Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:63–73
9:63Page 197
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدٗا فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡخِزۡيُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٣
Do they not know that whoever opposes Allāh and His Messenger - that for him is the fire of Hell, wherein he will abide eternally? That is the great disgrace.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٣ ] ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ .
﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ أيْ: أُولَئِكَ المُنافِقُونَ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ عَلى ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظِيمَةِ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِسُوءِ عاقِبَتِها.
وقُرِئَ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ، لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ أيْ: ألَمْ يَعْلَمُوا بِما سَمِعُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن فُنُونِ القَوارِعِ والإنْذاراتِ ﴿أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها﴾ أيْ: مَن يُخالِفِ اللَّهَ ورَسُولَهُ.
قالَ اللَّيْثُ: حادَدْتُهُ أيْ: خالَفْتُهُ، والمُحادَدَةُ كالمُجانَبَةِ والمُعاداةِ والمُخالَفَةِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ (الحَدِّ)، (p-٣١٩٢)بِمَعْنى الجِهَةِ والجانِبِ، كَما أنَّ المُشاقَّةَ مِنَ (الشِّقِّ) بِمَعْناهُ أيْضًا، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَخالِفَيْنِ والمُتَعادِيَيْنِ في حَدٍّ وشِقٍّ، غَيْرَ ما عَلَيْهِ صاحِبُهُ.
فَمَعْنى: ﴿يُحادِدِ اللَّهَ﴾ يَصِيرُ في حَدٍّ غَيْرِ حَدٍّ أوْلِياءِ اللَّهِ، بِالمُخالَفَةِ.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُحادَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحَدِيدِ، حَدِيدِ السِّلاحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ أيِ: الذُّلُّ والهَوانُ الدّائِمُ. وقَوْلُهُ تَعالى:
9:64Page 197
يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ ٦٤
The hypocrites are apprehensive lest a sūrah be revealed about them, informing them of1 what is in their hearts. Say, "Mock [as you wish]; indeed, Allāh will expose that which you fear."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٤ ] ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ .
﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: في شَأْنِهِمْ، فَإنَّ ما نَزَلَ في حَقِّهِمْ، نازِلٌ عَلَيْهِمْ (سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ) أيْ: مِنَ الأسْرارِ الخَفِيَّةِ، فَضْلًا عَمّا كانُوا يُظْهِرُونَهُ فِيما بَيْنَهم مِن أقاوِيلِ الكُفْرِ والنِّفاقِ.
ومَعْنى تَنْبِئَتِها إيّاهم بِما في قُلُوبِهِمْ، مَعَ أنَّهُ مَعْلُومٌ لَهم، وأنَّ المَحْذُورَ عِنْدَهُمُ اطِّلاعُ المُؤْمِنِينَ عَلى أسْرارِهِمْ، لا اطِّلاعَ أنْفُسِهِمْ عَلَيْها أنَّها تُذِيعُ ما كانُوا يُخْفُونَهُ مِن أسْرارِهِمْ، فَتَنْتَشِرُ فِيما بَيْنَ النّاسِ، فَيَسْمَعُونَها مِن أفْواهِ الرِّجالِ مُذاعَةً، فَكَأنَّها تُخْبِرُهم بِها.
والمُرادُ بِالتَّنْبِئَةِ المُبالَغَةُ في كَوْنِ السُّورَةِ مُشْتَمِلَةً عَلى أسْرارِهِمْ، كَأنَّها تَعْلَمُ مِن أحْوالِهِمُ الباطِنَةِ ما لا يَعْلَمُونَهُ، فَتُنْبِئُهم بِها، وتَنْعِي عَلَيْهِمْ قَبائِحَهم.
وقِيلَ: مَعْنى (يَحْذَرُ لِيَحْذَرَ)، وقِيلَ: الضَّمِيرانِ الأوَّلانِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والثّالِثُ لِلْمُنافِقِينَ، ولا يُبالِي بِالتَّفْكِيكِ عِنْدَ ظُهُورِ الأمْرِ بِعَوْدِ المَعْنى إلَيْهِ، أيْ: يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلى المُؤْمِنِينَ سُورَةٌ تُخْبِرُهم بِما في قُلُوبِ المُنافِقِينَ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
فَإنْ فُلْتَ: المُنافِقُ كافِرٌ، فَكَيْفَ يَحْذَرُ نُزُولَ الوَحْيِ عَلى الرَّسُولِ ؟ أُجِيبُ: بِأنَّ القَوْمَ، وإنْ كانُوا كافِرِينَ بِدِينِ الرَّسُولِ، إلّا أنَّهم شاهَدُوا أنَّهُ ﷺ كانَ يُخْبِرُهم بِما يَكْتُمُونَهُ، فَلِهَذِهِ التَّجْرِبَةِ وقَعَ الحَذَرُ والخَوْفُ في قُلُوبِهِمْ.
(p-٣١٩٣)وقالَ الأصَمُّ: إنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ كَوْنَهُ رَسُولًا صادِقًا مِنَ اللَّهِ، إلّا أنَّهم كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا وعِنادًا.
وتَعَقَّبَهُ القاضِي بِأنْ يَبْعُدَ في العالِمِ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ وصِحَّةِ دِينِهِ، أنْ يَكُونَ مُحادًّا لَهُما. لَكِنْ قالَ الرّازِيُّ: هو غَيْرُ بَعِيدٍ، لِأنَّ الحَسَدَ إذا قَوِيَ في القَلْبِ، صارَ بِحَيْثُ يُنازَعُ في المَحْسُوساتِ. انْتَهى.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: هَذا حَذَرٌ أظْهَرَهُ المُنافِقُونَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ حِينَ رَأوُا الرَّسُولَ ﷺ يَذْكُرُ كُلَّ شَيْءٍ، ويَدَّعِي أنَّهُ عَنِ الوَحْيِ، وكانَ المُنافِقُونَ يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ فِيما بَيْنَهم، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ يُعْلِمَهم أنَّهُ يُظْهِرُ سِرَّهُمُ الَّذِي حَذِرُوا ظُهُورَهُ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ أيْ: بِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ، أوِ افْعَلُوا الِاسْتِهْزاءَ، وهو أمْرُ تَهْدِيدٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ أيْ: مُظْهِرٌ بِالوَحْيِ ما تَحْذَرُونَ خُرُوجَهُ مِن إنْزالِ السُّورَةِ، ومِن مَثالِبِكم ومَخازِيكُمُ المُسْتَكِنَّةِ في قُلُوبِكُمُ الفاضِحَةِ لَكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ [محمد: ٢٩] إلى قَوْلِهِ:
﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] ولِهَذا قالَ قَتادَةُ: كانَتْ تُسَمّى هَذِهِ السُّورَةُ (الفاضِحَةَ)، فاضِحَةً لِلْمُنافِقِينَ.
9:65Page 197
وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ ٦٥
And if you ask them, they will surely say, "We were only conversing and playing." Say, "Is it Allāh and His verses and His Messenger that you were mocking?"
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٥ ] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيْ: عَنْ إتْيانِهِمْ بِتِلْكَ القَبائِحِ المُتَضَمِّنَةِ لِلِاسْتِهْزاءِ بِما ذُكِرَ، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ أيْ: في الِاعْتِذارِ، إنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنِ القَلْبِ حَتّى يَكُونَ نِفاقًا وكُفْرًا بَلْ: ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ﴾ أيْ: نَدْخُلُ هَذا الكَلامَ لِتَرْوِيحِ النَّفْسِ ﴿ونَلْعَبُ﴾ أيْ: نَمْزَحُ ﴿قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: في تَرْوِيحِكم ومِزاحِكم، ولَمْ تَجِدُوا لَهُما كَلامًا آخَرَ.
9:66Page 197
لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٦٦
Make no excuse; you have disbelieved [i.e., rejected faith] after your belief. If We pardon one faction of you - We will punish another faction because they were criminals.
(p-٣١٩٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٦ ] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ .
﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ أيْ: لا تَشْتَغِلُوا بِاعْتِذاراتِكُمُ الكاذِبَةِ، فالنَّهْيُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِهِ وإدامَتِهِ إذْ أصْلُهُ وقَعَ ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بِإيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ والطَّعْنِ فِيهِ وبِاسْتِهْزائِكم بِمَقالِكم ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ إظْهارِكُمُ الإيمانَ.
تَنْبِيهٌ:
قالَ في (" الإكْلِيلِ "): قالَ إلْكِيا: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللّاعِبَ والجادَّ في إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ سَواءٌ، وأنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِآياتِ اللَّهِ كُفْرٌ - انْتَهى - .
قالَ الرّازِيُّ: لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِخْفافِ، والعُمْدَةُ الكُبْرى في الإيمانِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعالى بِأقْصى الإمْكانِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ.
وقالَ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (" المِلَلِ "): كُلُّ ما فِيهِ كُفْرٌ بِالبارِئِ تَعالى، واسْتِخْفافٌ بِهِ، أوْ بِنَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ، أوْ بِمَلَكٍ مِن مَلائِكَتِهِ، أوْ بِآيَةٍ مِن آياتِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلا يَحِلُّ سَماعُهُ، ولا النُّطْقُ بِهِ، ولا يَحِلُّ الجُلُوسُ حَيْثُ يُلْفَظُ بِهِ. ثُمَّ ساقَ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ أيْ: لِتَوْبَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ، أوْ تَجَنُّبِهِمْ عَنِ الإيذاءِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ، أوْ مُقْدِمِينَ عَلى الإيذاءِ والِاسْتِهْزاءِ.
تَنْبِيهٌ:
رُوِيَ في صِفَةِ اسْتِهْزاءِ المُنافِقِينَ رِواياتٌ عِدَّةٌ: قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ رَهْطٌ مِنَ المُنافِقِينَ مِنهم ودِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ، أخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ (p-٣١٩٥)عَوْفٍ، ومِنهم رَجُلٌ مِن أشْجَعَ حَلِيفٌ لِبَنِي سَلَمَةَ يُقالُ لَهُ مُخَشِّنُ بْنُ حُمَيِّرٍ، (ويُقالُ مَخْشِيٌّ)، يُشِيرُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُنْطَلِقٌ إلى تَبُوكَ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَحْسَبُونَ جِلادَ بَنِي الأصْفَرِ كَقِتالِ العَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. واللَّهِ ! لَكَأنّا بِكم غَدًا مُقَرَّنِينَ في الحِبالِ، إرْجافًا وتَرْهِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقالَ مُخَشِّنُ بْنُ حُمَيِّرٍ: واللَّهِ ! لَوَدِدْتُ أنْ أُقاضى عَلى أنْ يُضْرَبَ كُلٌّ مِنّا مِائَةَ جَلْدَةٍ، وأنّا نَتَقَلَّبُ أنْ يَنْزِلَ فِينا قُرْآنٌ، لِمَقالَتِكم هَذِهِ، وقَدْ «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيما بَلَغَنِي لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ: «أدْرِكِ القَوْمَ، فَإنَّهم قَدِ احْتَرَقُوا، فَسَلْهم عَمّا قالُوا، فَإنْ أنْكَرُوا فَقُلْ: بَلى ! قُلْتُمْ: كَذا وكَذا» . فانْطَلَقَ إلَيْهِمْ عَمّارٌ، فَقالَ ذَلِكَ لَهم، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ، فَقالَ ودِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ - ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ واقِفٌ عَلى ناقَتِهِ -: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]»
وقالَ مُخَشِّنُ بْنُ حُمَيِّرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! قَعَدَ بِي اسْمِي واسْمُ أبِي، وكانَ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ مُخَشِّنَ، فَتَسَمّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَقْتُلَهُ شَهِيدًا لا يُعْلَمُ بِمَكانِهِ فَقُتِلَ بِيَوْمِ اليَمامَةِ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أثَرٌ انْتَهى.
وقالَ عِكْرِمَةُ: مِمَّنْ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَفا عَنْهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْمَعُ آيَةً أنا أُعْنى بِها، تَقْشَعِرُّ مِنها الجُلُودُ، وتَوْجَلُ مِنها القُلُوبُ، اللَّهُمَّ فاجْعَلْ وفاتِي قَتِيلًا في سَبِيلِكَ، لا يَقُولُ أحَدٌ: أنا غَسَّلْتُ، أنا كَفَّنْتُ، أنا دَفَنْتُ.
قالَ: فَأُصِيبَ يَوْمَ اليَمامَةِ، فَما مِن أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ إلّا وقَدْ وُجِدَ غَيْرَهُ.
ومِمّا رُوِيَ في اسْتِهْزائِهِمْ «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: ما رَأيْتُ مِثْلَ قُرّائِنا هَؤُلاءِ، أرْغَبَ بُطُونًا، ولا أكْذَبَ ألْسُنًا، ولا أجْبَنَ عِنْدَ اللِّقاءِ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجاءَ إلى النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدِ ارْتَحَلَ ورَكِبَ ناقَتَهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ، فَقالَ: ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] الآيَةَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِسَيْفِ الرَّسُولِ، وما يَلْتَفِتُ إلَيْهِ ﷺ».
(p-٣١٩٦)قالَ الزَّجّاجُ: (الطّائِفَةُ) في اللُّغَةِ أصْلُها الجَماعَةُ، لِأنَّها المِقْدارُ الَّذِي يُمْكِنُها أنْ تُطِيفَ بِالشَّيْءِ، ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يُسَمّى الواحِدُ بِالطّائِفَةِ. انْتَهى.
وإيقاعُ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:
9:67Page 197
ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٦٧
The hypocrite men and hypocrite women are of one another. They enjoin what is wrong and forbid what is right and close their hands.1 They have forgotten Allāh, so He has forgotten them [accordingly]. Indeed, the hypocrites - it is they who are the defiantly disobedient.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٧ ] ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ .
﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ أيْ: مُتَشابِهُونَ في النِّفاقِ والبُعْدِ عَنِ الإيمانِ، كَتَشابُهِ أبْعاضِ الشَّيْءِ الواحِدِ. والمُرادُ الِاتِّحادُ في الحَقِيقَةِ والصِّفَةِ. فَمِنِ اتِّصالِيَّةٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُرِيدَ بِهِ نَفْيُ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، وتَكْذِيبُهم في قَوْلِهِمْ ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم، وتَقْرِيرُ قَوْلِهِ: وما هم مِنكم، ثُمَّ وصَفَهم بِما يَدُلُّ عَلى مُضادَّةِ حالِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ كالكُفْرِ والمَعاصِي، ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ كالإيمانِ والطّاعاتِ: ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ: بُخْلًا بِالمَبَرّاتِ، والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّ قَبْضَ اليَدِ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ والبُخْلِ، كَما أنَّ بَسْطَها كِنايَةٌ عَنِ الجُودِ، لِأنَّ مَن يُعْطِي يَمُدُّ يَدَهُ، بِخِلافِ مَن يَمْنَعُ ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ أيْ: أغْفَلُوا ذِكْرَهُ وطاعَتَهُ، فَتَرَكَهم مِن رَحْمَتِهِ وفَضْلِهِ.
قالَ الشِّهابُ: مَعْنى: (نَسُوا اللَّهَ) أنَّهم لا يَذْكُرُونَهُ ولا يُطِيعُونَهُ، لِأنَّ الذِّكْرَ لَهُ مُسْتَلْزِمٌ لِإطاعَتِهِ، فَجَعَلَ النِّسْيانَ مَجازًا عَنِ التَّرْكِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِ الطّاعَةِ، ونِسْيانُ اللَّهِ مَنعُ لُطْفِهِ وفَضْلِهِ عَنْهم.
(p-٣١٩٧)قالَ النِّحْرِيرُ: جَعَلَ النِّسْيانَ مَجازًا لِاسْتِحالَةِ حَقِيقَتِهِ عَلَيْهِ تَعالى، وامْتِناعِ المُؤاخَذَةِ عَلى نِسْيانِ البَشَرِ.
﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيِ: الكامِلُونَ في الفِسْقِ، الَّذِي هو التَّمَرُّدُ في الكُفْرِ، والِانْسِلاخُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ.
وكَفى المُسْلِمَ زاجِرًا أنَّ يُلِمَّ بِما يُكْسِبُهُ هَذا الِاسْمُ الفاحِشُ الَّذِي وصَفَ اللَّهُ بِهِ المُنافِقِينَ حِينَ بالَغَ في ذَمِّهِمْ، وإذا كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُسْلِمِ أنْ يَقُولَ: كَسِلْتُ، لِأنَّ المُنافِقِينَ وُصِفُوا بِالكَسَلِ في قَوْلِهِ: (كُسالى) فَما ظَنُّكَ بِالفِسْقِ ؟ أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
9:68Page 197
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٦٨
Allāh has promised the hypocrite men and hypocrite women and the disbelievers the fire of Hell, wherein they will abide eternally. It is sufficient for them. And Allāh has cursed them, and for them is an enduring punishment.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٨ ] ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ .
﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهُمْ﴾ أيْ: عِقابًا وجَزاءً: ﴿ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: لا يَنْقَطِعُ.
9:69Page 198
كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٩
[You disbelievers are] like those before you; they were stronger than you in power and more abundant in wealth and children. They enjoyed their portion [of worldly enjoyment], and you have enjoyed your portion as those before you enjoyed their portion, and you have engaged [in vanities] like that in which they engaged. [It is] those whose deeds have become worthless in this world and in the Hereafter, and it is they who are the losers.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦٩ ] ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .
﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: أنْتُمْ مَثَلُ الَّذِينَ أوْ فَعَلْتُمْ مِثْلَهم، أيْ: مِمَّنْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ (p-٣١٩٨)ثُمَّ عُذِّبُوا، والِالتِفاتُ مِنَ الغِيبَةِ إلى الخِطابِ لِلتَّشْدِيدِ ﴿كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ في أنْفُسِهِمْ ﴿وأكْثَرَ أمْوالا﴾ أيْ: تُفِيدُهم مَزِيدَ قُوَّةٍ، ومَنافِعَ جَمَّةً ﴿وأوْلادًا﴾ أيْ: تُفِيدُهم مَزِيدَ قُوَّةٍ لا تَفُوتُ بِفَواتِ المالِ، ومَنافِعَ أُخَرَ ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ أيِ: انْتَفَعُوا بِنَصِيبِهِمْ، ثُمَّ أعْطاكم أيُّها المُنافِقُونَ أقَلَّ مِمّا أعْطاهم ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ أيْ: دَخَلْتُمْ في الباطِلِ، كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوهُ، أوْ كالفَوْجِ الَّذِي خاضُوا ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ: لَمْ يَسْتَحِقُّوا عَلَيْها ثَوابًا في الدّارَيْنِ، أمّا في الآخِرَةِ فَظاهِرٌ، وأمّا في الدُّنْيا فَما لَهم مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ خَسِرُوا الدّارَيْنِ.
رَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لَتَّتَبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بِذِراعٍ، وباعًا بِباعٍ، حَتّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ» . قالُوا: ومَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ أهْلُ الكِتابِ ؟ قالَ: «فَمَن ؟» وفي رِوايَةٍ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ:
«اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمُ القُرْآنَ»: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآيَةَ - قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: الخَلاقُ: الدِّينُ - قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ! كَما صَنَعَتْ فارِسُ والرُّومُ ؟ قالَ: «فَهَلِ النّاسُ إلّا هم» ؟» وهَذا الحَدِيثُ لَهُ شاهِدٌ في الصَّحِيحِ - أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ - .
لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: أيُّ فائِدَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ ؟ وقَوْلُهُ: ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ مُغْنٍ مِنهُ، كَما أغْنى قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ عَنْ (p-٣١٩٩)أنْ يُقالَ: وخاضُوا فَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا ؟ قُلْتُ: فائِدَتُهُ أنْ يَذُمَّ الأوَّلِينَ بِالِاسْتِمْتاعِ بِما أُوتُوا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، ورِضاهم بِها، والتِهائِهِمْ بِشَهَواتِهِمُ الفانِيَةِ عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ، وطَلَبِ الفَلاحِ في الآخِرَةِ، وأنْ يُخَسِّسَ أمْرَ الِاسْتِمْتاعِ، ويُهَجِّنَ أمْرَ الرّاضِي بِهِ، ثُمَّ يُشَبِّهُ بَعْدَ ذَلِكَ حالَ المُخاطَبِينَ بِحالِهِمْ، كَما تُرِيدُ أنَّ تَنَبِّهَ بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلى سَماحَةِ فِعْلِهِ فَتَقُولُ: أنْتَ مِثْلُ فِرْعَوْنَ، كانَ يَقْتُلُ بِغَيْرِ جُرْمٍ، ويُعَذِّبُ ويَعْسِفُ، وأنْتَ تَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِ. وأمّا: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ فَمَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مُسْتَنِدٌ إلَيْهِ، مُسْتَغْنٍ بِاسْتِنادِهِ إلَيْهِ، عَنْ تِلْكَ التَّقْدِمَةِ.
ثُمَّ وعَظَ تَعالى المُنافِقِينَ بِقَوْلِهِ:
9:70Page 198
أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٧٠
Has there not reached them the news of those before them - the people of Noah and [the tribes of] ʿAad and Thamūd and the people of Abraham and the companions [i.e., dwellers] of Madyan and the towns overturned?1 Their messengers came to them with clear proofs. And Allāh would never have wronged them, but they were wronging themselves.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٠ ] ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ .
﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ﴾ أيْ: بِطَرِيقِ التَّواتُرِ ﴿نَبَأُ﴾ أيْ: خَبَرُ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهو إهْلاكُهم بَعْدَ تَنْعِيمِهِمْ لِكُفْرِهِمْ ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِنِعَمٍ، مِنها تَطْوِيلُ أعْمارِهِمْ، ثُمَّ أُهْلِكُوا بِالطُّوفانِ ﴿وعادٍ﴾ قَوْمِ هُودٍ، أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِنِعَمٍ مِنها مَزِيدُ قُوَّتِهِمْ، ثُمَّ أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ ﴿وثَمُودَ﴾ قَوْمِ صالِحٍ، أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِنِعَمٍ، مِنها القُصُورُ، ثُمَّ أُهْلِكُوا بِالرَّجْفَةِ ﴿وقَوْمِ إبْراهِيمَ﴾ أُهْلِكُوا بِالهَدْمِ - كَذا في (" التَّنْوِيرِ ") .
وقالَ المَهايِمِيُّ: أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِنِعَمٍ مِنها عِظَمُ المُلْكِ، ثُمَّ أهْلَكَ مَلِكَهم نَمْرُودَ بِالبَعُوضِ الدّاخِلِ في أنْفِهِ ﴿وأصْحابِ مَدْيَنَ﴾ قَوْمِ شُعَيْبٍ، أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِنِعَمٍ، مِنها التِّجارَةُ، ثُمَّ أهْلَكَهم بِإفاضَةِ النّارِ عَلَيْهِمْ ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ قُرَيّاتِ قَوْمِ لُوطٍ، ائْتَفَكَتْ بِهِمْ، أيِ: انْقَلَبَتْ بِهِمْ، فَصارَ عالِيها سافِلَها، وأُمْطِرُوا حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ.
(p-٣٢٠٠)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ نَبَئِهِمْ، أنْ جاءَتْهم بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى رِسالَتِهِمْ ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ: بِإهْلاكِهِ إيّاهم، لِأنَّهُ أقامَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ، بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإزاحَةِ العِلَلِ.
والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، أيْ: فَكَذَّبَهم فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَما ظَلَمَهم بِذَلِكَ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وتَرْكِ شُكْرِهِ تَعالى، وصَرْفِهِمْ نِعَمَهُ إلى غَيْرِهِ ما أعْطاهم إيّاهم لِأجْلِهِ، فاسْتَحَقُّوا ذَلِكَ العَذابَ.
9:71Page 198
وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٧١
The believing men and believing women are allies of one another. They enjoin what is right and forbid what is wrong and establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. Those - Allāh will have mercy upon them. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧١ ] ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ في المُنافِقِينَ، ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ أيْ: فَلا يَزالُونَ يَذْكُرُونَهُ تَعالى، فَهو في مُقابَلَةِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ [التوبة: ٦٧]
﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ بِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: في كُلِّ أمْرٍ ونَهْيٍ، وهو بِمُقابَلَةِ وصْفِ المُنافِقِينَ، بِكَمالِ الفِسْقِ والخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
9:72Page 198
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٧٢
Allāh has promised the believing men and believing women gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence; but approval from Allāh is greater. It is that which is the great attainment.
(p-٣٢٠١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٢ ] ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ شَجَرِها ومَسْكَنِها أنْهارُ الخَمْرِ والماءِ والعَسَلِ واللَّبَنِ ﴿خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ أيْ: مَنازِلَ حَسَنَةً تَسْتَطِيبُها النُّفُوسُ أوْ يَطِيبُ فِيها العَيْشُ، ﴿فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ أيْ: إقامَةٌ وثَباتٌ ويُقالُ: ﴿عَدْنٍ﴾ عَلَمٌ لِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ في الجَنَّةِ، لِآثارٍ فِيهِ، ولَمّا كانَ ﴿ومَساكِنَ﴾ مَعْطُوفًا عَلى: (جَنّاتٍ)، قِيلَ: إنَّ المُتَعاطِفَيْنِ إمّا أنْ يَتَغايَرا بِالذّاتِ، فَيَكُونُوا وُعِدُوا بِشَيْئَيْنِ، وهُما الجَنّاتُ بِمَعْنى البَساتِينِ ومَساكِنَ في الجَنَّةِ، فَلِكُلِّ أحَدٍ جَنَّةٌ ومَسْكَنٌ، أوِ الجَنّاتُ المَقْصُودُ بِها غَيْرُ عَدْنٍ، وهي لِعامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وعَدْنٌ لِلنَّبِيِّينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والشُّهَداءِ والصِّدِّيقِينَ، وإمّا أنْ يَتَّحِدا ذاتًا ويَتَغايَرا صِفَةً، فَيُنْزِلُ التَّغايُرُ الثّانِي مَنزِلَةَ الأوَّلِ، ويُعْطَفُ عَلَيْهِ، فَكُلٌّ مِنهُما عامٌّ، ولَكِنَّ الأوَّلَ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلى الأنْهارِ والبَساتِينِ، والثّانِي بِاعْتِبارِ الدُّورِ والمَنازِلِ.
قالَ القاضِي: فَكَأنَّهُ وصَفَ المَوْعُودَ أوَّلًا بِأنَّهُ مِن جِنْسِ ما هو أبْهى الأماكِنِ الَّتِي يَعْرِفُونَها لِتَمِيلَ إلَيْهِ طِباعُهم، أوَّلَ ما يَقْرَعُ أسْماعَهم، ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّهُ مَحْفُوفٌ بِطِيبِ العَيْشِ، مُعَرًّى مِن شَوائِبِ الكُدُوراتِ الَّتِي لا تَخْلُو عَنْ شَيْءٍ مِنها أماكِنُ الدُّنْيا، وفِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ.
ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّهُ دارُ إقامَةٍ وثَباتٍ في جِوارِ العِلِّيِّينَ، لا يَعْتَرِيهِمْ فِيها فَناءٌ ولا تَغَيُّرٌ، ثُمَّ وعَدَهم بِما هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ إذْ عَلَيْهِ يَدُورُ فَوْزُ كُلِّ خَيْرٍ وسَعادَةٍ، وبِهِ يُناطُ نَيْلُ كُلِّ شَرَفٍ وسِيادَةٍ، لَعَلَّ عَدَمَ نَظْمِهِ في (p-٣٢٠٢)سِلْكِ الوَعْدِ مَعَ عِزَّتِهِ في نَفْسِهِ لِأنَّهُ مُتَحَقِّقٌ في ضِمْنِ كُلِّ مَوْعُودٍ، ولِأنَّهُ مُسْتَمِرٌّ في الدّارَيْنِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
وإيثارُ رِضْوانِ اللَّهِ عَلى ما ذُكِرَ إشارَةٌ إلى إفادَةِ أنَّ قَدْرًا يَسِيرًا مِنهُ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ.
وقَدْ رَوى الإمامُ مالِكٌ والشَّيْخانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ لِأهْلِ الجَنَّةِ: «يا أهْلَ الجَنَّةِ ! فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ والخَيْرُ في يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: وما لَنا لا نَرْضى يا رَبِّ؛ وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ ؟ فَيَقُولُ: ألا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُونَ: يا رَبِّ، وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي، فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم بَعْدَهُ أبَدًا»» .
ورَوى المَحامِلِيُّ والبَزّارُ عَنْ جابِرٍ، رَفَعَهُ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: «هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا فَأزِيدُكم ؟ قالُوا: يا رَبَّنا ! ما هو خَيْرٌ مِمّا أعْطَيْتَنا ؟ قالَ: رِضْوانِي أكْبَرُ»» .
﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيْ: لا ما يَعُدُّهُ النّاسُ فَوْزًا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا.
9:73Page 199
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٣
O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧٣ ] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ قِيلَ: مُجاهَدَةُ المُنافِقِينَ بِالحُجَّةِ لا بِالسَّيْفِ.
قالَ في (" العِنايَةِ "): ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي مُقاتَلَةَ المُنافِقِينَ، وهم غَيْرُ مُظْهِرِينَ لِلْكُفْرِ، ونَحْنُ مَأْمُورُونَ بِالظّاهِرِ، فَلِذا فَسَّرَ الآيَةَ السَّلَفُ بِما يَدْفَعُ ذَلِكَ، بِناءً عَلى أنَّ الجِهادَ بَذْلُ الجُهْدِ في دَفْعِ ما لا يَرْضى، سَواءٌ كانَ بِالقِتالِ أوْ بِغَيْرِهِ، وهو إنْ كانَ حَقِيقَةً فَظاهِرٌ، وإلّا (p-٣٢٠٣)حُمِلَ عَلى عُمُومِ المَجازِ، فَجِهادُ الكُفّارِ بِالسَّيْفِ، وجِهادُ المُنافِقِينَ بِإلْزامِهِمُ الحُجَجَ، وإزالَةِ الشُّبَهِ ونَحْوِهِ، أوْ بِإقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، إذا صَدَرَ مِنهم مُوجِبُها، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ.
وقِيلَ عَلَيْهِ بِأنَّ إقامَتَها واجِبَةٌ عَلى غَيْرِهِمْ أيْضًا، وأُجِيبُ بِأنَّها في زَمَنِهِ ﷺ أكْثَرُ ما صَدَرَتْ عَنْهُمُ. انْتَهى.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: هَذِهِ دَعْوى لا بُرْهانَ عَلَيْها، ولَيْسَ العاصِي بِمُنافِقٍ، إنَّما المُنافِقُ بِما يَكُونُ في قَلْبِهِ مِنَ النِّفاقِ كامِنًا، لا بِما تَتَلَبَّسُ بِهِ الجَوارِحُ ظاهِرًا، وأخْبارُ المَحْدُودِينَ يَشْهَدُ سِياقُها أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأرْبَعَةِ أسْيافٍ، سَيْفٌ لِلْمُشْرِكِينَ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وسَيْفٌ لِلْكُفّارِ أهْلِ الكِتابِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ، وسَيْفٌ لِلْمُنافِقِينَ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ وسَيْفٌ لِلْبُغاةِ: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] الآيَةَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم يُجاهَدُونَ بِالسُّيُوفِ إذا أظْهَرُوا النِّفاقَ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ. انْتَهى.
وفِي (" الإكْلِيلِ ") اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ بِقَتْلِ المُنافِقِينَ. انْتَهى.
﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أيِ: اشْدُدْ عَلى كِلا الفَرِيقَيْنِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences