Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:54, continued
فَرَحِمَ اللَّهُ مَن عَقَلَ عَنِ اللَّهِ، ورَجَعَ عَنِ القَوْلِ الَّذِي يُخالِفُ الكِتابَ والسُّنَّةَ، وقالَ بِقَوْلِ العُلَماءِ، وهو قَوْلُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وتَرَكَ دِينَ الشَّيْطانِ، ودِينَ جَهْمٍ وشِيعَتِهِ. انْتَهى.
وقالَ الإمامُ الحافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في كِتابِ (التَّمْهِيدُ) في شَرْحِ حَدِيثِ: ««يَنْزِلُ رَبُّنا (p-٢٧١٧)كُلَّ لَيْلَةٍ»» الحَدِيثَ، ما نَصُّهُ: هَذا الحَدِيثُ ثابِتٌ مِن جِهَةِ النَّقْلِ، صَحِيحُ الإسْنادِ، لا يَخْتَلِفُ أهْلُ الحَدِيثِ في صِحَّتِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى في السَّماءِ، عَلى العَرْشِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، كَما قالَتِ الجَماعَةُ، وهو حُجَّتُهم عَلى المُعْتَزِلَةِ والجَهْمِيَّةِ في قَوْلِهِمْ: (إنَّ اللَّهَ في كُلِّ مَكانٍ، ولَيْسَ عَلى العَرْشِ). والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما قالَهُ أهْلُ الحَقِّ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] ثُمَّ ساقَ عِدَّةَ آياتٍ في ذَلِكَ، وقالَ: هَذِهِ الآياتُ كُلُّها واضِحاتٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ. وأمّا ادِّعاؤُهُمُ المَجازَ في الِاسْتِواءِ، وقَوْلُهم في تَأْوِيلِ " اسْتَوى " اسْتَوْلى، فَلا مَعْنى لَهُ، لِأنَّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ في اللُّغَةِ. ومَعْنى الِاسْتِيلاءِ في اللُّغَةِ المُغالَبَةُ، واللَّهُ تَعالى لا يُغالِبُهُ أحَدٌ، وهو الواحِدُ الصَّمَدُ.
ومِن حَقِّ الكَلامِ أنْ يُحْمَلَ عَلى حَقِيقَتِهِ، حَتّى تَتَّفِقَ الأُمَّةُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ المَجازُ، إذْ لا سَبِيلَ إلى اتِّباعِ ما أُنْزِلَ إلَيْنا مِن رَبِّنا تَعالى إلّا عَلى ذَلِكَ، وإنَّما يُوَجَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الأشْهَرِ والأظْهَرِ مِن وُجُوهِهِ، ما لَمْ يَمْنَعْ مِن ذَلِكَ ما يَجِبُ لَهُ التَّسْلِيمُ.
ولَوْ ساغَ ادِّعاءُ المَجازِ لِكُلِّ مُدَّعٍ، ما ثَبَتَ شَيْءٌ مِنَ العِباداتِ. وجَلَّ اللَّهُ أنْ يُخاطِبَ إلّا بِما تَفْهَمُهُ العَرَبُ، مِن مَعْهُودِ مُخاطِباتِها مِمّا يَصِحُّ مَعْناهُ عِنْدَ السّامِعِينَ، والِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ في اللُّغَةِ مَفْهُومٌ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ عَلى الشَّيْءِ، والِاسْتِقْرارُ والتَّمَكُّنُ فِيهِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] قالَ: عَلا، قالَ: تَقُولُ العَرَبُ: اسْتَوَيْتُ فَوْقَ الدّابَّةِ واسْتَوَيْتُ فَوْقَ البَيْتِ. وقالَ غَيْرُهُ: اسْتَوى أيِ اسْتَقَرَّ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى﴾ [القصص: ١٤] انْتَهى شَبابُهُ واسْتَقَرَّ، فَلَمْ يَكُنْ في شَبابِهِ مَزِيدٌ.
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: الِاسْتِواءُ: الِاسْتِقْرارُ في العُلُوِّ، وبِهَذا خاطَبَنا اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ فَقالَ: (p-٢٧١٨)﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وقالَ تَعالى: ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] وقالَ تَعالى: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] وقالَ الشّاعِرُ:
؎فَأوْرِدَتُهم ماءً بِفَيْفاءَ قَفْرَةٍ ∗∗∗ وقَدْ حَلَّقَ النَّجْمُ اليَمانِيُّ فاسْتَوى
وهَذا لا يَجُوزُ أنْ يَتَأوَّلَ فِيهِ أحَدٌ (اسْتَوْلى)، لِأنَّ النَّجْمَ لا يَسْتَوْلِي. وقَدْ ذَكَرَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ -وكانَ ثِقَةً مَأْمُونًا جَلِيلًا في عِلْمِ الدِّيانَةِ واللُّغَةِ- قالَ: حَدَّثَنِي الخَلِيلُ - وحَسْبُكَ بِالخَلِيلِ - قالَ: أتَيْتُ أبا رَبِيعَةَ الأعْرابِيَّ، وكانَ مِن أعْلَمِ ما رَأيْتُ، فَإذا هو عَلى سَطْحٍ، فَسَلَّمْنا، فَرَدَّ عَلَيْنا السَّلامَ، وقالَ: (اسْتَوُوا)، فَبَقِينا مُتَحَيِّرِينَ ولَمْ نَدْرِ ما قالَ، فَقالَ لَنا أعْرابِيٌّ إلى جانِبِهِ: إنَّهُ أمَرَكم أنْ تَرَفَّعُوا، فَقالَ الخَلِيلُ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [فصلت: ١١] فَصَعِدْنا إلَيْهِ، قالَ: وأمّا مَن نَزَعَ مِنهم بِحَدِيثٍ يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ داوُدَ الواسِطِيُّ، (p-٢٧١٩)عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ عَبْدِ الوَهّابِ بْنِ مُجاهِدٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] قالَ: اسْتَوْلى عَلى جَمِيعِ بَرِيَّتِهِ، فَلا يَخْلُو مِنهُ مَكانٌ.
فالجَوابُ: أنَّ هَذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ونَقَلَتُهُ مَجْهُولَةٌ وضُعَفاءٌ، فَأمّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ داوُدَ الواسِطِيُّ وعَبْدُ الوَهّابِ بْنُ مُجاهِدٍ فَضَعِيفانِ.
وإبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ مَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ. وهم لا يَقْبَلُونَ أخْبارَ الآحادِ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهم الِاحْتِجاجُ بِمِثْلِ هَذا الحَدِيثِ، لَوْ عَقَلُوا وأنْصَفُوا؟ أما سَمِعُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ [غافر: ٣٦] ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧] ؟ فَدَلَّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقُولُ: إلَهِي في السَّماءِ وفِرْعَوْنُ يَظُنُّهُ كاذِبًا. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَسُبْحانَ مَن لا يُقَدِّرُ الخَلْقُ قَدْرَهُ ∗∗∗ ومَن هو فَوْقَ العَرْشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ
؎مَلِيكٌ عَلى عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ ∗∗∗ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ
وهَذا الشِّعْرُ لِأُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ. وفِيهِ يَقُولُ في وصْفِ المَلائِكَةِ:
؎وساجِدُهم لا يَرْفَعُ الدَّهْرَ رَأْسَهُ ∗∗∗ يُعَظِّمُ رَبًّا فَوْقَهُ ويُمَجِّدُ
قالَ: فَإنِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن (p-٢٧٢٠)نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وزَعَمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ في كُلِّ مَكانٍ بِنَفْسِهِ وذاتِهِ -تَبارَكَ وتَعالى جَدُّهُ- قِيلَ: لا خِلافَ بَيْنَنا وبَيْنَكم وبَيْنَ سائِرِ الأُمَّةِ أنَّهُ لَيْسَ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ بِذاتِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآياتِ عَلى المَعْنى الصَّحِيحِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّهُ في السَّماءِ إلَهٌ مَعْبُودٌ مِن أهْلِ السَّماءِ، وفي الأرْضِ إلَهٌ مَعْبُودٌ مِن أهْلِ الأرْضِ، وكَذا قالَ أهْلُ العِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ.
وظاهِرُ هَذا التَّنْزِيلِ يَشْهَدُ أنَّهُ عَلى العَرْشِ، فالِاخْتِلافُ في ذَلِكَ ساقِطٌ، وأسْعَدُ النّاسِ بِهِ مَن ساعِدُهُ الظّاهِرُ، وأمّا قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وفِي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فالإجْماعُ والِاتِّفاقُ قَدْ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ مَعْبُودٌ مِن أهْلِ الأرْضِ. فَتَدَبَّرْ هَذا فَإنَّهُ قاطِعٌ.
ومِنَ الحُجَّةِ أيْضًا في أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى العَرْشِ فَوْقَ السَّماواتِ السَّبْعِ، أنَّ المُوَحِّدِينَ أجْمَعِينَ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ، إذا كَرَبَهم أمْرٌ، أوْ نَزَلَتْ بِهِمْ شِدَّةٌ، رَفَعُوا وُجُوهَهم إلى السَّماءِ، ونَصَبُوا أيْدِيَهم رافِعِينَ مُشِيرِينَ بِها إلى السَّماءِ، يَسْتَغِيثُونَ اللَّهَ رَبَّهم تَبارَكَ وتَعالى، وهَذا أشْهَرُ وأعْرَفُ عِنْدَ الخاصَّةِ والعامَّةِ، مِن أنْ يَحْتاجَ فِيهِ إلى أكْثَرَ مِن حِكايَتِهِ.
لِأنَّهُ اضْطِرارِيٌّ لَمْ يُخالِفْهم عَلَيْهِ أحَدٌ، ولا أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ مُسْلِمٌ، وقَدْ «قالَ ﷺ لِلْأمَةِ الَّتِي أرادَ مَوْلاها عِتْقَها، (p-٢٧٢١)إنْ كانَتْ مُؤْمِنَةً، فاخْتَبَرَها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِأنْ قالَ لَها: «أيْنَ اللَّهُ؟» فَأشارَتْ إلى السَّماءِ. ثُمَّ قالَ لَها: «مَن أنا؟» قالَتْ أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: «أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ»» . فاكْتَفى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنها بِرَفْعِ رَأْسِها إلى السَّماءِ، واسْتَغْنى بِذَلِكَ عَمّا سِواهُ.
قالَ: وأمّا احْتِجاجُهم بِقَوْلِهِ: تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] فَلا حُجَّةَ لَهم في ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ عُلَماءَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ الَّذِينَ حُمِلَ عَنْهُمُ التَّأْوِيلُ في القُرْآنِ قالُوا تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ: هو عَلى العَرْشِ، وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكانٍ، وما خالَفَهم في ذَلِكَ أحَدٌ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ.
وذَكَرَ سُنَيْدٌ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قالَ: هو عَلى عَرْشِهِ، وعِلْمُهُ مَعَهم أيْنَما كانُوا.
قالَ: وبَلَغَنِي عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ مِثْلُهُ. قالَ سُنَيْدٌ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: اللَّهُ فَوْقَ العَرْشِ، وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكانٍ، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِكم.
ثُمَّ ساقَ مِن طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هارُونَ، عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ إلى الأُخْرى خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ إلى الكُرْسِيِّ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ الكُرْسِيِّ إلى الماءِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، (p-٢٧٢٢)والعَرْشُ عَلى الماءِ، واللَّهُ عَلى العَرْشِ، ويَعْلَمُ أعْمالَكم وذَكَرَ هَذا الكَلامَ أوْ قَرِيبًا مِنهُ في كِتابِ (الِاسْتِذْكارِ).
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في (الرِّسالَةِ المَدَنِيَّةِ): إذا وصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِصِفَةٍ أوْ وصَفَهُ بِها رَسُولُهُ ﷺ، أوْ وصَفَهُ بِها المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى هِدايَتِهِمْ ودِرايَتِهِمْ- فَصَرْفُها عَنْ ظاهِرِها اللّائِقِ بِجَلالِهِ سُبْحانَهُ، وحَقِيقَتِها المَفْهُومَةِ مِنها إلى باطِنٍ يُخالِفُ الظّاهِرَ، ومَجازٍ يُخالِفُ الحَقِيقَةَ، لا بُدَّ فِيهِ مِن أرْبَعَةِ أشْياءَ:
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ مُسْتَعْمَلٌ بِالمَعْنى المَجازِيِّ، لِأنَّ الكِتابَ والسُّنَّةَ وكَلامَ السَّلَفِ جاءُوا بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنهُ خِلافُ لِسانِ العَرَبِ، أوْ خِلافُ الألْسِنَةِ كُلِّها، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَعْنى المَجازِيُّ مِمّا يُرادُ بِهِ اللَّفْظُ، وإلّا فَيُمْكِنُ كُلُّ مُبْطِلٍ أنْ يُفَسِّرَ أيَّ لَفْظٍ بِأيِّ مَعْنى ناسِخٍ لَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْلٌ في اللُّغَةِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعَهُ دَلِيلٌ يُوجِبُ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلى مَجازِهِ، وإلّا فَإذا كانَ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنًى بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ، وفي مَعْنًى بِطَرِيقِ المَجازِ، لَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلى المَجازِيِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ يُوجِبُ الصَّرْفَ بِإجْماعِ العُقَلاءِ، ثُمَّ ادَّعى وُجُوبَ صَرْفِهِ عَنِ الحَقِيقَةِ، فَلا بُدَّ مِن دَلِيلٍ قاطِعٍ عَقْلِيٍّ أوْ سَمْعِيٍّ يُوجِبُ الصَّرْفَ. وإنِ ادَّعى ظُهُورَ صَرْفِهِ عَنِ الحَقِيقَةِ فَلا بُدَّ مِن دَلِيلٍ مُرَجِّحٍ لِلْحَمْلِ عَلى المَجازِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ يَسْلَمَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ الصّارِفُ عَنْ مُعارِضٍ، وإلّا فَإذا قامَ دَلِيلٌ قُرْآنِيٌّ أوْ إيمانِيٌّ يُبَيِّنُ أنَّ الحَقِيقَةَ مُرادَةٌ، امْتَنَعَ تَرْكُها. ثُمَّ إنْ كانَ هَذا الدَّلِيلُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلى نَقِيضِهِ وإنْ كانَ ظاهِرًا فَلا بُدَّ مِنَ التَّرْجِيحِ.
الرّابِعُ: أنَّ الرَّسُولَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا تَكَلَّمَ بِكَلامٍ وأرادَ بِهِ خِلافَ ظاهِرِهِ، وضِدَّ حَقِيقَتِهِ فَلا بُدَّ أنْ يُبَيِّنَ لِلْأُمَّةِ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَتَهُ وإنَّما أرادَ مَجازَهُ، سَواءٌ عَيَّنَهُ أوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ، لا سِيَّما في الخِطابِ العِلْمِيِّ الَّذِي أُرِيدَ مِنهم فِيهِ الِاعْتِقادُ والعِلْمُ، دُونَ عَمَلِ الجَوارِحِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ القُرْآنَ نُورًا وهُدًى وبَيانًا لِلنّاسِ وشِفاءً لِما في الصُّدُورِ، وأرْسَلَ الرَّسُولَ (p-٢٧٢٣)لِيُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ، ولِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ، ولِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. ثُمَّ هَذا الرَّسُولُ الأُمِّيُّ العَرَبِيُّ بُعِثَ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ، وأبْيَنِ الألْسِنَةِ والعِباراتِ. ثُمَّ الأُمَّةُ الَّذِينَ أخَذُوا عَنْهُ كانُوا أعْمَقَ النّاسِ عِلْمًا، وأنْصَحَهم لِلْأُمَّةِ، وأبْيَنَهم لِلسُّنَّةِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَتَكَلَّمَ هو وهَؤُلاءِ بِكَلامٍ يُرِيدُونَ بِهِ خِلافَ ظاهِرِهِ، إلّا وقَدْ نَصَبَ دَلِيلًا يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى ظاهِرِهِ، إمّا بِأنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا ظاهِرًا مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِعَقْلِهِ أنَّ المُرادَ (أُوتِيَتْ مِن جِنْسِ ما يُؤْتاهُ مِثْلُها). وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] يَعْلَمُ المُسْتَمِعُ أنَّ المُرادَ أنَّ الخالِقَ لا يَدْخُلُ في هَذا العُمُومِ، أوْ سَمْعِيًّا ظاهِرًا مِثْلَ الدَّلالاتِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ الَّتِي تَصْرِفُ بَعْضُها الظَّواهِرَ.
(p-٢٧٢٤)ولا يَجُوزُ أنْ يُحِيلَهم عَلى دَلِيلٍ خَفِيٍّ لا يَسْتَنْبِطُهُ إلّا أفْرادُ النّاسِ، سَواءٌ كانَ سَمْعِيًّا أوْ عَقْلِيًّا، لِأنَّهُ إذا تَكَلَّمَ بِالكَلامِ الَّذِي يَفْهَمُ مِنهُ مَعْنًى، وأعادَهُ مَرّاتٍ كَثِيرَةً، وخاطَبَ بِهِ الخَلْقَ كُلَّهُمْ، وفِيهِمُ الذَّكِيُّ والبَلِيدُ، والفَقِيهُ وغَيْرُ الفَقِيهِ، وقَدْ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَدَبَّرُوا ذَلِكَ الخِطابَ، ويَعْقِلُوهُ ويَتَفَكَّرُوا فِيهِ، ويَعْتَقِدُوا مُوجِبَهُ، ثُمَّ أوْجَبَ أنْ لا يَقْصِدُوا بِهَذا الخِطابِ شَيْئًا مِن ظاهِرِهِ، لِأنَّ هُناكَ دَلِيلًا خَفِيًّا يَسْتَنْبِطُهُ أفْرادُ النّاسِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ ظاهِرَهُ -كانَ تَدْلِيسًا أوْ تَلْبِيسًا، وكانَ نَقِيضَ البَيانِ، وضِدَّ الهُدى. وهو بِالألْغازِ والأحاجِيِّ أشْبَهُ مِنهُ بِالهُدى والبَيانِ. فَكَيْفَ إذا كانَتْ دَلالَةُ ذَلِكَ الخِطابِ عَلى ظاهِرِهِ، أقْوى بِدَرَجاتٍ كَثِيرَةٍ مِن دَلالَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الخَفِيِّ عَلى أنَّ الظّاهِرَ غَيْرُ مُرادٍ، كَيْفَ إذا كانَ ذَلِكَ الخَفِيُّ شُبْهَةً لَيْسَ لَها حَقِيقَةٌ؟ انْتَهى.
الثّانِي: يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ أنَّ القَوْلَ بِالعُلُوِّ والِاسْتِواءِ يَلْزَمُ مِنهُما القَوْلُ بِالتَّجْسِيمِ، وقَدْ رُمِيَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ، ومِمَّنْ رَماهم بِذَلِكَ الجَلالُ الدَّوانِيُّ في شَرْحِ العَقائِدِ العَضُدِيَّةِ حَيْثُ قالَ -عَفا اللَّهُ عَنْهُ-: وأكْثَرُ المُجَسِّمَةِ هُمُ الظّاهِرِيُّونَ المُتَّبِعُونَ لِظاهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وأكْثَرُهُمُ المُحَدِّثُونَ، ولِابْنِ تَيْمِيَةَ أبِي العَبّاسِ وأصْحابِهِ مَيْلٌ عَظِيمٌ إلى إثْباتِ الجِهَةِ، ومُبالَغَةٌ في القَدْحِ في نَفْيِها. ورَأيْتُ في بَعْضِ تَصانِيفِهِ أنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَ بَدِيهَةِ العَقْلِ بَيْنَ أنْ يُقالَ: هو مَعْدُومٌ، أوْ يُقالُ: طَلَبْتُهُ في جَمِيعِ الأمْكِنَةِ فَلَمْ أجِدْهُ، ونَسَبَ النّافِينَ إلى التَّعْطِيلِ. هَذا مَعَ عُلُوِّ كَعْبِهِ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ، كَما يَشْهَدُ بِهِ مَن تَتَبَّعَ تَصانِيفَهُ.
ومُحَصَّلُ كَلامِ بَعْضِهِمْ في بَعْضِ المَواضِعِ، أنَّ الشَّرْعَ ورَدَ بِتَخْصِيصِهِ تَعالى بِجِهَةِ (الفَوْقِ)، كَما خَصَّصَ الكَعْبَةَ بِكَوْنِها بَيْتَ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ يَتَوَجَّهُ إلَيْها في الدُّعاءِ.
ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ في هَذا القَدْرِ غائِلَةٌ أصْلًا، لَكِنَّ بَعْضَ أصْحابِ الحَدِيثِ مِنَ المُتَأخِّرِينَ لَمْ يَرْضَ بِهَذا القَوْلِ، وأنْكَرَ كَوْنَ (الفَوْقِ) قِبْلَةَ الدُّعاءِ، بَلْ قالَ: قِبْلَةُ الدُّعاءِ هو نَفْسُهُ، كَما أنَّ نَفْسَ الكَعْبَةِ قِبْلَةُ الصَّلاةِ، وقَدْ صَرَّحَ بِكَوْنِهِ جِهَةَ اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ. انْتَهى كَلامُ الدَّوانِيِّ.
(p-٢٧٢٥)وتَعَقَّبَهُ غَيْرُ واحِدٍ:
مِنهُمُ: الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ في حاشِيَتِهِ عَلَيْهِ المُسَمّاةِ (بِمَجْلى المَعانِي) قالَ: إنَّ ابْنَ تَيْمِيَةَ لَيْسَ قائِلًا بِالتَّجْسِيمِ، فَقَدْ صَرَّحَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ جِسْمًا، في رِسالَةٍ تَكَلَّمَ فِيها عَلى حَدِيثِ النُّزُولِ.
وقالَ في رِسالَةٍ أُخْرى: مَن قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى مِثْلُ بَدَنِ الإنْسانِ، أوْ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُماثِلُ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ فَهو مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. بَلْ هو عَلى مَذْهَبِ السَّلَفِ قائِلٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَوْقَ العَرْشِ حَقِيقَةً، مَعَ نَفْيِ اللَّوازِمِ، ونَقَلَ عَلَيْهِ إجْماعَ السَّلَفِ، صَرَّحَ بِهِ في الرِّسالَةِ القَدَرِيَّةِ. انْتَهى.
ومِنهُمْ: ولِيُّ اللَّهِ الدَّهْلَوِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ، قالَ في كِتابِهِ (حُجَّةُ اللَّهِ البالِغَةُ): واسْتَطالَ هَؤُلاءِ الخائِضُونَ عَلى مَعْشَرِ أهْلِ الحَدِيثِ، وسَمَّوْهم مُجَسِّمَةً ومُشَبِّهَةً، وقالُوا: هُمُ المُتَسَتِّرُونَ بِالبَلْكَفَةِ، وقَدْ وضَحَ عَلَيَّ وُضُوحًا بَيِّنًا أنَّ اسْتِطالَتَهم هَذِهِ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، وأنَّهم مُخْطِئُونَ في مَقالَتِهِمْ رِوايَةً ودِرايَةً، وخاطِئُونَ في طَعْنِهِمْ أئِمَّةَ الهُدى -انْتَهى.
ومِنهُمُ: الشِّهابُ الألُوسِيُّ المُفَسِّرُ، فَإنَّهُ كَتَبَ عَلى كَلامِ الدَّوانِيِّ ما نَصُّهُ: حاشا لِلَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ -يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَةَ - مِنَ المُجَسِّمَةِ، بَلْ هو أبْرَأُ النّاسِ مِنهم. نَعَمْ يَقُولُ بِالفَوْقِيَّةِ، وذَلِكَ مَذْهَبُ السَّلَفِ، وهو بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّجْسِيمِ. وجَلالُ الدِّينِ وأضْرابُهُ أجْهَلُ النّاسِ بِالأحادِيثِ، وكَلامُ السَّلَفِ الصّالِحِ، كَما لا يَخْفى عَلى العارِفِ المُنْصِفِ. نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُهُ في (مُحاكَمَةِ الأحْمَدَيْنِ).
وأقُولُ. إنَّ كُلَّ مَن رَمى مِثْلَ هَذا الإمامِ بِالتَّجْسِيمِ فَقَدِ افْتَرى وما دَرى، إلّا أنَّ عُذْرَهُ أنَّهُ لَمْ يُنَقِّبْ عَنْ غُرَرِ كَلامِهِ في فَتاوِيهِ الَّتِي أوْضَحَ فِيها الحَقَّ، وأنارَ بِها مَذْهَبَ السَّلَفِ قاطِبَةً. وهاكَ شَذْرَةٌ مِن دُرَرِهِ. قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ في بَعْضِ فَتاوِيهِ:
والأصْلُ في هَذا البابِ أنَّ كُلَّ ما ثَبَتَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى أوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وجَبَ التَّصْدِيقُ بِهِ، مِثْلَ عُلُوِّ الرَّبِّ، واسْتِوائِهِ عَلى عَرْشِهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ، وأمّا الألْفاظُ المُبْتَدَعَةُ (p-٢٧٢٦)فِي النَّفْيِ والإثْباتِ، مِثْلَ قَوْلِ القائِلِ: هو في جِهَةٍ أوْ لَيْسَ في جِهَةٍ، وهو مُتَحَيِّزٌ أوْ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الألْفاظِ الَّتِي تَنازَعَ فِيها النّاسُ، ولَيْسَ مَعَ أحَدِهِمْ نَصٌّ، لا عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، ولا عَنِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم والتّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ، ولا أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ -هَؤُلاءِ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنهم إنَّ اللَّهَ تَعالى في جِهَةٍ، ولا قالَ لَيْسَ هو في جِهَةٍ، ولا قالَ هو مُتَحَيِّزٌ، ولا قالَ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ، بَلْ ولا قالَ هو جِسْمٌ أوْ جَوْهَرٌ، ولا قالَ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا بِجَوْهَرٍ. فَهَذِهِ الألْفاظُ لَيْسَتْ مَنصُوصَةً في الكِتابِ ولا السُّنَّةِ ولا الإجْماعِ، والنّاطِقُونَ بِها قَدْ يُرِيدُونَ مَعْنًى صَحِيحًا. فَإنْ يُرِيدُوا مَعْنًى صَحِيحًا يُوافِقُ الكِتابَ والسُّنَّةَ كانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا مِنهُمْ، وإنْ أرادُوا مَعْنًى فاسِدًا يُخالِفُ الكِتابَ والسُّنَّةَ كانَ ذَلِكَ المَعْنى مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ. فَإذا قالَ القائِلُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى في جِهَةٍ، قِيلَ: ما تُرِيدُ بِذَلِكَ؟ أتُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ في جِهَةٍ مَوْجُودَةٍ تَحْصُرُهُ وتُحِيطُ بِهِ، مِثْلَ أنْ يَكُونَ في جَوْفِ السَّماواتِ، أمْ تُرِيدُ بِالجِهَةِ أمْرًا عَدَمِيًّا، وهو ما فَوْقَ العالَمِ شَيْءٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
فَإنْ أرَدْتَ الجِهَةَ الوُجُودِيَّةَ، وجَعَلْتَ اللَّهَ تَعالى مَحْصُورًا في المَخْلُوقاتِ، فَهَذا باطِلٌ، وإنْ أرَدْتَ بِالجِهَةِ العَدَمِيَّةِ وأرَدْتَ اللَّهَ تَعالى وحْدَهُ فَوْقَ المَخْلُوقاتِ، بائِنٌ عَنْها، فَهَذا حَقٌّ، ولَيْسَ في ذَلِكَ أنَّ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ حَصَرَهُ، ولا أحاطَ بِهِ، ولا عَلا عَلَيْهِ، بَلْ هو العالِي عَلَيْها، المُحِيطُ بِها، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] الآيَةَ -وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقْبِضُ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَطْوِي (p-٢٧٢٧)السَّماواتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أنا المَلِكُ، أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ»» ؟ وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما السَّماواتُ السَّبْعُ، والأرْضُونَ السَّبْعُ، وما فِيهِنَّ، وما بَيْنَهُنَّ، في يَدِ الرَّحْمَنِ إلّا كَخَرْدَلَةٍ في يَدِ أحَدِكم.
وفِي حَدِيثٍ آخَرَ أنَّهُ يَرْمِيها كَما يَرْمِي الصِّبْيانُ الكُرَةَ. فَمَن يَكُونُ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ بِالنِّسْبَةِ إلى قَبْضَتِهِ تَعالى، وإلى هَذا الحَقْرِ والصِّغارِ، كَيْفَ تُحِيطُ بِهِ وتَحْصُرُهُ؟ ومَن قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ في جِهَةٍ، قِيلَ لَهُ: ما تُرِيدُ بِذَلِكَ؟ فَإنْ أرادَ بِذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ السَّماواتِ رَبٌّ يُعْبَدُ، ولا عَلى عَرْشٍ إلَهٌ، ونَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ يُعْرَجْ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، والأيْدِي لا تُرْفَعُ إلى اللَّهِ تَعالى في الدُّعاءِ، ولا تَتَوَجَّهُ القُلُوبُ إلَيْهِ فَهَذا فِرْعَوْنِيٌّ مُعَطِّلٌ، جاحِدٌ لِرَبِّ العالَمِينَ. وإنْ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ مُقِرٌّ بِهِ فَهو جاهِلٌ مُتَناقِضٌ في كَلامِهِ. ومِن هُنا دَخَلَ أهْلُ الحُلُولِ والِاتِّحادِ وقالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى بِذاتِهِ في كُلِّ مَكانٍ، وإنَّ وُجُودَ المَخْلُوقاتِ هو وُجُودُ الخالِقِ. وإنْ قالَ: مُرادِي بِقَوْلِي (لَيْسَ في جِهَةٍ)، أنَّهُ لا تُحِيطُ بِهِ المَخْلُوقاتُ فَقَدْ أصابَ في هَذا المَعْنى.
وكَذَلِكَ مَن قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَحَيِّزٌ أوْ قالَ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ: إنْ أرادَ بِقَوْلِهِ (مُتَحَيِّزٌ) أنَّ المَخْلُوقاتِ تَحُوزُهُ وتُحِيطُ بِهِ فَقَدْ أخْطَأ، وإنْ أرادَ بِهِ مُنْحازٌ عَنِ المَخْلُوقاتِ بائِنٌ عَنْها عالٍ عَلَيْها فَقَدْ أصابَ، ومَن قالَ: (لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ)، إنْ أرادَ المَخْلُوقاتُ لا تَحُوزُهُ فَقَدْ أصابَ، وإنْ أرادَ لَيْسَ بِبائِنٍ عَنْها، بَلْ هو لا داخِلَ فِيها، ولا خارِجَ عَنْها، فَقَدْ أخْطَأ. والنّاسُ في هَذا البابِ ثَلاثَةُ أصْنافٍ: أهْلُ الحُلُولِ والِاتِّحادِ، وأهْلُ النَّفْيِ والجُحُودِ، وأهْلُ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ والسُّنَّةِ.
فَأهْلُ الحُلُولِ يَقُولُونَ: إنَّهُ بِذاتِهِ في كُلِّ مَكانٍ، وقَدْ يَقُولُونَ بِالِاتِّحادِ والوَحْدَةِ، فَيَقُولُونَ: وُجُودُ المَخْلُوقاتِ وُجُودُ الخالِقِ.
وأمّا أهْلُ النَّفْيِ والجُحُودِ فَيَقُولُونَ: لا هو داخِلُ العالَمِ، ولا خارِجٌ، ولا مُبايِنٌ لَهُ، (p-٢٧٢٨)وهَذا قَوْلُ مُتَكَلِّمَةِ الجَهْمِيَّةِ المُعَطِّلَةِ، كَما أنَّ الأوَّلَ قَوْلُ عُبّادِ الجَهْمِيَّةِ. فَمُتَكَلِّمَةُ الجَهْمِيَّةِ لا يَبْعُدُونَ شَيْئًا، ومُتَعَبِّدَةُ الجَهْمِيَّةِ يَعْبُدُونَ كُلَّ شَيْءٍ، وكَلامُهم يَرْجِعُ إلى التَّعْطِيلِ والجُحُودِ، الَّذِي هو قَوْلُ فِرْعَوْنَ.
وقَدْ عُلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ، ثُمَّ خَلَقَهُما، فَإمّا أنْ يَكُونَ دَخَلَ فِيهِما، وهَذا حُلُولٌ باطِلٌ، وإمّا أنْ يَكُونا دَخَلا فِيهِ، وهو أبْطَلُ وأبْطَلُ، وإمّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بائِنًا عَنْهُما، لَمْ يَدْخُلْ فِيهِما، ولَمْ يَدْخُلا فِيهِ، وهَذا قَوْلُ أهْلِ الحَقِّ والتَّوْحِيدِ والسُّنَّةِ.
ولِأهْلِ الجُحُودِ والتَّعْطِيلِ في هَذا البابِ شُبُهاتٌ يُعارِضُونَ بِها كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وسُنَّةَ رَسُولِهِ ﷺ، وما أجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ وأئِمَّتُها، وما فَطَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ عِبادَهُ، وما دَلَّتْ عَلَيْهِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الصَّحِيحَةُ، فَإنَّ هَذِهِ الأدِلَّةَ كُلَّها مُتَّفِقَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوْقَ مَخْلُوقاتِهِ، عالٍ عَلَيْها، قَدْ فَطَرَ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ العَجائِزَ والأعْرابَ والصِّبْيانَ في الكِتابِ، كَما فَطَرَهم عَلى الإقْرارِ بِالخالِقِ تَعالى.
وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ، كَما تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيها مِن جَدْعاءَ؟» ثُمَّ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي (p-٢٧٢٩)فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]» وهَذا مَعْنى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: عَلَيْكَ بِدِينِ الأعْرابِ والصِّبْيانِ في الكُتّابِ، عَلَيْكَ بِما فَطَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَطَرَ عِبادَهُ عَلى الحَقِّ، والرُّسُلُ بُعِثُوا بِتَكْمِيلِ الفِطْرَةِ وتَقْرِيرِها، لا بِتَحْوِيلِ الفِطْرَةِ وتَغْيِيرِها.
وأمّا أعْداءُ الرُّسُلِ كالجَهْمِيَّةِ الفِرْعَوْنِيَّةِ ونَحْوَهُمْ، فَيُرِيدُونَ أنْ يُغَيِّرُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَعالى، ودِينَهُ عَزَّ وجَلَّ، ويُورِدُونَ عَلى النّاسِ شُبُهاتٍ بِكَلِماتٍ مُشْتَبِهاتٍ، لا يَفْهَمُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ مَقْصُودَهم بِها، ولا يَحْسُنُ أنْ يُجِيبَهم. وقَدْ بَسَطَ الكَلامَ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وأصْلُ ضَلالِهِمْ تَكَلُّمُهم بِكَلِماتٍ مُجْمَلَةٍ لا أصْلَ لَها في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا قالَها أحَدٌ مِن أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ. كَلَفْظِ: المُتَحَيِّزِ والجِسْمِ والجِهَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَمَن كانَ عارِفًا بِحالِ شُبُهاتِهِمْ بَيَّنَها، ومَن لَمْ يَكُنْ عارِفًا بِذَلِكَ فَلْيُعْرِضْ عَنْ كَلامِهِمْ، ولا يَقْبَلْ إلّا ما جاءَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨]
ومَن تَكَلَّمَ في اللَّهِ تَعالى وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ بِما يُخالِفُ الكِتابَ والسُّنَّةَ، فَهو مِنَ الخائِضِينَ في آياتِ اللَّهِ تَعالى بِالباطِلِ، وكَثِيرٌ مِن هَؤُلاءِ يَنْسِبُ إلى أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ ما لَمْ يَقُولُوهُ. وكَثِيرٌ مِنهم قَرَؤُوا كُتُبًا مِن كُتُبِ الكَلامِ، فِيها شُبُهاتٌ أضَلَّتْهُمْ، ولَمْ يَهْتَدُوا لِجَوابِهِمْ، فَإنَّهم يَجِدُونَ في تِلْكَ الكُتُبِ أنَّهُ لَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى فَوْقَ الخَلْقِ لَلَزِمَ التَّجْسِيمُ والتَّحَيُّزُ والجِهَةُ، وهم لا يَعْرِفُونَ حَقائِقَ هَذِهِ الألْفاظِ، ولا ما أرادَ بِها (p-٢٧٣٠)أصْحابُها، فَإنَّ ذِكْرَ لَفْظِ (الجِسْمِ) في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، بِدْعَةٌ لَمْ يَنْطِقْ بِها كِتابٌ ولا سُنَّةٌ، ولا قالَها أحَدٌ مِن سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنهُمْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جِسْمٌ، ولا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ، ولا أنَّ اللَّهَ تَعالى جَوْهَرٌ، ولا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ بِجَوْهَرٍ.
ولَفْظُ الجِسْمِ لَفْظٌ مُجْمَلٌ، فَمَعْناهُ في اللُّغَةِ هو البَدَنُ. ومَن قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى مِثْلُ بَدَنِ الإنْسانِ فَهو مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، بَلْ مَن قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُماثِلُ شَيْئًا مِن مَخْلُوقاتِهِ فَهو مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ ضالٌّ، ومَن قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ، وأرادَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا يُماثِلُ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ، فالمَعْنى صَحِيحٌ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ بِدْعَةً. وأمّا مَن قالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ، وأرادَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا يُرى في الآخِرَةِ، وأنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالقُرْآنِ العَرَبِيِّ، بَلِ القُرْآنُ العَرَبِيُّ مَخْلُوقٌ أوْ هو تَصْنِيفُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَهو مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ تَعالى فِيما نَفاهُ عَنْهُ. وهَذا أصْلُ ضَلالِ الجَهْمِيَّةِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، ومَن وافَقَهم عَلى مَذْهَبِهِمْ، فَإنَّهم يُظْهِرُونَ لِلنّاسِ التَّنْزِيهَ، وحَقِيقَةُ كَلامِهِمُ التَّعْطِيلُ، فَيَقُولُونَ: نَحْنُ لا نُجَسِّمُ، بَلْ نَقُولُ: اللَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ، ومُرادُهم بِذَلِكَ نَفْيُ حَقِيقَةِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ.
إلى أنْ قالَ: فَهو سُبْحانَهُ مَوْصُوفٌ بِصِفاتِ الكَمالِ، مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وعَيْبٍ، ولِهَذا كانَ مَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها أنَّهم يَصِفُونَ اللَّهَ تَعالى بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وبِما وصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَعْطِيلٍ، ومِن غَيْرِ تَكْيِيفٍ ولا تَمْثِيلٍ، فَيُثْبِتُونَ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الأسْماءِ والصِّفاتِ، ويُنَزِّهُونَهُ عَمّا نَزَّهَ عَنْهُ نَفْسَهُ مِن مُماثَلَةِ المَخْلُوقاتِ، إثْباتٌ بِلا تَمْثِيلٍ، وتَنْزِيهٌ بِلا تَعْطِيلٍ. قالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]
فَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] " رَدٌّ عَلى المُمَثِّلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " رَدٌّ عَلى المُعَطِّلَةِ -انْتَهى مُلَخَّصًا-.
وقالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فِي جَوابٍ عَلى سُؤالٍ رُفِعَ إلَيْهِ نَصُّهُ: الِاسْتِواءُ هَلْ هو حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ؟): ما نَصُّهُ مُلَخَّصًا:
(p-٢٧٣١)القَوْلُ في الِاسْتِواءِ والنُّزُولِ كالقَوْلِ في سائِرِ الصِّفاتِ الَّتِي وصَفَ بِها نَفْسَهُ في كِتابِهِ، وعَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى نَفْسَهُ بِأسْماءٍ، ووَصَفَ نَفْسَهُ بِصِفاتٍ، فالقَوْلُ في بَعْضِ هَذِهِ الصِّفاتِ، كالقَوْلِ في بَعْضٍ، ومَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وأئِمَّتِها أنْ نَصِفَ اللَّهَ تَعالى بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وبِما وصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَعْطِيلٍ ولا تَكْيِيفٍ ولا تَمْثِيلٍ، فَلا يَجُوزُ نَفْيُ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي وصَفَ بِها نَفْسَهُ، ولا يَجُوزُ تَمْثِيلُها بِصِفاتِ المَخْلُوقِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences