Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:54, continued
ومَعْلُومٌ بِالِاضْطِرارِ مِن دِينِ الإسْلامِ أنَّهُ لا يَجُوزُ إطْلاقُ النَّفْيِ عَلى ما أثْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَفْسِهِ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ، بَلْ هَذا جَحْدٌ لِلْخالِقِ، وتَمْثِيلٌ لَهُ بِالمَعْدُوماتِ. وقَدْ قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: أهْلُ السُّنَّةِ مُجْمِعُونَ عَلى الإقْرارِ بِالصِّفاتِ الوارِدَةِ كُلِّها في القُرْآنِ والسُّنَّةِ والإيمانِ بِها، وحَمْلِها عَلى الحَقِيقَةِ لا عَلى المَجازِ، لِأنَّهم لا يَنْفُونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، ولا يَجِدُونَ فِيهِ صِفَةً مَحْصُورَةً.
وأمّا أهْلُ البِدَعِ مَنَ الجَهْمِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ، فَيُنْكِرُونَها ولا يَحْمِلُونَها عَلى الحَقِيقَةِ، ويَزْعُمُونَ أنَّ مَن أقَرَّ بِها مُشَبِّهٌ، وهم عِنْدَ مَن أقَرَّ بِها، نافُونَ لِلْمَعْبُودِ، لا مُثْبِتُونَ، والحَقُّ فِيما قالَهُ القائِلُونَ، مِمّا نَطَقَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ، وهم أئِمَّةُ الجَماعَةِ. هَذا الَّذِي حَكاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ.
ومَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأسْماءِ والصِّفاتِ حَقِيقَةً، فَإنَّما أنْكَرَ لِجَهْلِهِ لِمُسَمّى الحَقِيقَةِ، أوْ لِكُفْرِهِ وتَعْطِيلِهِ لِما يَسْتَحِقُّهُ رَبُّ العالَمِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ يَظُنُّ أنَّ إطْلاقَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ مُماثِلًا لِلْخالِقِ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا باطِلٌ، فَإنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً، والعَبْدُ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً، ولَهُ تَعالى ذاتٌ حَقِيقَةً، والعَبْدُ لَهُ ذاتٌ حَقِيقَةً، ولَيْسَ ذاتُهُ تَعالى كَذاتِ المَخْلُوقاتِ، وكَذَلِكَ لَهُ عِلْمٌ وسَمْعٌ وبَصَرٌ حَقِيقَةً، ولِلْعَبْدِ سَمْعٌ وبَصَرٌ، وعِلْمٌ حَقِيقَةً، ولَيْسَ عِلْمُهُ وسَمْعُهُ وبَصَرُهُ مِثْلَ عِلْمِ العَبْدِ وسَمْعِهِ وبَصَرِهِ. ولِلَّهِ كَلامٌ حَقِيقَةً، ولَيْسَ كَلامُ الخالِقِ مِثْلَ كَلامِ المَخْلُوقِينَ. واللَّهُ اسْتَوى عَلى عَرْشِهِ حَقِيقَةً، ولِلْعَبْدِ اسْتِواءٌ عَلى الفُلْكِ حَقِيقَةً، ولَيْسَ اسْتِواءُ الخالِقِ كاسْتِواءِ المَخْلُوقِ. فَإنَّ اللَّهَ لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ، ولا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ، بَلْ هو (p-٢٧٣٢)الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، واللَّهُ تَعالى يَحْمِلُ العَرْشَ وحَمَلَتُهُ، بِقُدْرَتِهِ و: ﴿يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] فَمَن ظَنَّ أنَّ مَعْنى قَوْلِ الأئِمَّةِ (اللَّهُ مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ حَقِيقَةً) يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ اسْتِواؤُهُ مِثْلَ اسْتِواءِ العَبْدِ عَلى الفُلْكِ والأنْعامِ، لَزِمَهُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: إنَّ اللَّهَ لَهُ عِلْمٌ حَقِيقَةً، وسَمْعٌ وبَصَرٌ حَقِيقَةً، وكَلامٌ حَقِيقَةً، يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ وسَمْعُهُ وبَصَرُهُ وكَلامُهُ مِثْلَ عِلْمِ المَخْلُوقِينَ وسَمْعِهِمْ وبَصَرِهِمْ وكَلامِهِمْ، فَمَن ظَنَّ أنَّ الحَقِيقَةَ إنَّما تَتَناوَلُ صِفَةَ العَبْدِ المَخْلُوقَةَ دُونَ صِفَةِ الخالِقِ، كانَ في غايَةِ الجَهْلِ، فَإنَّ صِفَةَ اللَّهِ أكْمَلُ وأتَمُّ وأحَقُّ بِهَذِهِ الأسْماءِ الحُسْنى، فَلا نِسْبَةَ بَيْنَ صِفَةِ العَبْدِ وصِفَةِ الرَّبِّ، كَما لا نِسْبَةَ بَيْنَ ذاتِهِ وذاتِهِ.
فَكَيْفَ يَكُونُ العَبْدُ مُسْتَحِقًّا لِلْأسْماءِ الحُسْنى حَقِيقَةً، والرَّبُّ لا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إلّا مَجازًا؟ ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ كَمالٍ حَصَلَ لِلْمَخْلُوقِ فَهو مِنَ الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَلَهُ المَثَلُ الأعْلى. فَكُلُّ كَمالٍ حَصَلَ لِلْمَخْلُوقِ، فالخالِقُ أحَقُّ بِهِ، وكُلُّ نَقْصٍ يُنَزَّهُ عَنْهُ مَخْلُوقٌ، فالحَقُّ أحَقُّ أنْ يُنَزَّهَ عَنْهُ، ولِهَذا كانَ لِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى، فَإنَّهُ لا يُقاسِ بِخَلْقِهِ، ولا يُمَثَّلُ بِهِمْ، ولا تُضْرَبُ بِهِ الأمْثالُ، فَلا يَشْتَرِكُ هو والمَخْلُوقُ بِمَثَلٍ ولا في قِياسٍ. ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ إثْباتُ الصِّفاتِ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، بَلْ صِفاتُ الكَمالِ لازِمَةٌ لِذاتِهِ، يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ ذاتِهِ بِدُونِ صِفاتِ الكَمالِ اللّازِمَةِ لَهُ، بَلْ يَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ ذاتٍ مِنَ الذّاتِ عَرِيَّةً عَنْ جَمِيعِ الصِّفاتِ، وهَذا كُلُّهُ مَبْسُوطٌ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. فَإذا قالَ: وُجُودُ اللَّهِ، وذاتُ اللَّهِ، وعِلْمُ اللَّهِ، وقُدْرَةُ اللَّهِ، وسَمْعُ اللَّهِ، وبَصَرُ اللَّهِ، وكَلامُ اللَّهِ، ورَحْمَةُ اللَّهِ، وغَضَبُ اللَّهِ، واسْتِواءُ اللَّهِ، ونُزُولُ اللَّهِ، ومَحَبَّةُ اللَّهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ، كانَتْ هَذِهِ الأسْماءُ كُلُّها حَقِيقَةً لِلَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ أنْ يَدْخُلَ فِيها شَيْءٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ، ومِن غَيْرِ أنْ يُماثِلَهُ فِيها شَيْءٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
وإذا قالَ: وُجُودُ العَبْدِ وذاتُهُ، وماهِيَّتُهُ وعِلْمُهُ، وقُدْرَتُهُ وسَمْعُهُ وبَصَرُهُ، وكَلامُهُ واسْتِواؤُهُ ونُزُولُهُ، كانَ هَذا حَقِيقَةً لِلْعَبْدِ مُخْتَصَّةً بِهِ، مِن غَيْرِ أنْ تُماثِلَ صِفاتُهُ صِفاتِ (p-٢٧٣٣)اللَّهِ تَعالى. بَلْ أبْلَغُ مِن ذَلِكَ، أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ أنَّ في الجَنَّةِ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ والمَناكِحِ والمَساكِنِ ما ذَكَرَهُ في كِتابِهِ. كَما ذَكَرَ أنَّ فِيها لَبَنًا وعَسَلًا وخَمْرًا ولَحْمًا وحَرِيرًا وذَهَبًا وفِضَّةً وحُورًا وقُصُورًا وغَيْرُ ذَلِكَ.
وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَيْسَ في الدُّنْيا مِمّا في الآخِرَةِ إلّا الأسْماءَ. فَتِلْكَ الحَقائِقُ الَّتِي في الجَنَّةِ لَيْسَتْ مُماثِلَةً لِهَذِهِ الحَقائِقِ الَّتِي في الدُّنْيا، وإنْ كانَتْ مُشابِهَةً لَها مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، والِاسْمُ يَتَناوَلُهُما حَقِيقَةً، ومَعْلُومٌ أنَّ الخالِقَ أبْعَدُ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِ، والمَخْلُوقَ عَنْ مُشابَهَةِ الخالِقِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ أنَّ فِيما أثْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أسْمائِهِ وصِفاتِهِ مُماثِلًا لِمَخْلُوقاتِهِ، وأنْ يُقالَ لَيْسَ ذَلِكَ بِحَقِيقَةٍ ! وهَلْ يَكُونُ أحَقَّ بِهَذِهِ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلْيا مِن رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ، مَعَ أنَّ مُبايَنَتَهُما لِلْمَخْلُوقاتِ أعْظَمُ مِن مُبايَنَةِ كُلِّ مَخْلُوقٍ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ؟ والجاهِلُ يَضِلُّ بِأنْ يَقُولَ: العَرَبُ إنَّما وضَعُوا لَفْظَ الِاسْتِواءِ لِاسْتِواءِ الإنْسانِ عَلى السَّرِيرِ أوِ الفُلْكِ، أوِ اسْتِواءِ السَّفِينَةِ عَلى الجُودِيِّ، ولِنَحْوِ ذَلِكَ مِنِ اسْتِواءِ بَعْضِ المَخْلُوقاتِ، فَهو كَما يَقُولُ القائِلُ: إنَّما وضَعُوا لَفْظَ السَّمْعِ والبَصَرِ والكَلامِ لِما يَكُونُ مَحَلُّهُ حَدَقَةً وأجْفانًا، وأصْمِخَةً وآذانًا، وشَفَتَيْنِ ولِسانًا، وإنَّما وضَعُوا لَفْظَ العِلْمِ والرَّحْمَةِ والإرادَةِ لِما يَكُونُ مَحَلُّهُ مُضْغَةَ لَحْمٍ وفُؤاءً، وهَذا كُلُّهُ جَهْلٌ مِنهُ. فَإنَّ العَرَبَ إنَّما وضَعَتْ لِلْإنْسانِ ما أضافَتْ إلَيْهِ، فَإذا قالَتْ سَمْعُ العَبْدِ وبَصَرُهُ وكَلامُهُ، وعِلْمُهُ وإرادَتُهُ ورَحْمَتُهُ مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ، يَتَناوَلُ ذَلِكَ خَصائِصَ العَبْدِ.
وإذا قِيلَ سَمْعُ اللَّهِ وبَصَرُهُ وكَلامُهُ وعِلْمُهُ وإرادَتُهُ ورَحْمَتُهُ، كانَ هَذا مُتَناوِلًا لِما يَخْتَصُّ بِهِ الرَّبُّ، لا يَدْخُلُ في ذَلِكَ شَيْءٌ مِن خَصائِصِ المَخْلُوقِينَ. وكَذَلِكَ إذا قِيلَ اسْتِواءُ الرَّبِّ، فَهَذا الِاسْتِواءُ المُضافُ إلى اللَّهِ كالعِلْمِ والسَّمْعِ والبَصَرِ المُضافِ إلى اللَّهِ. لا يَجُوزُ أنْ يَتَناوَلَ ذَلِكَ شَيْئًا مِن خَصائِصِ المَخْلُوقِينَ.
وهَؤُلاءِ الجُهّالُ يُمَثِّلُونَ في ابْتِداءِ فَهْمِهِمْ صِفاتِ الخالِقِ بِصِفاتِ المَخْلُوقِ، ثُمَّ يَنْفُونَ ذَلِكَ ويُعَطِّلُونَهُ، فَلا يَفْهَمُونَ مِن ذَلِكَ إلّا ما يَخْتَصُّ بِالمَخْلُوقِ، ويَنْفُونَ مَضْمُونَ ذَلِكَ، فَيَكُونُونَ قَدْ جَحَدُوا ما يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ مِن خَصائِصِهِ وصِفاتِهِ، وألْحَدُوا في أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وآياتِهِ، (p-٢٧٣٤)وخَرَجُوا عَنِ القِياسِ العَقْلِيِّ والنَّصِّ الشَّرْعِيِّ، فَلا يَبْقى بِأيْدِيهِمْ لا مَعْقُولَ صَرِيحٌ، ولا مَنقُولَ صَحِيحٌ.
ثُمَّ لا بُدَّ لَهم مِن إثْباتِ بَعْضِ ما يُثْبِتُهُ أهْلُ الإثْباتِ مِنَ الأسْماءِ والصِّفاتِ: فَإذا أثْبَتُوا البَعْضَ ونَفَوُا البَعْضَ، قِيلَ لَهُمْ: ما الفَرْقُ بَيْنَ ما أثْبَتُّمُوهُ وما نَفَيْتُمُوهُ؟ ولِمَ كانَ هَذا حَقِيقَةً، ولَمْ يَكُنْ هَذا حَقِيقَةً؟ لَمْ يَكُنْ لَهم جَوابٌ أصْلًا، وظَهَرَ بِذَلِكَ جَهْلُهم وضَلالُهم شَرْعًا وعَقْلًا.
ونَظائِرُ هَذا كَثِيرَةٌ، فَمَن ظَنَّ أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى وأسْماءَ صِفاتِهِ، وإذا كانَتْ حَقِيقَةً لَزِمَ أنْ يَكُونَ مُماثِلًا لِلْمَخْلُوقِينَ، وأنْ تَكُونَ صِفاتُهُ مُماثِلَةً لِصِفاتِهِمْ، كانَ مِن أجْهَلِ النّاسِ، وكانَ أوَّلُ كَلامِهِ سَفْسَطَةً، وآخِرُهُ زَنْدَقَةً لِأنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ جَمِيعِ أسْماءِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وهَذا هو غايَةُ الزَّنْدَقَةِ والإلْحادِ.
وإنَّ فَرْقً بَيْنَ صِفَةٍ وصِفَةٍ، مَعَ تَساوِيهِما في أسْبابِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، كانَ مُتَناقِضًا في قَوْلِهِ، مُتَهافِتًا في مَذْهَبِهِ مُشابِهًا لِمَن آمَنَ بِبَعْضِ الكِتابِ، وكَفَرَ بِبَعْضٍ.
وإذا تَأمَّلَ اللَّبِيبُ الفاضِلُ هَذِهِ الأُمُورَ، تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ والأئِمَّةِ في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ والسَّدادِ والصِّحَّةِ والِاطِّرادِ، وأنَّهُ مُقْتَضى المَعْقُولِ الصَّرِيحِ، والمَنقُولِ الصَّحِيحِ، وأنَّ مَن خالَفَهُ، كانَ مَعَ تَناقُضِ قَوْلِهِ المُخْتَلِفِ الَّذِي يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ خارِجًا عَنْ مُوجَبِ العَقْلِ والسَّمْعِ، مُخالِفًا لِلْفِطْرَةِ والشَّرْعِ، واللَّهُ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْنا وعَلى سائِرِ إخْوانِنا المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ، ويَجْمَعُ لَنا ولَهم خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. انْتَهى.
فائِدَةٌ
فِي مَنشَأِ هَذا التَّعْطِيلِ
وبَيَّنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، في فَتْوى أُخْرى لَهُ في الصِّفاتِ، مَوْرِدَ هَذا التَّعْطِيلِ. حَيْثُ قالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
ثُمَّ أصْلُ هَذِهِ المَقالَةِ إنَّما هو مَأْخُوذٌ عَنْ تَلامِذَةِ اليَهُودِ والمُشْرِكِينَ، وضُلّالِ الصّابِئِينَ، فَإنَّ أوَّلَ مَن حَفِظَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ - أعْنِي أنَّ اللَّهَ لَيْسَ عَلى العَرْشِ حَقِيقَةً وإنَّما (اسْتَوى) (p-٢٧٣٥)اسْتَوْلى ونَحْوَ ذَلِكَ -أوَّلَ ما ظَهَرَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِن جَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ وأخَذَها عَنْهُ الجَهْمُ بْنُ صَفْوانَ وأظْهَرَها، فَتُنْسَبُ مَقالَةُ الجَهْمِيَّةِ إلَيْهِ، والجَعْدُ أخَذَ مَقالَتَهُ عَنْ أبانَ بْنِ سَمْعانَ، وأخَذَها أبانُ مِن طالُوتَ ابْنِ أُخْتِ لَبِيدِ بْنِ أعْصَمَ، وأخْذها طالُوتُ مِن لَبِيدِ بْنِ أعْصَمَ اليَهُودِيِّ السّاحِرِ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ.
وكانَ الجَعْدُ هَذا -فِيما قِيلَ- مِن أهْلِ حَرّانَ، وكانَ فِيهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصّابِئَةِ والفَلاسِفَةِ، بَقايا أهْلِ دِينِ النَّمْرُوذِ الكَنْعانِيِّينَ، الَّذِينَ صَنَّفَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ في سِحْرِهِمْ، وكانُوا يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ، ويَبْنُونَ لَها الهَياكِلَ، ومَذْهَبُهم في الرَّبِّ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلّا صِفاتٌ سَلْبِيَّةٌ أوْ إضافِيَّةٌ، أوْ مُرَكَّبَةٌ مِنهُما، وهُمُ الَّذِينَ بُعِثَ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ ﷺ إلَيْهِمْ، فَيَكُونُ الجَعْدُ قَدْ أخَذَها عَنِ الصّابِئَةِ الفَلاسِفَةِ، وأخَذَها الجَهْمُ أيْضًا -فِيما ذَكَرَهُ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ- مِنَ السَّمْنِيَّةِ بَعْضِ فَلاسِفَةِ الهِنْدِ، وهُمُ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ مِنَ العُلُومِ ما سِوى الحِسِّيّاتِ، فَهَذِهِ أسانِيدُ الجَهْمِ تَرْجِعُ إلى اليَهُودِ والصّابِئِينَ والمُشْرِكِينَ.
والفَلاسِفَةُ الضّالُّونَ هم إمّا مِنَ الصّابِئِينَ، وإمّا مِنَ المُشْرِكِينَ. ثُمَّ لَمّا عُرِّبَتِ الكُتُبُ الرُّومِيَّةُ في حُدُودِ المِئَةِ الثّانِيَةِ، زادَ البَلاءُ مَعَ ما ألْقى الشَّيْطانُ في قُلُوبِ الضُّلّالِ، ابْتِداءً مِن جِنْسِ ما ألْقاهُ في قُلُوبِ أشْباهِهِمْ.
ولَمّا كانَ في حُدُودِ المِئَةِ الثّانِيَةِ، انْتَشَرَتْ هَذِهِ المَقالَةُ الَّتِي كانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَها مَقالَةَ الجَهْمِيَّةِ، بِسَبَبِ بِشْرِ بْنِ غِياثٍ المَرِيسِيِّ وطَبَقَتِهِ، وكَلامُ الأئِمَّةِ - مِثْلَ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وأبِي يُوسُفَ والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ وإسْحاقَ والفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ وبِشْرٍ الحافِيِّ وغَيْرِهِمْ - في بِشْرٍ المَرِيسِيِّ هَذا كَثِيرٌ في ذَمِّهِ وتَضْلِيلِهِ. وهَذِهِ التَّأْوِيلاتِ المَوْجُودَةِ اليَوْمَ بِأيْدِي النّاسِ، مِثْلُ أكْثَرِ التَّأْوِيلاتِ الَّتِي ذَكَرَها أبُو بَكْرِ بْنُ فَوْركٍ في كِتابِ (التَّأْوِيلاتِ) وذَكَرَها أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرّازِيُّ في كِتابِهِ الَّذِي سَمّاهُ (تَأْسِيسُ التَّقْدِيسِ) ويُوجَدُ كَثِيرٌ مِنها في كَلامِ خَلْقٍ غَيْرِ هَؤُلاءِ، مِثْلَ أبِي عَلِيٍّ الجِبّائِيِّ وعَبْدِ الجَبّارِ بْنِ أحْمَدَ الهَمْدانِيِّ، وأبِي الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ وابْنِ عَقِيلٍ وأبِي حامِدٍ الغَزالِيِّ وغَيْرِهِمْ، وهي بِعَيْنِها التَّأْوِيلاتُ الَّتِي ذَكَرَها بِشْرٌ المَرِيسِيُّ في كِتابِهِ. وإنْ كانَ قَدْ يُوجَدُ في كَلامِ بَعْضِ هَؤُلاءِ رَدُّ التَّأْوِيلِ وإبْطالُهُ أيْضًا، ولَهم كَلامٌ حَسَنٌ في أشْياءَ، فَإنَّما بَيَّنَتْ أنَّ عَيْنَ (p-٢٧٣٦)تَأْوِيلاتِهِمْ هي عَيْنُ تَأْوِيلاتِ المَرِيسِيِّ. وعَلِمْنا ذَلِكَ بِكِتابِ (الرَّدِّ) الَّذِي صَنَّفَهُ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ أحَدُ الأئِمَّةِ المَشاهِيرِ في زَمَنِ البُخارِيِّ، صَنَّفَ كِتابًا سَمّاهُ (نَقْضُ عُثْمانَ بْنِ سَعِيدٍ، عَلى الكاذِبِ العَنِيدِ، فِيما افْتَرى عَلى اللَّهِ في التَّوْحِيدِ) حَكى فِيهِ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ بِأعْيانِها عَنْ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ، بِكَلامٍ يَقْتَضِي أنَّ المَرِيسِيِّ أقْعَدُ بِها، وأعْلَمُ بِالمَعْقُولِ والمَنقُولِ مِن هَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ الَّذِينَ اتَّصَلَتْ إلَيْهِمْ مِن جِهَتِهِ، ثُمَّ رَدَّها عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ بِكَلامٍ، إذا طالَعَهُ العاقِلُ الذَّكِيُّ، عَلِمَ حَقِيقَةَ ما كانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ فَتَبَيَّنَ لَهُ ظُهُورُ الحُجَّةِ لِطَرِيقِهِمْ، وضَعْفُ حُجَّةِ مَن خالَفَهم.
ثُمَّ إذا رَأى الأئِمَّةَ - أئِمَّةَ الهُدى - قَدْ أجْمَعُوا عَلى ذَمِّ المَرِيسِيَّةِ، وأكْثَرُهم كَفَّرُوهُمْ، أوْ ضَلَّلُوهُمْ، وعَلِمَ أنَّ هَذا القَوْلَ السّارِيَ في هَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ، هو مَذْهَبُ المَرِيسِيِّ تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى لِمَن يُرِيدُ اللَّهُ هِدايَتَهُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.
ثُمَّ قالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
ومَذْهَبُ السَّلَفِ بَيْنَ التَّعْطِيلِ وبَيْنَ التَّمْثِيلِ فَلا يُمَثِّلُونَ صِفاتِ اللَّهِ بِصِفاتِ خَلْقِهِ، كَما لا يُمَثِّلُونَ ذاتَهُ بِذاتِ خَلْقِهِ، ولا يَنْفُونَ عَنْهُ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أوْ وصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، فَيُعَطِّلُونَ أسْماءَهُ الحُسْنى، وصِفاتِهِ العُلْيا، ويُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، ويُلْحِدُونَ في أسْماءِ اللَّهِ وآياتِهِ.
وكُلُّ واحِدٍ مِن فَرِيقَيِ التَّعْطِيلِ والتَّمْثِيلِ، فَهو جامِعٌ بَيْنَ التَّعْطِيلِ والتَّمْثِيلِ. أمّا المُعَطِّلُونَ، فَإنَّهم لَمْ يَفْهَمُوا مِن أسْماءِ اللَّهِ وصِفاتِهِ إلّا ما هو اللّائِقُ بِالمَخْلُوقِ. ثُمَّ شَرَعُوا في نَفْيِ تِلْكَ المَفْهُوماتِ، فَقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ التَّمْثِيلِ والتَّعْطِيلِ، مَثَّلُوا أوَّلًا، وعَطَّلُوا آخِرًا، وهَذا تَشْبِيهٌ وتَمْثِيلٌ مِنهم لِلْمَفْهُومِ مِن أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، بِالمَفْهُومِ مِن أسْماءِ خَلْقِهِ وصِفاتِهِمْ، وتَعْطِيلٌ لِما يَسْتَحِقُّهُ هو سُبْحانَهُ مِنَ الأسْماءِ والصِّفاتِ اللّائِقَةِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
فَإنَّهُ إذا قالَ القائِلُ: لَوْ كانَ اللَّهُ فَوْقَ العَرْشِ لَلَزِمَ إمّا أنْ يَكُونَ أكْبَرَ مِنَ العَرْشِ أوْ أصْغَرَ أوْ مُساوِيًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ، فَإنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مِن كَوْنِ اللَّهِ عَلى العَرْشِ إلّا ما يَثْبُتُ لِأيِّ جِسْمٍ كانَ، عَلى أيِّ جِسْمٍ كانَ، وهَذا اللّازِمُ تابِعٌ لِهَذا المَفْهُومِ، أمّا اسْتِواءٌ يَلِيقُ بِجَلالِ اللَّهِ، ويَخْتَصُّ بِهِ، فَلا يَلْزَمُهُ (p-٢٧٣٧)شَيْءٌ مِنَ اللَّوازِمِ الثَّلاثَةِ، كَما يَلْزَمُ سائِرَ الأجْسامِ. وصارَ هَذا مِثْلَ قَوْلِ المُمَثِّلِ: إذا كانَ لِلْعالَمِ صانِعٌ، فَإمّا أنْ يَكُونَ جَوْهَرًا أوْ عَرَضًا، إذْ لا يَعْقِلُ مَوْجُودٌ إلّا هَذانِ، أوْ قَوْلُهُ: إذا كانَ مُسْتَوِيًا عَلى العَرْشِ، فَهو مُماثِلٌ لِاسْتِواءِ الإنْسانِ عَلى السَّرِيرِ أوِ الفُلْكِ، إذْ لا يُعْلَمُ الِاسْتِواءُ إلّا هَكَذا، فَإنَّ كِلَيْهِما مَثَّلَ، وكِلاهُما عَطَّلَ حَقِيقَةَ ما وصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ، وامْتازَ الأوَّلُ بِتَعْطِيلِ كُلِّ مُسَمًّى لِلِاسْتِواءِ الحَقِيقِيِّ، وامْتازَ الثّانِي بِإثْباتِ اسْتِواءٍ هو مِن خَصائِصِ المَخْلُوقِينَ، والقَوْلُ الفاصِلُ هو ما عَلَيْهِ الأُمَّةُ الوَسَطُ، مِن أنَّ اللَّهَ مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ اسْتِواءً يَلِيقُ بِجَلالِهِ ويَخْتَصُّ بِهِ، فَكَما أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وعَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، ونَحْوَ ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ أنْ نُثْبِتَ لِلْعِلْمِ والقُدْرَةِ خَصائِصَ الأعْراضِ الَّتِي لِعِلْمِ المَخْلُوقِينَ وقُدَرِهِمْ، فَكَذَلِكَ هو سُبْحانَهُ فَوْقَ العَرْشِ، ولا نُثْبِتُ لِفَوْقِيَّتِهِ خَصائِصَ فَوْقِيَّةِ المَخْلُوقِ عَلى المَخْلُوقِ ولَوازِمِها.
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في العَقْلِ الصَّحِيحِ، ولا في النَّقْلِ الصَّرِيحِ، ما يُوجِبُ مُخالَفَةَ الطَّرِيقَةِ السَّلَفِيَّةِ أصْلًا، لَكِنْ هَذا المَوْضِعُ لا يَتَّسِعُ لِلْجَوابِ عَنِ الشُّبُهاتِ الوارِدَةِ عَنِ الحَقِّ، فَمَن كانَ في قَلْبِهِ شُبْهَةٌ وأحَبَّ حَلَّها، فَذَلِكَ سَهْلٌ يَسِيرٌ -انْتَهى كَلامُهُ-.
ومَن أحاطَ عَقْلُهُ بِهَذِهِ الغُرَرِ، عَلِمَ بَراءَةَ ساحَةِ السَّلَفِ مِمّا رَمَوْا بِهِ مِنَ التَّجْسِيمِ. وفي هَذِهِ النَّفائِسِ مِنَ الفَوائِدِ ما يَشْفَعُ لَدى الواقِفِ بِطُولِهِ.
الثّالِثُ: يُطْلَقُ العَرْشُ عَلى مَعانٍ: السَّرِيرُ، ومِنهُ آيَةُ: ﴿ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] والمُلْكُ، يُقالُ: ثَلَّ عَرْشُهم. وسَقْفُ البَيْتِ، ومِنهُ آيَةُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ [الكهف: ٤٢] (p-٢٧٣٨)وحَدِيثُ ««كالقِنْدِيلِ المُعَلَّقِ بِالعَرْشِ»» أوِ البِناءُ، ومِنهُ: ﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] أيْ: يَبْنُونَ ومِنهُ: العَرِيشُ، وهو ما يُسْتَظَلُّ بِهِ. والعَرْشُ المُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى لا يَحُدُّ.
قالَ في القامُوسِ: العَرْشُ، عَرْشُ اللَّهِ تَعالى، ولا يُحَدُّ -انْتَهى.
وقالَ الرّاغِبُ: عَرْشُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا لا يَعْلَمُهُ البَشَرُ إلّا بِالِاسْمِ عَلى الحَقِيقَةِ، ولِذا لَمْ يَصِحَّ في صِفَتِهِ حَدِيثٌ، وكُلُّ ما رُوِيَ في ذَلِكَ فَلَيْسَ مِن مَرْوِيّاتِ الصِّحاحِ.
قالَ البَيْهَقِيُّ في كِتابِ (الأسْماءُ والصِّفاتُ): وأقاوِيلُ أهْلِ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ العَرْشَ هو السَّرِيرُ، وأنَّهُ جِسْمٌ مُجَسَّمٌ، خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى، وأمَرَ مَلائِكَتَهُ بِحَمْلِهِ، وتَعَبَّدَهم بِتَعْظِيمِهِ والطَّوافِ بِهِ، كَما خَلَقَ في الأرْضِ بَيْتًا، وأمَرَ بَنِي آدَمَ بِالطَّوافِ بِهِ واسْتِقْبالِهِ في الصَّلاةِ، وفي أكْثَرِ الآياتِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ، وفي الأخْبارِ والآثارِ الوارِدَةِ في مَعْناهُ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ -انْتَهى.
وقالَ الحافِظُ الذَّهَبِيُّ في كِتابِ (العُلُوُّ): اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، قَدْ أخْبَرَنا، وهو (p-٢٧٣٩)أصْدَقُ القائِلِينَ، بِأنَّ عَرْشَ بِلْقِيسَ عَرْشٌ عَظِيمٌ: ﴿ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦] فَكانَ عَرْشُها عَظِيمًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها، وما نُحِيطُ الآنَ عِلْمًا بِتَفاصِيلِ عَرْشِها ولا بِمِقْدارِهِ ولا بِماهِيَّتِهِ. ثُمَّ قالَ: فَما الظَّنُّ بِما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى مِنَ السُّرُرِ والقُصُورِ في الجَنَّةِ لِعِبادِهِ، فَما الظَّنُّ بِالعَرْشِ العَظِيمِ الَّذِي اتَّخَذَهُ العَلِيُّ العَظِيمُ لِنَفْسِهِ في ارْتِفاعِهِ وسِعَتِهِ، وقَوائِمِهِ وماهِيَّتِهِ وحَمَلَتِهِ الحافِّينَ مِن حَوْلِهِ، وحُسْنِهِ ورَوْنَقِهِ وقِيمَتِهِ؟ اسْمَعْ وتَعَقَّلْ ما يُقالُ، والجَأْ إلى الإيمانِ بِالغَيْبِ، فَلَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ، فالقُرْآنُ مَشْحُونٌ بِذِكْرِ العَرْشِ، وكَذَلِكَ الآثارُ، بِما يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ (المُلْكَ). فَدَعِ المُكابَرَةَ والمِراءَ، فَإنَّ المِراءَ في القُرْآنِ كُفْرٌ.
آمَنّا بِاللَّهِ وأشْهَدُ بِأنّا مُسْلِمُونَ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ، الحَمْدُ لِلَّهِ رَبُّ العالَمِينَ. انْتَهى كَلامُ الذَّهَبِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى-.
الرّابِعُ: سُئِلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَةَ، عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ والرِّضْوانُ، عَنِ العَرْشِ: هَلْ هو كَرِيٌّ أمْ لا، فَإذا كانَ كَرِيًّا واللَّهُ مِن ورائِهِ مُحِيطٌ بِهِ بائِنٌ عَنْهُ، فَما فائِدَةُ تَوَجُّهِ العَبْدِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ حِينَ الدُّعاءِ والعِبادَةِ، فَيَقْصِدُ العُلُوَّ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ لا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ قَصْدِ جِهَةِ العُلُوِّ وغَيْرِها مِنَ الجِهاتِ الَّتِي تُحِيطُ بِالدّاعِي، ومَعَ هَذا نَجِدُ في قُلُوبِنا قَصْدًا يَطْلُبُ العُلُوَّ، لا يَلْتَفِتُ يُمْنَةً ولا يُسْرَةً. فَأخْبَرَنا عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجِدُها في قُلُوبِنا وقَدْ فُطِرْنا عَلَيْها.
فَأجابَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ:
إنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَمْ يَثْبُتْ بِدَلِيلٍ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ أنَّ العَرْشَ فَلَكٌ مِنَ الأفْلاكِ المُسْتَدِيرَةِ الكُرِيَّةِ، وإنَّما ذَكَرَهُ طائِفَةٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ الَّذِينَ نَظَرُوا في عِلْمِ الهَيْئَةِ، فَرَأوْا أنَّ الأفْلاكَ تِسْعَةٌ، وأنَّ التّاسِعَ، وهو الأطْلَسُ، مُحِيطٌ بِها، وهو الَّذِي يُحَرِّكُها الحَرَكَةَ الشَّرْقِيَّةَ، وإنْ كانَ لِكُلِّ (p-٢٧٤٠)فَلَكٍ حَرَكَةٌ تَخُصُّهُ، ثُمَّ سَمِعُوا في أخْبارِ الأنْبِياءِ ذِكْرَ عَرْشِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وكُرْسِيِّهِ والسَّماواتِ السَّبْعِ، فَقالُوا (بِطَرِيقِ الظَّنِّ): إنَّ العَرْشَ هو الفَلَكُ التّاسِعُ، لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ وراءَ ذَلِكَ شَيْءٌ، إمّا مُطْلَقًا وإمّا أنَّهُ لَيْسَ وراءَهُ مَخْلُوقٌ. ثُمَّ إنَّ مِنهم مَن رَأى أنَّهُ هو الَّذِي يُحَرِّكُ الأفْلاكَ كُلَّها، فَجَعَلُوهُ مَبْدَأ الحَوادِثِ، ورُبَّما سَمّاهُ بَعْضُهُمُ الرُّوحَ أوِ النَّفْسَ. وجَعَلَهُ بَعْضُهم هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، وبَعْضُ النّاسِ ادَّعى أنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الكَشْفِ، وذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ أخَذَهُ مِن هَؤُلاءِ المُتَفَلْسِفَةِ، كَما فَعَلَ أصْحابُ (رَسائِلِ إخْوانِ الصَّفاءِ).
والأخْبارُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَرْشَ مُبايِنٌ لِغَيْرِهِ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وأنَّهُ قَبْلَ السَّماواتِ والأرْضِ. فَقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وخَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأنَّ لَهُ قَوائِمَ»» كَما في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ: ««فَإذا أنا بِمُوسى آخِذٌ بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ العَرْشِ»» .
وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن قالَ إنَّهُ مُقَبَّبٌ، بِما رَواهُ أبُو داوُدَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««وإنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى عَرْشِهِ، وإنَّ عَرْشَهُ عَلى سَماواتِهِ، (p-٢٧٤١)وسَماواتِهِ فَوْقَ أرْضِهِ هَكَذا، وقالَ بِأصابِعِهِ مِثْلَ القُبَّةِ»» . وهَذا لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَلَكٌ مِنَ الأفْلاكِ، ولا مُسْتَدِيرٌ مِثْلَ ذَلِكَ، لَكِنْ لَفْظُ (القُبَّةِ) يَسْتَلْزِمُ اسْتِدارَةً مِنَ العُلُوِّ، لا مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ولَفْظُ (الفَلَكِ) يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى الِاسْتِدارَةِ مُطْلَقًا، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِي: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ [الأنبياء: ٣٣] في فَلَكَةٍ مِثْلَ فَلَكَةِ المِغْزَلِ، وأمّا لَفْظُ (القُبَّةِ) فَإنَّهُ لا يَتَعَرَّضُ لِهَذا المَعْنى، لا بِنَفْيٍ ولا إثْباتٍ، لَكِنْ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِدارَةِ مِنَ العُلُوِّ.
واعْلَمْ أنَّ العَرْشَ، سَواءٌ كانَ هَذا الفَلَكَ التّاسِعَ، أوْ جِسْمًا مُحِيطًا بِهِ، أوْ كانَ فَوْقَهُ مِن جِهَةِ وجْهِ الأرْضِ، مُحِيطٌ بِهِ، أوْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، فَيَجِبُ أنْ يَعْلَمَ أنَّ العالَمَ العُلْوِيَّ والسُّفْلِيَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الخالِقِ تَعالى في غايَةِ الصِّغَرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]
وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««يَقْبِضُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ (p-٢٧٤٢)ويَطْوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ. أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ؟»»، وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: ««يَطْوِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ السَّماواتِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنى، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ، أيْنَ الجَبّارُونَ، أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الأرَضِينَ بِشَمالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ، أيْنَ الجَبّارُونَ، أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟»» . وفي لَفْظٍ: ««ويَتَمَيَّلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى يَمِينِهِ وعَلى شَمالِهِ، حَتّى نَظَرْتُ إلى المِنبَرِ يَتَحَرَّكُ مِن أسْفَلِهِ شَيْءٌ»» .
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى قالَ: «قَرَأ عَلى المِنبَرِ: ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] الآيَة، قالَ: مَطْوِيَّةٌ في كَفِّهِ، يَرْمِي بِها كَما يَرْمِي الغُلام بِالكَرَّةِ»، فَفي هَذِهِ الأحادِيثِ وغَيْرِها، المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِها، ما يُبَيِّنُ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، أصْغَرُ مِن أنْ تَكُونَ مَعَ قَبْضِهِ لَها، إلّا كالشَّيْءِ الصَّغِيرِ في يَدِ أحَدِنا، حَتّى يَدْحُوَها كَما تُدْحى الكُرَةُ.
ثُمَّ قالَ في الجَوابِ: فَما وصَفَ اللَّهُ تَعالى مِن نَفْسِهِ وأسْمائِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ سَمَّيْناهُ كَما سَمّاهُ، ولَمْ نَتَكَلَّفْ عِلْمَ ما سِواهُ، فَلا نَجْحَدُ ما وصَفَ، ولا نَتَكَلَّفُ مَعْرِفَةَ ما لَمْ يَصِفْ، وإذْ كانَ كَذَلِكَ، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَقْبِضَها ويَدْحُوَها كالكُرَةِ. وفي ذَلِكَ مِنَ الإحاطَةِ بِها ما لا يَخْفى، وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ. وبِكُلِّ حالٍ فَهو مُبايِنٌ لَها، لَيْسَ بِمُجانِبٍ لَها، ومِنَ (p-٢٧٤٣)المَعْلُومِ أنَّ الواحِدَ مِنّا - ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى - إذا كانَ عِنْدَهُ خَرْدَلَةٌ، إنْ شاءَ قَبَضَها، فَأحاطَتْ بِها قَبْضَتُهُ، وإنْ شاءَ لَمْ يَقْبِضْها، بَلْ جَعَلَها تَحْتَهُ، فَهو في الحالَيْنِ مُبايِنٌ لَها، وسَواءٌ قَدَّرَ أنَّ العَرْشَ هو مُحِيطٌ بِالمَخْلُوقاتِ، كَإحاطَةِ الكُرَةِ بِما فِيها، أمْ قِيلَ إنَّهُ فَوْقَها ولَيْسَ مُحِيطًا بِها كَوَجْهِ الأرْضِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْها بِالنِّسْبَةِ إلى جَوْفِها، وكالقُبَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما تَحْتَها، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَعَلى التَّقْدِيرِ يَكُونُ العَرْشُ فَوْقَ المَخْلُوقاتِ، والخالِقُ سُبْحانَهُ فَوْقَهُ، والعَبْدُ في تَوَجُّهِهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، يَقْصِدُ العُلُوَّ، دُونَ التَّحْتِ.
وتَمامُ هَذا البَحْثِ بِأنْ يُقالَ: لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ العَرْشُ كُرِيًّا كالأفْلاكِ، ويَكُونُ مُحِيطًا بِها، وإمّا أنْ يَكُونَ فَوْقَها، ولَيْسَ بِكُرِيٍّ.
فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فَمِنَ المَعْلُومِ -بِاتِّفاقِ مَن يَعْلَمُ هَذا - أنَّ الأفْلاكَ مُسْتَدِيرَةٌ كُرِيَّةٌ، وأنَّ الجِهَةَ العُلْيا هي جِهَةُ المُحِيطِ، وهو المَحْدُودُ، وأنَّ الجِهَةَ السُّفْلى هي المَرْكَزُ، ولَيْسَ لِلْأفْلاكِ إلّا جِهَتانِ: العُلُوُّ والسُّفْلُ فَقَطْ. وأمّا الجِهاتُ السِّتُّ فَهي لِلْحَيَوانِ، فَإنَّ لَهُ سِتَّ جَوانِبَ: يَؤُمُّ جِهَةً فَتَكُونُ أمامَهُ، ويَخْلُفُ أُخْرى فَتَكُونُ خَلْفَهُ، وجِهَةٌ تُحاذِي شَمالَهُ، وجِهَةٌ تُحاذِي يَمِينَهُ، وجِهَةٌ تُحاذِي رَأْسَهُ، وجِهَةٌ تُحاذِي رِجْلَيْهِ. ولَيْسَ لِهَذِهِ الجِهاتِ في نَفْسِها صِفَةٌ لازِمَةٌ، بَلْ هي بِحَسَبِ النِّسْبَةِ والإضافَةِ، فَيَكُونُ يَمِينُ هَذا ما يَكُونُ يَسارَ هَذا، ويَكُونُ فَوْقُ هَذا ما يَكُونُ تَحْتَ هَذا، لَكِنَّ جِهَةَ العُلُوِّ والسُّفْلِ لِلْأفْلاكِ لا تَتَغَيَّرُ، فالمُحِيطُ هو لِلْعُلُوِّ، والمَرْكَزُ هو السُّفْلُ، مَعَ أنَّ وجْهَ الأرْضِ الَّتِي وضَعَها اللَّهُ تَعالى لِلْأنامِ، وأرْساها بِالجِبالِ، هو الَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ والبَهائِمُ وغَيْرُهُما.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences