Al-QasimiAl‑Anfal · 8:42–50

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:42–50

8:42Page 182

إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ٤٢

[Remember] when you were on the near side of the valley, and they were on the farther side, and the caravan was lower [in position] than you. If you had made an appointment [to meet], you would have missed the appointment. But [it was] so that Allāh might accomplish a matter already destined - that those who perished [through disbelief] would perish upon evidence and those who lived [in faith] would live upon evidence; and indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٢ ] ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا وهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكم ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

﴿إذْ أنْتُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] أوْ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ، أيِ: اذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ ﴿بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي بِشَفِيرِ الوادِي الأدْنى مِنَ المَدِينَةِ، ﴿وهُمْ﴾ يَعْنِي (p-٣٠٠٥)المُشْرِكِينَ أبا جَهْلٍ وأصْحابَهُ ﴿بِالعُدْوَةِ القُصْوى﴾ أيِ: البُعْدى عَنِ المَدِينَةِ، مِمّا يَلِي مَكَّةَ ﴿والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أيِ: العِيرُ الَّتِي فِيها أبُو سُفْيانَ، بِما مَعَهُ مِنَ التِّجارَةِ الَّتِي كانَ الخُرُوجُ لِأجْلِها، أسْفَلَ مِن مَوْضِعِ المُؤْمِنِينَ إلى ساحِلِ البَحْرِ عَلى ثَلاثَةِ أمْيالٍ مِن (بَدْرٍ) .

لَطِيفَةٌ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ هَذا التَّوْقِيتِ، وذِكْرِ مَراكِزِ الفَرِيقَيْنِ، وأنَّ العِيرَ كانَتْ أسْفَلَ مِنهم ؟ قُلْتُ: الفائِدَةُ فِيهِ الإخْبارُ عَنِ الحالِ الدّالَّةِ عَلى قُوَّةِ شَأْنِ العَدُوِّ وشَوْكَتِهِ وتَكامُلِ عُدَّتِهِ، وتَمَهُّدِ أسْبابِ الغَلَبَةِ لَهُ، وضَعْفِ شَأْنِ المُسْلِمِينَ، والتِياثِ أمْرِهِمْ، وأنَّ غَلَبَتَهم في مِثْلِ هَذا الحالِ، لَيْسَتْ إلّا صُنْعًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ودَلِيلًا عَلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لَمْ يَتَيَسَّرْ إلّا بِحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ، وباهِرِ قُدْرَتِهِ، وذَلِكَ أنَّ العُدْوَةَ القُصْوى الَّتِي أناخَ بِها المُشْرِكُونَ كانَ فِيها الماءُ، وكانَتْ أرْضًا لا بَأْسَ بِها، ولا ماءَ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا، وهي خَبارٌ - (ما لانَ مِنَ الأرْضِ واسْتَرْخى) - تَسُوخُ فِيهِ الأرْجُلُ، ولا يُمْشى فِيها إلّا بِتَعَبٍ ومَشَقَّةٍ، وكانَتِ العِيرُ وراءَ ظُهُورِ العَدُوِّ، مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فَكانَتِ الحِمايَةُ دُونَها تُضاعِفُ حَمِيَّتَهم، وتَشْحَذُ في المُقاتَلَةِ عَنْها نِيّاتِهِمْ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَخْرُجُ إلى الحَرْبِ بِظُعُنِهِمْ وأمْوالِهِمْ، لِيَبْعَثَهُمُ الذَّبُّ عَنِ الحَرِيمِ، والغَيْرَةُ عَلى الحَرْبِ، عَلى بَذْلِ جُهَيْداهم في القِتالِ، وألّا يَتْرُكُوا وراءَهم ما يُحَدِّثُونَ أنْفُسَهم بِالِانْحِيازِ إلَيْهِ، فَيَجْمَعُ ذَلِكَ قُلُوبَهم، ويَضْبِطُ هُمُومَهم، ويُوَطِّنُ نُفُوسَهم، عَلى ألّا يَبْرَحُوا مَوْطِنَهم، ولا يُخْلُوا مَراكِزَهم، ويَبْذُلُوا مُنْتَهى نَجْدَتِهِمْ، وقُصارى شِدَّتِهِمْ، وفِيهِ تَصْوِيرُ ما دَبَّرَ سُبْحانَهُ مِن أمْرِ وقْعَةِ بَدْرٍ، لِيَقْضِيَ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، مِن إعْزازِ دِينِهِ، وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، حِينَ وعَدَ المُسْلِمِينَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، مُبْهَمَةً غَيْرَ مُبَيَّنَةٍ، حَتّى خَرَجُوا لِيَأْخُذُوا العِيرَ، راغِبِينَ في الخُرُوجِ، وشَخْصٌ بِقُرَيْشٍ مَرْعُوبِينَ مِمّا بَلَغَهم مِن تَعَرُّضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأمْوالِهِمْ، حَتّى نَفَرُوا لِيَمْنَعُوا غَيْرَهم، وسَبَّبَ الأسْبابَ حَتّى أناخَ هَؤُلاءِ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا، وهَؤُلاءِ بِالعُدْوَةِ القُصْوى، ووَراءَهُمُ العِيرُ يُحامُونَ عَلَيْها، حَتّى قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ، وكانَ ما كانَ، انْتَهى.

(p-٣٠٠٦)قالَ النّاصِرُ في (" الِانْتِصافِ "): وهَذا الفَصْلُ مِن خَواصِّ حَسَناتِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وتَنْقِيبِهِ عَنْ أسْرارِ الكِتابِ العَزِيزِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ﴾ أيْ: ولَوْ تَواعَدْتُمْ أنْتُمْ وأهْلُ مَكَّةَ عَلى مَوْعِدٍ تَلْتَقُونَ فِيهِ لِلْقِتالِ، لَخالَفَ بَعْضُكم بَعْضًا، فَثَبَّطَكم قِلَّتُكم وكَثْرَتُهم، عَلى الوَفاءِ بِالمَوْعِدِ، وثَبَّطَهم ما في قُلُوبِهِمْ مِن تَهَيُّبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَتَّفِقْ لَكم مِنَ التَّلاقِي ما وفَّقَهُ اللَّهُ وسَبَّبَ لَهُ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وفِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «إنَّما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ» .

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: أقْبَلَ أبُو سُفْيانَ في الرَّكْبِ مِنَ الشّامِ، وخَرَجَ أبُو جَهْلٍ لِيَمْنَعَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ، فالتَقَوْا بِبَدْرٍ، ولا يَشْعُرُ هَؤُلاءِ بِهَؤُلاءِ ولا هَؤُلاءِ بِهَؤُلاءِ، حَتّى التَقى السُّقاةُ وشَهِدَ النّاسُ بَعْضَهم إلى بَعْضٍ.

﴿ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ أيْ: ولَكِنْ جَمَعَ بَيْنِكم عَلى هَذِهِ الحالِ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ، لِيَقْضِيَ ما أرادَ مِن إعْزازِ الإسْلامِ وأهْلِهِ، وإذْلالِ الشِّرْكِ وأهْلِهِ، مِن غَيْرِ مَلَأٍ مِنكم.

وقَوْلُهُ: ﴿كانَ مَفْعُولا﴾ أيْ: حَقِيقًا بِأنْ يَفْعَلَ، وقِيلَ: (كانَ) بِمَعْنى (صارَ)، أيْ: صارَ مَفْعُولًا، بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وقِيلَ: إنَّهُ عَبَّرَ بِهِ عَنْهُ لِتَحَقُّقِهِ حَتّى كَأنَّهُ مَضى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: إنَّما جَمَعَكم مَعَ عَدُوِّكم في مَكانٍ واحِدٍ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ، لِيَنْصُرَكم عَلَيْهِمْ، ويَرْفَعَ حُجَّةَ الحَقِّ عَلى الباطِلِ، لِيَصِيرَ الأمْرُ ظاهِرًا، والحُجَّةُ قاطِعَةٌ، والبَراهِينُ ساطِعَةٌ، ولا يَبْقى لِأحَدٍ حُجَّةٌ ولا شُبْهَةٌ، فَحِينَئِذٍ يَهْلِكُ مَن هَلَكَ، أيْ: يَسْتَمِرُّ في الكُفْرِ مَنِ اسْتَمَرَّ فِيهِ عَلى بَصِيرَةٍ مِن أمْرِهِ، أنَّهُ مُبْطِلٌ لِقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ويُؤْمِنُ مَن آمَنَ عَنْ حِدَّةٍ وبَصِيرَةٍ ويَقِينٍ، بِأنَّهُ دِينُ الحَقِّ، الَّذِي يَجِبُ (p-٣٠٠٧)الدُّخُولُ فِيهِ، والتَّمَسُّكُ بِهِ.

وذَلِكَ أنَّ ما كانَ مِن وقْعَةِ (بَدْرٍ)، مِنَ الآياتِ الغُرِّ المُحَجَّلَةِ، الَّتِي مَن كَفَرَ بَعْدَها، كانَ مُكابِرًا لِنَفْسِهِ، مُغالِطًا لَها.

لَطائِفُ:

الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَهْلِكَ﴾ بَدَلٌ مِن: (لِيَقْضِيَ) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ: (مَفْعُولًا) .

الثّانِيَةُ: الحَياةُ والهَلاكُ اسْتِعارَةٌ لِلْكُفْرِ والإسْلامِ، وقُرِئَ: (لِيَهْلَكَ) بِفَتْحِ اللّامِ.

الثّالِثَةُ: (حَيَّ) يُقْرَأُ بِتَشْدِيدِ الياءِ، وهو الأصْلُ، لِأنَّ الحَرْفَيْنِ مُتَماثِلانِ مُتَحَرِّكانِ، فَهو مِثْلُ شَدَّ ومَدَّ، ومِنهُ قَوْلُ عَبِيدَةَ بْنِ الأبْرَصِ:

؎عَيُّوا بِأمْرِهِمُ كَما عَيَّتْ بِبَيْضَتِها الحَمامَهْ

ويُقْرَأُ بِالإظْهارِ وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ الماضِيَ حُمِلَ عَلى المُسْتَقْبَلِ، وهو (يَحْيا)، فَكَما لَمْ يُدْغَمْ في المُسْتَقْبَلِ، لَمْ يُدْغَمْ في الماضِي، ولَيْسَ كَذَلِكَ شَدَّ ومَدَّ، فَإنَّهُ يُدْغَمُ فِيهِما جَمِيعًا.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ حَرَكَةَ الحَرْفَيْنِ مُخْتَلِفَةٌ، فالأُولى مَكْسُورَةٌ، والثّانِيَةُ مَفْتُوحَةٌ، واخْتِلافُ الحَرَكَتَيْنِ كاخْتِلافِ الحَرْفَيْنِ، ولِذَلِكَ أجازُوا في الِاخْتِيارِ: لَحَحْتُ عَلَيْهِ، وضَبِبَ البَلَدُ، إذا كَثُرَ ضَبُّهُ، ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّ الحَرَكَةَ الثّانِيَةَ عارِضَةٌ، فَكَأنَّ الياءَ الثّانِيَةَ: ساكِنَةٌ، ولَوْ سُكِّنَتْ لَمْ يَلْزَمِ الإدْغامُ، وكَذَلِكَ إذا كانَتْ في تَقْدِيرِ السّاكِنِ، والياآنِ أصْلٌ، ولَيْسَتِ الثّانِيَةُ بَدَلًا مِن (واوٍ)، فَأمّا الحَيَوانُ، فَ (الواوُ) فِيهِ بَدَلٌ مِنَ (الياءِ) . وأمّا الحِواءُ، فَلَيْسَ مِن لَفْظِ (الحَيَّةِ)، بَلْ مِن (حَوى يَحْوِي) إذا جُمِعَ - قالَهُ أبُو البَقاءِ - .

﴿وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِكُفْرِ مَن كَفَرَ وعِقابِهِ، وإيمانِ مَن آمَنَ وثَوابِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

8:43Page 182

إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤٣

[Remember, O Muḥammad], when Allāh showed them to you in your dream as few; and if He had shown them to you as many, you [believers] would have lost courage and would have disputed in the matter [of whether to fight], but Allāh saved [you from that]. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

(p-٣٠٠٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٣ ] ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .

﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا﴾ مَنصُوبٌ بِـ (اذْكُرْ)، أوْ بَدَلٌ آخَرُ مِن (يَوْمَ الفُرْقانِ)، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أراهُ إيّاهم في رُؤْياهُ قَلِيلًا، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ أصْحابَهُ، فَكانَ تَثْبِيتًا لَهم وتَشْجِيعًا عَلى عَدُوِّهِمْ: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ أيْ: لَجَبُنْتُمْ وهِبْتُمُ الإقْدامَ.

﴿ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ أيْ: أمْرِ الإقْدامِ والإحْجامِ، فَتَفَرَّقَتْ كَلِمَتُكم، ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أيْ: عَصَمَ وأنْعَمَ بِالسَّلامَةِ مِنَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ بِتَأْيِيدِهِ وعِصْمَتِهِ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ فِيها مِنَ الجُرْأةِ والجُبْنِ والصَّبْرِ والجَزَعِ. ولِذَلِكَ دَبَّرَ ما دَبَّرَ.

8:44Page 182

وَإِذۡ يُرِيكُمُوهُمۡ إِذِ ٱلۡتَقَيۡتُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِكُمۡ قَلِيلٗا وَيُقَلِّلُكُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِهِمۡ لِيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗاۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤٤

And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allāh might accomplish a matter already destined. And to Allāh are [all] matters returned.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٤ ] ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ .

﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا﴾ وذَلِكَ تَصْدِيقًا لِرُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولِيُعايِنُوا ما أخْبَرَهم بِهِ، فَيَزْدادَ يَقِينُهم، ويُجِدُّوا، ويَثْبُتُوا.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ قُلِّلُوا في أعْيُنِنا حَتّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي: أتَراهم سَبْعِينَ ؟ قالَ: أراهم مِائَةً ! فَأسْرُنا رَجُلًا مِنهم، فَقُلْنا لَهُ: كَمْ كُنْتُمْ ؟ قالَ: ألْفًا ! - رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمَ وابْنُ جَرِيرٍ - .

﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ أيْ: في اليَقَظَةِ، حَتّى قالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أكَلَةُ جَزُورٍ، مَثَلٌ في القِلَّةِ، (كَأكَلَةِ رَأْسٍ)، أيْ: أنَّهم لِقِلَّتِهِمْ يَكْفِيهِمْ ذَلِكَ.

و(أكَلَةٌ) بِوَزْنِ (كَتَبَةٍ)، جَمْعُ (آكِلٍ)، بِوَزْنِ فاعِلٍ، والجَزُورُ النّاقَةُ، كَذا في (" العِنايَةِ ") .

﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا﴾ أيْ: مِن إظْهارِ الخَوارِقِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ دِينِ الإسْلامِ، وكَذِبِ دِينِ الكُفْرِ.

﴿كانَ مَفْعُولا﴾ أيْ: كالواجِبِ فِعْلُهُ عَلى الحَكِيمِ، لِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ. قالَهُ المَهايِمِيُّ.

(p-٣٠٠٩)لَطائِفُ:

الأُولى: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الغَرَضُ في تَقْلِيلِ الكُفّارِ في أعْيُنِ المُؤْمِنِينَ ظاهِرٌ، فَما الغَرَضُ في تَقْلِيلِ المُؤْمِنِينَ في أعْيُنِهِمْ ؟

قُلْتُ: قَدْ قَلَّلَهم في أعْيُنِهِمْ قَبْلَ اللِّقاءِ، ثُمَّ كَثَّرَهم فِيها بَعْدَهُ، لِيَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ، قِلَّةَ مُبالاةٍ بِهِمْ، ثُمَّ تَفْجَؤُهُمُ الكَثْرَةُ، فَيَبْهَتُوا ويَهابُوا، وتَفُلَّ شَوْكَتُهم، حِينَ يَرَوْنَ ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ وتَقْدِيرِهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣] ولِئَلّا يَسْتَعِدُّوا لَهم، ولِيَعْظُمَ الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ بِاسْتِيضاحِ الآيَةِ البَيِّنَةِ مِن قِلَّتِهِمْ أوَّلًا وكَثْرَتِهِمْ آخِرًا.

الثّانِيَةُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: فَإنْ قُلْتَ: بِأيِّ طَرِيقٍ يُبْصِرُونَ الكَثِيرَ قَلِيلًا ؟ قُلْتُ: بِأنْ يَسْتُرَ اللَّهُ عَنْهم بَعْضَهُ بِساتِرٍ، أوْ يُحْدِثَ في عُيُونِهِمْ ما يَسْتَلُّونَ بِهِ الكَثِيرَ، كَما أحْدَثَ في أعْيُنِ الحُولِ ما يَرَوْنَ بِهِ الواحِدَ اثْنَيْنِ قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: إنَّ الأحْوَلَ يَرى الواحِدَ اثْنَيْنِ - وكانَ بَيْنَ يَدَيْهِ دِيكٌ واحِدٌ - فَقالَ: ما لِي لا أرى هَذَيْنَ الدِّيكَيْنِ أرْبَعَةً ؟ انْتَهى.

قالَ النّاصِرُ في (" الِانْتِصافِ "): وفي هَذا - يَعْنِي كَلامَ الزَّمَخْشَرِيِّ - دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الَّذِي يَخْلُقُ الإدْراكَ في الحاسَّةِ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلى سَبَبٍ مِن مُقابَلَةٍ، أوْ قُرْبٍ، أوِ ارْتِفاعِ حُجُبٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، إذْ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأسْبابُ مُوجِبَةً لِلرُّؤْيَةِ عَقْلًا، لَما أمْكَنَ أنْ يَسْتُرَ عَنْهُمُ البَعْضَ، وقَدْ أدْرَكُوا البَعْضَ، والسَّبَبُ المُوجِبُ مُشْتَرَكٌ.

فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الإدْراكَ مَعَ اجْتِماعِها، فَلا رَبْطَ إذَنْ بَيْنَ الرَّوِيَّةِ ونَفْيِها في مَقْدِرَةِ اللَّهِ تَعالى ؟ وهي رادَّةٌ عَلى القَدَرِيَّةِ المُنْكِرِينَ لِرُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى، بِناءًا عَلى اعْتِبارِ هَذِهِ الأسْبابِ في حُصُولِ الإدْراكِ عَقْلًا، وأنَّها تَسْتَلْزِمُ الجِسْمِيَّةِ، إذِ المُقابَلَةُ والقُرْبُ وارْتِفاعُ الحُجُبِ إنَّما تَتَأتّى في جِسْمٍ.

فَهَذِهِ الآيَةُ حَسْبُهم في إبْطالِ زَعْمِهِمْ، ولَكِنَّهم يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ. واللَّهُ المُوَفِّقُ.

الثّالِثَةُ: لا يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولا﴾ مُكَرَّرٌ مَعَ ما سَبَقَ. (p-٣٠١٠)لِأنّا نَقُولُ: إنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِهِ أوَّلًا هو اجْتِماعُهم بِلا مِيعادٍ لِيَحْصُلَ اسْتِيلاءُ المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ، عَلى وجْهٍ يَكُونُ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِهِ ﷺ، والمَقْصُودُ مِنهُ هاهُنا بَيانُ خارِقٍ آخَرَ، وهو تَقْلِيلُهم في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ، ثُمَّ تَكْثِيرُهم لِلْحِكْمَةِ المُتَقَدِّمَةِ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لِذَواتِها، وإنَّما المُرادُ مِنها ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ زادًا لِيَوْمِ المَعادِ.

ثُمَّ أرْشَدَ تَعالى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ إلى آدابِ اللِّقاءِ في مَيْدانِ الوَغى، ومُبارَزَةِ الأعْداءِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

8:45Page 182

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥

O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allāh much that you may be successful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٥ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ أيْ: إذا حارَبْتُمْ جَماعَةً فاثْبُتُوا لِلِقائِهِمْ واصْبِرُوا عَلى مُبارَزَتِهِمْ، فَلا تَفِرُّوا ولا تَجْبُنُوا ولا تُنَكِّلُوا، وتَفْسِيرُ (اللِّقاءِ) بِ (الحَرْبِ) لِغَلَبَتِهِ عَلَيْهِ، كالنِّزالِ ولَمْ يَصِفِ الفِئَةَ بِأنَّها كافِرَةٌ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ.

﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أيْ: في مُواطِنِ الحَرْبِ، مُسْتَظْهِرِينَ بِذِكْرِهِ مُسْتَنْصِرِينَ بِهِ، داعِينَ لَهُ عَلى عَدُوِّكم ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ: تَظْفَرُونَ بِمُرادِكم مِنَ النُّصْرَةِ والمَثُوبَةِ.

وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في بَعْضِ أيّامِهِ، الَّتِي لَقِيَ فِيها العَدُوَّ انْتَظَرَ حَتّى مالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قامَ في النّاسِ فَقالَ: «يا أيُّها النّاسُ ! لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العافِيَةَ، فَإذا لَقِيتُمُوهم فاصْبِرُوا، واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ» .

(p-٣٠١١)ثُمَّ قالَ: «اللَّهُمَّ !مُنْزِلَ الكِتابِ، ومُجْرِيَ السَّحابِ، وهازِمَ الأحْزابِ، اهْزِمْهم وانْصُرْنا عَلَيْهِمْ»» .

وفِي الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ عَلى العَبْدِ ألّا يَفْتُرَ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، أشْغَلَ ما يَكُونُ قَلْبًا، وأكْثَرَ ما يَكُونُ هَمًّا، وأنْ يَلْتَجِئَ إلَيْهِ عِنْدَ الشَّدائِدِ، ويُقْبِلَ إلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ، فارِغَ البالِ، واثِقًا بِأنَّ لُطْفَهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ. . .

8:46Page 183

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٤٦

And obey Allāh and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allāh is with the patient.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٦ ] ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكم واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ .

﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: في كُلِّ ما يَأْمُرانِ بِهِ ويُنْهِيانِ، وهَذا عامٌّ والتَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ هُنا فِيهِ تَأْكِيدٌ: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ أيْ: بِاخْتِلافِ الآراءِ، أوْ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ أيْ: تَجْبُنُوا، إذْ لا يَتَقَوّى بَعْضُكم بِبَعْضٍ.

﴿وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أيْ: قُوَّتُكم وغَلَبَتُكم، ونُصْرَتُكم ودَوْلَتُكم، شَبَّهَ ما ذُكِرَ في نُفُوذِ الأمْرِ وتَمْشِيَتِهِ بِالرِّيحِ وهُبُوبِها، ويُقالُ: هَبَّتْ رِياحُ فُلانٍ، إذا دالَتْ لَهُ الدَّوْلَةُ ونَفَذَ أمْرُهُ، قالَ:

؎إذا هَبَّتْ رِياحُكَ فاغْتَنِمْها فَإنَّ لِكُلِّ خافِقَةٍ سُكُونُ

؎ولا تَغْفَلْ عَنِ الإحْسانِ فِيها ∗∗∗ فَما تَدْرِي السُّكُونَ مَتى يَكُونُ

﴿واصْبِرُوا﴾ أيْ: عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ، وعَلى مُخالَفَةِ أهَوِيَتِكُمُ الدّاعِيَةِ إلى التَّنازُعِ، فالصَّبْرُ مُسْتَلْزِمٌ لِلنَّصْرِ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ أيْ: بِالنَّصْرِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَدْ كانَ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وفي بابِ الشَّجاعَةِ والِائْتِمارِ بِما أمَرَهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، وامْتِثالِ ما أرْشَدَهم إلَيْهِ، ما لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ الأُمَمِ والقُرُونِ قَبْلَهم ولا يَكُونُ لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِمْ، فَإنَّهم بِبَرَكَةِ الرَّسُولِ ﷺ وطاعَتِهِ فِيما أمَرَهم، فَتَحُوا القُلُوبَ والأقالِيمَ شَرْقًا وغَرْبًا، وفي المُدَّةِ اليَسِيرَةِ مَعَ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى جُيُوشِ سائِرِ الأقالِيمِ، (p-٣٠١٢)مِنَ الرُّومِ والفُرْسِ والتُّرْكِ، والصَّقالِبَةِ والبَرْبَرِ والحُبُوشِ، وأصْنافِ السُّودانِ والقِبْطِ وطَوائِفِ بَنِي آدَمَ، قَهَرُوا الجَمِيعَ حَتّى عَلَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ وظَهَرَ دِينُهُ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، وامْتَدَّتِ المَمالِكُ الإسْلامِيَّةُ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، في أقَلَّ مِن ثَلاثِينَ سَنَةً، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وأرْضاهم أجْمَعِينَ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنازَعُوا﴾ أيْ: لا تَخْتَلِفُوا فِيما أمَرَكم بِهِ مِنَ الجِهادِ، بَلْ لِيَتَّفِقْ رَأْيُكم.

قالَ: ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: اسْتُثْمِرَ مِن هَذا وُجُوبُ نَصْبِ أمِيرٍ عَلى الجَيْشِ لِيُدَبِّرَ أمْرَهم. ويَقْطَعَ اخْتِلافَهم، فَإنَّ بِلُزُومِ طاعَتِهِ، يَنْقَطِعُ الِاخْتِلافُ، وقَدْ فَعَلَهُ ﷺ في السَّرايا، وقالَ: «اسْمَعُوا وأطِيعُوا، وإنْ أُمِّرَ عَلَيْكم عَبْدٌ حَبَشِيٌّ» . انْتَهى.

ولَمّا أمَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالثَّباتِ والصَّبْرِ عِنْدَ اللِّقاءِ، أمَرَهم بِالإخْلاصِ فِيهِ، بِنَهْيِهِمْ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالمُشْرِكِينَ، في انْبِعاثِهِمْ لِلرِّياءِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

8:47Page 183

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٤٧

And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allāh. And Allāh is encompassing1 of what they do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٧ ] ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ .

﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا﴾ أيْ: فَخْرًا بِالشَّجاعَةِ: ﴿ورِئاءَ النّاسِ﴾ أيْ: طَلَبًا لِلثَّناءِ بِالسَّماحَةِ والشَّجاعَةِ ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أيْ: لا تَكُونُوا كَأبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ، وقَدْ أتاهم رَسُولُ أبِي سُفْيانَ وهم بِالجُحْفَةِ أنِ ارْجِعُوا، فَقَدْ سَلِمَتْ عِيرُكم، فَأبَوْا، وقالُوا: لا نَرْجِعُ حَتّى نَأْتِيَ بَدْرًا، فَنَنْحَرَ بِها الجُزُرَ، ونَسْقِيَ بِها الخَمْرَ، وتَعْزِفُ عَلَيْنا فِيهِ القِيانُ، وتَسْمَعُ بِنا العَرَبُ، فَذَلِكَ بَطَرُهم ورِئاؤُهُمُ النّاسَ بِإطْعامِهِمْ، فَوافَوْها، فَسُقُوا كُؤُوسَ المَنايا مَكانَ الخَمْرِ، وناحَتْ عَلَيْهِمُ النَّوائِحُ مَكانَ القِيانِ، أيْ: لا يَكُنْ أمْرُكم رِياءً ولا سُمْعَةً ولا التِماسَ ما عِنْدَ النّاسِ، وأخْلِصُوا لِلَّهِ (p-٣٠١٣)النِّيَّةَ والحِسْبَةَ، في نَصْرِ دِينِكم، ومُؤازَرَةِ نَبِيِّكم، لا تَعْمَلُوا إلّا لِذَلِكَ، ولا تَطْلُبُوا غَيْرَهُ.

و(الرِّئاءُ) مَصْدَرُ (راءى)، إذا أظْهَرَ العَمَلَ لِلنّاسِ لِيَرَوْهُ غَفْلَةً عَنِ الخالِقِ، وقَدْ يُقالُ راياهُ مُراياةً ورِياءً، عَلى القَلْبِ.

و: ﴿بَطَرًا ورِئاءَ﴾ إمّا مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.

و(يَصُدُّونَ) إمّا حالٌ، بِتَأْوِيلِ اسْمِ الفاعِلِ، أوْ بِجَعْلِهِ مَصْدَرَ فِعْلٍ هو حالٌ، وإمّا مُسْتَأْنِفٌ.

ونُكْتَةُ التَّعْبِيرِ بِالِاسْمِ أوَّلًا ثُمَّ الفِعْلِ، الإعْلامُ بِأنَّ البَطَرَ والرِّياءَ دَأْبُهم، بِخِلافِ الصَّدِّ فَإنَّهُ تَجَدَّدَ لَهم في زَمَنِ النُّبُوَّةِ.

8:48Page 183

وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤٨

And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed, I fear Allāh. And Allāh is severe in penalty."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٨ ] ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكم فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .

﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: في مُعاداةِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، بِأنْ وسْوَسَ إلَيْهِمْ ﴿وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ ﴿وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مُجِيرٌ ومُعِينٌ لَكم ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾ أيْ: تَلاقَتا، وتَراءَتْ كُلُّ واحِدَةٍ صاحِبَتَها، فَرَأى المَلائِكَةَ نازِلَةً مِنَ السَّماءِ لِإمْدادِ المُؤْمِنِينَ، ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ أيْ: ولّى هارِبًا قَفاهُ: ﴿وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن عَهْدِ جِوارِكم ﴿إنِّي أرى﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ النّازِلَةِ لِإمْدادِ المُؤْمِنِينَ ﴿ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ أيْ: أنْ يُعَذِّبَنِي قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ أيْ: فَلا يَبْعُدُ مَعَ إمْهالِي إلى القِيامَةِ، أنْ يُعَذِّبَنِي لِشِدَّةِ عِقابِهِ.

تَنْبِيهٌ:

ذَكَرُوا في التَّزْيِينِ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ الشَّيْطانَ وسْوَسَ لَهم مِن غَيْرِ تَمْثِيلٍ، في صُورَةِ إنْسانٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ (p-٣٠١٤)الحَسَنِ والأصَمِّ.

فالقَوْلُ عَلى هَذا مَجازٌ عَنِ الوَسْوَسَةِ، والنُّكُوصِ وهو الرُّجُوعُ اسْتِعارَةً لِبُطْلانِ كَيْدِهِ.

وثانِيهِما: أنَّهُ ظَهَرَ في صُورَةِ إنْسانٍ، لِأنَّهم لَمّا أرادُوا المَسِيرَ إلى بَدْرٍ، خافُوا مِن بَنِي كِنانَةَ، لِأنَّهم كانُوا قَتَلُوا رَجُلًا، وهم يَطْلُبُونَ دَمَهُ، فَلَمْ يَأْمَنُوا أنْ يَأْتُوهم مِن ورائِهِمْ، فَتَمَثَّلَ إبْلِيسُ اللَّعِينُ في صُورَةِ سُراقَةَ الكِنانِيِّ، وقالَ: أنا جارُكم مِن بَنِي كِنانَةَ، فَلا يَصِلُ إلَيْكم مَكْرُوهٌ مِنهم. فَقَوْلُهُ (إنِّي جارٌ لَكم) عَلى الحَقِيقَةِ.

وقالَ الإمامُ: مَعْنى (الجارِ) هُنا الدّافِعُ لِلضَّرَرِ عَنْ صاحِبِهِ، كَما يَدْفَعُ الجارُ عَنْ جارِهِ. والعَرَبُ تَقُولُ: أنا جارٌ لَكَ مِن فُلانٍ، أيْ: حافِظٌ لَكَ، مانِعٌ مِنهُ. وهَذا القَوْلُ الثّانِي ذَهَبَ إلى جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.

رَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ مُرْسَلًا، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««ما رُؤِيَ الشَّيْطانُ يَوْمًا هو فِيهِ أصْغَرُ ولا أدْحَرُ ولا أحْقَرُ ولا أغْيَظُ، مِنهُ في يَوْمِ عَرَفَةَ»» .

وما ذاكَ إلّا لِما يَرى مِن تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وتُجاوِزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ العِظامِ. إلّا ما رَأى يَوْمَ بَدْرٍ، فَإنَّهُ قَدْ رَأى جِبْرِيلَ يَزَعُ المَلائِكَةَ.

قالَ الإمامُ: وكانَ في تَغْيِيرِ صُورَةِ (إبْلِيسَ) إلى صُورَةِ (سُراقَةٍ) مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، وذَلِكَ لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ لَمّا رَجَعُوا إلى مَكَّةَ قالُوا: هَزَمَ النّاسُ سُراقَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ سُراقَةَ فَقالَ: واللَّهِ ما شَعَرْتُ بِمَسِيرِكم، حَتّى بَلَغَتْنِي هَزِيمَتُكم، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لِلْقَوْمِ أنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ ما كانَ سُراقَةَ، بَلْ كانَ شَيْطانًا.

8:49Page 183

إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٤٩

[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease [i.e., arrogance and disbelief] said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allāh - then indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٤٩ ] ﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ أيْ: بِالمَدِينَةِ، و(إذْ) مَنصُوبٌ بِ (اذْكُرْ) مُقَدَّرًا، أوْ (p-٣٠١٥)بِ (زَيَّنَ) ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صِفَةِ المُنافِقِينَ، وتَوَسَّطَتِ الواوُ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ، لِأنَّ هَذِهِ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ، لا تَنْفَكُّ عَنْهم.

قالَ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أوْ تَكُونُ الواوُ داخِلَةً بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ نَحْوَ: أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: الَّذِينَ هم عَلى حَرْفٍ، لَيْسُوا بِثابِتِي الأقْدامِ في الإسْلامِ.

وعَنِ الحَسَنِ: هُمُ المُشْرِكُونَ.

﴿غَرَّ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنُونَ المُؤْمِنِينَ ﴿دِينُهُمْ﴾ فَظَنُّوا أنَّهم يَنْصُرُونَهم بِهِ عَلى أضْعافِهِمْ ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أيْ: مَن يَعْتَمِدْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُ يَنْصُرُهُ عَلى أضْعافِهِ، بالِغِينَ ما بَلَغُوا، لِأنَّهُ عَزِيزٌ غالِبٌ عَلى ما أرادَ، وهو يُرِيدُ نَصْرَ أوْلِيائِهِ، حَكِيمٌ وحِكْمَتُهُ تَقْتَضِي نَصْرَهم. وهو جَوابٌ لَهم مِن جِهَتِهِ تَعالى، ورَدٌّ لِمَقالَتِهِمْ.

8:50Page 183

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٥٠

And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved...1 They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٥٠ ] ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ .

﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: يَقْبِضُ أرْواحَهم (المَلائِكَةُ) أيْ: مَلائِكَةُ القَهْرِ والعَذابِ مِمّا يُناسِبُ هَيْئاتِ نُفُوسِهِمْ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ، ولِهَيْآتِ الكِبْرِ والعُجْبِ والنَّخْوَةِ فِيها: ﴿وأدْبارَهُمْ﴾ لِمَيْلِهِمْ إلى الباطِلِ، وشِدَّةِ انْجِذابِهِمْ إلَيْهِ، ولِهَيْئاتِ الشَّهْوَةِ والحِرْصِ والشَّرَهِ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ عَطْفٌ عَلى (يَضْرِبُونَ) بِإضْمارِ القَوْلِ، أيْ: ويَقُولُونَ ذُوقُوا بِشارَةً لَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ. وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ، لِتَفْظِيعِ الأمْرِ وتَهْوِيلِهِ.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا السِّياقُ، وإنْ كانَ سَبَبُهُ وقْعَةَ بَدْرٍ، ولَكِنَّهُ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ كافِرٍ. وفي سُورَةِ القِتالِ مِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ، وتَقَدَّمَ في الأنْعامِ نَحْوُها، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٩٣] أيْ: بِالضَّرْبِ فِيهِمْ بِأمْرِ رَبِّهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском