Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:63–68
8:63Page 185
وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٣
And brought together their hearts. If you had spent all that is in the earth, you could not have brought their hearts together; but Allāh brought them together. Indeed, He is Exalted in Might and Wise.
(p-٣٠٢٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣ ] ﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهم إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
﴿وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: جَمَعَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وكَلِمَتِهِمْ، بِالهُدى الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ، بَعْدَ ما كانَ فِيها العَصَبِيَّةُ والضَّغِينَةُ ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ أيْ: مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ﴿ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ إذْ لا يَدْخُلُ ذَلِكَ تَحْتَ قُدْرَةِ البَشَرِ، لِكَوْنِهِ مِن عالَمِ الغَيْبِ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِدِينِهِ الَّذِي جَمَعَهم إلَيْهِ، ﴿إنَّهُ عَزِيزٌ﴾ أيْ: غالِبٌ في مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ عَلى كُلِّ ظاهِرٍ وباطِنٍ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ ذَلِكَ، لِما فِيهِ مِن تَأْيِيدِ دِينِهِ، وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ـ: التَّأْلِيفُ بَيْنَ قُلُوبِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ، لِأنَّ العَرَبَ لِما فِيهِمْ مِنَ الحَمِيَّةِ والعَصَبِيَّةِ والِانْطِواءِ عَلى الضَّغِينَةِ في أدْنى شَيْءٍ، وإلْقائِهِ بَيْنَ أعْيُنِهِمْ، وإلى أنْ يَنْتَقِمُوا، لا يَكادُ يَأْتَلِفُ مِنهم قَلْبانِ، ثُمَّ ائْتَلَفَتْ قُلُوبُهم عَلى اتِّباعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، واتَّحَدُوا وأنْشَأُوا يَرْمُونَ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، وذَلِكَ لِما نَظَّمَ اللَّهُ مِن أُلْفَتِهِمْ، وجَمَعَ مِن كَلِمَتِهِمْ، وأحْدَثَ بَيْنَهم مِنَ التَّحابِّ والتَّوادِّ، وأماطَ عَنْهم مِنَ التَّباغُضِ والتَّماقُتِ، وكَلَّفَهم مِنَ الحُبِّ في اللَّهِ والبُغْضِ في اللَّهِ، ولا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا مَن يَمْلِكُ القُلُوبَ، فَهو يُقَلِّبُها كَما شاءَ، ويَصْنَعُ فِيها ما أرادَ.
وقِيلَ: هُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ، كانَ بَيْنَهم مِنَ الحُرُوبِ والوَقائِعِ ما أهْلَكَ سادَتَهم ورُؤَساءَهم، ودَقَّ جَماجِمَهم، ولَمْ يَكُنْ لِبَغْضائِهِمْ أمَدٌ ومُنْتَهًى، وبَيْنَهُما التَّجاوُرُ الَّذِي يُهَيِّجُ الضَّغائِنَ، ويُدِيمُ التَّحاسُدَ والتَّنافُسَ.
وعادَةُ كُلِّ طائِفَتَيْنِ كانَتا بِهَذِهِ المَثابَةِ أنْ تَتَجَنَّبَ هَذِهِ ما آثَرَتْهُ أُخْتُها، وتَكْرَهَهُ وتَنْفِرَ عَنْهُ، فَأنْساهُمُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ كُلَّهُ، حَتّى اتَّفَقُوا عَلى الطّاعَةِ، وتَصافَوْا وصارُوا أنْصارًا وعادُوا أعْوانًا
وما ذاكَ إلّا بِلَطِيفِ صُنْعِهِ، وبَلِيغِ قُدْرَتِهِ. انْتَهى.
(p-٣٠٢٩)وإنَّما ضَعَّفَ القَوْلَ الثّانِيَ لِأنَّهُ لَيْسَ في السِّياقِ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ. كَذا في (" العِنايَةِ ") .
أقُولُ: لَكِنَّ شُهْرَةَ ما كُنَّ بَيْنَ هَذَيْنَ البَطِنَيْنِ مِنَ التَّعادِي الَّذِي تَطاوَلَ أمَدُهُ، واسْتَحالَ قَبْلَ البَعْثَةِ نُضُوبُ مائِهِ، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قَرِينَةً. ونَقَلَ عُلَماءُ السِّيرَةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمّا لَقِيَ في المَوْسِمِ الرَّهْطَ مِنَ الخَزْرَجِ، ودَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى. فَأجابُوهُ وصَدَّقُوهُ، قالُوا لَهُ: إنّا قَدْ تَرَكْنا قَوْمَنا، ولا قَوْمَ بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ والشَّرِّ ما بَيْنَهم، وعَسى أنْ يَجْمَعَهُمُ اللَّهُ بِكَ، فَسَنُقْدِمَ عَلَيْهِمْ فَنَدْعُوهم إلى أمْرِكَ، نَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الَّذِي أجَبْناكَ إلَيْهِ مِن هَذا الدِّينِ، فَإنْ يَجْمَعْهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلا رَجُلَ أعَزُّ مِنكَ. رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا خَطَبَ الأنْصارَ في شَأْنِ غَنائِمِ (حُنَيْنٍ)، قالَ لَهم: «يا مَعْشَرَ الأنْصارِ ! ألَمْ أجِدْكم ضُلّالًا فَهَداكُمُ اللَّهُ بِي ؟ وعالَةً فَأغْناكُمُ اللَّهُ بِي، وكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَألَّفَكُمُ اللَّهُ بِي» ؟ كُلَّما قالَ شَيْئًا قالَ: «اللَّهُ ورَسُولُهُ أمَنُّ»» .
لَطِيفَةٌ:
رَوى الحاكِمُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقُولُ: إنَّ الرَّحِمَ لَتُقَطَعُ، وإنَّ النِّعْمَةَ لَتُكْفَرٌ، وإنَّ اللَّهَ إذا قارَبَ بَيْنَ القُلُوبِ لَمْ يُزَحْزِحْها شَيْءٌ. ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ﴾ الآيَةَ.
وعِنْدَ البَيْهَقِيِّ نَحْوُهُ. وقالَ مَوْجُودٌ في الشِّعْرِ:
؎إذا بَتَّ ذُو قُرْبى إلَيْكَ بِزِلَّةٍ فَغَشَّكَ واسْتَغْنى فَلَيْسَ بِذِي رُحْمِ
؎ولَكِنَّ ذا القُرْبى الَّذِي إنْ دَعْوَتُهُ ∗∗∗ أجابَ، وأنْ يَرْمِيَ العَدُوَّ الَّذِي تَرْمِي
(p-٣٠٣٠)قالَ: ومِن ذَلِكَ قَوْلُ القائِلِ:
؎ولَقَدْ صَحِبْتُ النّاسَ ثُمَّ سَبَرْتُهم ∗∗∗ وبَلَوْتُ ما وصَلُوا مِنَ الأسْبابِ
؎فَإذا القَرابَةُ لا تُقَرِّبُ قاطِعًا ∗∗∗ وإذا المَوَدَّةُ أقْرَبُ الأسْبابِ
قالَ البَيْهَقِيُّ: لا أدْرِي هَذا مَوْصُولًا بِكَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ هو قَوْلُ مَن دُونَهُ مِنَ الرُّواةِ.
قالَ الرّازِيُّ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ، عَلى أنَّ أحْوالَ القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والإراداتِ، كُلُّها مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ الأُلْفَةَ والمَوَدَّةَ والمَحَبَّةَ الشَّدِيدَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ الإيمانِ ومُتابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ . انْتَهى.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى كِفايَتَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ عِنْدَ مُخادَعَةِ الأعْداءِ، في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، أعْلَمَهُ بِكِفايَتِهِ لَهُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ مُطْلَقًا، فَقالَ تَعالى:
8:64Page 185
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٤
O Prophet, sufficient for you is Allāh and for whoever follows you of the believers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٤ ] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ في مُقَدِّمَةِ (" زادِ المَعادِ ") في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أيِ اللَّهُ وحْدَهُ كافِيكَ، وكافِي أتْباعَكَ، فَلا يَحْتاجُونَ مَعَهُ إلى أحَدٍ.
ثُمَّ قالَ: وهاهُنا تَقْدِيرانِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً لِـ (مَن) عَلى الكافِ المَجْرُورَةِ، ويَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِدُونِ إعادَةِ الجارِّ، عَلى المَذْهَبِ المُخْتارِ، وشَواهِدُهُ كَثِيرَةٌ وشُبَهُ المَنعِ مِنهُ واهِيَةٌ.
والثّانِي: أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ (مَعَ)، وتَكُونُ (مَن) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ فَإنَّ (حَسَبَكَ) في مَعْنى كافِيكَ، أيِ: اللَّهُ يَكْفِيكَ، ويَكْفِي مَنِ اتَّبَعَكَ، كَما يَقُولُ العَرَبُ: حَسْبُكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا كانَتِ الهَيْجاءُ وانْشَقَّتِ العَصا فَحَسْبُكَ والضَّحّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
وهَذا أصَحُّ التَّقْدِيرَيْنِ. وفِيها تَقْدِيرٌ ثالِثٌ، أنْ تَكُونَ (مَن) في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، (p-٣٠٣١)أيْ: ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَحَسْبُهُمُ اللَّهُ.
وفِيها تَقْدِيرٌ رابِعٌ، وهو خَطَأٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، وهو أنْ يَكُونَ (مَن) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ، ويَكُونُ المَعْنى: حَسْبُكَ اللَّهُ وأتْباعَكَ.
وهَذا، وإنْ قالَ بِهِ بَعْضُ النّاسِ، فَهو خَطَأٌ مَحْضٌ، لا يَجُوزُ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ، فَإنَّ الحَسْبَ والكِفايَةَ لِلَّهِ وحْدَهُ، كالتَّوَكُّلِ والتَّقْوى والعِبادَةِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هو الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] فَفَرَّقَ بَيْنَ الحَسْبِ والتَّأْيِيدِ، فَجَعَلَ الحَسْبَ لَهُ وحْدَهُ وجَعَلَ التَّأْيِيدَ لَهُ بِنَصْرِهِ وبِعِبادِهِ، وأثْنى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى أهْلِ التَّوْحِيدِ والتَّوَكُّلِ مِن عِبادِهِ، حَيْثُ أفْرَدُوهُ بِالحَسْبِ، فَقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]
ولَمْ يَقُولُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ورَسُولُهُ، فَإذا كانَ هَذا قَوْلَهم، ومَدَحَّ الرَّبُّ تَعالى لَهم بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَقُولُ لِرَسُولِهِ: اللَّهُ وأتْباعُكَ حَسْبَكَ ؟ وأتْباعُهُ، قَدْ أفْرَدُوا الرَّبَّ تَعالى بِالحَسْبِ، ولَمْ يُشْرِكُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِهِ ؟ هَذا مِن أمْحَلِ المُحالِ، وأبْطَلِ الباطِلِ. ونَظِيرُ هَذِهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ سَيُؤْتِينا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] فَتَأمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ الإيتاءَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وجَعَلَ الحَسْبَ لَهُ وحْدَهُ، فَلَمْ يَقُلْ: وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ورَسُولُهُ، بَلْ جَعَلَهُ خالِصَ حَقِّهِ، كَما قالَ: ﴿إنّا إلى اللَّهِ راغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] ولَمْ يَقُلْ وإلى رَسُولِهِ، بَلْ جَعَلَ الرَّغْبَةَ إلَيْهِ وحْدَهُ. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] ﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨] فالرَّغْبَةُ والتَّوَكُّلُ والإنابَةُ والحَسْبُ لِلَّهِ وحْدَهُ، كَما أنَّ العِبادَةَ والتَّقْوى والسُّجُودَ لِلَّهِ وحْدَهُ، والنَّذْرَ والحَلِفَ لا يَكُونُ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] (p-٣٠٣٢)فَ (الحَسْبُ) هو (الكافِي)، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ وحْدَهُ كافٍ عَبْدَهُ، فَكَيْفَ يَجْعَلُ أتْباعَهُ مَعَ اللَّهِ في هَذِهِ الكِفايَةِ ؟ والأدِلَّةُ الدّالَّةُ عَلى بُطْلانِ هَذا التَّأْوِيلِ الفاسِدِ، أكْثَرُ مِن أنْ نَذْكُرَها هُنا. انْتَهى.
قالَ الخَفاجِيُّ في (" العِنايَةِ "): وتَضْعِيفُهُ الرَّفْعُ لا وجْهَ لَهُ، فَإنَّ الفَرّاءَ والكِسائِيَّ رَجَّحاهُ، وما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ يُؤَيِّدُهُ. انْتَهى.
وأقُولُ: هَذا مِنَ الخَفاجِيِّ مِنَ الوَلَعِ بِالمُناقَشَةِ، كَما هو دَأْبُهُ، ولَوْ أمْعَنَ النَّظَرَ فِيما بَرْهَنَ عَلَيْهِ ابْنُ القَيِّمِ وأيَّدَهُ بِما لا يَبْقى مَعَهُ وفَّقَةُ لَما ضَعَّفَهُ، والفَرّاءُ والكِسائِيُّ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، ولِأئِمَّةِ التَّأْوِيلِ فِقْهٌ آخَرُ، فَتَبَصَّرْ ولا تَكُنْ أسِيرَ التَّقْلِيدِ.
8:65Page 185
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ٦٥
O Prophet, urge the believers to battle. If there are among you twenty [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you one hundred [who are steadfast], they will overcome a thousand of those who have disbelieved because they are a people who do not understand.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٥ ] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ .
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: حِثَّهم: ﴿عَلى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾
8:66Page 185
ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٦٦
Now, Allāh has lightened [the hardship] for you, and He knows that among you is weakness. So if there are from you one hundred [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you a thousand, they will overcome two thousand by permission of Allāh. And Allāh is with the steadfast.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٦ ] ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ .
﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾
(p-٣٠٣٣)فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
الأُولى: مَشْرُوعِيَّةُ الحَضِّ عَلى القِتالِ، والمُبالَغَةِ في الحَثِّ عَلَيْهِ، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَرِّضُ أصْحابَهُ عِنْدَ صَفِّهِمْ، ومُواجَهَةِ العَدُوِّ، كَما «قالَ لَهم يَوْمَ بَدْرٍ، حِينَ أقْبَلَ المُشْرِكُونَ في عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ: «قُومُوا إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَواتُ والأرْضُ»، فَقالَ عُمَيْرُ بْنُ الحُمامِ: عَرْضُها السَّمَواتُ والأرْضُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ» ! فَقالَ: بَخٍ بَخٍ، فَقالَ: «ما يَحْمِلُكَ عَلى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ» ؟ قالَ: رَجاءَ أنْ أكُونَ مِن أهْلِها. قالَ: «فَإنَّكَ مِن أهْلِها» . فَتَقَدَّمَ الرَّجُلُ، فَكَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، وأخْرَجَ تَمَراتٍ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنهُنَّ، ثُمَّ ألْقى بَقِيَّتَهُنَّ مِن يَدِهِ، وقالَ: لَئِنْ أنا حَيِيتُ حَتّى آكُلَهُنَّ، إنَّها لَحَياةٌ طَوِيلَةٌ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ».
الثّانِيَةُ: ذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا﴾ [الأنفال: ٦٥] شَرْطٌ في مَعْنى الأمْرِ بِوُجُوبِ مُصابَرَةِ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ أيْ: بِألّا يَفِرَّ مِنهم.
رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] كُتِبَ عَلَيْهِمْ ألّا يَفِرَّ واحِدٌ مِن عَشَرَةٍ، ولا عِشْرُونَ مِن مِائَتَيْنِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ، فَكُتِبَ أنْ لا يَفِرَّ مِائَةٌ مِن مِائَتَيْنِ.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ، فَلَمّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهم مِنَ العُدَّةِ، نَقَّصَ عَنْهم مِنَ الصَّبْرِ، بِقَدْرِ ما خَفَّفَ عَنْهم.
(p-٣٠٣٤)قالَ في (" اللُّبابِ "): فَظاهِرُ هَذا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ ناسِخٌ لِما تَقَدَّمَ في الآيَةِ الأُولى، وكانَ هَذا الأمْرُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَرَضَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الرَّجُلِ الواحِدِ مِنَ المُسْلِمِينَ قِتالَ عَشَرَةٍ مِنَ الكافِرِينَ، فَثَقُلَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ يَعْنِي في قِتالِ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ، فَإنْ تَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ مُحْتَسِبَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ. فَرَدَّ العَشْرَةَ إلى الِاثْنَيْنِ، فَإذا كانَ المُسْلِمُونَ عَلى قَدْرِ النِّصْفِ مِن عَدُوِّهِمْ لا يَجُوزُ لَهم أنْ يَفِرُّوا، فَأيُّما رَجُلٍ فَرَّ مِن ثَلاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ، ومَن فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ. انْتَهى.
قالَ في (" العِنايَةِ "): وذَهَبَ مَكِّيٌّ إلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ لا ناسِخَةٌ، كَتَخْفِيفِ الفِطْرِ لِلْمُسافِرِ. وثَمَرَةُ الخِلافِ أنَّهُ لَوْ قاتَلَ واحِدٌ عَشْرَةً، فَقُتِلَ، هَلْ يَأْثَمُ أوْ لا ؟ فَعَلى الأوَّلِ يَأْثَمُ، وعَلى الثّانِي لا يَأْثَمُ.
وقالَ الرّازِيُّ: أنْكَرَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ دَعْوى النَّسْخِ في الآيَةِ، وقالَ: الأمْرُ الَّذِي فُهِمَ مِنَ الآيَةِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ العِشْرِينَ قادِرِينَ عَلى الصَّبْرِ، أيْ: إنْ حَصَلَ مِنكم عِشْرُونَ مَوْصُوفُونَ بِالصَّبْرِ عَلى مُقاوَمَةِ المِائَتَيْنِ، فَلْيَشْتَغِلُوا بِمُقاوَمَتِهِمْ.
ثُمَّ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ غَيْرُ حاصِلٍ مِنهم، فَلَمْ يَكُنِ التَّكْلِيفُ لازِمًا عَلَيْهِمْ.
وبِالجُمْلَةِ، فالآيَةُ الأُولى دَلَّتْ عَلى ثُبُوتِ حُكْمٍ عِنْدَ شَرْطٍ مَخْصُوصٍ، والثّانِيَةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَفْقُودٌ في حَقِّ هَؤُلاءِ الجَماعَةِ، فَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ الحُكْمُ، وعَلى هَذا فَلا نَسْخَ، ولا يُقالُ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ مُشْعِرٌ بِأنَّ هَذا التَّكْلِيفَ كانَ مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِمْ قَبْلَهُ، لِأنَّ لَفْظَ التَّخْفِيفِ لا يَسْتَلْزِمُ الدَّلالَةَ عَلى حُصُولِ التَّثْقِيلِ قَبْلَهُ، لِأنَّ عادَةَ العَرَبِ الرُّخْصَةُ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في تَرْخِيصِهِ لِلْحُرِّ في نِكاحِ الأمَةِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] ولَيْسَ هُناكَ نَسْخٌ، وإنَّما هو إطْلاقُ نِكاحِ الأمَةِ لِمَن لا يَسْتَطِيعُ نِكاحَ الحَرائِرِ، فَكَذا هاهُنا.
(p-٣٠٣٥)ومِمّا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ النَّسْخِ ذِكْرُ هَذِهِ الآيَةِ مُقارِنَةً لِلْأُولى وجَعْلُ النّاسِخِ مُقارِنًا لِلْمَنسُوخِ، لا يَجُوزُ إلّا بِدَلِيلٍ قاهِرٍ.
قالَ الرّازِيُّ: بَعْدَ تَقْرِيرِ كَلامِ أبِي مُسْلِمٍ: إنْ ثَبَتَ إجْماعُ الأُمَّةِ قَبْلَ أبِي مُسْلِمٍ عَلى حُصُولِ النَّسْخِ في الآيَةِ، فَلا كَلامَ عَلَيْهِ، وإلّا فَقَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ صَحِيحٌ حَسَنٌ. انْتَهى.
الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] إشارَةٌ إلى عِلَّةِ غَلَبَةِ المُؤْمِنِينَ عَشْرَةَ أمْثالِهِمْ مِنَ الكُفّارِ، فالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ: (يَغْلِبُوا) أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ، لا يُقاتِلُونَ احْتِسابًا وامْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، وإعْلاءً لِكَلِمَتِهِ، وابْتِغاءً لِرِضْوانِهِ، كَما يَفْعَلُهُ المُؤْمِنُونَ، وإنَّما يُقاتِلُونَ لِلْحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ، واتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وإثارَةِ ثائِرَةِ البَغْيِ والعُدْوانِ، فَلا يَسْتَحِقُّونَ إلّا القَهْرَ والخِذْلانَ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
الرّابِعَةُ: قالَ الرّازِيُّ: احْتَجَّ هِشامٌ عَلى قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ إلّا عِنْدَ وُقُوعِها، بِقَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ إذْ يَقْتَضِي أنَّ عِلْمَهُ يُضْعِفُهم ما حَصَلَ إلّا في هَذا الوَقْتِ.
وأجابَ المُتَكَلِّمُونَ بِأنَّ مَعْناهُ: الآنَ حَصَلَ العِلْمُ بِوُقُوعِهِ وحُصُولِهِ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ كانَ الحاصِلُ العَمَلَ بِأنَّهُ سَيَقَعُ أوْ سَيَحْدُثُ. انْتَهى.
وقالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَعْناهُ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم لِما ظَهَرَ مُتَعَلِّقُ عِلْمِهِ تَعالى، أيْ: كَثْرَتُكُمُ المُوجِبَةُ لِضَعْفِكم بَعْدَ ظُهُورِ قَتْلِكم وقُوَّتِكم.
الخامِسَةُ: في (الضَّعْفِ) لُغَتانِ: الفَتْحُ والضَّمُّ، بِهِما قُرِئَ. وهو يُؤَكِّدُ كَوْنَهُما بِمَعْنى فَيَكُونانِ في الرَّأْيِ والبَدَنِ. وقِيلَ: (الفَتْحُ) في الرَّأْيِ والعَقْلِ، و(الضَّمُّ) في البَدَنِ. وهو مَنقُولٌ عَنِ الخَلِيلِ وقُرِئَ: (ضُعَفاءَ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ.
السّادِسَةُ: إنْ قِيلَ: إنَّ كِفايَةَ عِشْرِينَ لِمِائَتَيْنِ تُغَنِّي عَنْ كِفايَةِ مِائَةٍ لِألْفٍ وكِفايَةِ مِائَةٍ لِمِائَتَيْنِ تُغْنِي عَنْ كِفايَةِ ألْفٍ لِألْفَيْنِ، لِما تَقَرَّرَ مِن وُجُوبِ ثَباتِ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ في الأُولى، وثَباتِ الواحِدِ لِلِاثْنَيْنِ في الثّانِيَةِ، فَما سِرُّ هَذا التَّكْرِيرِ ؟
أُجِيبُ: بِأنَّ سِرَّهُ كَوْنُ كُلِّ عُدَّةٍ بِتَأْيِيدِ القَلِيلِ (p-٣٠٣٦)عَلى الكَثِيرِ لِزِيادَةِ التَّكْرِيرِ المُفِيدِ لِزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ، والدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحالَ مَعَ القِلَّةِ والكَثْرَةِ واحِدَةٌ، لا تَتَفاوَتُ، فَإنَّ العِشْرِينَ قَدْ لا تَغْلِبُ المِائَتَيْنِ، وتَغْلِبُ المِائَةُ الألْفَ، وأمّا التَّرْتِيبُ في المُكَرَّرِ فَعَلى ذِكْرِ الأقَلِّ ثُمَّ الأكْثَرِ عَلى التَّرْتِيبِ الطَّبِيعِيِّ.
قالَ في (" الفَتْحِ "): وقَدْ قِيلَ في سِرِّ ذَلِكَ: إنَّ بِشارَةً لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ جُنُودَ الإسْلامِ سَيُجاوِزُ عَدَدُها العَشَراتِ والمِئاتِ إلى الأُلُوفِ.
السّابِعَةُ: قالَ في (" البَحْرِ "): انْظُرْ إلى فَصاحَةِ هَذا الكَلامِ، حَيْثُ أثْبَتَ في الشَّرْطِيَّةِ الأُولى قَيْدَ الصَّبْرِ، وحَذَفَ نَظِيرَهُ مِنَ الثّانِيَةِ، وأثْبَتَ في الثّانِيَةِ قَيْدَ كَوْنِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ وحَذَفَهُ مِنَ الأُولى، ولَمّا كانَ الصَّبْرُ شَدِيدَ المَطْلُوبِيَّةِ أُثْبِتَ في جُمْلَتَيِ التَّخْفِيفِ وحُذِفَ مِنَ الثّانِيَةِ لِدَلالَةِ السّابِقَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ:
﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ مُبالَغَةً في شِدَّةِ المَطْلُوبِيَّةِ، ولَمْ يَأْتِ في جُمْلَتَيِ التَّخْفِيفِ بِقَيْدِ الكُفْرِ، اكْتِفاءًا بِما قَبْلَهُ.
قالَ الشِّهابُ: هَذا نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى الِاحْتِباكَ، وبَقِيَ عَلَيْهِ أنَّهُ ذُكِرَ في التَّخْفِيفِ
﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وهو قَيْدٌ لَهُما، وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى تَأْيِيدِهِمْ، وأنَّهم مَنصُورُونَ حَتْمًا لِأنَّ مَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ لا يُغْلَبُ.
وبَقِيَ فِيها لَطائِفُ، فَلِلَّهِ دَرُّ التَّنْزِيلِ ما أحْلى ماءَ فَصاحَتِهِ ! وأنْضَرَ رَوْنَقَ بَلاغَتِهِ !
8:67Page 185
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٧
It is not for a prophet to have captives [of war] until he inflicts a massacre [upon Allāh's enemies] in the land. You [i.e., some Muslims] desire the commodities of this world,1 but Allāh desires [for you] the Hereafter. And Allāh is Exalted in Might and Wise.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٧ ] ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾
رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «اسْتَشارَ النَّبِيُّ ﷺ في الأسارى يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أمْكَنَكم مِنهم»، (p-٣٠٣٧)فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! اضْرِبْ أعْناقَهم، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ عادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَقالَتِهِ وقالَ: «إنَّما هم إخْوانُكم بِالأمْسِ»، وعادَ عُمَرُ لِمَقالَتِهِ، فَأعْرَضَ عَنْهُ ﷺ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! نَرى أنْ تَعْفُوَ عَنْهم، وأنَّ تَقْبَلَ مِنهُمُ الفِداءَ. قالَ فَذَهَبَ عَنْ وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما كانَ فِيهِ مِنَ الغَمِّ، فَعَفا عَنْهم، وقَبِلَ مِنهُمُ الفِداءَ».
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ في (أفْرادِهِ) مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «لَمّا أسَرُوا الأُسارى. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: «ما تَرَوْنَ في هَؤُلاءِ الأُسارى» ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! هم بَنُو العَمِّ والعَشِيرَةِ، أرى أنْ تَأْخُذَ مِنهم فِدْيَةً تَكُونُ لَنا قُوَّةً عَلى الكُفّارِ، فَعَسى اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهم إلى الإسْلامِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما تَرى يا ابْنَ الخَطّابِ» ؟ قالَ: قُلْتُ لا، واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ! ما أرى الَّذِي رَأى أبُو بَكْرٍ، ولَكِنِّي أرى أنَّ تُمَكِّنَنا فَنَضْرِبُ أعْناقَهم، فَتُمَكِّنْ عَلِيًّا مِن عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وتُمَكِّنْ حَمْزَةَ مِنَ العَبّاسِ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وتُمَكِّنُنِي مِن فُلانٍ - نَسِيبٍ لِعُمِرِ - فَأضْرِبُ عُنُقَهُ، فَإنَّ هَؤُلاءِ أئِمَّةُ الكُفْرِ وصَنادِيدُهُ. فَهَوى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالَ أبُو بَكْرٍ، ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ.
فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ جِئْتُ، فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبُو بَكْرٍ يَبْكِيانِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! أخْبِرْنِي مِن أيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أنْتَ وصاحِبُكَ، فَإنْ وجَدْتُ بُكاءً بَكَيْتُ، وإنْ لَمْ أجِدْ بُكاءً تَباكَيْتُ لِبُكائِكُما، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أبْكِي عَلى أصْحابِكَ مِن أخْذِهِمُ الفِداءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذابُهم أدْنى مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ»، لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِن نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ الآيَةَ».
ذَكَرَهُ الحُمَيْدِيُّ في (" مُسْنَدِهِ ") عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، مِن أفْرادِ مُسْلِمٍ بِزِيادَةٍ فِيهِ.
ومَعْنى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ﴾ ما صَحَّ لَهُ وما اسْتَقامَ وقُرِئَ (لِلنَّبِيِّ) عَلى العَهْدِ، والمُرادُ (p-٣٠٣٨)عَلى كُلٍّ، نَبِيُّنا ﷺ، وإنَّما نُكِّرَ تَلَطُّفًا بِهِ، حَتّى لا يُواجَهَ بِالعِقابِ. وقُرِئَ (أُسارى) .
ومَعْنى: ﴿يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ يُكْثِرُ القَتْلَ ويُبالِغُ فِيهِ، حَتّى يَذِلَّ الكُفْرَ، ويَقِلَّ حِزْبُهُ، ويَعِزَّ الإسْلامُ، ويَسْتَوْلِيَ أهْلُهُ. يُقالُ: أثْخَنَ في العَدُوِّ، بالَغَ في قِلَّتِهِمْ. كَما في (" الأساسِ ")، وأثْخَنَ في الأرْضِ قَتْلًا إذا بالَغَ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: أثْخَنَ إذا غَلَبَ وقَهَرَ.
قالَ الرّازِيُّ: وإنَّما حَمَلَهُ الأكْثَرُونَ عَلى القَتْلِ، لِأنَّ الدَّوْلَةَ إنَّما تَقْوى بِهِ.
قالَ المُتَنَبِّي:
؎لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفِيعُ مِنَ الأذى حَتّى يُراقَ عَلى جَوانِبِهِ الدَّمُ
ولِأنَّهُ يُوجِبُ قُوَّةَ الرُّعْبِ، وشِدَّةُ المَهابَةِ، فَلِذَلِكَ أمَرَ تَعالى بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ أيْ: مَتاعَها الزّائِلَ، بِفِداءِ أُسارى بَدْرٍ.
والعَرَضُ ما لا ثَباتَ لَهُ ولَوْ جِسْمًا، ومِنهُ اسْتَعارَ المُتَكَلِّمُونَ (العَرَضَ) المُقابِلَ (لِلْجَوْهَرِ)، قالَهُ الشِّهابُ.
﴿واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: يُرِيدُ لَكم ثَوابَها ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أيْ: غالِبٌ عَلى ما أرادَ.
﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فِيما يَأْمُرُ بِهِ عِبادَهُ.
8:68Page 185
لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٦٨
If not for a decree from Allāh that preceded,1 you would have been touched for what you took by a great punishment.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٨ ] ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .
﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ أيْ: لَأصابَكم ﴿فِيما أخَذْتُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِهِ، وهو الفِداءُ: ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: شَدِيدٌ، بِقِدْرِ إبْطالِكُمُ الحِكْمَةَ العَظِيمَةَ، وهي قَتْلُهُمُ، الَّذِي هو أعَزُّ لِلْإسْلامِ، وأهْيَبُ لِمَن وراءَهم وأفَلُّ لِشَوْكَتِهِمْ. والمُرادُ بِ (الكِتابِ) الحُكْمُ، وإنَّما أُطْلِقَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ.
ولِأئِمَّةِ التَّفْسِيرِ أقْوالٌ في تَفْسِيرِهِ، فَقِيلَ: هو أنَّهُ لا يُعَذِّبُ قَوْمًا إلّا بَعْدَ تَقْدِيمِ النَّهْيِ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ نَهْيٌ عَنْ ذَلِكَ، وقِيلَ: هو أنَّهُ لا يُعَذِّبُ المُخْطِئَ في اجْتِهادِهِ، وقِيلَ: هو كَوْنُ أهْلِ بَدْرٍ مَغْفُورًا لَهم. وقِيلَ: هو حِلُّ المَغانِمِ.
ولِلرّازِيِّ مُناقَشَةٌ في هَذِهِ الأقْوالِ، واخْتارَ أنَّ (الكِتابَ) هو حُكْمُهُ في الأزَلِ بِالعَفْوِ عَنْ هَذِهِ الواقِعَةِ، لِأنَّهُ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، وسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ.
(p-٣٠٣٩)أقُولُ: لَعَلَّ الأمَسَّ في تَهْوِيلِ ما اكْتَسَبُوهُ، تَفْسِيرُ (الكِتابِ) بِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] واللَّهُ أعْلَمُ ـ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ _ قالَ الرّازِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا الحاكِمُ إنَّما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا قَلِيلِينَ، فَلَمّا كَثُرُوا وقَوِيَ سُلْطانُهم، أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ في الأُسارى: ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ [محمد: ٤]
وأقُولُ: هَذا الكَلامُ يُوهِمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [محمد: ٤] يُرِيدُ حُكْمَ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ الآيَتَيْنِ مُتَوافِقَتانِ، فَإنَّ كِلْتَيْهِما تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ الإثْخانِ، ثُمَّ بَعْدَهُ أخْذُ الفِداءِ. انْتَهى.
وقالَ بَعْضُهم: لا تَظْهَرُ دَعْوى النَّسْخِ مِن أصْلِها، إذِ النَّهْيُ الضِّمْنِيُّ كَما هُنا مُقَيَّدٌ ومُغَيًّا بِالإثْخانِ، أيْ: كَثْرَةُ القِتالِ اللّازِمَةُ لَها قُوَّةُ الإسْلامِ وعِزَّتُهُ، وما في سُورَةِ القِتالِ مِنَ التَّخْيِيرِ، مَحَلُّهُ بَعْدَ ظُهُورِ شَوْكَةِ الإسْلامِ بِكَثْرَةِ القِتالِ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، إذْ ما هُناكَ بَيانٌ لِلْغايَةِ الَّتِي هُنا. نَقَلَهُ في (" الفَتْحِ ") .
الثّانِي: قالَ القاضِي: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَجْتَهِدُونَ، وأنَّهُ قَدْ يَكُونُ خَطَأً، ولَكِنْ لا يُقِرُّونَ عَلَيْهِ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقَدِ اسْتَمَرَّ الحُكْمُ في الأسْرى عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ، أنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ، إنْ شاءَ قَتَلَ، كَما فَعَلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ، وإنْ شاءَ فادى بِمالٍ، كَما فَعَلَ بِأسْرى بَدْرٍ، بِمَن أُسِرَ مِنَ المُسْلِمِينَ، كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في تِلْكَ الجارِيَةِ وابْنَتِها اللَّتَيْنِ كانَتا في سَبْيِ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ، حَيْثُ رَدَّهُما وأخَذَ في مُقابَلَتِهِما مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَ المُشْرِكِينَ.
(p-٣٠٤٠)وإنْ شاءَ اسْتَرَقَّ مَن أسَرَ، هَذا مَذْهَبُ الإمامِ الشّافِعِيِّ وطائِفَةٌ، وفي المَسْألَةِ خِلافٌ آخَرُ بَيْنَ الأئِمَّةِ، مُقَرَّرٌ في مَوْضِعِهِ.
الرّابِعُ: قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ وهو أنْ يُقالَ: إنْ كانَ فِعْلُهُمُ اجْتِهادًا وخَطَأً، فَلِمَ عُوتِبُوا ؟ ويَلْزَمُ أنْ لا مَعْصِيَةَ، وإنْ تَمَكَّنُوا مِنَ العِلْمِ وقَصَّرُوا، فَكَيْفَ أقَرَّهُمُ الرَّسُولُ ﷺ ؟ وجَوابُ ذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: عَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّ ذَلِكَ كانَ مَعْصِيَةً صَغِيرَةً. قالَ الحاكِمُ: وكانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ العِلْمِ، إذا ما عاتَبَهم.
وقِيلَ: كانَ خَطَأً وقَصَّرُوا فَعُوتِبُوا عَلى التَّقْصِيرِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences