْفِ الشَّكِّ، لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إتْيانَ الرُّسُلِ أمْرٌ جائِرٌ غَيْرُ واجِبٍ. وضُمَّتْ إلَيْها (ما) لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ أكَّدَ فِعْلَها بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ أوِ الخَفِيفَةِ. والمُرادُ بِبَنِي آدَمَ جَمِيعُ الأُمَمِ، وهو حِكايَةٌ لِما وقَعَ مَعَ كُلِّ قَوْمٍ. ولَيْسَ المُرادُ بِالرُّسُلِ نَبِيَّنا ﷺ، وبِبَنِي آدَمَ أُمَّتَهُ كَما قِيلَ، فَإنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، كَذا في (القاضِي وحَواشِيهِ)، وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ " أيِ التَّكْذِيبَ ﴿وأصْلَحَ﴾ " أيْ عَمَلَهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ " مِنَ العَذابِ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ " في الآخِرَةِ.

7:36Page 154

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٦

But the ones who deny Our verses and are arrogant toward them - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٦] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

" ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ تَكَبَّرُوا ﴿عَنْها﴾ " فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِها ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

تَنْبِيهٌ:

قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ اتِّباعِ الرُّسُلِ وقَبُولِ ما يُؤَدُّونَ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاحَ في الرُّسُلِ أنْ تَكُونَ مِن جُمْلَةِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم يَكُونُونَ بِطَرِيقَتِهِ أعْرَفَ، ومِنَ النِّفارِ عَنْهُ أبْعَدَ، وإلى السُّكُونِ إلَيْهِ أقْرَبَ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ الغَرَضَ بِالرَّسُولِ ما يُؤَدِّي مِنَ الأدِلَّةِ، فَلِذَلِكَ قُلْنا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَسُولًا إلّا ومَعَهُ ما يُؤَدِّيهِ: وتَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ تُنالُ بِشَيْئَيْنِ: (p-٢٦٧٨)بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، واتِّقاءِ المَعاصِي، فَبَطَلَ قَوْلُ المُرْجِئَةِ.

وتَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ في الآخِرَةِ لا يَخافُ ولا يَحْزَنُ، خِلافَ ما يَقُولُهُ الأحْسَدِيَّةُ (كَذا)، والحَشْوِيَّةُ -هَكَذا، قالَهُ أكْثَرُ أصْحابِنا.

وقالَ أبُو بَكْرٍ أحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ: قَوْلُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٣٥] " كَقَوْلِ الطَّبِيبِ لِلْمَرِيضِ (لا بَأْسَ عَلَيْكَ)، يَعْنِي أنَّ أمْرَهُ يَؤُولُ إلى العافِيَةِ. ولَيْسَ هَذا بِالوَجْهِ لِأنَّهُ نَفى الخَوْفَ والحُزْنَ مُطْلَقًا. وتَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ لِلْمُكَذِّبِينَ، كَما تَدُلُّ عَلى الوَعْدِ لِلْمُطِيعِينَ، تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا. وتَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْوى والصَّلاحَ والتَّكْذِيبَ فِعْلُ العَبْدِ، فَبَطَلَ قَوْلُهم في المَخْلُوقِ والِاسْتِطاعَةِ. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى وعِيدَ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

7:37Page 154

فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوٓاْ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ٣٧

And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Those will attain their portion of the decree1 until, when Our messengers [i.e., angels] come to them to take them in death, they will say, "Where are those you used to invoke besides Allāh?" They will say, "They have departed from us," and will bear witness against themselves that they were disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٧] ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾

" ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ أيْ مِمَّنْ تَقَوَّلَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، أوْ بِنِسْبَةِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ، أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ المُنَزَّلَةِ. ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ يُصِيبُهم حَظُّهم مِمّا كُتِبَ لَهم مِنَ الرِّزْقِ والعُمْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ. أيْ مَعَ ظُلْمِهِمْ وافْتِرائِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، لا يُحْرَمُونَ ما قُدِّرَ لَهم مِنَ العُمْرِ والرِّزْقِ إلى انْقِضاءِ آجالِهِمْ.

وفِي الآيَةِ وُجُوهٌ أُخَرُ، هَذا أظْهَرُها وأقْواها في المَعْنى، وتَتِمَّةُ الآيَةِ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ تَتَلاقى مَعَ نَظائِرِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [يونس: ٦٩] ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٧٠]

(p-٢٦٧٩)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣] ﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا﴾ [لقمان: ٢٤] الآيَةَ. ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ أيْ: مَلائِكَةُ المَوْتِ تَقْبِضُ أرْواحَهم ﴿قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أيْنَ الآلِهَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَها لِيَكُونُوا لَكم شُفَعاءَ، فَلا نَراهم يُخَلِّصُونَكم مِمّا تَحَقَّقَ عَلَيْكم مِن هَذِهِ الشَّدائِدِ.

وفائِدَةُ السُّؤالِ وجْهانِ: تَوْبِيخٌ وتَبْكِيتٌ لَهم يَزِيدُهم غَمًّا إلى غَمٍّ، ولُطْفٌ بِالمُكَلَّفِ لِأنَّهُ إذا تَصَوَّرَ ذَلِكَ صَرَفَهُ عَنِ التَّكْذِيبِ، و(ما)، وقَعَتْ مَوْصُولَةً بِ(أيْنَ) في خَطِّ المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ، ومُقْتَضى الِاصْطِلاحِ الفَصْلُ، لِأنَّها مَوْصُولَةٌ ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ " أيْ: غابُوا عَنّا فَلَمْ يُخَلِّصُونا مِن شَيْءٍ ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ أيْ: عابِدِينَ لِما لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ. اعْتَرَفُوا بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى شَيْءٍ فِيما كانُوا عَلَيْهِ، وأنَّهم لَمْ يَحْمَدُوهُ في العاقِبَةِ.

7:38Page 155

قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ ٣٨

[Allāh] will say, "Enter among nations which had passed on before you of jinn and mankind into the Fire." Every time a nation enters, it will curse its sister1 until, when they have all overtaken one another therein, the last of them2 will say about the first of them,3 "Our Lord, these had misled us, so give them a double punishment of the Fire." He will say, "For each is double, but you do not know."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٨] ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾

﴿قالَ﴾ " أيِ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم في الآخِرَةِ ﴿ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ﴾ " أيْ: في جُمْلَةِ أُمَمٍ قَدْ مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ " يَعْنِي كُفّارَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِنَ النَّوْعَيْنِ ﴿فِي النّارِ﴾ " مُتَعَلِّقٌ بِـ " ادْخُلُوا " ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ أيْ: في النّارِ ﴿لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ " أيِ الَّتِي (p-٢٦٨٠)قَبْلَها لِضَلالِها بِها، كَما قالَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: ٢٥] الآيَةَ.

﴿إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾ أيْ تَدارَكُوا، بِمَعْنى تَلاحَقُوا واجْتَمَعُوا في النّارِ ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ﴾ " وهُمُ الأتْباعُ، ﴿لأُولاهُمْ﴾ " أيْ: لِأجْلِ أُولاهُمْ، إذِ الخِطابُ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، لا مَعَهم. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ قالَتْ أُخْراهم دُخُولًا وهُمُ الأتْباعُ، لِأوْلادِهِمْ وهُمُ المُتَّبَعُونَ، لِأنَّهم أشَدُّ جُرْمًا مِن أتْباعِهِمْ، فَدَخَلُوا قَبْلَهُمْ، فَيَشْكُوهُمُ الأتْباعُ إلى اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ " أيْ سَنُّوا لَنا الضَّلالَ، ودَعَوْا إلَيْهِ، فاقْتَدَيْنا بِهِمْ ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ أيْ مُضاعَفًا لِأنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا ﴿قالَ﴾ " أيْ تَعالى ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ " أيْ: عَذابٌ مُضاعَفٌ. أمّا القادَةُ والرُّؤَساءُ فَبِالضَّلالِ والإضْلالِ، وأمّا الأتْباعُ والسَّفَلَةُ، فَبِالضَّلالِ وتَقْلِيدِ أهْلِ الضَّلالِ، مَعَ وُجُودِ الهادِينَ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ ﴿ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ " أيْ ما لَكُمْ، أوْ ما لِكُلِّ فِرْقَةٍ، وقُرِئَ بِالياءِ، وعَلَيْها، فَهو تَذْيِيلٌ لَمْ يُقْصَدْ إدْراجُهُ في الجَوابِ.

7:39Page 155

وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلٖ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٣٩

And the first of them will say to the last of them, "Then you had not any favor over us, so taste the punishment for what you used to earn."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٩] ﴿وقالَتْ أُولاهم لأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾

" ﴿وقالَتْ أُولاهم لأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ أيْ: لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا في تَرْكِ الكُفْرِ والضَّلالِ حَتّى يَكُونَ عَذابُنا مُضاعَفًا دُونَكُمْ، فَقَدْ ضَلَلْتُمْ كَما ضَلَلْنا، فَنَحْنُ وإيّاكم مُتَساوُونَ في الضَّلالِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ مِن قَوْلِ القادَةِ، أوْ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِلْفَرِيقَيْنِ، وهو أظْهَرُ.

(p-٢٦٨١)تَنْبِيهٌ:

قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ والضُّلّالَ والمُبْتَدِعَةَ وإنْ تَناصَرُوا وتَعاوَنُوا عَلى ضَلالَتِهِمْ، وتَوادُّوا في الدُّنْيا، فَإنَّهم في الآخِرَةِ يَتَلاعَنُونَ ويَتَقاطَعُونَ ويَسْألُونَ العَذابَ لِمَن أضَلَّهُمْ، وتَدُلُّ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ، والِاغْتِرارِ بِقَوْلِ عُلَماءِ السُّوءِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ الدّاعِيَ إلى الضَّلالِ مُضِلٌّ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ إضْلالَ غَيْرِهِ إيّاهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ لَهُ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ اشْتِراكَهم في العَذابِ لا يُوجِبُ لَهم راحَةً، بِخِلافِ الِاشْتِراكِ في مِحَنِ الدُّنْيا. وتَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الإضْلالَ فِعْلُهُمْ، فَيَبْطُلُ قَوْلُ المُجْبِرَةِ في المَخْلُوقِ، والهُدى والضَّلالِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском