Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:16–26
9:16Page 189
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٦
Do you think that you will be left [as you are] while Allāh has not yet made evident those among you who strive [for His cause] and do not take other than Allāh, His Messenger and the believers as intimates? And Allāh is [fully] Aware of what you do.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٦ ] ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ .
﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا﴾ أيْ: عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، ولا تُؤْمَرُوا بِالجِهادِ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ أيْ: بِطانَةً يُفْشُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَهم.
والواوُ في (ولَمّا) حالِيَّةٌ، و(لَمّا) لِلنَّفْيِ مَعَ التَّوَقُّعِ، والمُرادُ مِن نَفْيِ العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُومِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، إذْ لَوْ شَمَّ رائِحَةَ الوُجُودِ، لَعَلِمَ قَطْعًا، فَلَمّا لَمْ يَعْلَمْ لَزِمَ عَدَمُهُ قَطْعًا ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا﴾ عَطْفٌ عَلى: ﴿جاهَدُوا﴾ داخِلٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والمَعْنى: أنَّكم لا تُتْرَكُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، والحالُ أنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنِ الخُلَّصُ مِنَ المُجاهِدِينَ مِنكم مِن غَيْرِهِمْ، بَلْ لا بُدَّ أنْ تُخْتَبَرُوا، حَتّى يَظْهَرَ المُخْلِصُونَ مِنكم، وهُمُ الَّذِينَ جاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، لِوَجْهِ اللَّهِ، ولَمْ يَتَّخِذُوا ولِيجَةً، أيْ: بِطانَةً مِنَ الَّذِينَ يُضادُّونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. ودَلَّتْ (لَمّا) عَلى أنَّ تَبَيُّنَ ذَلِكَ وإيضاحَهُ مُتَوَقَّعٌ كائِنٌ، وإنَّ الَّذِينَ لَمْ يُخْلِصُوا دِينَهم لِلَّهِ يُمَيَّزُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُخْلِصِينَ، وفي الآيَةِ اكْتِفاءٌ بِأحَدِ القِسْمَيْنِ، حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمُقَصِّرِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الِانْدِراجِ تَحْتَ إرادَةِ أكْرَمِ الأكْرَمِينَ، وهَذا كَما قالَ:
؎وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِنِي
(p-٣٠٨٥)وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿الم﴾ [العنكبوت: ١] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] وقالَ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] الآيَةَ، وكُلُّها تُفِيدُ أنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الجِهادِ اخْتِبارُ المُطِيعِ مِن غَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
9:17Page 189
مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ١٧
It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allāh [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧ ] ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ .
﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أيْ ما صَحَّ لَهم وما اسْتَقامَ ﴿أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلى اسْمِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، أيْ يَعْمُرُوا شَيْئًا مِنها، فَهو جَمْعٌ مُضافٌ في سِياقِ النَّفْيِ، ويَدْخُلُ في المَسْجِدِ الحَرامِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، إذْ نَفْيُ الجَمْعِ يَدُلُّ عَلى النَّفْيِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ، فَيَلْزَمُ نَفْيُهُ عَنِ الفَرْدِ المُعَيَّنِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ. وقُرِئَ (مَسْجِدِ اللهِ) بِالتَّوْحِيدِ، تَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ وهو المَسْجِدُ الحَرامُ، أشْرَفُ المَساجِدِ في الأرْضِ، الَّذِي بُنِيَ عَلى أوَّلِ يَوْمٍ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ وأسَّسَهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ.
قالَ في (" البَصائِرِ "): (يَعْمُرُ) إمّا مِنَ العِمارَةِ الَّتِي هي حِفْظُ البِناءِ، أوْ مِنَ العُمْرَةِ الَّتِي هي الزِّيارَةُ، أوْ مِن قَوْلِهِمْ: عَمَرْتُ بِمَكانِ كَذا أيْ: أقَمْتُ بِهِ. انْتَهى.
﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ أيْ: بِحالِهِمْ وقالِهِمْ، وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (p-٣٠٨٦)﴿يَعْمُرُوا﴾
﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وفي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ولِهَذا قالَ تَعالى:
9:18Page 189
إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨
The mosques of Allāh are only to be maintained by those who believe in Allāh and the Last Day and establish prayer and give zakāh and do not fear except Allāh, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٨ ] ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ .
﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ﴾ أيْ: لَمْ يَعْبُدْ إلّا اللَّهَ ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ أيْ: إلى الجَنَّةِ.
وإبْرازُ اهْتِدائِهِمْ مَعَ ما بِهِمْ مِنَ الصِّفاتِ السَّنِيَّةِ، في مَعْرِضِ التَّوَقُّعِ، لِقَطْعِ أطْماعِ الكَفَرَةِ عَنِ الوُصُولِ إلى مَواقِفِ الِاهْتِداءِ والِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي يَحْسَبُونَ أنَّهم في ذَلِكَ مُحْسِنُونَ، ولِتَوْبِيخِهِمْ بِقَطْعِهِمْ أنَّهم مُهْتَدُونَ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ ما بِهِمْ مِن هَذِهِ الكِمالاتِ، إذا كانَ أمْرُهم دائِرًا بَيْنَ لَعَلَّ وعَسى، فَما بالُ الكَفَرَةِ وهم هم، وأعْمالُهم أعْمالُهم ! ! وفِيهِ لُطْفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَرْغِيبٌ لَهم في تَرْجِيحِ جانِبِ الخَوْفِ عَلى جانِبِ الرَّجاءِ، ورَفْضِ الِاغْتِرارِ بِاللَّهِ تَعالى. - كَذا حَرَّرَهُ أبُو السُّعُودِ - .
وقالَ النّاصِرُ: وأكْثَرُهم يَقُولُ: إنَّ (عَسى) مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، بِناءً مِنهم عَلى أنَّ اسْتِعْمالَها غَيْرَ مَصْرُوفَةٍ لِلْمُخاطَبِينَ.
والحَقُّ أنَّ الخِطابَ مَصْرُوفٌ إلَيْهِمْ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، أيْ: فَحالُ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ حالٌ مَرْجُوَّةُ العاقِبَةِ عِنْدَ اللَّهِ مَعْلُومَةٌ، ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ.
(p-٣٠٨٧)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (العِمارَةُ) تَتَناوَلُ زَمَّ ما اسْتَرَمَّ مِنها وقَمَّها، وتَنْظِيفَها وتَنْوِيرَها بِالمَصابِيحِ، وتَعْظِيمَها واعْتِيادَها لِلْعِبادَةِ والذِّكْرِ، ومِنَ الذِّكْرِ دَرْسُ العِلْمِ، بَلْ هو أجَلُّهُ وأعْظَمُهُ، وصِيانَتُها مِمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ المَساجِدُ مِن أحادِيثِ الدُّنْيا، فَضْلًا عَنْ فُضُولِ الحَدِيثِ.
رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««مَن غَدا إلى المَسْجِدِ أوْ راحَ، أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّما غَدا أوْ راحَ»» .
ورَوَيا أيْضًا عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن بَنى لِلَّهِ مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وجْهَ اللَّهِ تَعالى، بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ»» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَسْجِدَ، فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ»»، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
الثّانِي: إنَّما لَمْ يُذْكَرِ الإيمانُ بِالرَّسُولِ ﷺ لِدُخُولِهِ في الإيمانِ بِاللَّهِ، فَتُرِكَ لِلْمُبالَغَةِ في ذِكْرِ الإيمانِ بِالرِّسالَةِ، دَلالَةً عَلى أنَّهُما كَشَيْءٍ واحِدٍ، إذا ذُكِرَ أحَدُهُما فُهِمَ الآخَرُ، عَلى أنَّهُ أُشِيرَ بِذِكْرِ المَبْدَأِ والمَعادِ إلى الإيمانِ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، ومِن جُمْلَتِهِ رِسالَةُ ﷺ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] كَذا في (" العِنايَةِ ") .
(p-٣٠٨٨)الثّالِثُ: في تَخْصِيصِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ بِالذِّكْرِ، تَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِما وحَثٌّ عَلى التَّنَبُّهِ لَهُما.
الرّابِعُ: دَلَّتِ الآيَتانِ عَلى أنَّ عَمَلَ الكُفّارِ مُحْبَطٌ لا ثَوابَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
9:19Page 189
۞ أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩
Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Ḥarām equal to [the deeds of] one who believes in Allāh and the Last Day and strives in the cause of Allāh? They are not equal in the sight of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٩ ] ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾
رَوى العَوْفِيُّ في (" تَفْسِيرِهِ ") عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ وقِيامٌ عَلى السِّقايَةِ خَيْرٌ مِمَّنْ آمَنَ وجاهَدَ، وكانُوا يَفْخَرُونَ بِالحَرَمِ، ويَسْتَكْبِرُونَ بِهِ، مِن أجْلِ أنَّهم أهْلُهُ وعُمّارُهُ، فَخَيَّرَ اللَّهُ الإيمانَ والجِهادَ مَعَ رَسُولِهِ عَلى عِمارَةِ المُشْرِكِينَ البَيْتَ وقِيامِهِمْ عَلى السِّقايَةِ، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم مَعَ الشِّرْكِ، وأنَّهم ظالِمُونَ بِشِرْكِهِمْ، لا تُغْنِي عِمارَتُهم شَيْئًا.
قالَ اللُّغَوِيُّونَ: (السِّقايَةُ) بِالكَسْرِ والضَّمِّ مَوْضِعُ السَّقْيِ. وفي (" التَّهْذِيبِ "): هو المَوْضِعُ المُتَّخَذُ فِيهِ الشَّرابُ في المَواسِمِ وغَيْرِها. انْتَهى.
وفِي (" التّاجِ "): سِقايَةُ الحاجِّ ما كانَتْ قُرَيْشٌ تَسْقِيهِ لِلْحُجّاجِ مِنَ الزَّبِيبِ المَنبُوذِ في الماءِ، وكانَ يَلِيها العَبّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ. انْتَهى.
ورَوى الإمامُ مُسْلِمٌ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ رَجُلٌ: ما أُبالِي ألّا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ؛ وقالَ الآخَرُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ أفْضَلُ مِمّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهم عُمَرُ وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ النَّبِيِّ ﷺ وهو (p-٣٠٨٩)يَوْمَ الجُمُعَةِ، ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ فاسْتَفْتَيْتُهُ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ.
ورَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في (" مُصَنَّفِهِ ") ولَفْظُهُ: إنَّ رَجُلًا قالَ: ما أُبالِي ألّا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أسْقِيَ الحاجَّ. وقالَ آخَرُ: ما أُبالِي ألّا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أُعَمِّرَ المَسْجِدَ الحَرامَ. الحَدِيثَ.
قالَ بَعْضُهم: فَظاهِرُ هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّ المُفاضَلَةَ كانَتْ بَيْنَ بَعْضِ المُسْلِمِينَ المُؤْثِرِينَ لِلسِّقايَةِ والعِمارَةِ عَلى الهِجْرَةِ والجِهادِ ونَظائِرِهِما، ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، مَعَ أنَّ الرِّوايَةَ السّالِفَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تُنافِيهِ، وكَذا تَخْصِيصُ ذِكْرِ الإيمانِ بِجانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ، وكَذا وصْفُهم بِالظُّلْمِ لِأجْلِ تَسْوِيَتِهِمُ المَذْكُورَةِ.
وأقُولُ: لا مُنافاةَ، وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ فِيما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ لا يُرْتابُ فِيهِ، وقَوْلُ النُّعْمانِ (فَأنْزَلَ اللَّهُ)، بِمَعْنى أنَّ مِثْلَ هَذا التَّحاوُرِ نَزَلَ فِيهِ فَيْصَلٌ مُتَقَدِّمٌ، وهو هَذِهِ الآيَةُ، لا بِمَعْنى أنَّهُ كانَ سَبَبًا لِنُزُولِها كَما بَيَّنَها غَيْرَ ما مَرَّةٍ.
وهَذا الِاسْتِعْمالُ شائِعٌ بَيْنَ السَّلَفِ، ومَن لَمْ يَتَفَطَّنْ لَهُ تَتَناقَضُ عِنْدَهُ الرِّواياتُ، ويَحارُ في المَخْرَجِ، فافْهَمْ ذَلِكَ وتَفَطَّنْ لَهُ.
وتَأْيِيدُ أبِي السُّعُودِ نُزُولَها في المُسْلِمِينَ بِما أطالَ فِيهِ ذُهُولٌ عَنْ سِباقِ الآيَةِ وعَنْ سِياقِها، فِيما صَدَعَتْ فِيهِ مِن شَدِيدِ التَّهْوِيلِ، وعَنْ لاحِقِها في دَرَجاتِ التَّفْضِيلِ، وقَصْرِ الفَوْزِ والرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ.
لَطِيفَةٌ:
لا يَخْفى أنَّ السِّقايَةَ والعِمارَةَ مَصْدَرانِ لا يُتَصَوَّرُ تَشْبِيهُهُما بِالأعْيانِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ في أحَدِ الجانِبَيْنِ، أيْ: أجَعَلْتُمْ أهْلَهُما كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ. . . إلَخْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ (سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ) أوْ: أجَعَلْتُمُوها كَإيمانِ مَن آمَنَ. . إلَخْ.
قالَ أبُو البَقاءِ: الجُمْهُورُ عَلى (سِقايَةٍ) بِالياءِ، وصَحَّتِ الياءُ لَمّا كانَتْ بَعْدَها تاءُ التَّأْنِيثِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى مَراتِبَ فَضْلِ المُؤْمِنِينَ، إثْرَ بَيانِ عَدَمِ الِاسْتِواءِ وضَلالِ المُشْرِكِينَ وظُلْمِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
9:20Page 189
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠
The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allāh with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allāh. And it is those who are the attainers [of success].
(p-٣٠٩٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٠ ] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ .
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ، وهم وإنْ يَكُنْ لَهم دَرَجَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، جاءَ عَلى زَعْمِهِمْ ومَدْعاهم. قالَهُ في (" العِنايَةِ ") .
﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ أيْ: لا أنْتُمْ. أيِ: المُخْتَصُّونَ بِالفَوْزِ دُونَكم.
9:21Page 190
يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١
Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ ] ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾
9:22Page 190
خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٢
[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allāh has with Him a great reward.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٢ ] ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ثُمَّ نَهاهم تَعالى عَنْ مُوالاةِ المُشْرِكِينَ، وإنْ كانُوا أقْرَبَ الأقْرَبِينَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
9:23Page 190
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣
O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٣ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ﴾ أيْ: بِطانَةً وأصْدِقاءَ، تُفْشُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَكم، وتَمْدَحُونَهم وتَذُبُّونَ عَنْهم ﴿إنِ اسْتَحَبُّوا﴾ أيِ: اخْتارُوا: ﴿الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (p-٣٠٩١)أيْ: لِوَصْفِهِمُ المُوالاةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، ولِتَعَدِّيهِمْ وتَجاوُزِهِمْ عَمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ مُقْتَضى الإيمانِ تَرْكُ المَيْلِ الطَّبِيعِيِّ إذا كانَ مانِعًا مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ، ومَحَبَّةِ واسِطَةِ الوُصُولِ إلَيْهِ، ومَحَبَّةِ ما يُعْلِي دِينَهُ بِقَوْلِهِ:
9:24Page 190
قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤
Say, [O Muḥammad], "If your fathers, your sons, your brothers, your wives, your relatives, wealth which you have obtained, commerce wherein you fear decline, and dwellings with which you are pleased are more beloved to you than Allāh and His Messenger and jihād [i.e., striving] in His cause, then wait until Allāh executes His command. And Allāh does not guide the defiantly disobedient people."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٤ ] ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾
﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكُمْ﴾ أيْ: أقارِبُكُمُ الأدْنَوْنَ، أوْ قَبِيلَتُكم.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: عَشِيرَةُ الرَّجُلِ بَنُو أبِيهِ الأدْنَوْنَ، أوْ قَبِيلَتُهُ، كالعَشِيرِ - بِلا هاءٍ - مَأْخُوذَةٌ مِنَ (العِشْرَةِ)، أيِ: المُعاشَرَةِ، لِأنَّها مِن شَأْنِهِمْ، أوْ مِنَ (العَشَرَةِ) الَّذِي هو العَدَدُ لِكَمالِهِمْ، لِأنَّها عَدَدٌ كامِلٌ ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ أيِ: اكْتَسَبْتُمُوها ﴿وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ أيْ: فَواتَ وقْتِ نَفادَها بِفِراقِكم لَها.
﴿ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ أيْ: مَنازِلُ تُعْجِبُكُمُ الإقامَةُ فِيها مِنَ الدُّورِ والبَساتِينِ ﴿أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: المُنْعِمِ بِالكُلِّ ﴿ورَسُولِهِ﴾ وهو واسِطَةُ نِعَمِهِ ﴿وجِهادٍ في سَبِيلِهِ﴾ أيْ: مِمّا يُعْلِي دِينَهُ ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أيِ: انْتَظَرُوا: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ أيْ: بِقَضائِهِ، وهو عَذابٌ عاجِلٌ، أوْ عِقابٌ آجِلٌ، أوْ فَتْحُ مَكَّةَ، وهَذا أمْرُ تَهْدِيدٍ وتَخْوِيفٍ. أيْ: فارْتَقِبُوا قَهْرَ اللَّهِ بِدَعْوى مَحَبَّتِهِ بِالإيمانِ، وتَكْذِيبِها بِتَرْجِيحِ مَحَبَّةِ غَيْرِهِ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ في مُوالاةِ المُشْرِكِينَ والمُؤْثِرِينَ لِما ذُكِرَ عَلى رِضاهُ تَعالى.
(p-٣٠٩٢)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ بَعْضُهم: ثَمَرَةُ الآيَتَيْنِ تَحْرِيمُ مُوالاةِ الكُفّارِ، ولَوْ كانُوا أقْرِباءَ، وأنَّها كَبِيرَةٌ لِوَصْفِ مُتَوَلِّيهِمْ بِالظُّلْمِ، ووُجُوبِ الجِهادِ، وإيثارِهِ عَلى كُلِّ هَذِهِ المُشْتَهِياتِ المَعْدُودَةِ طاعَةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ.
الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: الآيَةُ الثّانِيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا وقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ مُصْلِحَةٍ واحِدَةٍ مِن مَصالِحِ الدِّينِ، وبَيْنَ جَمِيعِ مُهِمّاتِ الدُّنْيا، وجَبَ عَلى المُسْلِمِ تَرْجِيحُ الدِّينِ عَلى الدُّنْيا.
الثّالِثُ: في هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ وتَشْدِيدٌ، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ قَلَّما يَخْلُصُ مِنها، فَلِذا قِيلَ إنَّها أشَدُّ آيَةِ نَعْتٍ عَلى النّاسِ كَما فَصَّلَهُ في (" الكَشّافِ ") بِقَوْلِهِ:
وهَذِهِ آيَةٌ شَدِيدَةٌ لا تَرى أشَدَّ مِنها، كَأنَّها تَنْعِي عَلى النّاسِ ما هم عَلَيْهِ مِن رَخاوَةِ عَقْدِ الدِّينِ، واضْطِرابِ حَبْلِ اليَقِينِ فَلْيُنْصِفْ أوْرَعُ النّاسِ وأتْقاهم مِن نَفْسِهِ، هَلْ يَجِدُ عِنْدَهُ مِنَ التَّصَلُّبِ في ذاتِ اللَّهِ، والثَّباتِ عَلى دِينِ اللَّهِ، ما يُسْتَحَبُّ لَهُ دِينُهُ عَلى الآباءِ والأبْناءِ والأخَواتِ، والعَشائِرِ والمالِ والمَساكِنِ وجَمِيعِ حُظُوظِ الدُّنْيا، ويَتَجَرَّدُ مِنها لِأجْلِهِ ؟ أمْ يَزْوِي اللَّهُ عَنْهُ أحْقَرَ شَيْءٍ مِنها لِمَصْلَحَتِهِ فَلا يَدْرِي أيَّ طَرَفَيْهِ أطْوَلَ ؟ ويَغْوِيهِ الشَّيْطانُ عَنْ أجَلِّ حَظٍّ مِن حُظُوظِ الدِّينِ، فَلا يُبالِي كَأنَّما وقَعَ عَلى أنْفِهِ ذُبابٌ فَطَيَّرَهُ ؟ !
وقَوْلُهُ تَعالى:
9:25Page 190
لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ ٢٥
Allāh has already given you victory in many regions and [even] on the day of Ḥunayn, when your great number pleased you, but it did not avail you at all, and the earth was confining for you with [i.e., in spite of] its vastness; then you turned back, fleeing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٥ ] ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ .
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ أيْ: في مَواقِفِ حُرُوبٍ كَثِيرَةٍ، ووَقَعاتٍ شَهِيرَةٍ، كَغَزْوَةِ بَدْرٍ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ والحُدَيْبِيَةِ وخَيْبَرَ وفَتْحِ مَكَّةَ، وكانَتْ غَزَواتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-٣٠٩٣)عَلى ما ذُكِرَ في الصَّحِيحَيْنِ - مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، زادَ بُرَيْدَةُ في حَدِيثِ: قاتَلَ في ثَمانٍ مِنهُنَّ ويُقالُ: إنَّ جَمِيعَ غَزَواتِهِ وسَراياهُ وبُعُوثَهُ سَبْعُونَ، وقِيلَ ثَمانُونَ.
﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ أيْ: فاعْتَمَدْتُمْ عَلَيْها، حَيْثُ قُلْتُمْ: لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ: ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾ أيْ: مِن أمْرِ العَدُوِّ مَعَ قِلَّتِهِمْ، ﴿وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ أيْ: بِرَحَبِها وسِعَتِها.
والباءُ لِلْمُلابَسَةِ والمُصاحَبَةِ، أيْ: ضاقَتْ مَعَ سِعَتِها، عَلَيْكم، وهو اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، إمّا لِعَدَمِ وِجْدانِ مَكانٍ يُقِرُّونَ بِهِ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ مِن شِدَّةِ الرُّعْبِ، أوْ أنَّهم لا يَجْلِسُونَ في مَكانٍ، كَما لا يَجْلِسُ في المَكانِ الضَّيِّقِ ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: مُنْهَزِمِينَ.
9:26Page 190
ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦
Then Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and sent down soldiers [i.e., angels] whom you did not see and punished those who disbelieved. And that is the recompense of the disbelievers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢٦ ] ﴿ثُمَّ أنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْـزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ .
﴿ثُمَّ أنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أيْ: ما تَسْكُنُونَ بِهِ، وتَثْبُتُونَ مِن رَحْمَتِهِ ونَصْرِهِ، وانْهِزامِ الكُفّارِ، واطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ لِلْكَرِّ بَعْدَ الفَرِّ ﴿عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ انْهَزَمُوا، وإعادَةُ الجارِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِلافِ حالَيْهِما، أوِ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يَفِرُّوا، أوْ عَلى الكُلِّ، وهو الأنْسَبُ.
ولا ضَيْرَ في تَحْقِيقِ أصْلِ السَّكِينَةِ في الثّابِتِينَ مِن قَبْلُ، والتَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الإيمانِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَةِ الإنْزالِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
﴿وأنْـزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿وعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِالقَتْلِ والأسْرِ والسَّبْيِ ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ لِكُفْرِهِمْ في الدُّنْيا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences