As-SuyutiAl‑Kahf · 18:60–82

As-Suyuti · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:60–82

18:60–82Page 300

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا ٦٠

And [mention] when Moses said to his boy [i.e., servant], "I will not cease [traveling] until I reach the junction of the two seas or continue for a long period."

فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَيۡنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ سَرَبٗا ٦١

But when they reached the junction between them, they forgot their fish, and it took its course into the sea, slipping away.

فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا ٦٢

So when they had passed beyond it, [Moses] said to his boy, "Bring us our morning meal. We have certainly suffered in this, our journey, [much] fatigue."

قَالَ أَرَءَيۡتَ إِذۡ أَوَيۡنَآ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا ٦٣

He said, "Did you see when we retired to the rock? Indeed, I forgot [there] the fish. And none made me forget it except Satan - that I should mention it. And it took its course into the sea amazingly."

قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا ٦٤

[Moses] said, "That is what we were seeking." So they returned, following their footprints.

فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا ٦٥

And they found a servant from among Our servants [i.e., al-Khiḍr] to whom We had given mercy from Us and had taught him from Us a [certain] knowledge.

قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا ٦٦

Moses said to him, "May I follow you on [the condition] that you teach me from what you have been taught of sound judgement?"

قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٦٧

He said, "Indeed, with me you will never be able to have patience.

وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا ٦٨

And how can you have patience for what you do not encompass in knowledge?"

قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا ٦٩

[Moses] said, "You will find me, if Allāh wills, patient, and I will not disobey you in [any] order."

قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا ٧٠

He said, "Then if you follow me, do not ask me about anything until I make to you about it mention [i.e., explanation]."

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا ٧١

So they set out, until when they had embarked on the ship, he [i.e., al-Khiḍr] tore it open. [Moses] said, "Have you torn it open to drown its people? You have certainly done a grave thing."

قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٢

[Al-Khiḍr] said, "Did I not say that with me you would never be able to have patience?"

قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا ٧٣

[Moses] said, "Do not blame me for what I forgot and do not overwhelm me in my matter with difficulty."

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا ٧٤

So they set out, until when they met a boy, he [i.e., al-Khiḍr] killed him. [Moses] said, "Have you killed a pure soul for other than [having killed] a soul? You have certainly done a deplorable thing."

۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٥

[Al-Khiḍr] said, "Did I not tell you that with me you would never be able to have patience?"

قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا ٧٦

[Moses] said, "If I should ask you about anything after this, then do not keep me as a companion. You have obtained from me an excuse."

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا ٧٧

So they set out, until when they came to the people of a town, they asked its people for food, but they refused to offer them hospitality. And they found therein a wall about to collapse, so he [i.e., al-Khiḍr] restored it. [Moses] said, "If you wished, you could have taken for it a payment."

قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا ٧٨

[Al-Khiḍr] said, "This is parting between me and you. I will inform you of the interpretation of that about which you could not have patience.

أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا ٧٩

As for the ship, it belonged to poor people working at sea. So I intended to cause defect in it as there was after them a king who seized every [good] ship by force.

وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا ٨٠

And as for the boy, his parents were believers, and we feared that he would overburden them by transgression and disbelief.

فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا ٨١

So we intended that their Lord should substitute for them one better than him in purity and nearer to mercy.

وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا ٨٢

And as for the wall, it belonged to two orphan boys in the city, and there was beneath it a treasure for them, and their father had been righteous. So your Lord intended that they reach maturity and extract their treasure, as a mercy from your Lord. And I did it not of my own accord. That is the interpretation of that about which you could not have patience."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾ الآياتِ.

أخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ اِبْنِ سَمْعانَ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ اِبْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ﴾ . يَقُولُ: لا أنْفَكُّ، ولا أزالُ، ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ . يَقُولُ: مُلْتَقى البَحْرَيْنِ، ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ . يَقُولُ: أوْ أمْضِيَ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ . يَقُولُ: بَيْنَ البَحْرِينِ، ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ . يَقُولُ: ذَهَبَ مِنهُما فَأخْطَأهُما، وكانَ حُوتًا مَلِيحًا مَعَهُما يَحْمِلانِهِ، فَوَثَبَ مِنَ المِكْتَلِ إلى الماءِ، فَكانَ سَبِيلُهُ في البَحْرِ سَرَبًا، فَأنْسى الشَّيْطانُ فَتى مُوسى أنْ يَذْكُرَهُ، وكانَ فَتى مُوسى يُوشَعَ بْنَ نُونٍ، ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ . يَقُولُ: مُوسى عَجِبَ مِن أثَرِ الحُوتِ ودَوْراتِهِ الَّتِي غارَ فِيها، ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ . قَوْلُ مُوسى: فَذاكَ حَيْثُ أُخْبِرْتُ أنِّي أجِدُ الخَضِرَ حَيْثُ يُفارِقُنِي الحُوتُ، ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ . يَقُولُ: اِتَّبَعَ مُوسى ويُوشَعُ أثَرَ الحُوتِ في البَحْرِ وهُما راجِعانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ، ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ . [٢٧١و] يَقُولُ: (p-٥٧٦)فَوَجَدا خَضِرًا، ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ . قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] [يُوسُفَ: ٧٦] . فَصَحِبَ مُوسى الخَضِرَ، فَكانَ مِن شَأْنِهِما ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“، مِن طَرِيقِ «سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نَوْفًا البِكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ مُوسى صاحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ. قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: كَذَبَ عَدُوٌّ اللَّهِ؛ حَدَّثَنا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”إنَّ مُوسى قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ: أيُّ النّاسِ أعْلَمُ؟ فَقالَ: أنا. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ وهو أعْلَمُ مِنكَ. قالَ مُوسى: يا رَبِّ، فَكَيْفَ لِي بِهِ؟ قالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا تَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ، فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثَمَّ. فَأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ، ثُمَّ اِنْطَلَقَ وانْطَلَقَ مَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، حَتّى إذا أتَيا الصَّخْرَةَ وضَعا رُءُوسَهُما فَناما، فاضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنهُ فَسَقَطَ في البَحْرِ، ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلَ الطّاقِ، فَلَمّا اِسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما، حَتّى إذا كانَ مِنَ الغَدِ، قالَ مُوسى لِفَتاهُ: ﴿آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ . قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصَبَ، حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ فَتاهَ: ﴿أرَأيْت إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيت الحُوت وما أنْسانِيهِ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ (p-٥٧٧)واِتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ . قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، ولِمُوسى ولِفَتاهُ عَجَبًا. فَقالَ مُوسى: ﴿ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ . قالَ سُفْيانُ: يَزْعُمُ ناسٌ أنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَها عَيْنُ الحَياةِ، لا يُصِيبُ ماؤُها مَيِّتًا إلّا عاشَ. قالَ: وكانَ الحُوتُ قَدْ أُكِلَ مِنهُ، فَلَمّا قَطَرَ عَلَيْهِ الماءُ عاشَ، قالَ: فَرَجَعا يَقُصّانِ آثارَهُما حَتّى اِنْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَإذا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ! قالَ: أنا مُوسى. قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ؟ قالَ: نَعَمْ، أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ . يا مُوسى، إنِّي عَلى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ. فَقالَ مُوسى: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ . فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ . فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ، فَمَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يُفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ، فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها؟! ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ . قالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قالَ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾“ .

قالَ: وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”فَكانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا“ . قالَ: ”وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ لَهُ (p-٥٧٨)الخَضِرُ: ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ. ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَما هُما يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ، فَأخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فاقْتَلَعَهُ فَقَتَلَهُ، فَقالَ لَهُ مُوسى: (أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) . قالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ . قالَ: وهَذِهِ أشَدُّ مِنَ الأُولى، قالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ﴾ . قالَ: مائِلٌ. فَقالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذا فَأقامَهُ، فَقالَ مُوسى: قَوْمٌ أتَيْناهم فَلَمْ يُطْعِمُونا ولَمْ يُضَيِّفُونا، ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ . قالَ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾“ . فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ودِدْنا أنَّ مُوسى كانَ صَبَرَ، حَتّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِما“» .

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وكانَ اِبْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: (وكانَ أمامَهم مَلَكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا) . وكانَ يَقْرَأُ: (وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ) .

(p-٥٧٩)وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقٍ آخَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «إنّا لَعِنْدَ اِبْنِ عَبّاسٍ في بَيْتِهِ إذْ قالَ: سَلُونِي. قُلْتُ: أيْ أبا عَبّاسٍ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِداءَكَ، بِالكُوفَةِ رَجُلٌ قاصٌّ يُقالُ لَهُ: نَوْفٌ. يَزْعُمُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُوسى بَنِي إسْرائِيلَ. قالَ: كَذَبَ عَدُوٌّ اللَّهِ؛ حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَّرَ النّاسَ يَوْمًا، حَتّى إذا فاضَتِ العُيُونُ، ورَقَّتِ القُلُوبُ، ولّى، فَأدْرَكَهُ رَجُلٌ فَقالَ: أيْ رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ في الأرْضِ أحَدٌ أعْلَمُ مِنكَ؟ قالَ: لا. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلى اللَّهِ. قِيلَ: بَلى. قالَ: أيْ رَبِّ، فَأيْنَ؟! قالَ: بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ. قالَ: أيْ رَبِّ، اِجْعَلْ لِي عَلَمًا أعْلَمَ بِهِ ذَلِكَ. قالَ: خُذْ حُوتًا مَيِّتًا حَيْثُ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ. فَأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ، فَقالَ لِفَتاهُ: لا أُكَلِّفُكَ إلّا أنْ تُخْبِرَنِي بِحَيْثُ يُفارِقُكَ الحُوتُ. قالَ: ما كَلَّفْتَ كَثِيرًا. قالَ: فَبَيْنَما هو في ظِلِّ صَخْرَةٍ في مَكانِ ثَرْيانَ، إذِ اِضْطَرَبَ الحُوتُ ومُوسى نائِمٌ، فَقالَ فَتاهَ: لا أُوقِظُهُ. حَتّى إذا اِسْتَيْقَظَ نَسِيَ أنْ يُخْبِرَهُ، (p-٥٨٠)وتَضْرِبُ الحُوتُ حَتّى دَخَلَ البَحْرَ، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جِرْيَةَ البَحْرِ حَتّى كَأنَّ أثَرَهُ في حَجَرٍ. قالَ مُوسى: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ . قالَ: قَدْ قَطَعَ اللَّهُ عَنْكَ النَّصَبَ. فَرَجَعا فَوَجَدا خَضِرًا عَلى طُنْفُسَةٍ خَضْراءَ عَلى كَبِدِ البَحْرِ، مُسَجًّى بِثَوْبِهِ قَدْ جَعَلَ طَرَفَهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ وطَرَفَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى فَكَشَفَ عَنْ وجْهِهِ، وقالَ: هَلْ بِأرْضٍ مِن سَلامٍ؟! مَن أنْتَ؟! قالَ: أنا مُوسى. قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ؟! قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَما شَأْنُكَ؟ قالَ: جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا. قالَ: أما يَكْفِيكَ أنَّ التَّوْراةَ بِيَدَيْكَ، وأنَّ الوَحْيَ يَأْتِيكَ يا مُوسى. إنَّ لِي عِلْمًا لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَعْلَمَهُ، وإنَّ لَكَ عِلْمًا لا يَنْبَغِي لِي أعْلَمَهُ، فَأخَذَ طائِرٌ بِمِنقارِهِ مِنَ البَحْرِ، فَقالَ: واللَّهِ ما عِلْمِي وعِلْمُكَ في جَنْبِ عِلْمِ اللَّهِ إلّا كَما أخَذَ هَذا الطّائِرُ بِمِنقارِهِ مِنَ البَحْرِ. حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ وجَدا مَعابِرَ صِغارًا تَحْمِلُ أهْلَ السّاحِلِ إلى أهْلِ هَذا السّاحِلِ الآخَرِ، فَعَرَفُوهُ، فَقالُوا: عَبْدُ اللَّهِ الصّالِحُ، لا نَحْمِلُهُ بِأجْرٍ. فَخَرَقَها ووَتَّدَ فِيها وتِدًا، قالَ مُوسى: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ . قالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ . كانَتِ الأوْلى نِسْيانًا، والوُسْطى شَرْطًا، والثّالِثَةُ عَمْدًا، قالَ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ . ووَجَدَ غِلْمانًا يَلْعَبُونَ، فَأخَذَ غُلامًا كافِرًا ظَرِيفًا (p-٥٨١)فَأضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ، فَقالَ: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾: لَمْ تَعْمَلْ بِالحِنْثِ“ . قالَ: اِبْنُ عَبّاسٍ قَرَأها ﴿زَكِيَّةً﴾: (زاكِيَةً): مُسْلِمَةً، كَقَوْلِكَ: غُلامًا زَكِيًّا. فانْطَلَقا فَوَجَدا ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ﴾ . قالَ بِيَدِهِ هَكَذا، ورَفَعَ يَدَهُ فاسْتَقامَ، قالَ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ . قالَ: أجْرًا نَأْكُلُهُ. ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾، قَرَأها اِبْنُ عَبّاسٍ (وكانَ أمامَهم مَلِكٌ) يَزْعُمُونَ أنَّهُ هُدَدُ بْنُ بَدَدٍ، والغُلامُ المَقْتُولُ اِسْمُهُ – يَزْعُمُونَ – جَيْسُورُ، ﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، فَأرَدْتُ إذا هي مَرَّتْ بِهِ أنْ يَدَعَها لِعَيْبِها، فَإذا جاوَزُوا أصْلَحُوها فانْتَفَعُوا بِها، ومِنهم مَن يَقُولُ: سَدُّوها بِقارُورَةٍ. ومِنهم مَن يَقُولُ: بِالقارِ. ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ . وكانَ كافِرًا ﴿فَخَشِينا أنَّ (p-٥٨٢)يُرْهِقُهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾: أنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلى أنْ يُتابِعاهُ عَلى دِينِهِ، ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ . هُما بِهِ أرْحَمُ مِنهُما بِالأوَّلِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ. وزَعَمَ غَيْرُ سَعِيدٍ أنَّهُما أُبْدِلا جارِيَةً» .

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، «عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وكُنّا عِنْدَهُ، فَقالَ القَوْمُ: إنْ نَوْفًا الشّامِيَّ يَزْعُمُ أنَّ الَّذِي ذَهَبَ يَطْلُبُ العِلْمَ لَيْسَ بِمُوسى بَنِي إسْرائِيلَ. فَكانَ اِبْنُ عَبّاسٍ مُتَّكِئًا فاسْتَوى جالِسًا، فَقالَ: كَذَبَ نَوْفٌ، حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ”رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى، لَوْلا أنَّهُ عَجَّلَ واسْتَحْيا، وأخَذَتْهُ ذَمامَةٌ مِن صاحِبِهِ، فَقالَ لَهُ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ . لَرَأى مِن صاحِبِهِ عَجَبًا“ . قالَ: وكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا ذَكَرَ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ، بَدَأ بِنَفْسِهِ فَقالَ: ”رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى صالِحٍ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى أخِي عادٍ“ . ثُمَّ قالَ: ”إنَّ مُوسى بَيْنا هو يَخْطُبُ قَوْمَهُ ذاتَ يَوْمٍ، إذْ قالَ لَهم: ما في الأرْضِ أحَدٌ أعْلَمَ مِنِّي. فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ في الأرْضِ مَن هو أعْلَمُ مِنكَ، وآيَةُ ذَلِكَ أنْ تَزَوَّدَ حُوتًا مالِحًا، فَإذا فَقَدْتَهُ فَهو حَيْتُ تَفْقِدُهُ. فَتَزَوَّدَ حُوتًا مالِحًا، فانْطَلَقَ هو وفَتاهُ، حَتّى إذا بَلَغا المَكانَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ، فَلَمّا اِنْتَهَوْا (p-٥٨٣)إلى الصَّخْرَةِ اِنْطَلَقَ مُوسى يَطْلُبُ، ووَضَعَ فَتاهُ الحُوتَ عَلى الصَّخْرَةِ، فاضْطَرَبَ، ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ . قالَ فَتاهُ: إذا جاءَ نَبِيُّ اللَّهِ حَدَّثْتُهُ. فَأنْساهُ الشَّيْطانُ، فانْطَلَقا، فَأصابَهُما ما يُصِيبُ المُسافِرَ مِنَ النَّصَبِ والكَلالِ، ولَمْ يَكُنْ يُصِيبُهُ ما يُصِيبُ المُسافِرَ مِنَ النَّصَبِ والكَلالِ حَتّى جاوَزَ ما أُمِرَ بِهِ، فَقالَ مُوسى لِفَتاهُ: ﴿آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ . قالَ لَهُ فَتاهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ: ﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ أنْ أُحَدِّثَكَ، ﴿وما أنْسانِيهُ إلا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ . قالَ: ﴿ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾، ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾: يَقُصّانِ الأثَرَ حَتّى اِنْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَأطافَ بِها، فَإذا هو بِرَجُلٍ مُسَجًّى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ لَهُ: مَن أنْتَ؟ قالَ: مُوسى. قالَ: مَن مُوسى؟ قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ. قالَ: فَما لَكَ؟ قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ عِنْدَكَ عِلْمًا فَأرَدْتُ أنْ أصْحَبَكَ قالَ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ . قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ . قالَ: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ (p-٥٨٤)خُبْرًا. قالَ: قَدْ أُمِرْتُ أنْ أفْعَلَهُ، سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا. قالَ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾، ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ﴾، فَخَرَجَ مَن كانَ فِيها وتَخَلَّفَ لِيَخْرِقَها، فَقالَ لَهُ مُوسى: تَخْرِقُها ﴿لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ . قالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ . قالَ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ . فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَوْا عَلى غِلْمانٍ يَلْعَبُونَ عَلى ساحِلِ البَحْرِ وفِيهِمْ غُلامٌ، لَيْسَ في الغِلْمانِ أحْسَنُ ولا ألْطَفُ مِنهُ، فَأخَذَهُ فَقَتَلَهُ، فَنَفَرَ مُوسى عِنْدَ ذَلِكَ وقالَ: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ قالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ . قالَ: فَأخَذَتْهُ ذَمامَةٌ مِن صاحِبِهِ واسْتَحْيا فَقالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾، ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ . وقَدْ أصابَ مُوسى جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَلَمْ يُضَيِّفُوهُما، ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ﴾ . قالَ لَهُ مُوسى مِمّا نَزَلَ بِهِ مِنَ الجَهْدِ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ . قالَ ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ . فَأخَذَ مُوسى بِطَرَفِ ثَوْبِهِ، فَقالَ: حَدِّثْنِي. فَقالَ: ﴿أما السَّفِينَة فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فأردت أن أعيبها وكانَ وراءَهم (p-٥٨٥)مَلَك يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ . فَإذا مَرَّ عَلَيْها فَرَآها مُنْخَرِقَةً تَرَكَها ورَقَعَها أهْلُها بِقِطْعَةٍ مِن خَشَبٍ، فانْتَفَعُوا بِها. وأمّا الغُلامُ فَإنَّهُ كانَ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا، وكانَ قَدْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ مَحَبَّةٌ مِن أبَوَيْهِ، ولَوْ عَصَياهُ شَيْئًا لَأرْهَقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا، فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يُبْدِلَهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا، فَوَقَعَ أبُوهُ عَلى أُمِّهِ فَعَلِقَتْ خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا، ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ﴾“ إلى آخِرِ الآيَةِ» .

وأخْرَجَ مِن وجْهٍ آخَرَ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: جَلَسْتُ عِنْدَ اِبْنِ عَبّاسٍ وعِنْدَهُ نَفَرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ نَوْفًا يَزْعُمُ عَنْ كَعْبٍ، أنَّ مُوسى النَّبِيَّ الَّذِي طَلَبَ العِلْمَ إنَّما هو مُوسى بْنُ مِيشًا. فَقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: كَذَبَ نَوْفٌ؛ حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ سَألَ رَبَّهُ فَقالَ: أيْ رَبِّ، إنْ كانَ في عِبادِكَ أحَدٌ هو أعْلَمُ مِنِّي فَدُلَّنِي عَلَيْهِ. فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، في عِبادِي مَن هو أعْلَمُ مِنكَ. ثُمَّ نَعَتَ لَهُ مَكانَهُ، وأذِنَ لَهُ في لُقِيِّهِ، فَخَرَجَ مُوسى ومَعَهُ فَتاهُ ومَعَهُ حُوتٌ مَلِيحٌ، قَدْ [٢٧١ظ] قِيلَ لَهُ: إذا حَيِيَ هَذا الحُوتُ في مَكانٍ، فَصاحِبُكَ هُنالِكَ، وقَدْ أدْرَكْتَ حاجَتَكَ. فَخَرَجَ مُوسى ومَعَهُ فَتاهُ ومَعَهُ (p-٥٨٦)ذَلِكَ الحُوتُ يَحْمِلانِهِ، فَسارَ حَتّى جَهَدَهُ السَّيْرُ وانْتَهى إلى الصَّخْرَةِ، وإنَّ ذَلِكَ الماءَ ماءُ الحَياةِ، مَن شَرِبَ مِنهُ خَلَدَ، ولا يُقارِبُهُ شَيْءٌ مَيِّتٌ إلّا حَيِيَ، فَلَمّا نَزَلا ومَسَّ الحُوتَ الماءُ حَيِيَ، ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ . فانْطَلَقا، فَلَمّا جاوَزا قالَ مُوسى لِفَتاهُ: ﴿آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ . قالَ الفَتى وذَكَرَ: ﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ . قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: فَظَهَرَ مُوسى عَلى الصَّخْرَةِ حِينَ اِنْتَهى إلَيْها، فَإذا رَجُلٌ مُلْتَفٌّ في كِساءٍ لَهُ فَسَلَّمَ مُوسى، فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: ما جاءَ بِكَ؟ إنْ كانَ لَكَ في قَوْمِكَ لَشُغُلٌ. قالَ لَهُ مُوسى: جِئْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا. قالَ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ - وكانَ رَجُلًا يَعْلَمُ عِلْمَ الغَيْبِ قَدْ عُلِّمَ ذَلِكَ - فَقالَ مُوسى: بَلى. قالَ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ . أيْ: إنَّما تَعْرِفُ ظاهِرَ ما تَرى مِنَ العَدْلِ، ولَمْ تُحِطْ مِن عِلْمِ الغَيْبِ بِما أعْلَمُ. قالَ: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا، ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا وإنْ رَأيْتَ ما يُخالِفُنِي. قالَ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ . فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ يَتَعَرَّضانِ (p-٥٨٧)النّاسَ، يَلْتَمِسانِ مَن يَحْمِلُهُما، حَتّى مَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ جَدِيدَةٌ وثِيقَةٌ، لَمْ يَمُرَّ بِهِما مِنَ السُّفُنِ شَيْءٌ أحْسَنُ مِنها ولا أجْمَلُ ولا أوْثَقُ مِنها، فَسَألا أهْلَها أنْ يَحْمِلُوهُما فَحَمَلُوهُما، فَلَمّا اِطْمَأنّا فِيها ولَجَّجَتْ بِهِما مَعَ أهْلِها، أخْرَجَ مِنقارًا لَهُ ومِطْرَقَةً، ثُمَّ عَمَدَ إلى ناحِيَةٍ مِنها، فَضَرَبَ فِيها بِالمِنقارِ حَتّى خَرَقَها، ثُمَّ أخَذَ لَوْحًا فَطَبَّقَهُ عَلَيْها، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْها يَرْقَعُها، فَقالَ لَهُ مُوسى - ورَأى أمْرًا فَظِعَ بِهِ -: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ . حَمَلُونا وآوَوْنا إلى سَفِينَتِهِمْ، ولَيْسَ في البَحْرِ سَفِينَةٌ مِثْلُها، فَلِمَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها؟! لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا. قالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ . قالَ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ . أيْ: بِما تَرَكْتُ مِن عَهْدِكَ، ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ . ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ، فانْطَلَقا حَتّى أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ، فَإذا غِلْمانٌ يَلْعَبُونَ، فِيهِمْ غُلامٌ لَيْسَ في الغِلْمانِ غُلامٌ أظْرَفَ مِنهُ ولا أوْضَأ مِنهُ، فَأخَذَ بِيَدِهِ وأخَذَ حَجَرًا، فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَهُ حَتّى دَمَغَهُ فَقَتَلَهُ، فَرَأى مُوسى أمْرًا فَظِيعًا لا صَبْرَ عَلَيْهِ؛ صَبِيٌّ صَغِيرٌ قَتَلَهُ لا ذَنْبَ لَهُ، قالَ: ﴿أقَتَّلَتْ نَفْسًا (p-٥٨٨)زَكِيَّة﴾ . أيْ: صَغِيرَةً، ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ . قالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ . قالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ . أيْ: قَدْ عُذِرْتَ في شَأْنِي، ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾، فَهَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ، فَضَجِرَ مُوسى مِمّا يَراهُ يَصْنَعُ مِنَ التَّكَلُّفِ لِما لَيْسَ عَلَيْهِ صَبْرٌ، فَقالَ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ . أيْ: قَدِ اِسْتَطْعَمْناهم فَلَمْ يُطْعِمُونا، وضِفْناهم فَلَمْ يُضَيِّفُونا، ثُمَّ قَعَدْتَ تَعْمَلُ في غَيْرِ ضَيْعَةٍ؟ ولَوْ شِئْتَ لَأُعْطِيتَ عَلَيْهِ أجْرًا في عَمَلِكَ! قالَ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ - في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ) - وإنَّما عِبْتُها لِأرُدَّهُ عَنْها، فَسَلِمَتْ (p-٥٨٩)مِنهُ حِينَ رَأى العَيْبَ الَّذِي صَنَعْتُ بِها، ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ . أيْ: ما فَعَلْتُهُ عَنْ نَفْسِي، ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ . فَكانَ اِبْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: ما كانَ الكَنْزُ إلّا عِلْمًا» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском