As-SuyutiAl‑Baqarah · 2:102–103

As-Suyuti · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:102–103, continued

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ خُصَيْفٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ مُجاهِدٍ فَمَرَّ بِنا رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ لَهُ مُجاهِدٌ: حَدِّثْنا ما سَمِعْتَ مِن أبِيكَ. قالَ: حَدَّثَنِي أبِي أنَّ المَلائِكَةَ حِينَ جَعَلُوا يَنْظُرُونَ إلى أعْمالِ بَنِي آدَمَ وما يَرْكَبُونَ مِنَ المَعاصِي الخَبِيثَةِ، ولَيْسَ يَسْتُرُ النّاسَ مِنَ المَلائِكَةِ شَيْءٌ فَجَعَلَ بَعْضُهم يَقُولُ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا إلى بَنِي آدَمَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ كَذا وكَذا! ما أجْرَأهم عَلى اللَّهِ يَعِيبُونَهم بِذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهم: لَقَدْ سَمِعْتُ الَّذِي تَقُولُونَ في بَنِي آدَمَ، فاخْتارُوا مِنكم مَلَكَيْنِ أُهْبِطُهُما إلى الأرْضِ وأجْعَلْ فِيهِما شَهْوَةَ بَنِي آدَمَ، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ فَقالُوا: يا رَبِّ لَيْسَ فِينا مِثْلُهُما، فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ وجُعِلَتْ فِيهِما شَهْوَةُ بَنِي آدَمَ، ومُثِّلَتْ لَهُما الزُّهْرَةُ في صُورَةِ امْرَأةٍ، فَلَمّا نَظَرا إلَيْها لَمْ يَتَمالَكا أنَّ تَناوَلا مِنها ما اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ، وأخَذَتِ الشَّهْوَةُ بِأسْماعِهِما وأبْصارِهِما، فَلَمّا أرادا أنْ يَطِيرا إلى السَّماءِ لَمْ يَسْتَطِيعا، فَأتاهُما مَلَكٌ فَقالَ: إنَّكُما قَدْ فَعَلْتُما ما فَعَلْتُما، فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا أوْ عَذابَ الآخِرَةِ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ماذا تَرى؟ قالَ: أرى أنْ أُعَذَّبَ في الدُّنْيا، ثُمَّ أُعَذَّبَ، أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُعَذَّبَ ساعَةً واحِدَةً في الآخِرَةِ. فَهُما مُعَلَّقانِ مُنَكَّسانِ في السَّلاسِلِ وجُعِلا فِتْنَةً.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ أفْرَجَ السَّماءَ لِمَلائِكَتِهِ يَنْظُرُونَ إلى أعْمالِ بَنِي آدَمَ، فَلَمّا أبْصَرُوهم يَعْمَلُونَ بِالخَطايا قالُوا: يا رَبِّ هَؤُلاءِ بَنُو (p-٥٢٠)آدَمَ الَّذِي خَلَقْتَ بِيَدِكَ وأسْجَدْتَ لَهُ مَلائِكَتَكَ وعَلَّمْتَهُ أسْماءَ كُلِّ شَيْءٍ يَعْمَلُونَ بِالخَطايا، قالَ: أما إنَّكم لَوْ كُنْتُمْ مَكانَهم لَعَمِلْتُمْ مِثْلَ أعْمالِهِمْ، قالُوا: سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا فَأُمِرُوا أنْ يَخْتارُوا مَن يَهْبِطُ إلى الأرْضِ، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ وأُحِلَّ لَهُما ما فِيها مِن شَيْءٍ، غَيْرَ أنَّهُما لا يُشْرِكا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا يَسْرِقا، ولا يَزْنِيا، ولا يَشْرَبا الخَمْرَ، ولا يَقْتُلا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ. فَعَرَضَ لَهُما امْرَأةٌ قَدْ قُسِمَ لَها نِصْفُ الحُسْنِ، يُقالُ لَها بِيذَخْتْ فَلَمّا أبْصَراها أراداها قالَتْ: لا إلّا أنْ تُشْرِكا بِاللَّهِ وتَشْرَبا الخَمْرَ وتَقْتُلا النَّفْسَ، وتَسْجُدا لِهَذا الصَّنَمِ، فَقالا: ما كُنّا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ارْجِعْ إلَيْها. فَقالَتْ: لا إلّا أنَّ تَشْرَبا الخَمْرَ. فَشَرِبا حَتّى ثَمِلا، فَدَخَلَ عَلَيْهِما سائِلٌ فَقَتَلاهُ، فَلَمّا وقَعا فِيما وقَعا فِيهِ، أفْرَجَ اللَّهُ السَّماءَ لِمَلائِكَتِهِ فَقالُوا: سُبْحانَكَ، أنْتَ أعْلَمُ، فَأوْحى اللَّهُ إلى سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ أنْ يُخَيِّرَهُما بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا فَكُبِّلا مِن أكْعُبِهِما إلى أعْناقِهِما بِمِثْلِ أعْناقِ البُخْتِ وجُعِلا بِبابِلَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”ذَمِّ الدُّنْيا“، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ (p-٥٢١)أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «احْذَرُوا الدُّنْيا فَإنَّها أسْحَرُ مِن هارُوتَ ومارُوتَ» .

وأخْرَجَ الخَطِيبُ في ”رُواةِ مالِكٍ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قالَ أخِي عِيسى: مُعاشِرَ الحَوارِيِّينَ احْذَرُوا الدُّنْيا، لا تَسْحَرْكُمْ، هي واللَّهِ أشَدُّ سِحْرًا مِن هارُوتَ ومارُوتَ، واعْلَمُوا أنَّ الدُّنْيا مُدْبِرَةٌ والآخِرَةَ مُقْبِلَةٌ، وأنَّ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما بَنِينَ، فَكُونُوا مِن أبْناءِ الآخِرَةِ دُونَ بَنِي الدُّنْيا فَإنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ ولا حِسابَ، وغَدًا الحِسابُ ولا عَمَلَ» .

وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ المازِنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اتَّقُوا الدُّنْيا فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَأسْحَرُ مِن هارُوتَ ومارُوتَ» .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: لَمّا وقَعَ النّاسُ مِن بَعْدِ آدَمَ فِيما وقَعُوا فِيهِ مِنَ المَعاصِي والكُفْرِ بِاللَّهِ، قالَتِ المَلائِكَةُ في السَّماءِ: أيْ رَبِّ هَذا العالَمِ إنَّما خَلَقْتَهم لِعِبادَتِكَ وطاعَتِكَ، وقَدْ رَكِبُوا الكُفْرَ وقَتْلَ النَّفْسِ الحَرامِ وأكْلَ المالِ (p-٥٢٢)الحَرامِ، والسَّرِقَةَ، والزِّنا، وشُرْبَ الخَمْرِ، فَجَعَلُوا يَدْعُونَ عَلَيْهِمْ ولا يَعْذِرُونَهُمْ، فَقِيلَ لَهم: إنَّهم في غَيْبٍ. فَلَمْ يَعْذِرُوهُمْ، فَقِيلَ لَهُمُ: اخْتارُوا مِنكم مَلَكَيْنِ آمُرُهُما بِأمْرِي، وأنْهاهُما عَنْ مَعْصِيَتِي، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ، فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ، وجُعِلَ بِهِما شَهَواتُ بَنِي آدَمَ، وأُمِرا أنْ يَعْبُدا اللَّهَ ولا يُشْرِكا بِهِ شَيْئًا، ونُهِيا عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ الحَرامِ، وأكْلِ المالِ الحَرامِ، والسَّرِقَةِ، والزِّنا، وشُرْبِ الخَمْرِ، فَلَبِثا عَلى ذَلِكَ في الأرْضِ زَمانًا يَحْكُمانِ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ، وذَلِكَ في زَمانِ إدْرِيسَ، وفي ذَلِكَ الزَّمانِ امْرَأةٌ حُسْنُها في سائِرِ النّاسِ كَحُسْنِ الزُّهْرَةِ في سائِرِ الكَواكِبِ، وأنَّها أتَتْ عَلَيْهِما فَخَضَعا لَها بِالقَوْلِ، وأراداها عَلى نَفْسِها وأنَّها أبَتْ إلّا أنْ يَكُونا عَلى أمْرِها ودِينِها، وأنَّهُما سَألاها عَنْ دِينِها الَّذِي هي عَلَيْهِ، فَأخْرَجَتْ لَهُما صَنَمًا فَقالَتْ: هَذا أعْبُدُهُ، فَقالا: لا حاجَةَ لَنا في عِبادَةِ هَذا، فَذَهَبا فَصَبَرا ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أتَيا عَلَيْها فَخَضَعا لَها بِالقَوْلِ، وأراداها عَلى نَفْسِها، فَقالَتْ: لا إلّا أنْ تَكُونا عَلى ما أنا عَلَيْهِ، فَقالا: لا حاجَةَ لَنا في عِبادَةِ هَذا، فَلَمّا رَأتْ أنَّهُما قَدْ أبَيا أنْ يَعْبُدا الصَّنَمَ، قالَتْ لَهُما: اخْتارا إحْدى الخِلالِ الثَّلاثِ، إمّا أنْ تَعْبُدا الصَّنَمَ، أوْ تَقْتُلا النَّفْسَ، أوْ تَشْرَبا الخَمْرَ. فَقالا: كُلُّ هَذا لا يَنْبَغِي، وأهْوَنُ الثَّلاثَهِ (p-٥٢٣)شُرْبُ الخَمْرِ، فَسَقَتْهُما الخَمْرَ، حَتّى إذا أخَذَتِ الخَمْرُ فِيهِما وقَعا بِها، فَمَرَّ بِهِما إنْسانٌ وهُما في ذَلِكَ، فَخَشِيا أنْ يُفْشِيَ عَلَيْهِما فَقَتَلاهُ، فَلَمّا أنْ ذَهَبَ عَنْهُما السُّكْرُ، عَرَفا ما قَدْ وقَعا فِيهِ مِنَ الخَطِيئَةِ، وأرادا أنْ يَصْعَدا إلى السَّماءِ فَلَمْ يَسْتَطِيعا، وكُشِفَ الغِطاءُ فِيما بَيْنَهُما وبَيْنَ أهْلِ السَّماءِ، فَنَظَرَتِ المَلائِكَةُ إلى ما قَدْ وقَعا فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ وعَرَفُوا أنَّهُ مَن كانَ في غَيْبٍ فَهو أقَلُّ خَشْيَةً، فَجَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ، فَلَمّا وقَعا فِيما وقَعا فِيهِ مِنَ الخَطِيئَةِ قِيلَ لَهُما: اخْتارا عَذابَ الدُّنْيا أوْ عَذابَ الآخِرَةِ، فَقالا: أمّا عَذابُ الدُّنْيا فَيَنْقَطِعُ ويَذْهَبُ، وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَلا انْقِطاعَ لَهُ. فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا فَجُعِلا بِبابِلَ فَهُما يُعَذَّبانِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ هارُوتَ ومارُوتَ أُهْبِطا إلى الأرْضِ، فَإذا أتاهُما الآتِي يُرِيدُ السِّحْرَ نَهَياهُ أشَدَّ النَّهْيِ وقالا لَهُ: ( ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ )، وذَلِكَ أنَّهُما عَلِما الخَيْرَ والشَّرَّ والكُفْرَ والإيمانَ فَعَرَفا أنَّ السِّحْرَ مِنَ الكُفْرِ، فَإذا أبى عَلَيْهِما أمَراهُ أنْ يَأْتِيَ مَكانَ كَذا وكَذا، فَإذا أتاهُ عايَنَ الشَّيْطانَ فَعَلَّمَهُ، فَإذا تَعَلَّمَهُ خَرَجَ مِنهُ النُّورُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ساطِعًا في (p-٥٢٤)السَّماءِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ امْرَأةٌ مِن أهْلِ دُومَةِ الجَنْدَلِ تَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ حَداثَةَ ذَلِكَ، تَسْألُهُ عَنْ شَيْءٍ دَخَلَتْ فِيهِ مِن أمْرِ السِّحْرِ ولَمْ تَعْمَلْ بِهِ، قالَتْ: كانَ لِي زَوْجٌ فَغابَ عَنِّي، فَدَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزٌ، فَشَكَوْتُ إلَيْها فَقالَتْ: إنْ فَعَلْتِ ما آمُرُكِ، فَأجْعَلُهُ يَأْتِيكِ، فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ جاءَتْنِي بِكَلْبَيْنِ أسْوَدَيْنِ، فَرَكِبَتْ أحَدَهُما ورَكِبْتُ الآخَرَ فَلَمْ يَكُنْ كَشَيْءٍ حَتّى وقَفْنا بِبابِلَ، فَإذا أنا بَرْجَلَيْنِ مُعَلَّقَيْنِ بِأرْجُلِهِما، فَقالا: ما جاءَ بِكِ؟ فَقُلْتُ: أتَعَلَّمُ السِّحْرَ، فَقالا: إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرِي وارْجِعِي، فَأبَيْتُ وقُلْتُ: لا، قالا: فاذْهَبِي إلى ذَلِكَ التَّنُّورِ فَبُولِي فِيهِ. فَذَهَبْتُ فَفَزِعْتُ ولَمْ أفْعَلْ، فَرَجَعْتُ إلَيْهِما، فَقالا: فَعَلْتِ ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقالا: هَلْ رَأيْتِ شَيْئًا ؟ قُلْتُ: لَمْ أرَ شَيْئًا، فَقالا: لَمْ تَفْعَلِي، ارْجِعِي إلى بَلَدِكِ ولا تَكْفُرِي، فَأبَيْتُ، فَقالا: اذْهَبِي إلى ذَلِكَ التَّنُّورِ فَبُولِي فِيهِ، ثُمَّ ائْتِي فَذَهَبْتُ فاقْشَعَرَّ (p-٥٢٥)جِلْدِي وخِفْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ إلَيْهِما فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، فَقالا: ما رَأيْتِ؟ فَقُلْتُ: لَمْ أرَ شَيْئًا، فَقالا: كَذَبْتِ لَمْ تَفْعَلِي، ارْجِعِي إلى بِلادِكِ ولا تَكْفُرِي، فَإنَّكِ عَلى رَأْسِ أمْرِكِ. فَأبَيْتُ، فَقالا: اذْهَبِي إلى ذَلِكَ التَّنُّورِ فَبُولِي فِيهِ. وذَهَبْتُ فَبُلْتُ فِيهِ، فَرَأيْتُ فارِسًا مُقَنَّعًا بِحَدِيدٍ خَرَجَ مِنِّي حَتّى ذَهَبَ في السَّماءِ، وغابَ عَنِّي حَتّى ما أراهُ، وجِئْتُهُما فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ. فَقالا: فَما رَأيْتِ؟ فَقُلْتُ: رَأيْتُ فارِسًا مُقَنَّعًا خَرَجَ مِنِّي، فَذَهَبَ في السَّماءِ حَتّى ما أراهُ، قالا: صَدَقْتِ، ذاكَ إيمانُكِ خَرَجَ مِنكِ، اذْهَبِي، فَقُلْتُ لِلْمَرْأةِ: واللَّهِ ما أعْلَمُ شَيْئًا وما قالا لِي شَيْئًا، فَقالَتْ: بَلى لَمْ تُرِيدِي شَيْئًا إلّا كانَ، خُذِي هَذا القَمْحَ فابْذُرِي. فَبَذَرْتُ وقُلْتُ: أطْلِعِي فَأطْلَعْتُ، قُلْتُ أحْقِلِي، فَأحْقَلَتْ، ثُمَّ قُلْتُ: أفْرِكِي، فَأفْرَكَتْ ثُمَّ قُلْتُ: أيْبِسِي، فَأيْبَسَتْ، ثُمَّ قُلْتُ: اطْحَنِي، فَأطْحَنَتْ، ثُمَّ قُلْتُ اخْبِزِي فَأخْبَزَتْ، فَلَمّا رَأيْتُ أنِّي لا أُرِيدُ شَيْئًا إلّا كانَ، سَقَطَ في يَدِي ونَدِمْتُ، واللَّهِ يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ ما فَعَلْتُ شَيْئًا ولا أفْعَلُهُ أبَدًا. فَسَألَتْ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم يَوْمَئِذٍ مُتَوافِرُونَ، فَما دَرَوْا ما يَقُولُونَ لَها، وكُلُّهم خافَ أنْ يُفْتِيَها بِما لا يَعْلَمُهُ، إلّا أنَّهُ قَدْ قالَ لَها ابْنُ عَبّاسٍ أوْ بَعْضُ مَن كانَ عِنْدَهُ لَوْ كانَ أبَواكِ حَيَّيْنِ أوْ أحَدُهُما لَكانا يَكْفِيانِكِ.

(p-٥٢٦)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ الأوْزاعِيِّ عَنْ هارُونَ بْنِ رِئابٍ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وعِنْدَهُ رَجُلٌ قَدْ ثُنِيَتْ لَهُ وِسادَةٌ وهو مُتَّكِئٌ عَلَيْها، فَقالُوا: هَذا قَدْ لَقِيَ هارُوتَ ومارُوتَ، فَقُلْتُ: هَذا ؟! قالُوا: نَعَمْ، فَقُلْتُ حَدِّثْنا يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَأنْشَأ يُحَدِّثُنا فَلَمْ يَتَمالَكْ مِنَ الدُّمُوعِ، فَقالَ: كُنْتُ غُلامًا حَدَثًا ولَمْ أُدْرِكْ أبِي، وكانَتْ أُمِّي تُعْطِينِي مِنَ المالِ حاجَتِي، فَأُنْفِقُهُ وأُفْسِدُهُ وأُبَذِّرُهُ، ولا تَسْألُنِي أُمِّي عَنْهُ، فَلَمّا طالَ ذَلِكَ وكَبِرْتُ أحْبَبْتُ أنْ أعْلَمَ مِن أيْنَ لِأُمِّي هَذِهِ الأمْوالُ، فَقُلْتُ لَها يَوْمًا: مِن أيْنَ لَكِ هَذِهِ الأمْوالُ؟ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ، كُلْ وتَنَعَّمْ ولا تَسْألْ عَنْهُ، فَهو خَيْرٌ لَكَ. فَلَمْ أزَلْ أسْألُها وأُلِحُّ عَلَيْها، فَأدْخَلَتْنِي بَيْتًا فِيهِ أمْوالٌ كَثِيرَةٌ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ هَذا كُلُّهُ لَكَ، فَكُلْ وتَنَعَّمْ ولا تَسْألُ عَنْهُ، فَقُلْتُ: لا بُدَّ أنْ أعْلَمَ مِن أيْنَ هَذا، قالَ: فَقالَتْ: يا بُنَيَّ كُلْ وتَنَعَّمْ ولا تَسْألْ فَهو خَيْرٌ لَكَ، قالَ: فَألْحَحْتُ عَلَيْها، فَقالَتْ: إنَّ أباكَ كانَ ساحِرًا، وجَمَعَ هَذِهِ الأمْوالَ مِنَ السِّحْرِ، قالَ: فَأكَلْتُ ما أكَلْتُ (p-٥٢٧)ومَضى ما مَضى ثُمَّ تَفَكَّرْتُ فَقُلْتُ: يُوشِكُ أنْ يَذْهَبَ هَذا المالُ ويَفْنى، فَيَنْبَغِي أنْ أتَعَلَّمَ السِّحْرَ، فَأجْمَعَ كَما جَمَعَ أبِي، فَقُلْتُ لِأُمِّي: مَن كانَ خاصَّةَ أبِي وصَدِيقَهُ مِن أهْلِ الأرْضِ؟ قالَتْ: فُلانٌ. لِرَجُلٍ في كُورَةٍ أُخْرى، فَتَجَهَّزْتُ فَأتَيْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: فُلانُ بْنُ فُلانٍ صَدِيقِكَ، قالَ: نَعَمْ، مَرْحَبًا، ما جاءَ بِكَ، فَقَدْ تَرَكَ أبُوكَ مِنَ المالِ ما لا تَحْتاجُ إلى أحَدٍ؟ قالَ: فَقُلْتُ: جِئْتُ لِأتَعَلَّمَ السِّحْرَ، قالَ: يا بُنَيَّ لا تُرِيدُهُ، لا خَيْرَ فِيهِ، قُلْتُ: لا بُدَّ مِن أنْ أتَعَلَّمَهُ، قالَ: فَناشَدَنِي وألَحَّ عَلَيَّ ألّا تُرِيدَهُ، فَقُلْتُ: لا بُدَّ مِن أنْ أتَعَلَّمَهُ. قالَ: أمّا إذا أبَيْتَ فاذْهَبْ، فَإذا كانَ يَوْمُ كَذا وكَذا فَوافِنِي هَهُنا، قالَ: فَفَعَلْتُ فَوافَيْتُهُ. قالَ: فَأخَذَ يُناشِدُنِي اللَّهَ ويَنْهانِي ويَقُولُ: لا تُرِيدُ السِّحْرَ، لا خَيْرَ فِيهِ، فَأبَيْتُ عَلَيْهِ، فَلَمّا رَآنِي قَدْ أبَيْتُ قالَ: فَإنِّي أُدْخِلُكَ مَوْضِعًا، فَإيّاكَ أنْ تَذْكُرَ اللَّهَ فِيهِ، قالَ: (p-٥٢٨)فَأدْخَلَنِي في سِرْبٍ تَحْتَ الأرْضِ، قالَ: فَجَعَلْتُ أدْخُلُ ثَلاثَمِائَةٍ وكَذا مَرْقاةً، ولا أُنْكِرُ مِن ضَوْءِ النَّهارِ شَيْئًا. قالَ: فَلَمّا بَلَغْتُ أسْفَلَهُ إذا أنا بِهارُوتَ ومارُوتَ مُعَلَّقانِ بِالسَّلاسِلِ في الهُوِيِّ. قالَ: فَإذا أعْيُنُهُما كالتِّرَسَةِ ورُءُوسُهُما- ذَكَرَ شَيْئًا لا أحْفَظُهُ- ولَهُما أجْنِحَةٌ، فَلَمّا نَظَرْتُ إلَيْهِما قُلْتُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قالَ: فَضَرَبا بِأجْنِحَتِهِما ضَرْبًا شَدِيدًا، وصاحا صِياحًا شَدِيدًا ساعَةً ثُمَّ سَكَتا، ثُمَّ قُلْتُ أيْضًا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَفَعَلا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قُلْتُ الثّالِثَةَ: فَفَعَلا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَكَتا وسَكَتُّ، فَنَظَرا إلَيَّ فَقالا لِي: آدَمِيٌّ ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: قُلْتُ: ما بالُكُما حِينَ ذَكَرْتُ اللَّهَ فَعَلْتُما ما فَعَلْتُما ؟ قالا: لِأنَّ ذَلِكَ اسْمٌ لَمْ نَسْمَعْهُ مِن حِينِ خَرَجْنا مِن تَحْتِ العَرْشِ.

قالا: مِن أُمَّةِ مَن؟ قُلْتُ: مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . قالا: أوَقَدْ بُعِثَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالا: اجْتَمَعَ النّاسُ عَلى رَجُلٍ واحِدٍ أوْ هم مُخْتَلِفُونَ؟ قُلْتُ: قَدِ اجْتَمَعُوا عَلى (p-٥٢٩)رَجُلٍ واحِدٍ، قالَ: فَساءَهُما ذَلِكَ، فَقالا: كَيْفَ ذاتُ بَيْنِهِمْ؟ قُلْتُ: سَيِّئٌ، فَسَرَّهُما ذَلِكَ، فَقالا: هَلْ بَلَغَ البُنْيانُ بُحَيْرَةَ الطَّبَرِيَّةِ؟ قُلْتُ: لا، فَساءَهُما ذَلِكَ، فَسَكَتا، فَقُلْتُ لَهُما: ما بالُكُما حِينَ أخْبَرْتُكُما بِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى رَجُلٍ واحِدٍ ساءَكُما ذَلِكَ؟ فَقالا: إنَّ السّاعَةَ لَمْ تَقْرُبْ ما دامَ النّاسُ عَلى رَجُلٍ واحِدٍ. قُلْتُ: فَما بالُكُما سَرَّكُما حِينَ أخْبَرْتُكُما بِفَسادِ ذاتِ البَيْنِ؟ قالا: لِأنّا رَجَوْنا اقْتِرابَ السّاعَةِ. قالَ: قُلْتُ: فَما بالُكُما ساءَكُما حِينَ ذَكَرْتُ أنَّ البُنْيانَ لَمْ يَبْلُغْ بُحَيْرَةَ الطَّبَرِيَّةِ قالا: لِأنَّ السّاعَةَ لا تَقُومُ أبَدًا حَتّى يَبْلُغَ البُنْيانُ بُحَيْرَةَ الطَّبَرِيَّةِ، قالَ: قُلْتُ لَهُما: أوْصِيانِي، قالا: إنْ قَدَرْتَ ألّا تَنامَ فافْعَلْ، فَإنَّ الأمْرَ جِدٌّ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: وأمّا شَأْنُ هارُوتَ ومارُوتَ فَإنَّ المَلائِكَةَ عَجِبَتْ مِن ظُلْمِ بَنِي آدَمَ وقَدْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ والكُتُبُ والبَيِّناتُ، فَقالَ لَهم رَبُّهُمُ: اخْتارُوا مِنكم مَلَكَيْنِ أُنْزِلُهُما يَحْكُمانِ في الأرْضِ بَيْنَ بَنِي آدَمَ. فاخْتارُوا- فَلَمْ يَأْلُوا- هارُوتَ ومارُوتَ، فَقالَ لَهُما حِينَ أنْزَلَهُما: أعَجِبْتُما مِن بَنِي آدَمَ ومِن ظُلْمِهِمْ ومَعْصِيَتِهِمْ؟ وإنَّما تَأْتِيهِمُ الرُّسُلُ والكُتُبُ مِن وراءَ وراءَ، وأنْتُما لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَكُما رَسُولٌ، فافْعَلا كَذا وكَذا، (p-٥٣٠)ودَعا كَذا وكَذا. فَأمَرَهُما بِأمْرٍ ونَهاهُما، ثُمَّ نَزَلا عَلى ذَلِكَ لَيْسَ أحَدٌ أطْوَعَ لِلَّهِ مِنهُما، فَحَكَما فَعَدَلا، فَكانا يَحْكُمانِ النَّهارَ بَيْنَ بَنِي آدَمَ، فَإذا أمْسَيا عَرَجا، وكانا مَعَ المَلائِكَةِ، ويَنْزِلانِ حِينَ يُصْبِحانِ فَيَحْكُمانِ فَيَعْدِلانِ، حَتّى أُنْزِلَتْ عَلَيْهِما الزُّهْرَةُ في أحْسَنِ صُورَةِ امْرَأةٍ تُخاصِمُ فَقَضَيا عَلَيْها، فَلَمّا قامَتْ وجَدَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في نَفْسِهِ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: وجَدْتَ مِثْلَ ما وجَدْتُ؟ قالَ: نَعَمْ، فَبَعَثا إلَيْها أنِ ائْتِينا نَقْضِ لَكِ. فَلَمّا رَجَعَتْ، قالا لَها – وقَضَيا لَها-: ائْتِينا. فَأتَتْهُما، فَكَشَفا لَها عَنْ عَوْرَتِهِما، وإنَّما كانَتْ شَهْوَتُهُما في أنْفُسِهِما، ولَمْ يَكُونا كَبَنِي آدَمَ في شَهْوَةِ النِّساءِ ولَذَّتِها، فَلَمّا بَلَغا ذَلِكَ واسْتَحَلّاهُ وافْتَتَنا، طارَتِ الزُّهْرَةُ فَرَجَعَتْ حَيْثُ كانَتْ، فَلَمّا أمْسَيا عَرَجا فَزُجِرا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُما، ولَمْ تَحْمِلْهُما أجْنِحَتُهُما، فاسْتَغاثا بِرَجُلٍ مِن بَنِي آدَمَ، فَأتَياهُ فَقالا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ، فَقالَ: كَيْفَ يَشْفَعُ أهْلُ الأرْضِ لِأهْلِ السَّماءِ؟ قالا: سَمِعْنا رَبَّكَ يَذْكُرُكَ بِخَيْرٍ في السَّماءِ، فَوَعَدَهُما يَوْمًا وعْدًا يَدْعُو لَهُما، (p-٥٣١)فَدَعا لَهُما فاسْتُجِيبَ لَهُ، فَخُيِّرا بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، فَنَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَقالا: نَعْلَمُ أنَّ أفْواجَ عَذابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ كَذا وكَذا في الخُلْدِ، نَعَمْ، ومَعَ الدُّنْيا سَبْعَ مَرّاتٍ مِثْلَها. فَأُمِرا أنْ يَنْزِلا بِبابِلَ، فَثَمَّ عَذابُهُما وزَعَمَ أنَّهُما مُعَلَّقانِ في الحَدِيدِ مَطْوِيّانِ، يَصْطَفِقانِ بِأجْنِحَتِهِما.

وأخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في ”المُوَفَّقِيّاتِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ المُسُوخِ فَقالَ: هم ثَلاثَةَ عَشَرَ، الفِيلُ والدُّبُّ والخِنْزِيرُ والقِرْدُ والجِرِّيثُ والضَّبُّ والوَطْواطُ والعَقْرَبُ والدُّعْمُوصُ والعَنْكَبُوتُ والأرْنَبُ وسُهَيْلٌ والزُّهْرَةُ. فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما سَبَبُ مَسْخِهِنَّ؟ قالَ: أمّا الفِيلُ فَكانَ رَجُلًا جَبّارًا (p-٥٣٢)لُوطِيًّا لا يَدَعُ رَطْبًا ولا يابِسًا، وأمّا الدُّبُّ فَكانَ مُؤَنَّثًا يَدْعُو الرِّجالَ إلى نَفْسِهِ، وأمّا الخِنْزِيرُ فَكانَ مِنَ النَّصارى الَّذِينَ سَألُوا المائِدَةَ، فَلَمّا نَزَلَتْ كَفَرُوا، وأمّا القِرْدُ فَيَهُودُ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ، وأمّا الجِرِّيثُ فَكانَ دَيُّوثًا يَدْعُو الرِّجالَ إلى حَلِيلَتِهِ، وأمّا الضَّبُّ فَكانَ أعْرابِيًّا يَسْرِقُ الحاجَّ بِمِحْجَنِهِ، وأمّا الوَطْواطُ فَكانَ رَجُلًا يَسْرِقُ الثِّمارَ مِن رُءُوسِ النَّخْلِ، وأمّا العَقْرَبُ فَكانَ لا يَسْلَمُ أحَدٌ مِن لِسانِهِ، وأمّا الدُّعْمُوصُ فَكانَ نَمّامًا يُفَرِّقُ بَيْنَ الأحِبَّةِ، وأمّا العَنْكَبُوتُ فامْرَأةٌ سَحَرَتْ زَوْجَها، وأمّا الأرْنَبُ فامْرَأةٌ كانَتْ لا تَطْهُرُ مِن حَيْضٍ، وأمّا سُهَيْلٌ فَكانَ عَشّارًا بِاليَمَنِ، وأمّا الزُّهْرَةُ فَكانَتْ بِنْتًا لِبَعْضِ مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَتَنَ بِها هارُوتُ ومارُوتُ» .

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ في حِينٍ غَيْرِ حِينِهِ الَّذِي كانَ يَأْتِيهِ فِيهِ، فَقامَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا جِبْرِيلُ، ما لِي أراكَ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ؟ فَقالَ: ما جِئْتُكَ حَتّى أمَرَ اللَّهُ بِمَفاتِيحِ النّارِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا جِبْرِيلُ صِفْ لِي النّارَ، وانَعْتْ لِي جَهَنَّمَ. فَقالَ جِبْرِيلُ: إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى أمَرَ بِجَهَنَّمَ فَأُوقِدَ عَلَيْها (p-٥٣٣)ألْفَ عامٍ حَتّى ابْيَضَّتْ ثُمَّ أمَرَ فَأُوقِدَ عَلَيْها ألْفَ عامٍ حَتّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أمَرَ فَأُوقِدَ عَلَيْها ألْفَ عامٍ حَتّى اسْوَدَّتْ، فَهي سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ، لا يُضِيءُ شَرَرُها، ولا يُطْفَأُ لَهَبُها، والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوْ أنَّ قَدْرَ ثُقْبِ إبْرَةٍ فُتِحَ مِن جَهَنَّمَ لَماتَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا مِن حَرِّهِ، والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوْ أنَّ ثَوْبًا مِن ثِيابِ الكُفّارِ عُلِّقَ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَماتَ مَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِن حَرِّهِ، والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوْ أنَّ خازِنًا مِن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ بَرَزَ إلى أهْلِ الدُّنْيا فَنَظَرُوا إلَيْهِ لَماتَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم مِن قُبْحِ وجْهِهِ، ومِن نَتْنِ رِيحِهِ، والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوْ أنَّ حَلْقَةً مِن حِلَقِ سِلْسِلَةِ أهْلِ النّارِ الَّتِي نَعَتِ اللَّهُ في كِتابِهِ وُضِعَتْ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لارْفَضَّتْ وما تَقارَّتْ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى الأرْضِ السُّفْلى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: حَسْبِي يا جِبْرِيلُ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى جِبْرِيلَ وهو يَبْكِي، فَقالَ: تَبْكِي يا جِبْرِيلُ وأنْتَ مِنَ اللَّهِ (p-٥٣٤)بِالمَكانِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ؟ فَقالَ: وما لِي لا أبْكِي؟ أنا أحَقُّ بِالبُكاءِ، لَعَلِّي أكُونُ في عِلْمِ اللَّهِ عَلى غَيْرِ الحالِ الَّتِي أنا عَلَيْها، وما أدْرِي لَعَلِّي أُبْتَلى بِما ابْتُلِيَ بِهِ إبْلِيسُ، فَقَدْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، وما أدْرِي لَعَلِّي أُبْتَلى بِما ابْتُلِيَ بِهِ هارُوتُ ومارُوتُ. فَبَكى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وبَكى جِبْرِيلُ، فَما زالا يَبْكِيانِ حَتّى نُودِيا أنْ: يا جِبْرِيلُ ويا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ قَدْ أمَّنَكُما أنْ تَعْصِياهُ» .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ .

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحُسَيْنِ وقَتادَةَ قالا: كانا يُعَلِّمانِ السِّحْرَ، فَأُخِذَ عَلَيْهِما ألّا يُعَلِّما أحَدٌ حَتّى يَقُولا: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ قالَ: بَلاءٌ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ .

أخْرَجَ البَزّارُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَن أتى كاهِنًا أوْ ساحِرًا فَصَدَّقَهُ بِما يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ.

(p-٥٣٥)وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ مِنّا مَن تَطَيَّرَ أوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أوْ تَكَهَّنَ أوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أوْ سَحَرَ أوْ سُحِرَ لَهُ، ومَن عَقَدَ عُقْدَةً ومَن أتى كاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِما يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ» .

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن تَعَلَّمَ شَيْئًا مِنَ السِّحْرِ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا كانَ آخِرَ عَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ» .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما﴾ الآيَةَ.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ قالَ: يُؤَخِّذُونَ أحَدَهُما عَنْ صاحِبِهِ، ويُبَغِّضُونَ أحَدَهُما إلى صاحِبِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سُفْيانَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ قالَ: بِقَضاءِ اللَّهِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا﴾ قالَ: لَقَدْ عَلِمَ أهْلُ الكِتابِ فِيما يَقْرَءُونَ مِن كِتابِ اللَّهِ، وفِيما عُهِدَ (p-٥٣٦)لَهم أنَّ السّاحِرَ لا خَلاقَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلى الماءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَراياهُ في النّاسِ فَأقْرَبُهم عِنْدَهُ مَنزِلَةً أعْظَمُهم عِنْدَهُ فِتْنَةً فَيَقُولُ: ما زِلْتُ بِفُلانٍ حَتّى تَرَكْتُهُ وهو يَقُولُ كَذا وكَذا، فَيَقُولُ إبْلِيسُ: لا واللَّهِ ما صَنَعْتَ شَيْئًا. ويَجِيءُ أحَدُهم فَيَقُولُ: ما تَرَكْتُهُ حَتّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أهْلِهِ. فَيُقَرِّبُهُ ويُدْنِيهِ ويَلْتَزِمُهُ ويَقُولُ: نِعْمَ أنْتَ» .

وأخْرَجَ أبُو الفَرَجِ الأصْبِهانِيُّ في ”الأغانِي“ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ لِذَرِيحٍ أبِي قَيْسٍ: أحَلَّ لَكَ أنْ فَرَّقْتَ بَيْنَ قَيْسٍ ولُبْنى؟ أما سَمِعْتَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ يَقُولُ: ما أُبالِي أفَرَّقْتُ بَيْنَ الرَّجُلِ وامْرَأتِهِ أوْ مَشَيْتُ إلَيْهِما بِالسَّيْفِ؟

وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي رُهْمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِن أفْضَلِ الشَّفاعَةِ أنْ يُشَفَّعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ في النِّكاحِ» .

(p-٥٣٧)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ قالَ: قِوامٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ قالَ: مِن نَصِيبٍ.

وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ قالَ: نَصِيبٍ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ أُمَيَّةَ بْنَ أبِي الصَّلْتِ وهو يَقُولُ:

؎يَدْعُونَ بِالوَيْلِ فِيها لا خَلاقَ لَهم إلّا سَرابِيلُ مِن قِطْرٍ وأغْلالُ

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ قالَ: مِن نَصِيبٍ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ قالَ: لَيْسَ لَهُ دِينٌ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا﴾ الآيَةَ.

(p-٥٣٨)أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا﴾ قالَ: باعُوا.

2:103Page 16

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٣

And if they had believed and feared Allāh, then the reward from Allāh would have been [far] better, if they only knew.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا﴾ الآيَةَ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ”لَوْ“ فَإنَّهُ لا يَكُونُ أبَدًا.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ قالَ: ثَوابٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском