Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:91–100
9:91Page 201
لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩١
There is not upon the weak or upon the ill or upon those who do not find anything to spend any discomfort [i.e., guilt] when they are sincere to Allāh and His Messenger. There is not upon the doers of good any cause [for blame]. And Allāh is Forgiving and Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩١ ] ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ وهُمُ العاجِزُونَ مَعَ الصِّحَّةِ، عَنِ العَدُوِّ، وتَحَمُّلِ المَشاقِّ، كالشَّيْخِ والصَّبِيِّ، والمَرْأةِ والنَّحِيفِ ﴿ولا عَلى المَرْضى﴾ أيِ: العاجِزِينَ بِأمْرٍ عَرَضَ لَهم، كالعَمى والعَرَجِ والزَّمانَةِ ﴿ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: ولا عَلى الأقْوِياءِ والأصِحّاءِ الفُقَراءِ، والعاجِزِينَ عَنِ الإنْفاقِ في السَّفَرِ والسِّلاحِ، ﴿حَرَجٌ﴾ أيْ: إثْمٌ في القُعُودِ، والحَرَجُ أصْلٌ مَعْناهُ الضِّيقُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِلذَّنْبِ، وهو المُرادُ: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ: أخْلَصُوا الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ، فَلَمْ يَرْجُفُوا، ولَمْ يُثِيرُوا الفِتَنَ وأوْصَلُوا الخَيْراتِ لِلْجاهِدِينَ، وقامُوا بِصالِحِ بُيُوتِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ، أيْ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ، ولا إلى مُعاتَبَتِهِمْ سَبِيلٌ، و(مِن) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، ووَضَعَ (المُحْسِنِينَ) مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، لِلدَّلالَةِ عَلى انْتِظامِهِمْ، بِنُصْحِهِمْ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، في سِلْكِ المُحْسِنِينَ، أوْ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ الحَرَجِ عَنْهم، أيْ: ما عَلى جِنْسِ المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ، وهم مِن جُمْلَتِهِمْ أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.
(p-٣٢٣٢)قالَ الشِّهابُ: (لَيْسَ عَلى مُحْسِنٍ سَبِيلٌ)، كَلامٌ جارٍ مَجْرى المَثَلِ، وهو إمّا عامٌّ، ويَدْخُلُ فِيهِ مَن ذُكِرَ، أوْ مَخْصُوصٌ بِهَؤُلاءِ، فالإحْسانُ: النُّصْحُ لِلَّهِ والرَّسُولِ، والإثْمُ المَنفِيُّ إثْمُ التَّخَلُّفِ، فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِما قَبْلَهُ بِعَيْنِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وألْطَفِ سَبْكٍ، وهو مِن بَلِيغِ الكَلامِ، لِأنَّ مَعْناهُ لا سَبِيلَ لِعاتِبٍ عَلَيْهِ، أيْ: لا يَمُرُّ بِهِ العاتِبُ، ويَجُوزُ في أرْضِهِ، فَما أبْعَدَ العِتابَ عَنْهُ ! فَتَفَطَّنْ لِلْبَلاغَةِ القُرْآنِيَّةِ كَما قِيلَ:
؎سُقْيًا لِأيّامِنا الَّتِي سَلَفَتْ إذْ لا يَمُرُّ العَذُولُ في بَلَدِي
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُؤَيِّدٌ لِمَضْمُونِ ما ذُكِرَ، مُشِيرٌ إلى أنَّ بِهِمْ حاجَةً إلى المَغْفِرَةِ، وإنْ كانَ تَخَلُّفُهم بِعُذْرٍ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ ـ.
أيْ: لِأنَّ المَرْءَ لا يَخْلُو مِن تَفْرِيطٍ ما، فَلا يُقالُ إنَّهُ نَفى عَنْهُمُ الإثْمَ أوَّلًا، فَما الِاحْتِياجُ إلى المَغْفِرَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلذَّنْبِ ؟ أفادَهُ الشِّهابُ.
9:92Page 201
وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ٩٢
Nor [is there blame] upon those who, when they came to you for you to take them along, you said, "I can find nothing upon which to carry you."1 They turned back while their eyes overflowed with tears out of grief that they could not find something to spend [for the cause of Allāh].
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٢ ] ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ .
﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى: (المُحْسِنِينَ)، أوْ عَلى (الضُّعَفاءِ) أيْ: لِتُعْطِيَهم ظَهْرًا يَرْكَبُونَهُ إلى الجِهادِ مَعَكَ ﴿قُلْتَ﴾ أيْ: لَهم ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ: إلى الجِهادِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَوَلَّوْا﴾ جَوابُ (إذا)، أيْ: خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ ﴿وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ أيْ: في الحِمْلانِ، فَهَؤُلاءِ وإنْ كانَتْ لَهم قُدْرَةٌ عَلى تَحَمُّلِ المَشاقِّ، فَما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ أيْضًا.
(p-٣٢٣٣)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (" الإكْلِيلِ "): في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ [التوبة: ٩١] إلَخْ رَفْعُ الجِهادِ عَنِ الضَّعِيفِ والمَرِيضِ، ومَن لا يَجِدُ نَفَقَةً ولا أُهْبَةً لِلْجِهادِ ولا مَحْمَلًا. انْتَهى.
وقالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ قاضِيَةٌ بِنَفْيِ الحَرَجِ، وهو الإثْمُ عَلى تَرْكِ الجِهادِ لِهَذِهِ الأعْذارِ، بِشَرْطِ النَّصِيحَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، أيْ: بِأنْ يُرِيدَ لَهم ما يُرِيدُ لِنَفْسِهِ.
- عَنْ أبِي مُسْلِمٍ - .
الثّانِي: قالَ الحاكِمُ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النُّصْحَ في الدِّينِ واجِبٌ، وأنَّهُ يَدْخُلُ في ذَلِكَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، والشَّهاداتُ والأحْكامُ والفَتاوى وبَيانُ الأدِلَّةِ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ الفَرَسِ: يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] عَلى أنَّ قاتِلَ البَهِيمَةِ الصّائِلَةِ لا يَضْمَنُها.
وقالَ بَعْضُ الزَّيْدِيَّةِ: يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْتَوْدِعَ والوَصِيَّ والمُلْتَقِطَ، لا ضَمانَ عَلَيْهِمْ مَعَ عَدَمِ التَّفْرِيطِ، وأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِمُ الرَّدُّ، بِخِلافِ المُسْتَعِيرِ.
الرّابِعُ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ﴾ إلَخْ، عَلى أنَّ العادِمَ لِلنَّفَقَةِ، الطّالِبَ لِلْإعانَةِ، إذا لَمْ تَحْصُلْ لَهُ، فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى المَعُونَةِ إذا بُدِّلَتْ لَهُ مِنَ الإمامِ، لَزِمَهُ الخُرُوجُ.
الخامِسُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ البُكاءِ وإظْهارِ الحُزْنِ عَلى فَواتِ الطّاعَةِ، وإنْ كانَ مَعْذُورًا.
السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ أبْلَغُ مِن يَفِيضُ دَمْعُها، لِأنَّ العَيْنَ جُعِلَتْ كَأنَّ كُلَّها دَمْعٌ فائِضٌ، ومِن لِلْبَيانِ، كَقَوْلِكَ: أفْدِيكَ مِن رَجُلٍ. ومَحَلُّ الجارِّ والمَجْرُورِ النَّصْبُ عَلى التَّمْيِيزِ - أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - .
السّابِعُ: رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «كُنْتُ أكْتُبُ (بَراءَةَ)، فَإنِّي لَواضِعُ القَلَمِ عَلى أُذُنِي، إذْ أمَرَنا بِالقِتالِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ، إذْ جاءَ أعْمى فَقالَ: كَيْفَ بِي يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا أعْمى ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ [التوبة: ٩١] الآيَةَ».
(p-٣٢٣٤)ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمْرَ النّاسِ أنْ يَنْبَعِثُوا غازِينَ مَعَهُ، فَجاءَتْهُ عِصابَةٌ مِن أصْحابِهِ، فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلِ بْنِ مُقَرِّنٍ المُزَنِيُّ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ! احْمِلْنا. فَقالَ لَهم: «واللَّهِ ! لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ» فَتَوَلَّوْا وهم يَبْكُونَ، وعَزَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْلِسُوا عَنِ الجِهادِ، ولا يَجِدُونَ نَفَقَةً ولا مَحْمَلًا، فَلَمّا رَأى اللَّهُ حِرْصَهم عَلى مَحَبَّتِهِ ومَحَبَّةِ رَسُولِهِ، أنْزَلَ عُذْرَهم في كِتابِهِ، فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ [التوبة: ٩١]»
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَقَدْ خَلَّفْتُمْ بِالمَدِينَةِ رِجالًا، ما قَطَعْتُمْ وادِيًا، ولا سَلَكْتُمْ طَرِيقًا، إلّا أشْرَكُوكم في الأجْرِ، حَبَسَهُمُ المَرَضُ»» . ورَواهُ مُسْلِمٌ.
ثُمَّ رَدَّ تَعالى المَلامَةَ عَلى المُسْتَأْذِنِينَ في القُعُودِ وهم أغْنِياءُ، بِقَوْلِهِ:
9:93Page 201
۞ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٩٣
The cause [for blame] is only upon those who ask permission of you while they are rich. They are satisfied to be with those who stay behind, and Allāh has sealed over their hearts, so they do not know.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٣ ] ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ .
﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ أيْ: بِالعِتابِ والعِقابِ ﴿عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وهم أغْنِياءُ﴾ أيْ: قادِرُونَ عَلى تَحْصِيلِ الأُهْبَةِ ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ أيْ: مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ وسائِرِ أصْنافِ العاجِزِينَ، أيْ: رَضُوا بِالدَّناءَةِ والضَّعَةِ والِانْتِظامِ في جُمْلَةِ الخَوالِفِ.
قالَ المَهايِمِيُّ: وهَذا الرِّضا، كَما هو سَبَبُ العِتابِ، فَهو أيْضًا سَبَبُ العِقابِ، لِأنَّهُ لَمّا كانَ عَنْ قِلَّةِ مُبالاتِهِمْ بِاللَّهِ، غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴿وطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المَصائِبِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، أوْ لا يَعْلَمُونَ أمْرَ اللَّهِ فَلا يُصَدِّقُونَ.
(p-٣٢٣٥)لَطِيفَةٌ:
قالَ الشِّهابُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم: لا سَبِيلَ عَلَيْهِ، مَعْناهُ: لا حَرَجَ ولا عِتابَ، وأنَّهُ بِمَعْنى لا عاتِبَ يَمُرُّ عَلَيْهِ، فَضْلًا عَنِ العِتابِ، وإذا تَعَدّى بِ (إلى) كَقَوْلِهِ:
؎ألا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ إلى أُمِّ سالِمٍ سَبِيلٌ ؟ فَأمّا الصَّبْرُ عَنْها فَلا صَبْرُ
فَبِمَعْنى الوُصُولِ كَما قالَ:
؎هَلْ مِن سَبِيلٍ إلى خَمْرٍ فَأشْرَبَها ∗∗∗ أمْ مِن سَبِيلٍ إلى نَصْرِ بْنِ حَجّاجِ
ونَحْوُهُ، فَتَنَبَّهْ لِمَواطِنِ اسْتِعْمالِهِ، فَإنَّهُ مِن مُهِمّاتِ الفَصاحَةِ. انْتَهى.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمّا سَيَتَصَدَّوْنَ لَهُ عِنْدَ القُفُولِ مِن تِلْكَ الغَزْوَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
9:94Page 202
يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ قُل لَّا تَعۡتَذِرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ قَدۡ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٤
They will make excuses to you when you have returned to them. Say, "Make no excuse - never will we believe you. Allāh has already informed us of your news [i.e., affair]. And Allāh will observe your deeds, and [so will] His Messenger; then you will be taken back to the Knower of the unseen and the witnessed,1 and He will inform you of what you used to do."
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٤ ] ﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكم قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكم وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
﴿يَعْتَذِرُونَ إلَيْكم إذا رَجَعْتُمْ﴾ أيْ: سَدًّا لِلسَّبِيلِ عَلَيْهِمْ في التَّخَلُّفِ: ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ أيْ: لِظُهُورِ كَذِبِكم، إذْ لَمْ يَمْنَعْكم فَقْرٌ ولا مَرَضٌ، ولا يُفِيدُكُمُ الِاعْتِذارُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أيْ: لَنْ نُصَدِّقَ قَوْلَكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ (p-٣٢٣٦)تَعْلِيلٌ لِانْتِفاءِ التَّصْدِيقِ، أيْ: أعْلَمَنا بِالوَحْيِ مِن أسْرارِكم ونِفاقِكم، وفَسادِكم ما يُنافِي التَّصْدِيقَ ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ أيْ: مِنَ الرُّجُوعِ عَنِ الكُفْرِ، أوِ الثَّباتِ عَلَيْهِ، عِلْمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ: لِلْجَزاءِ بِما ظَهَرَ مِنكم، مِنَ الأعْمالِ ووَضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، لِتَشْدِيدِ الوَعِيدِ، وأنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى سِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ، لا يَفُوتُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِن ضَمائِرِهِمْ وأعْمالِهِمْ، فَيُجازِيهِمْ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ.
قالَ في (" النِّبْراسِ "): المُرادُ بِالغَيْبِ ما غابَ عَنِ العِبادِ، أوْ ما لَمْ يَعْلَمْهُ العِبادُ، أوْ ما يَكُونُ، وبِالشَّهادَةِ ما عَلِمَهُ العِبادُ، أوْ ما كانَ.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: يُخْبِرُكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا، قَبْلَ إعْلامِهِمْ بِهِ.
وذَكَرَهُ لَهم لِلتَّوْبِيخِ.
قالَ أبُو السُّعُودِ: المُرادُ بِالتَّنْبِئَةِ بِذَلِكَ، المُجازاةُ بِهِ، وإيثارُها عَلَيْها، لِمُراعاةِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ﴾ إلَخْ، فَإنَّ المُنَبَّأ بِهِ الأخْبارُ المُتَعَلِّقَةُ بِأعْمالِهِمْ، ولِلْإيذانِ بِأنَّهم ما كانُوا عالِمِينَ في الدُّنْيا بِحَقِيقَةِ أعْمالِهِمْ، وإنَّما يَعْلَمُونَها حِينَئِذٍ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمّا سَيُؤَكِّدُونَ بِهِ مَعاذِيرَهم، مِن أيْمانِهِمُ الفاجِرَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
9:95Page 202
سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٩٥
They will swear by Allāh to you when you return to them that you would leave them alone. So leave them alone; indeed they are evil; and their refuge is Hell as recompense for what they had been earning.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٥ ] ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أيْ: فَلا تُوَبِّخُوهم ولا تُعاتِبُوهم.
﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أيْ: فَأعْطُوهم طِلْبَتَهم ﴿إنَّهم رِجْسٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَرْكِ مُعاتَبَتِهِمْ، يَعْنِي أنَّ المُعاتَبَةَ لا تَنْفَعُ فِيهِمْ ولا تُصْلِحُهم، وإنَّما يُعاتَبُ الأدِيمُ ذُو البَشَرَةِ، والمُؤْمِنُ (p-٣٢٣٧)يُوَبَّخُ عَلى زَلَّةٍ تَفْرُطُ مِنهُ لِيُطَهِّرَهُ التَّوْبِيخُ بِالحَمْلِ عَلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، وأمّا هَؤُلاءِ فَأرْجاسٌ لا سَبِيلَ إلى تَطْهِيرِهِمْ - أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ - .
وقالَ الشِّهابُ: يَعْنِي أنَّهم يُتْرَكُونَ، ويُجْتَنَبُ عَنْهم كَما تُجْتَنَبُ النَّجاسَةُ، وهم طَلَبُوا إعْراضَ الصَّفْحِ، فَأُعْطَوْا إعْراضَ مَقْتٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ مِن تَمامِ التَّعْلِيلِ، فالعِلَّةُ نَجاسَةُ جِبِلَّتِهِمُ الَّتِي لا يُمْكِنُ تَطْهِيرُها، لِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ النّارِ، فاللَّوْمُ يُغْرِيهِمْ ولا يُجْدِيهِمْ، والكَلْبُ أنْجَسُ ما يَكُونُ إذا اغْتَسَلَ، أوْ تَعْلِيلٌ ثانٍ يَعْنِي وكَفَتْهُمُ النّارُ عِتابًا وتَوْبِيخًا، فَلا تُكَلَّفُوا عِتابَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وأنْ يَكُونَ عِلَّةً.
9:96Page 202
يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ فَإِن تَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرۡضَىٰ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٩٦
They swear to you so that you might be satisfied with them. But if you should be satisfied with them - indeed, Allāh is not satisfied with a defiantly disobedient people.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٦ ] ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ .
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ بَلْ مِمّا سَبَقَ، وعَدَمُ ذِكْرِ المَحْلُوفِ بِهِ لِظُهُورِهِ، أيْ: يَحْلِفُونَ بِهِ تَعالى: ﴿لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ أيْ: بِاعْتِقادِ طَهارَةِ ضَمائِرِهِمْ وإخْلاصِهِمْ ﴿فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ فِيهِ تَبْعِيدٌ عَنِ الرِّضا عَنْهم عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، فَإنَّ الرِّضا عَمَّنْ لا يَرْضى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، مِمّا لا يَكادُ يَصْدُرُ عَنِ المُؤْمِنِ.
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ مُنافِقِي الأعْرابِ أشَدُّ رَجْسًا فَلا يَغْتَرُّ بِحَلِفِهِمْ، وإنْ لَمْ يُكَذِّبْهُمُ الوَحْيُ، فَقالَ:
9:97Page 202
ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٩٧
The bedouins are stronger in disbelief and hypocrisy and more likely not to know the limits of what [laws] Allāh has revealed to His Messenger. And Allāh is Knowing and Wise.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٧ ] ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
﴿الأعْرابُ﴾ وهم أهْلُ البَدْوِ ﴿أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ أيْ: مِن أهْلِ الحَضَرِ، لِجَفائِهِمْ (p-٣٢٣٨)وقَسْوَتِهِمْ وتَوَحُّشِهِمْ، ونَشْئِهِمْ في بُعْدٍ مِن مُشاهَدَةِ العُلَماءِ، ومَعْرِفَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ: ﴿وأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ أيْ: وأحَقُّ بِجَهْلِ حُدُودِ الدِّينِ، وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ: يَعْلَمُ حالَ كُلِّ أحَدٍ مِن أهْلِ الوَبَرِ والمَدَرِ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فِيما يُصِيبُ بِهِ مُسِيئَهم ومُحْسِنَهم، مُخْطِئَهم ومُصِيبَهم، مِن عِقابِهِ وثَوابِهِ.
لَطائِفُ:
الأُولى: قالَ الشِّهابُ: العَرَبُ، هَذا الجِيلُ المَعْرُوفُ مُطْلَقًا، والأعْرابُ سُكّانُ البادِيَةِ مِنهم، فَهو أعَمُّ.
وقِيلَ: العَرَبُ سُكّانُ المُدُنِ والقُرى، والأعْرابُ سُكّانُ البادِيَةِ مِنَ العَرَبِ، أوْ مَوالِيهِمْ، فَهُما مُتَبايِنانِ، ويُفَرَّقُ بَيْنَ جَمْعِهِ وواحِدِهِ بِالياءِ فِيهِما.
الثّانِيَةُ: ما ذُكِرَ في الآيَةِ مِن أجْدَرِيَّةِ جَهْلِ الأعْرابِ مِن بُعْدِهِمْ عَنْ سَماعِ الشَّرائِعِ، ومُلابَسَةِ أهْلِ الحَقِّ، يُشِيرُ إلى ذَمِّ سُكّانِ البادِيَةِ وهو يُطابِقُ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأصْحابُ السُّنَنِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن سَكَنَ البادِيَةَ جَفا»»، وتَتِمَّتُهُ: ««ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومَن أتى السُّلْطانَ افْتَتَنَ»» . وقَوْلُهُ ﷺ: ««إنَّ الجَفاءَ والقَسْوَةَ في الفَدّادِينَ»» .
قالَ ثَعْلَبٌ: الفَدّادُونَ أصْحابُ الوَبَرِ، لِغِلَظِ أصْواتِهِمْ، وهم أصْحابُ البادِيَةِ، ويُقالُ: مَن صَحِبَ الفَدّادِينَ، فَلا دُنْيا نالَ ولا دِينَ.
مَأْخُوذٌ مِنَ (الفَدِيدِ)، وهو رَفْعُ الصَّوْتِ أوْ شِدَّتُهُ.
(p-٣٢٣٩)قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولَمّا كانَتِ الغِلْظَةُ والجَفاءُ في أهْلِ البَوادِي، لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ مِنهم رَسُولًا، وإنَّما كانَتِ البَعْثَةُ مِن أهْلِ القُرى، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩]
ولَمّا أهْدى ذَلِكَ الأعْرابِيُّ تِلْكَ الهَدِيَّةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَدَّ عَلَيْهِ أضْعافَها حَتّى رَضِيَ قالَ: ««لَقَدْ هَمَمْتُ ألّا أقْبَلَ هَدِيَّةً إلّا مِن قُرَشِيٍّ أوْ ثَقَفِيٍّ أوْ أنْصارِيٍّ أوْ دَوْسِيٍّ»»، لِأنَّ هَؤُلاءِ كانُوا يَسْكُنُونَ المُدُنَ: مَكَّةَ والطّائِفَ والمَدِينَةَ واليَمَنَ، فَهم ألْطَفُ أخْلاقًا مِنَ الأعْرابِ، لِما في طِباعِ الأعْرابِ مِنَ الجَفاءِ.
الثّالِثَةُ: رَوى الأعْمَشُ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: جَلَسَ أعْرابِيٌّ إلى زَيْدِ بْنِ صُوحانَ وهو يُحَدِّثُ أصْحابَهُ، وكانَتْ يَدُهُ قَدْ أُصِيبَتْ يَوْمَ (نَهاوَنْدَ)، فَقالَ الأعْرابِيُّ: واللَّهِ ! إنَّ حَدِيثَكَ لَيُعْجِبُنِي وإنَّ يَدَكَ لَتُرِيبُنِي ! فَقالَ زَيْدٌ: ما يُرِيبُكَ مِن يَدِي، إنَّها الشِّمالُ ؟ فَقالَ الأعْرابِيُّ: واللَّهِ ! ما أدْرِي اليَمِينَ يَقْطَعُونَ أوِ الشِّمالَ ؟ فَقالَ زَيْدُ بْنُ صُوحانَ: صَدَقَ اللَّهُ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ .
ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى فَرِيقٍ آخَرَ مِن مُنافِقِي الأعْرابِ، بِقَوْلِهِ:
9:98Page 202
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٩٨
And among the bedouins are some who consider what they spend as a loss1 and await for you turns of misfortune. Upon them will be a misfortune of evil. And Allāh is Hearing and Knowing.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٨ ] ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ أيْ: يُعِدُّ ما يَصْرِفُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ويَتَصَدَّقُ بِهِ صُورَةً، غَرامَةً وخُسْرانًا، لِأنَّهُ لا يُنْفِقُ إلّا تَقِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ ورِياءً، لا لِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وابْتِغاءَ المَثُوبَةِ عِنْدَهُ.
والغَرامَةُ والمَغْرَمُ والغُرْمُ (بِالضَّمِّ): ما يُنْفِقُهُ المَرْءُ مِن مالِهِ ولَيْسَ يَلْزَمُهُ، ضَرَرًا مَحْضًا وخُسْرانًا.
وقالَ الرّاغِبُ: الغُرْمُ ما يَنُوبُ الإنْسانُ في مالِهِ مِن (p-٣٢٤٠)ضَرَرٍ لِغَيْرِ جِنايَةٍ مِنهُ، ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ أيْ: يَنْتَظِرُ بِكم دَوائِرَ الدَّهْرِ - جَمْعُ (دائِرَةٍ) وهي النَّكْبَةُ والمُصِيبَةُ تُحِيطُ بِالمَرْءِ ـ، فَتَرَبُّصُ الدَّوائِرِ، انْتِظارُ المَصائِبِ، لِيَقْلَبَ أمْرُ المُسْلِمِينَ ويَتَبَدَّلَ، فَيُخَلَّصُوا مِمّا عَدُّوهُ مَغْرَمًا ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ اعْتِراضٌ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، بِنَحْوِ ما يَتَرَبَّصُونَهُ، أوْ إخْبارٌ عَنْ وُقُوعِ ما يَتَرَبَّصُونَ عَلَيْهِمْ.
قالَ الشِّهابُ: الدّائِرَةُ اسْمٌ لِلنّائِبَةِ، وهي بِحَسَبِ الأصْلِ مَصْدَرٌ، كالعافِيَةِ والكاذِبَةِ، أوِ اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى عَقَبَةٍ دائِرَةٍ، والعَقَبَةُ أصْلُها اعْتِقابُ الرّاكِبِينَ وتَناوُبُهُما.
ويُقالُ: لِلدَّهْرِ عُقَبٌ ونُوَبٌ ودُوَلٌ، أيْ: مَرَّةٌ لَهم ومَرَّةٌ عَلَيْهِمْ.
و(السُّوءُ) يَقْرَأُ بِضَمِّ السِّينِ وهو الضَّرَرُ، وهو مَصْدَرٌ في الحَقِيقَةِ. يُقالُ: سَؤْتُهُ سُوءًا ومَساءَةً ومَسائِيَّةً، ويُقْرَأُ بِفَتْحِ السِّينِ وهو الإفْسادُ والرَّداءَةُ - قالَهُ أبُو البَقاءِ - .
﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ أيْ: لِما يَقُولُونَهُ عِنْدَ الإنْفاقِ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِما يُضْمِرُونَهُ مِنَ الأُمُورِ الفاسِدَةِ الَّتِي مِنها تَرَبُّصُهُمُ الدَّوائِرَ. وفِيهِ مِن شِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى.
ثُمَّ نَوَّهَ تَعالى بِمُؤْمِنِي الأعْرابِ الصّادِقِينَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
9:99Page 202
وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٩
But among the bedouins are some who believe in Allāh and the Last Day and consider what they spend as means of nearness to Allāh and of [obtaining] invocations of the Messenger. Unquestionably, it is a means of nearness for them. Allāh will admit them to His mercy. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩٩ ] ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وصَلَواتِ الرَّسُولِ ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهم سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ امْتِثالًا لِأمْرِهِ، وتَرْجِيحًا لِحُبِّهِ، وقَطْعًا لِحُبِّ ما سِواهُ.
و: ﴿قُرُباتٍ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (يَتَّخِذُ)، وجَمْعُها بِاعْتِبارِ أنْواعِها، أوْ أفْرادِها.
قالَ الشِّهابُ: القُرْبَةُ (بِالضَّمِّ)، ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ، ونَفْسُ التَّقَرُّبِ، فَعَلى الثّانِي (p-٣٢٤١)يَكُونُ مَعْنى اتِّخاذِها سَبَبًا لَهُ، عَلى التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ أوِ التَّقْدِيرِ.
و: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِ ﴿قُرُباتٍ﴾ أيْ: ظَرْفٌ لِ (يَتَّخِذُ) ﴿وصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ أيْ: سَبَبُ دَعَواتِهِ بِالرَّحْمَةِ المُكَمِّلَةِ لِقُصُورِهِ، وكانَ ﷺ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ، ويَسْتَغْفِرُ لَهم ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ««اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى»» ﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ الضَّمِيرُ لِما يُنْفَقُ، والتَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ الخَيْرِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ، أيْ: قُرْبَةٌ عَظِيمَةٌ جامِعَةٌ لِأنْواعِ القُرُباتِ، يُكْمِلُها اللَّهُ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ، ويَزِيدُ عَلى مُقْتَضاها بِما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: جَنَّتِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يَسْتُرُ عَيْبَ المُخِلِّ: ﴿رَحِيمٌ﴾ يَقْبَلُ جُهْدَ المُقِلِّ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّها﴾ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُتَصَدِّقِ بِصِحَّةِ ما اعْتَقَدَ، مِن كَوْنِ نَفَقَتِهِ قُرُباتٍ وصَلَواتٍ وتَصْدِيقًا لِرَجائِهِ، عَلى الِاسْتِئْنافِ، مَعَ حَرْفَيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ، المُؤْذِنَيْنِ بِثَباتِ الأمْرِ وتَمَكُّنِهِ.
وكَذَلِكَ: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ﴾ وما في (السِّينِ) مِن تَحْقِيقِ الوَعْدِ.
وما أدَلَّ هَذا الكَلامَ عَلى رِضا اللَّهِ تَعالى عَنِ المُتَصَدِّقِينَ، وأنَّ الصَّدَقَةَ مِنهُ بِمَكانٍ، إذا خَلُصَتِ النِّيَّةُ مِن صاحِبِها. انْتَهى.
وفِيهِ (" الِانْتِصافُ "): النُّكْتَةُ في إشْعارِ (السِّينِ) بِالتَّحْقِيقِ أنَّ مَعْنى الكَلامِ مَعَها: أفْعَلُ كَذا، وإنْ أبْطَأ الأمْرُ، أيْ: لا بُدَّ مِن فِعْلِهِ، قالَ الشِّهابُ: وفِيهِ تَأمُّلٌ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى فَضِيلَةَ مُؤْمِنِي الأعْرابِ بِما تَقَدَّمَ، تَأثَّرَهُ بِبَيانِ مَن هم فَوْقَهم بِمَنازِلَ مِنَ الفَضِيلَةِ والكَرامَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
9:100Page 203
وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠
And the first forerunners [in the faith] among the Muhājireen1 and the Anṣār2 and those who followed them with good conduct - Allāh is pleased with them and they are pleased with Him, and He has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.
(p-٣٢٤٢)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠٠ ] ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ أيْ: مِمَّنْ تَقَدَّمَ بِالهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ. وقِيلَ: عَنى بِالفَرِيقِ الأوَّلِ مَن صَلّى إلى القِبْلَتَيْنِ، أوْ مَن شَهِدَ بَدْرًا، أوْ مَن أسْلَمَ قَبْلَ الهِجْرَةِ وبِالثّانِي أهْلَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الأُولى، وكانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ، وأهْلَ العَقَبَةِ الثّانِيَةِ، وكانُوا سَبْعِينَ، والَّذِينَ آمَنُوا حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ أبُو زُرارَةَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، فَعَلَّمَهُمُ القُرْآنَ.
واخْتارَ الرّازِيُّ الوَجْهَ الأوَّلَ، وقالَ: والصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّهُمُ السّابِقُونَ في الهِجْرَةِ وفي النُّصْرَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ ذَكَرَ كَوْنَهم سابِقِينَ، ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهم سابِقُونَ فَلِماذا ؟
فَبَقِيَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا، إلّا أنَّهُ وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ مُهاجِرِينَ وأنْصارًا، فَوَجَبَ صَرْفُ ذَلِكَ اللَّفْظِ إلى ما بِهِ صارُوا مُهاجِرِينَ وأنْصارًا، وهو الهِجْرَةُ والنُّصْرَةُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ: السّابِقُونَ الأوَّلُونَ في الهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ، إزالَةً لِلْإجْمالِ عَنِ اللَّفْظِ.
وأيْضًا فالسَّبْقُ إلى الهِجْرَةِ طاعَةٌ عَظِيمَةٌ، مِن حَيْثُ إنَّ الهِجْرَةَ فِعْلٌ شاقٌّ عَلى النَّفْسِ، ومُخالِفٌ لِلطَّبْعِ، فَمَن أقْدَمَ عَلَيْهِ أوَّلًا، صارَ قُدْوَةً لِغَيْرِهِ في هَذِهِ الطّاعَةِ، وكانَ ذَلِكَ مُقَوِّيًا لِقَلْبِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وسَبَبًا لِزَوالِ الوَحْشَةِ عَنْ خاطِرِهِ، وكَذَلِكَ السَّبْقُ في النُّصْرَةِ، فَإنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، فَلا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى النُّصْرَةِ والخِدْمَةِ فازُوا بِمَنصِبٍ عَظِيمٍ.
وقُرِئَ (الأنْصارُ) بِالرَّفْعِ، عَطْفًا عَلى السّابِقُونَ.
﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ أيْ: سَلَكُوا سَبِيلَهم بِالإيمانِ والطّاعَةِ ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ لِأنَّ الهِجْرَةَ أمْرٌ شاقٌّ عَلى النَّفْسِ، لِمُفارَقَةِ الأهْلِ والعَشِيرَةِ.
والنُّصْرَةُ مَنقَبَةٌ شَرِيفَةٌ، (p-٣٢٤٣)لِأنَّها إعْلاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ، ونَصْرُ رَسُولِهِ وأصْحابِهِ، والإحْسانُ مِن أحْوالِ المُقَرَّبِينَ أوْ مَقاماتِهِمْ - قالَهُ المَهايِمِيُّ - .
﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ بِما وفَّقَهم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والإحْسانِ، وما آتاهم مِنَ الثَّوابِ والكَرامَةِ ﴿وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ﴾ وذَلِكَ بَدَلُ ما تَرَكُوا مِن دُورِهِمْ وأهْلِيهِمْ، وبَدَلُ ما أعْطَوْهُ لِلْمُهاجِرِينَ مِن أمْوالِهِمْ، ولِغَرْسِهِمْ جَنّاتِ القُرْبِ في قُلُوبِهِمْ، وإجْرائِهِمْ أنْهارَ المَعارِفِ في قُلُوبِهِمْ وقُلُوبِ مَنِ اتَّبَعُوهم بِهَذِهِ الهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ والإحْسانِ - قالَهُ المَهايِمِيُّ ـ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (مِن تَحْتِها الأنْهارُ) كَما هو في سائِرِ المَواضِعِ.
﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ لِتَخْلِيدِهِمْ هَذا الدِّينَ بِإقامَةِ دَلائِلِهِ، وتَأْسِيسِ قَواعِدِهِ، إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، واخْتِيارِ الباقِي عَلى الفانِي ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ أيِ: الَّذِي لا فَوْزَ وراءَهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ في (" الإكْلِيلِ "): في هَذِهِ الآيَةِ تَفْضِيلُ السّابِقِ إلى الإسْلامِ والهِجْرَةِ، وأنَّ السّابِقِينَ مِنَ الصَّحابَةِ أفْضَلُ مِمَّنْ تَلاهم.
الثّانِي: قِيلَ: المُرادُ بِ (السّابِقِينَ الأوَّلِينَ) جَمِيعُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَ (مِن) بَيانِيَّةٌ لِتَقَدُّمِهِمْ عَلى مَن عَداهم.
وقِيلَ: بَعْضُهم - وهم قُدَماءُ الصَّحابَةِ - و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وقَدِ اخْتارَ كَثِيرُونَ الثّانِيَ، واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِمْ عَلى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، ورَأى آخَرُونَ الأوَّلَ.
رُوِيَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ زِيادٍ قالَ: قُلْتُ يَوْمًا لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ: ألا تُخْبِرَنِي عَنِ الصَّحابَةِ فِيما كانَ بَيْنَهم ؟ وأرُدُّ الفِتَنَ - فَقالَ لِي: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ غَفَرَ لِجَمِيعِهِمْ، وأوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ، مُحْسِنِهِمْ ومُسِيئِهِمْ.
قُلْتُ لَهُ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ الآيَةَ، فَأوْجَبَ لِلْجَمِيعِ الجَنَّةَ والرِّضْوانَ، وشَرَطَ عَلى تابِعِيهِمْ أنْ يَقْتَدُوا بِهِمْ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ وألّا يَقُولُوا فِيهِمْ إلّا حُسْنًا لا سُوءًا.
(p-٣٢٤٤)أيْ: لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ [الحشر: ١٠]
الثّالِثُ: قالَ الشِّهابُ: تَقْدِيمُ المُهاجِرِينَ لِفَضْلِهِمْ عَلى الأنْصارِ كَما ذُكِرَ في قِصَّةِ السَّقِيفَةِ، ومِنهُ عُلِمَ فَضْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى مَن عَداهُ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن هاجَرَ مَعَهُ ﷺ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences