Al-QasimiAl‑A'raf · 7:54–56

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:54–56, continued

فَأمّا النّاحِيَةُ الأُخْرى مِنها فالبَحْرُ مُحِيطٌ بِها، ولَيْسَ هُناكَ شَيْءٌ مِنَ الآدَمِيِّينَ وما يَتْبَعُهم. ولَوْ قُدِّرَ أنَّ هُناكَ أحَدًا، لَكانَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، ولَمْ يَكُنْ مَن في هَذِهِ الجِهَةِ تَحْتَ مَن في هَذِهِ الجِهَةِ، ولا مَن في هَذِهِ تَحْتَ مَن في هَذِهِ. كَما أنَّ الأفْلاكَ مُحِيطَةٌ بِالمَرْكَزِ، ولَيْسَ أحَدُ جانِبَيِ الفَلَكِ تَحْتَ الآخَرِ، ولا القُطْبُ الشَّمالِيُّ تَحْتَ الجَنُوبِيِّ، ولا بِالعَكْسِ، وإنْ كانَ الشَّمالِيُّ هو الظّاهِرَ لَنا بِحَسَبِ بُعْدِ النّاسِ عَنْ خَطِّ الِاسْتِواءِ، فَما كانَ بُعْدُهُ عَنْ خَطِّ الِاسْتِواءِ ثَلاثِينَ دَرَجَةً مَثَلًا، كانَ ارْتِفاعُ القُطْبِ عِنْدَهُ (p-٢٧٤٤)ثَلاثِينَ دَرَجَةً، وهو الَّذِي يُسَمّى عَرْضَ البَلَدَ، فَكَما أنَّ جَوانِبَ الأرْضِ المُحِيطَةَ بِها، وجَوانِبَ الفَلَكِ المُسْتَدِيرِ لَيْسَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ولا تَحْتَهُ، فَكَذَلِكَ مَن يَكُونُ عَلى الأرْضِ لا يُقالُ إنَّهُ تَحْتَ أُولَئِكَ، وإنَّما هَذا خَيالٌ يَتَخَيَّلُهُ الإنْسانُ، وهو (تَحْتٌ) إضافِيٌّ. كَما لَوْ كانَتْ نَمْلَةُ تَمْشِي تَحْتَ سَقْفٍ، فالسَّقْفُ فَوْقَها، وإنْ كانَتْ رِجْلاها تُحاذِيانِهِ، وكَذَلِكَ مَن عُلِّقَ مَنكُوسًا، فَإنَّهُ تَحْتَ السَّماءِ، وإنْ كانَتْ رِجْلاهُ تَلِي السَّماءَ، وكَذَلِكَ قَدْ يَتَوَهَّمُ الإنْسانُ إذا كانَ في أحَدِ جانِبَيِ الأرْضِ أوِ الفَلَكِ، أنَّ الجانِبَ الآخَرَ تَحْتَهُ. وهَذا أمْرٌ لا يَتَنازَعُ فِيهِ اثْنانِ مِمَّنْ يَقُولُ إنَّ الأفْلاكَ مُسْتَدِيرَةٌ، وهَذا كَما أنَّهُ قَوْلُ أهْلِ الهَيْئَةِ والحِسابِ، فَهو الَّذِي عَلَيْهِ عُلَماءُ المُسْلِمِينَ، كَما ذَكَرَهُ أبُو الحُسَيْنِ المِنّاوِيُّ وأبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ وأبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ وغَيْرُهم. وهو المَأْخُوذُ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ. ومَن ظَنَّ أنَّ مَن يَكُونُ في الفَلَكِ مِن ناحِيَةٍ يَكُونُ تَحْتَهُ مَن في الفَلَكِ مِنَ النّاحِيَةِ الأُخْرى في نَفْسِ الأمْرِ، فَهو مُتَوَهِّمٌ عِنْدَهم.

فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإذا قُدِّرَ أنَّ العَرْشَ مُسْتَدِيرٌ مُحِيطٌ بِالمَخْلُوقاتِ كانَ هو أعْلاها وسَقْفَها وهو فَوْقُها مُطْلَقًا، فَلا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ وإلى ما فَوْقَهُ الإنْسانُ إلّا مِنَ العُلُوِّ.

ومَن تَوَجَّهَ إلى الفَلَكِ الثّامِنِ أوِ التّاسِعِ مَثَلًا مِن غَيْرِ جِهَةِ العُلُوِّ، كانَ جاهِلًا بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ، فَكَيْفَ بِالتَّوَجُّهِ إلى العَرْشِ أوْ إلى ما فَوْقَهُ ! وغايَةُ ما يَقْدِرُ أنْ يَكُونَ كَرِيَّ الشَّكْلِ، واللَّهُ تَعالى مُحِيطٌ بِالمَخْلُوقاتِ كُلِّها إحاطَةً تَلِيقُ بِجَلالِهِ، فَإنَّ السَّماواتِ السَّبْعَ والأرْضَ في يَدِهِ أصْغَرُ مِنَ الحِمَّصَةِ في يَدِ أحَدِنا. وأمّا قَوْلُ القائِلِ: إذا كانَ كَرِيًّا، واللَّهُ مِن ورائِهِ مُحِيطٌ بائِنٌ عَنْهُ، فَما الفائِدَةُ في التَّوَجُّهِ إلى العُلُوِّ دُونَ التَّحْتِ، ومَعَ هَذا نَجِدُ في قُلُوبِنا قَصْدَ العُلُوِّ؟ فَيُقالُ: هَذا إنَّما ورَدَ لِتَوَهُّمِ أنَّ نِصْفَ الفَلَكِ يَكُونُ تَحْتَ الأرْضِ، وتَحْتَ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ، مِنَ الآدَمِيِّينَ والبَهائِمِ، وهَذا غَلَطٌ. فَلَوْ كانَ الفَلَكُ تَحْتَ الأرْضِ مِن جِهَةٍ، لَكانَ تَحْتَها مِن كُلِّ جِهَةٍ، فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الفَلَكُ تَحْتَ الأرْضِ مُطْلَقًا، وهَذا قَلْبٌ لِلْحَقائِقِ إذِ الفَلَكُ هو فَوْقَ الأرْضِ مُطْلَقًا، وأهْلُ الهَيْئَةِ يَقُولُونَ: لَوْ أنَّ الأرْضَ مَخْرُوقَةٌ إلى ناحِيَةِ (p-٢٧٤٥)أرْجُلِنا، وأُلْقِيَ في الخَرْقِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ كالحَجَرِ ونَحْوِهِ، لَكانَ يَنْتَهِي إلى المَرْكَزِ، حَتّى لَوْ أُلْقِيَ مِن تِلْكَ النّاحِيَةِ حَجَرٌ آخَرُ، لالتَقَيا جَمِيعًا في المَرْكَزِ، الَّذِي هو النُّقْطَةُ المُتَوَسِّطَةُ في كُرَةِ الأرْضِ، ولَوْ قُدِّرَ أنَّ إنْسانَيْنِ التَقَيا في المَرْكَزِ بَدَلَ الحَجَرِ، لالتَقَتْ رِجْلاهُما، ولَمْ يَكُنْ أحَدُهُما تَحْتَ الآخَرِ، بَلْ كِلاهُما فَوْقَ المَرْكَزِ، وكِلاهُما تَحْتَ الفَلَكِ.

وإذا كانَ مَطْلُوبُ أحَدٍ ما فَوْقَ الفَلَكِ لَمْ يَطْلُبْهُ إلّا مِنَ الجِهَةِ العُلْيا، لِأنَّ مَطْلُوبَهُ مِن تِلْكَ الجِهَةِ أقْرَبُ، لِأنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أنَّ رَجُلًا أوْ مَلَكًا يَصْعَدُ إلى السَّماءِ، كانَ صُعُودُهُ مِمّا يَلِي رَأْسَهُ، ولا يَقُولُ عاقِلٌ إنَّهُ يَخْرِقُ الأرْضَ ثُمَّ يَصْعَدُ مِن تِلْكَ النّاحِيَةِ، أوْ يَذْهَبُ يَمِينًا أوْ شِمالًا ثُمَّ يَصْعَدُ. ولَوْ أنَّ رَجُلًا أرادَ مُخاطَبَةَ القَمَرِ، فَإنَّهُ لا يُخاطِبُهُ إلّا مِنَ الجِهَةِ العُلْيا، مَعَ أنَّهُ قَدْ يُشْرِقُ ويَغْرُبُ، فَكَيْفَ بِما هو فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لا يَأْفُلُ ولا يَغِيبُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

وكَما أنَّ حَرَكَةَ الحَجَرِ تَطْلُبُ مَرْكَزَها بِأقْصَرِ طَرِيقٍ، وهو الخَطُّ المُسْتَقِيمُ، فالطَّلَبُ الإرادِيُّ الَّذِي يَقُومُ بِقُلُوبِ العِبادِ، كَيْفَ يَعْدِلُ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ؟

مَطْلَبٌ في حَدِيثِ الإدْلاءِ

إلى أنْ قالَ:

وحَدِيثُ الإدْلاءِ، الَّذِي رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ وأبُو ذَرٍّ، قَدْ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ (p-٢٧٤٦)الحَسَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَة، وهو مُنْقَطِعٌ، فَإنَّ الحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِن أبِي هُرَيْرَةَ، ولَكِنْ يُقَوِّيهِ حَدِيثُ أبِي ذَرٍّ المَرْفُوعُ. فَإنْ كانَ ثابِتًا، فَمَعْناهُ مُوافِقٌ لِهَذا، فَإنَّ قَوْلَهُ ﷺ: ««لَوْ أدْلى أحَدُكم بِحَبْلٍ لَهَبَطَ عَلى اللَّهِ»»، إنَّما هو تَقْدِيرٌ مَفْرُوضٌ، أيْ: لَوْ وقَعَ الإدْلاء لَوَقَعَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لا يُمْكِنُ أنْ يُدْلِي أحَدٌ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ شَيْئًا، لِأنَّهُ عالٍ بِالذّاتِ، وإذا أُهْبِطَ شَيْءٌ إلى جِهَةِ الأرْضِ وقَفَ في المَرْكَزِ، والمَقْصُودُ بَيانُ إحاطَةِ الخالِقِ سُبْحانَهُ، كَما بَيَّنَ أنَّهُ يَقْبِضُ السَّماواتِ، ويَطْوِي الأرْضَ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ بَيانُ إحاطَتِهِ تَعالى، ولِهَذا قَرَأ في تَمامِ الحَدِيثِ:

﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] وهَذا كُلُّهُ عَلى (p-٢٧٤٧)تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ، فَإنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمّا رَواهُ قالَ: وفَسَّرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِأنَّهُ هَبَطَ عَلى عِلْمِ اللَّهِ. وبَعْضُ الحُلُولِيَّةِ والِاتِّحادِيَّةِ يَظُنُّ أنَّ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى زَعْمِهِ الباطِلِ مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ حالٌّ بِذاتِهِ في كُلِّ مَكانٍ، أوْ أنَّ وُجُودَهُ وُجُودُ الأمْكِنَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ. وكَذَلِكَ تَأْوِيلُهُ بِالعِلْمِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، بَلْ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ، فالمُرادُ بِهِ الإحاطَةُ، ونَحْنُ لا نَتَكَلَّمُ إلّا بِما نَعْلَمُ، وما لَمْ نَعْلَمْهُ أمْسَكْنا عَنْهُ، وقَدْ فَطَرَ اللَّهُ تَعالى النّاسَ عَلى التَّوَجُّهِ في الدُّعاءِ إلى جِهَةِ العُلُوِّ، وقالَ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠] فَجاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِالعِبادَةِ والدُّعاءِ بِما يُوافِقُ الفِطْرَةَ.

وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««إذا قامَ أحَدُكم إلى الصَّلاةِ فَلا يَبْصُقْ قِبَلَ وجْهِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قِبَلَ وجْهِهِ، ولا عَنْ يَمِينِهِ فَإنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، ولْيَبْصُقْ عَنْ يَسارِهِ أوْ تَحْتَ رِجْلِهِ» . وفي رِوايَةٍ: إنَّهُ أذِنَ أنْ يَبْصُقَ في ثَوْبِهِ»، وفي حَدِيثِ أبِي رَزِينٍ (p-٢٧٤٨)المَشْهُورِ: لِما «أخْبَرَ ﷺ أنَّهُ ما مِن أحَدٍ إلّا سَيَخْلُو بِهِ رَبُّهُ، فَقالَ لَهُ أبُو رَزِينٍ: كَيْفَ يَسَعُنا يا رَسُولَ اللَّهِ وهو واحِدٌ ونَحْنُ جَمْعٌ؟ فَقالَ: «سَأُنْبِئُكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ في آلاءِ اللَّهِ تَعالى: هَذا القَمَرُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، كُلُّكم يَراهُ مُخَلِّيًا بِهِ، فاللَّهُ أكْبَرُ»» .

وفِي الصَّحِيحَيْنِ: ««لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوامٌ عَنْ رَفْعِ أبْصارِهِمْ في الصَّلاةِ، أوْ لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أبْصارُهم»» .

واتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ رَفْعَ المُصَلِّي بَصَرَهُ إلى السَّماءِ مَنهِيٌّ عَنْهُ، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ في الصَّلاةِ إلى السَّماءِ، حَتّى نَزَلَ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] فَكانَ بَصَرُهُ لا يُجاوِزُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ» .

فَهَذا مِمّا جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ تَكْمِيلًا لِلْفِطْرَةِ، لِأنَّ الدّاعِيَ المَأْمُورَ بِالذُّلِّ، لا يُناسِبُ حالَهُ أنْ يَنْظُرَ إلى ناحِيَةِ مَن يَدْعُوهُ، خِلافًا لِلْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ العَرْشِ وقَعْرِ البَحْرِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيَةَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَأْوِيلَ: «(الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ فَمَن صافَحَهُ وقَبَّلَهُ فَكَأنَّما صافَحَ اللَّهَ تَعالى وقَبَّلَ يَمِينَهُ»، وقالَ: قَدْ ظَنُّوا أنَّ هَذا وأمْثالَهُ مُحْتاجٌ إلى التَّأْوِيلِ، وهَذا وهْمٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ هَذا اللَّفْظُ ثابِتًا عَنِ (p-٢٧٤٩)النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ الحَجَرَ لَيْسَ هو مِن صِفاتِهِ تَعالى، وتَقْيِيدُهُ بِالأرْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ هو يَدَهُ عَلى الإطْلاقِ، فَلا تَكُونُ اليَدُ حَقِيقَةً. وقَوْلُهُ: (فَكَأنَّما صافَحَ اللَّهَ تَعالى)... إلَخْ، صَرِيحٌ في أنَّ المُصافِحَ لَيْسَ مُصافِحًا لَهُ تَعالى، لِأنَّ المُشَبَّهَ لَيْسَ هو المُشَبَّهَ بِهِ.

إلى أنْ قالَ: فَهَذا كُلُّهُ بِتَقْدِيرِ كُرِيَّةِ العَرْشِ، وأمّا إذا قُدِّرَ أنَّهُ لَيْسَ بِكُرِيِّ الشَّكْلِ، بَلْ هو فَوْقَ العالَمِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي هي وجْهُ الأرْضِ، وأنَّهُ فَوْقَ الأفْلاكِ الكُرِيَّةُ، كَما أنَّ وجْهَ الأرْضِ المَوْضُوعُ لِلْأنامِ، فَوْقَ نِصْفِ الأرْضِ الكُرِيِّ، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المَقادِيرِ الَّتِي يُقَدَّرُ فِيها أنَّ العَرْشَ فَوْقَ ما سِواهُ، فَعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا يَتَوَجَّهُ إلى اللَّهِ تَعالى إلّا إلى العُلُوِّ، مَعَ كَوْنِهِ عَلى عَرْشِهِ مُبايِنًا لِخَلْقِهِ. وعَلى ما ذَكَرْناهُ لا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنَ المَحْذُورِ والتَّناقُضِ، وهَذا يُزِيلُ كُلَّ شُبْهَةٍ تَنْشَأُ مِنِ اعْتِقادٍ فاسِدٍ، وهو أنْ يَظُنَّ أنَّ العَرْشَ إذا كانَ كُرِيًّا، واللَّهُ تَعالى فَوْقَهُ كَما تَقْتَضِيهِ ذاتُهُ - سُبْحانَهُ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ- وجَبَ (فِيما عِنْدَ الزّاعِمِ) أنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ كَرِيًّا، ثُمَّ يَعْتَقِدُ أنَّهُ إذا كانَ كَرِيًّا فَيَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلى ما هو كَرِيٌّ كالفَلَكِ التّاسِعِ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، وهَذا خَطَأٌ، فَإنَّ القَوْلَ بِأنَّ العَرْشَ كَرِيٌّ لا يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ أنَّهُ مُشابِهٌ لِلْأفْلاكِ في أشْكالِها وأقْدارِها أوْ في صِفاتِها، بَلْ قَدْ تَبَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أعْظَمُ وأكْبَرُ مِن أنْ تَكُونَ المَخْلُوقاتُ عِنْدَهُ أصْغَرَ مِنَ الحِمَّصَةِ في يَدِ أحَدِنا، فَإذا كانَتِ الحِمَّصَةُ مَثَلًا في يَدِ الإنْسانِ أوْ تَحْتَهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، هَلْ يَتَصَوَّرُ عاقِلٌ، إذا اسْتَشْعَرَ عُلُوَّ الإنْسانِ عَلى ذَلِكَ وإحاطَتَهُ، بِأنْ يَكُونَ الإنْسانُ كالفَلَكِ؟ فاللَّهُ تَعالى -ولَهُ المَثَلُ الأعْلى- أعْظَمُ مِن أنْ يُظَنَّ بِهِ ذَلِكَ. وإنَّما يَظُنُّهُ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِّرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ. وإذا لَمْ يَكُنْ كَرِيًّا، فالأمْرُ ظاهِرٌ مِمّا تَقَدَّمَ، وبِهَذا يَظْهَرُ الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

(p-٢٧٥٠)وإنَّما أشْبَعْنا الكَلامَ في هَذا المَقامِ، لِأنَّهُ مِن أُصُولِ العَقائِدِ الدِّينِيَّةِ، ومُهِمّاتِ المَسائِلِ التَّوْحِيدِيَّةِ، وقَدْ كَثُرَ فِيهِ تَعارُكُ الآراءِ، وتَصادُمُ الأهْواءِ، ولَمْ يَأْتِ جُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ المُؤَوِّلِينَ بِشَيْءٍ يَعْلُقُ بِقَلْبِ الأذْكِياءِ، بَلِ اجْتَهَدُوا في إيرادِ التَّمَحُّلاتِ الَّتِي تَأْباها فِطْرَةُ اللَّهِ أشَدَّ الإباءِ، فَبَقِيَتْ نُفُوسُ أنْصارِ السُّنَّةِ المُحَقِّقِينَ، مائِلَةً إلى مَذْهَبِ السَّلَفِ الصّالِحِينَ، فَإنَّ الأئِمَّةَ مِنهُمْ، كانَ عَقْدُهم ما بَيَّنّاهُ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ أيْ: يُغَطِّيهِ بِهِ، يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِاللَّيْلِ عَلى النَّهارِ، فَيُغَطِّيهِ ويَلْبَسُهُ، حَتّى يَذْهَبَ بِنُورِهِ، ويَصِيرَ الجَوُّ مُظْلِمًا، بَعْدَ ما كانَ مُضِيئًا.

قالَ الشِّهابُ: وجَوَّزَ جَعْلَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مُغَشًّى عَلى الِاسْتِعارَةِ، بِأنْ يَجْعَلَ غَشَيانَ مَكانِ النَّهارِ وإظْلامِهِ بِمَنزِلَةِ غَشَيانِهِ لِلنَّهارِ نَفْسِهِ، فَكَأنَّهُ لَفَّ عَلَيْهِ لَفَّ الغِشاءِ، أوْ شَبَّهَ تَغْيِيبَ كُلٍّ مِنهُما، بِطَرَيانِهِ عَلَيْهِ، بِسَتْرِ اللِّباسِ لِلابِسِهِ -انْتَهى.

ولَمْ يَذْكُرِ العَكْسَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أوْ لِأنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُها، ولِذَلِكَ قُرِئَ: (يَغْشى اللَّيْلَ النَّهارُ) بِنَصْبِ اللَّيْلِ، ورَفْعِ النَّهارِ: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ أيْ: يَعْقُبُهُ سَرِيعًا، كالطّالِبِ لَهُ، لا يَفْصِلُ بَيْنَهُما شَيْءٌ.

قالَ الرّازِيُّ: وإنَّما وصَفَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الحَرَكَةَ بِالسُّرْعَةِ، لِأنَّ تَعاقُبَ اللَّيْلِ والنَّهارِ إنَّما يَحْصُلُ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ، وتِلْكَ الحَرَكَةُ أشَدُّ الحَرَكاتِ سُرْعَةً، وأكْمَلُها شِدَّةً، حَتّى إنَّ الباحِثِينَ عَنْ أحْوالِ المَوْجُوداتِ قالُوا: الإنْسانُ إذا كانَ في العَدْوِ الشَّدِيدِ الكامِلِ، فَإلى أنْ يَرْفَعَ رِجْلَهُ ويَضَعَها يَتَحَرَّكُ الفَلَكُ الأعْظَمُ ثَلاثَةَ آلافِ مِيلٍ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، كانَتْ تِلْكَ الحَرَكَةُ في غايَةِ الشِّدَّةِ والسُّرْعَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ "؛ ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ أيْ مُذَلَّلاتٍ لِما يُرادُ مِنها مِن طُلُوعٍ وغُرُوبٍ وسَيْرٍ ورُجُوعٍ بِقَضائِهِ وتَصْرِيفِهِ.

قالَ الشِّهابُ: وسَمّاهُ (أمْرًا) عَلى التَّشْبِيهِ، إذْ جَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لِكَوْنِها تابِعَةً لِتَدْبِيرِهِ وتَصْرِيفِهِ كَما يَشاءُ كَأنَّهُنَّ مَأْمُوراتٍ مُنْقادَةً لِأمْرِهِ، ويَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ. انْتَهى.

(p-٢٧٥١)أيْ وهو الكَلامُ، فَيَكُونُ تَعالى أمَرَ هَذِهِ الأجْرامَ بِالسَّيْرِ الدّائِمِ، والحَرَكَةِ المُسْتَمِرَّةِ إلى انْقِضاءِ الدُّنْيا، وخَرابِ هَذا العالَمِ. وقَدْ قُرِئَ ((والشَّمْسَ)) وما بَعْدَهُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى " السَّماواتِ " ونُصِبَ " مُسَخَّراتٍ " عَلى الحالِ. وقَرَأها ابْنُ عامِرٍ كُلُّها بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ أيْ هو الَّذِي خَلَقَ الأشْياءَ كُلَّها، وهو الَّذِي صَرَفَها عَلى حُسْنِ إرادَتِهِ، وفَسَّرَ الأمْرَ بِالقَضاءِ والحُكْمِ.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: اسْتَخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ مِن هَذا المَعْنى، أنَّ كَلامَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَ الخَلْقِ والأمْرِ، فَمَن جَمَعَ بَيْنَهُما فَقَدْ كَفَرَ. يَعْنِي أنَّ مَن جَعَلَ الأمْرَ الَّذِي هو كَلامُهُ تَعالى مِن جُمْلَةِ ما خَلَقَهُ فَقَدْ كَفَرَ، لِأنَّ المَخْلُوقَ لا يَقُومُ بِمَخْلُوقٍ مِثْلِهِ. كَذا في (اللُّبابِ). قالَ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَلى أنَّ القُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ. لِأنَّ (الأمْرَ) هو الكَلامُ، وقَدْ عَطَفَهُ عَلى (الخَلْقِ) فاقْتَضى أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ، لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وسَبَقَهُ إلى هَذا الِاسْتِنْباطِ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.انْتَهى.

الثّانِي: قالَ في (اللُّبابِ): في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، أيْ لِلْحَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ الظَّرْفِ، فَفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن يَقُولُ إنَّ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ تَأْثِيراتٍ في هَذا العالَمِ.

﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ أيْ تَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ وتَعالى وتَعاظَمَ. قالَ في (التّاجِ): سُئِلَ أبُو العَبّاسِ عَنْ تَفْسِيرِ ﴿تَبارَكَ اللَّهُ﴾ " فَقالَ: ارْتَفَعَ. انْتَهى.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، لِيُفْرِدُوهُ بِالأُلُوهِيَّةِ، أمَرَهم بِأنْ يَدْعُوهُ وحْدَهُ مُتَذَلِّلِينَ مُخْلِصِينَ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

(p-٢٧٥٢)

7:55Page 157

ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٥٥

Call upon your Lord in humility and privately; indeed, He does not like transgressors.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٥] ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾

﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ " نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ: ذَوِي تَضَرُّعٍ وخُفْيَةٍ، والتَّضَرُّعِ تَفَعُّلٌ مِنَ (الضَّراعَةِ) وهو الذُّلُّ. والخُفْيَةُ (بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِها)، مَصْدَرُ خَفِيَ كَرَضِيَ بِمَعْنى اخْتَفى، أيِ: اسْتَتَرَ وتَوارى، وإنَّما طَلَبَ الدُّعاءَ مَعَ تِينِكَ الحالَتَيْنِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الدُّعاءِ أنْ يُشاهِدَ العَبْدُ حاجَتَهُ وعَجْزَهُ وفَقْرَهُ لِرَبِّهِ ذِي القُدْرَةِ الباهِرَةِ، والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ. وإذا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ، فَلا بُدَّ مِن صَوْنِهِ عَنِ الرِّياءِ، وذَلِكَ بِالِاخْتِفاءِ، وتَوَصُّلًا لِلْإخْلاصِ.

فَوائِدُ:

فِي هَذِهِ الآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ الدُّعاءِ، بِشَرْطَيْهِ المَذْكُورَيْنِ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): ومِنَ التَّضَرُّعِ رَفْعُ الأيْدِي في الدُّعاءِ، فَيُسْتَحَبُّ. وقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: ««رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ بِعَرَفَةَ يَدْعُو، فَقالَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ: هَذا الِابْتِهالُ. ثُمَّ خاضَتِ النّاقَةُ، فَفَتَحَ إحْدى يَدَيْهِ فَأخَذَها وهو رافِعٌ الأُخْرى»» . انْتَهى.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ «قالَ: رَفَعَ النّاسُ أصْواتَهم بِالدُّعاءِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أيُّها النّاسُ ! ارْبَعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ، فَإنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا، إنَّ الَّذِي تَدْعُونَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ»» الحَدِيثَ.

(p-٢٧٥٣)وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ عَنْ مُبارَكِ بْنِ فَضالَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إنْ كانَ الرَّجُلُ، لَقَدْ جَمَعَ القُرْآنَ وما يَشْعُرُ بِهِ النّاسُ، وإنْ كانَ الرَّجُلُ، لَقَدْ فَقُهَ الفِقْهَ الكَثِيرَ وما يَشْعُرُ بِهِ النّاسُ؛ وإنْ كانَ الرَّجُلُ، لَيُصَلِّي الصَّلاةَ الطَّوِيلَةَ في بَيْتِهِ وعِنْدَهُ الزَّوْرُ وما يَشْعُرُونَ بِهِ. ولَقَدْ أدْرَكْنا أقْوامًا ما كانَ عَلى الأرْضِ مِن عَمَلٍ يَقْدِرُونَ أنْ يَعْمَلُوهُ في السِّرِّ، فَيَكُونُ عَلانِيَةً أبَدًا. ولَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ في الدُّعاءِ، وما يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ، إنْ كانَ إلّا هَمْسًا بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ عَبْدًا صالِحًا رَضِيَ فِعْلَهُ فَقالَ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ والنِّداءُ والصِّياحُ في الدُّعاءِ، ويُؤْمَرُ بِالتَّضَرُّعِ والِاسْتِكانَةِ.

وقالَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ): وحَسْبُكَ في تَعَيُّنِ الإسْرارِ في الدُّعاءِ اقْتِرانُهُ بِالتَّضَرُّعِ في الآيَةِ، فالإخْلالُ بِهِ كالإخْلالِ بِالضَّراعَةِ إلى اللَّهِ في الدُّعاءِ، وإنَّ دُعاءً لا تَضَرُّعَ فِيهِ ولا خُشُوعَ، لِقَلِيلِ الجَدْوى، فَكَذَلِكَ دُعاءٌ لا خُفْيَةَ ولا وقارَ يَصْحَبُهُ. وتَرى كَثِيرًا مِن أهْلِ زَمانِكَ يَعْتَمِدُونَ الصُّراخَ والصِّياحَ في الدُّعاءِ، خُصُوصًا في الجَوامِعِ، حَتّى يَعْظُمَ اللَّغَطُ ويَشْتَدَّ، وتَسْتَكَّ المَسامِعُ وتَسْتَدَّ، ويَهْتَزَّ الدّاعِي بِالنّاسِ، ولا يَعْلَمُ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ بِدْعَتَيْنِ: رَفْعِ الصَّوْتِ في الدُّعاءِ، وفي المَسْجِدِ، ورُبَّما حَصَلَتْ لِلْعَوامِّ حِينَئِذٍ رِقَّةٌ لا تَحْصُلُ مَعَ خَفْضِ الصَّوْتِ، ورِعايَةُ سَمْتِ الوَقارِ، وسُلُوكُ السُّنَّةِ الثّابِتَةِ بِالآثارِ. وما هي إلّا رِقَّةٌ شَبِيهَةٌ بِالرِّقَّةِ العارِضَةِ لِلنِّساءِ والأطْفالِ، لَيْسَتْ خارِجَةً عَنْ صَمِيمِ الفُؤادِ، لِأنَّها لَوْ كانَتْ مِن أصْلٍ، لَكانَتْ عِنْدَ اتِّباعِ السُّنَّةِ في الدُّعاءِ، وفي خَفْضِ الصَّوْتِ بِهِ، أوْفَرَ وأوْفى وأزْكى.

فَما أكْثَرَ التِباسَ الباطِلِ بِالحَقِّ، عَلى عُقُولٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الخَلْقِ، اللَّهُمَّ أرِنا الحَقَّ حَقًّا وارْزُقْنا اتِّباعَهُ، وأرِنا الباطِلَ باطِلًا وارْزُقْنا اجْتِنابَهُ. انْتَهى.

(p-٢٧٥٤)وقَدْ رَوى الحافِظُ أبُو الشَّيْخِ في (الثَّوابِ) عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: ««دَعْوَةٌ في السِّرِّ تَعْدِلُ سَبْعِينَ دَعْوَةً في العَلانِيَةِ»» .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ " أيْ: لا يُحِبُّ دُعاءَ المُجاوِزِينَ لِما أُمِرُوا بِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ الِاعْتِداءُ بِتَرْكِ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وهُما التَّضَرُّعُ والإخْفاءُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ كَراهِيَةُ الِاعْتِداءِ في الدُّعاءِ. وفَسَّرَهُ زَيْدُ ابْنُ أسْلَمَ بِالجَهْرِ، وأبُو مِجْلَزٍ بِسُؤالِ مَنازِلِ الأنْبِياءِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالدُّعاءِ عَلى المُؤْمِنِ بِالسِّرِّ. أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا جَمِيعَهُ مِمّا يَشْمَلُهُ الِاعْتِداءُ.

وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، «أنَّ سَعْدًا سَمِعَ ابْنًا لَهُ يَدْعُو وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ ونَعِيمَها وإسْتَبْرَقَها، ونَحْوًا مِن هَذا، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النّارِ وسَلاسِلِها وأغْلالِها فَقالَ: لَقَدْ سَألْتَ اللَّهَ خَيْرًا كَثِيرًا، وتَعَوَّذْتَ بِاللَّهِ مِن شَرٍّ كَثِيرٍ وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّهُ سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعاءِ»» وفي لَفْظٍ: ««يَعْتَدُونَ في الطَّهُورِ والدُّعاءِ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ الآيَةَ»»، وإنَّ بِحَسْبِكَ أنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النّارِ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ القَصْرَ الأبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الجَنَّةِ إذا دَخَلْتُها. فَقالَ: يا بُنَيَّ سَلِ اللَّهَ الجَنَّةَ، وعُذْ بِهِ مِنَ النّارِ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعاءِ والطَّهُورِ»» .

7:56Page 157

وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦

And cause not corruption upon the earth after its reformation. And invoke Him in fear and aspiration. Indeed, the mercy of Allāh is near to the doers of good.

(p-٢٧٥٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٦] ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾

﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ " قالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ لا تُفْسِدُوها بَعْدَ إصْلاحِ اللَّهِ إيّاها، بِأنْ خَلَقَها عَلى أحْسَنِ نِظامٍ، وبَعَثَ الرُّسُلَ، وبَيَّنَ الطَّرِيقَ، وأبْطَلَ الكُفْرَ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: هَذا نَهْيٌ عَنْ إيقاعِ الفَسادِ في الأرْضِ، وإدْخالُ ماهِيَّتِهِ في الوُجُودِ بِجَمِيعِ أنْواعِهِ، مِن إفْسادِ النُّفُوسِ والأمْوالِ والأنْسابِ والعُقُولِ والأدْيانِ.

ومَعْنى ﴿بَعْدَ إصْلاحِها﴾ ": بَعْدَ أنْ أصْلَحَ اللَّهُ خَلْقَها عَلى الوَجْهِ المُلائِمِ لِمَنافِعِ الخَلْقِ، ومَصالِحِ المُكَلَّفِينَ. انْتَهى.

﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ أيْ: ذَوِي خَوْفٍ مِن وبِيلِ العِقابِ، نَظَرًا إلى قُصُورِ أعْمالِكُمْ، وطَمَعٍ فِيما عِنْدَهُ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ، نَظَرًا إلى سِعَةِ رَحْمَتِهِ، ووُفُورِ فَضْلِهِ وإحْسانِهِ: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: أنَّ رَحْمَتَهُ مُرْصَدَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ أوامِرَهُ، ويَتْرُكُونَ زَواجِرَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] الآيَةَ.

لَطائِفُ:

الأُولى -قالَ في (اللُّبابِ): إنْ قُلْتَ: قالَ في أوَّلِ الآيَةِ ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] " وقالَ هُنا ﴿وادْعُوهُ﴾ "، وهَذا هو عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، فَما فائِدَةُ ذَلِكَ؟

قُلْتُ: الفائِدَةُ فِيهِ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ [الأعراف: ٥٥] " أيْ: لِيَكُنِ الدُّعاءُ مَقْرُونًا (p-٢٧٥٦)بِالتَّضَرُّعِ والإخْباتِ، وقَوْلُهُ: ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ " أنَّ فائِدَةَ الدُّعاءِ أحَدُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، فَكانَتِ الآيَةُ الأوْلى في بَيانِ شَرْطِ صِحَّةِ الدُّعاءِ، والآيَةُ الثّانِيَةُ في بَيانِ فائِدَةِ الدُّعاءِ. وقِيلَ: مَعْناهُ كُونُوا جامِعِينَ في أنْفُسِكم بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ في أعْمالِكم كُلِّها، ولا تَطْمَعُوا أنَّكم وفَّيْتُمْ حَقَّ اللَّهِ في العِبادَةِ والدُّعاءِ، وإنِ اجْتَهَدْتُمْ فِيهِما.

الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ " الآيَةَ، تَرْجِيحٌ لِلطَّمَعِ عَلى الخَوْفِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ بَيْنَ الرَّجاءِ والخَوْفِ، ولَكِنَّهُ إذا رَأى سِعَةَ رَحْمَتِهِ وسَبْقَها، غَلَبَ الرَّجاءُ عَلَيْهِ. وفِيهِ أيْضًا تَنْبِيهٌ عَلى ما يَتَوَسَّلُ بِهِ إلى الإجابَةِ، وهو الإحْسانُ في القَوْلِ والعَمَلِ.

قالَ مَطَرٌ الوَرّاقُ: اسْتَنْجِزُوا مَوْعُودَ اللَّهِ بِطاعَتِهِ، فَإنَّهُ قَضى أنَّ رَحْمَتَهُ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ.

الثّالِثَةُ: تَذْكِيرُ (قَرِيبٌ)، لِأنَّ (الرَّحْمَةَ) بِمَعْنى الرَّحِمِ، أوْ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ: أمْرٌ قَرِيبٌ، أوْ عَلى تَشْبِيهٍ بِ (فَعِيلٍ)، الَّذِي هو بِمَعْنى (مَفْعُولٍ)، أوِ الَّذِي هو مَصْدَرٌ كالنَّقِيضِ والصَّهِيلِ، أوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ القَرِيبِ مِنَ النَّسَبِ والقَرِيبِ مِن غَيْرِهِ، فَإنَّهُ يُقالُ: فُلانَةُ قَرِيبَةٌ مِنِّي لا غَيْرُ، وفي المَكانِ وغَيْرِهِ يَجُوزُ الوَجْهانِ، أوْ لِاكْتِسابِهِ التَّذْكِيرَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، كَما أنَّ المُضافَ يَكْتَسِبُ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وقَدْ أوْصَلُوا تَوْجِيهَ تَذْكِيرِهِ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ وجْهًا.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهُ المُتَصَرِّفُ الحاكِمُ المُدَبِّرُ المُسَخِّرُ، وأرْشَدَ إلى دُعائِهِ لِأنَّهُ عَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ، نَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّهُ الرَّزّاقُ، وأنَّهُ يُعِيدُ المَوْتى يَوْمَ القِيامَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

(p-٢٧٥٧)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском